‏إظهار الرسائل ذات التسميات ناصحون. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ناصحون. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 2 أغسطس 2026

الإسلام وتحرير الإنسان

الإسلام وتحرير الإنسان

 





هل تساءلت يومًا لماذا لا يخفض المسلمون أصواتهم بعقيدتهم، ولا يتدسسون بها بين الناس، بل يعلنونها جهارًا كإعلان تحرير لكل إنسان في كل بقعة من الأرض؟

وإذا كان الإسلام ليس مجرد عقيدة فردية، بل منهج حياة شامل يهدف إلى تحطيم مملكة البشر وإقامة مملكة الله في الأرض، فكيف يمكن لهذا الإعلان أن يتحقق على أرض الواقع؟



إن هذا الدين إعلان عام لتحرير «الإنسان» في «الأرض» من العبودية للعباد ـ ومن العبودية لهواه أيضاً وهي من العبودية للعباد ـ وذلك بإعلان ألوهية الله وحده ـ سبحانه ـ وربوبيته للعالمين.

إن إعلان ربوبية الله وحده للعالمين معناها: الثورة الشاملة على “حاكمية البشر” في كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها، والتمرد الكامل على كل وضع في أرجاء الأرض الحكم فيه للبشر بصورة من الصور.. أو بتعبير آخر مرادف: “الألوهية فيه للبشر في صورة من الصور”؛ ذلك أن الحكم الذي مرد الأمر فيه إلى البشر، ومصدر السلطات فيه هم البشر، هو تأليه للبشر، يجعل بعضهم لبعض أربابا من دون الله.

إن هذا الإعلان معناه انتزاع سلطان الله المغتصب ورده إلى الله، وطرد المغتصبين له الذين يحكمون الناس بشرائع من عند أنفسهم فيقومون منهم مقام الأرباب ويقوم الناس منهم مقام العبيد.

إن معناه تحطيم مملكة البشر لإقامة مملكة الله في الأرض. أو بالتعبير القرآني الكريم: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ﴾.. ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ.. ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ..﴾.. ﴿قُلْ: يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ: أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً، وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ. فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا: اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.

ومملكة الله في الأرض لا تقوم بأن يتولى الحاكمية في الأرض رجال بأعيانهم ـ هم “رجال الدين” كما كان الأمر في سلطان الكنيسة، ولا رجال ينطقون باسم الآلهة، كما كان الحال في ما يعرف باسم “الثيوقراطية” أو الحكم الإلهي المقدس!!! ـ ولكنها تقوم بأن تكون شريعة الله هي الحاكمة وأن يكون مرد الأمر إلى الله وفق ما قرره من شريعة مبينة.

مهمة جادة

وقيام مملكة الله في الأرض، وإزالة مملكة البشر. وانتزاع السلطان من أيدي مغتصبيه من العباد ورده إلى الله وحده. وسيادة الشريعة الإلهية وحدها وإلغاء القوانين البشرية.. كل أولئك لا يتم بمجرد التبليغ والبيان.

لأن المتسلطين على رقاب العباد، المغتصبين لسلطان الله في الأرض، لا يسلمون في سلطانهم بمجرد التبليغ والبيان. وإلا فما كان أيسر عمل الرسل في إقرار دين الله في الأرض! وهذا عكس ما عرفه تاريخ الرسل ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ وتاريخ هذا الدين على ممر الأجيال!.

إن هذا الإعلان العام لتحرير «الإنسان» في «الأرض» من كل سلطان غير سلطان الله، بإعلان ألوهية الله وحده وربوبيته للعالمين، لم يكن إعلانا نظريا فلسفيا سلبيا.. إنما كان إعلانا حركيا واقعيا إيجابيا.. إعلانا يراد له التحقيق العملي في صورة نظام يحكم البشر بشريعة الله ويخرجهم بالفعل من العبودية للعباد إلى العبودية لله وحده بلا شريك.. ومن ثم لم يكن بد من أن يتخذ شكل «الحركة» إلى جانب شكل «البيان» .. ذلك ليواجه «الواقع» البشري بكل جوانبه بوسائل مكافئة لكل جوانبه.

والواقع الإنساني، أمس واليوم وغدا، يواجه هذا الدين ـ بوصفه إعلاناً عاماً لتحرير «الإنسان» في «الأرض» من كل سلطان غير سلطان الله ـ بعقبات اعتقادية تصورية. وعقبات مادية واقعية؛ عقبات سياسية واجتماعية واقتصادية وعنصرية وطبقية، إلى جانب عقبات العقائد المنحرفة والتصورات الباطلة. وتختلط هذه بتلك وتتفاعل معها بصورة معقدة شديدة التعقيد.

وإذا كان «البيان» يواجه العقائد والتصورات، فإن «الحركة» تواجه العقبات المادية الأخرى؛ وفي مقدمتها السلطان السياسي القائم على العوامل الاعتقادية التصورية، والعنصرية والطبقية، والاجتماعية والاقتصادية المعقدة المتشابكة. وهما معا ـ البيان والحركة ـ يواجهان «الواقع البشري» بجملته، بوسائل مكافئة لكل مكوناته. وهما معا لا بد منهما لانطلاق حركة التحرير للإنسان في الأرض.. «الإنسان» كله في «الأرض» كلها.. وهذه نقطة هامة لا بد من تقريرها مرة أخرى!

إن هذا الدين ليس إعلانا لتحرير الإنسان العربي! وليس رسالة خاصة بالعرب! إن موضوعه هو «الإنسان»؛ نوع «الإنسان». ومجاله هو «الأرض»؛ كل الأرض.

إن الله ـ سبحانه ـ ليس ربا للعرب وحدهم ولا حتى لمن يعتنقون العقيدة الإسلامية وحدهم. إن الله هو «رب العالمين»، وهذا الدين يريد أن يرد «العالمين» إلى ربهم وأن ينتزعهم من العبودية لغيره. والعبودية الكبرى ـ في نظر الإسلام ـ هي خضوع البشر لأحكام يشرعها لهم ناس من البشر. وهذه هي «العبادة» التي يقرر أنها لا تكون إلا لله، وأن من يتوجه بها لغير الله يخرج من دين الله مهما ادعى أنه في هذا الدين.

حكم الاتباع في الشرائع

ولقد نص رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على أن «الاتباع» في الشريعة والحكم هو «العبادة» التي صار بها اليهود والنصارى «مشركين» مخالفين لما أُمروا به من «عبادة» الله وحده.

أخرج الترمذي ـ بإسناده ـ عن عدى بن حاتم، رضي الله عنه، أنه لما بلغته دعوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فرَّ إلى الشام. وكان قد تنصّر في الجاهلية. فأُسرت أخته وجماعة من قومه. ثم منّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على أخته وأعطاها. فرجعت إلى أخيها فرغّبته في الإسلام.

وفي القدوم على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فتحدث الناس بقدومه. فدخل على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وفي عنقه (أي عديّ) صليب من فضة وهو (أي النبي صلى الله عليه وسلم) يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.

قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم. فقال: «بلى! إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام. فاتبعوهم. فذلك عبادتهم إياهم».

وتفسير رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لقول الله سبحانه، نص قاطع على أن الاتباع في الشريعة والحكم هو العبادة التي تُخرج من الدين، وأنها هي اتخاذ بعض الناس أربابا لبعض.. الأمر الذي جاء هذا الدين ليلغيه، ويعلن تحرير «الإنسان»، في «الأرض» من العبودية لغير الله.

ومن ثم لم يكن بد للإسلام أن ينطلق في «الأرض» لإزالة «الواقع» المخالف لذلك الإعلان العام؛ بالبيان وبالحركة مجتمعين. وأن يوجّه الضربات للقوى السياسية التي تعبّد الناس لغير الله ـ أي تحكمهم بغير شريعة الله وسلطانه ـ والتي تَحُول بينهم وبين الاستماع إلى «البيان» واعتناق «العقيدة» بحرية لا يتعرض لها السلطان.

ثم لكي يقيم نظاما اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا يسمح لحركة التحرر بالانطلاق الفعلي ـ بعد إزالة القوة المسيطرة ـ سواء كانت سياسية بحتة، أو متلبسة بالعنصرية أو الطبقية داخل العنصر الواحد! إنه لم يكن من قصد الإسلام قط أن يُكره الناس على اعتناق عقيدته؛ ولكن الإسلام ليس مجرد «عقيدة».

الإسلام ليس عقيدة فحسب

إن الإسلام إعلان عام لتحرير الإنسان من العبودية للعباد. فهو يهدف ابتداء إلى إزالة الأنظمة والحكومات التي تقوم على أساس حاكمية البشر للبشر وعبودية الإنسان للإنسان، ثم يطلق الأفراد بعد ذلك أحرارا ـ بالفعل ـ في اختيار العقيدة التي يريدونها بمحض اختيارهم بعد رفع الضغط السياسي عنهم، وبعد البيان المنير لأرواحهم وعقولهم. ولكن هذه الحرية ليس معناها أن يجعلوا إلههم هواهم أو أن يختاروا بأنفسهم أن يكونوا عبيدا للعباد! وأن يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله!

إن النظام الذي يحكم البشر في الأرض يجب أن تكون قاعدته “العبودية لله وحده” وذلك بـ “تلقي الشرائع منه وحده”. ثم ليعتنق كل فرد ـ في ظل هذا النظام العام ـ ما يعتنقه من عقيدة!

وبهذا يكون «الدين» كله لله؛ أي تكون الدينونة والخضوع والاتباع والعبودية كلها لله. إن مدلول «الدين» أشمل من مدلول «العقيدة». إن الدين هو المنهج والنظام الذي يحكم الحياة وهو في الإسلام يعتمد على العقيدة؛ ولكنه في عمومه أشمل من العقيدة. وفي الإسلام يمكن أن تخضع جماعات متنوعة لمنهجه العام الذي يقوم على أساس العبودية لله وحده ولو لم يعتنق بعض هذه الجماعات عقيدة الإسلام.

والذي يدرك طبيعة هذا الدين ـ على النحو المتقدم ـ يدرك معها حتمية الانطلاق الحركي للإسلام في صورة الجهاد بالسيف ـ إلى جانب الجهاد بالبيان ـ ويدرك أن ذلك لم يكن حركة دفاعية بالمعنى الضيق الذي يفهم اليوم من اصطلاح «الحرب الدفاعية» ـ كما يريد المهزومون أمام ضغط الواقع الحاضر وأمام هجوم المستشرقين الماكر أن يصوّروا حركة الجهاد في الإسلام. إنما كان حركة اندفاع وانطلاق لتحرير «الإنسان» في «الأرض» بوسائل مكافئة لكل جوانب الواقع البشري وفي مراحل محددة لكل مرحلة منها وسائلها المتجددة.

وإذا لم يكن بد من أن نسمي حركة الإسلام الجهادية «حركة دفاعية»، فلا بد أن نغير مفهوم كلمة «دفاع»، ونعتبره «دفاعا عن الإنسان» ذاته، ضد جميع العوامل التي تقّيد حريته وتعوق تحرره. هذه العوامل التي تتمثل في “المعتقدات والتصورات” كما تتمثل في “الأنظمة السياسية”، القائمة على الحواجز الاقتصادية والطبقية والعنصرية، التي كانت سائدة في الأرض كلها يوم جاء الإسلام والتي ما تزال أشكال منها سائدة في الجاهلية الحاضرة في هذا الزمان! وبهذا التوسع في مفهوم كلمة «الدفاع» نستطيع أن نواجه حقيقة بواعث الانطلاق الإسلامي في «الأرض» بالجهاد ونواجه طبيعة الإسلام ذاتها، وهي أنه إعلان عام لتحرير الإنسان من العبودية للعباد، وتقرير ألوهية الله وحده وربوبيته للعالمين وتحطيم مملكة الهوى البشري في الأرض، وإقامة مملكة الشريعة الإلهية في عالم الإنسان.

خاتمة

إن الجهاد ضرورة للدعوة. إذا كانت أهدافها هي إعلان تحرير الإنسان إعلانا جادا يواجه الواقع الفعلي بوسائل مكافئة له في كل جوانبه ولا يكتفي بالبيان الفلسفي النظري السلبي! سواء كان الوطن الإسلامي ـ وبالتعبير الإسلامي الصحيح “دار الإسلام” ـ آمنا أم مهدَدا من جيرانه. فالإسلام حين يسعى إلى السِلم، لا يقصد تلك السِلم الرخيصة وهي مجرد أن يأمن على الرقعة الخاصة التي يعتنق أهلها العقيدة الإسلامية.

إنما هو يريد السِلم التي يكون الدين فيها كله لله. أي تكون عبودية الناس كلهم فيها لله والتي لا يتخذ فيها الناس بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله.


المصدر:في ظلال القرآن، دار الشروق، ١٩٨٢، الطبعة العاشرة، ص١٤٣٤-١٤٤١

اقرأ أيضا:

الاثنين، 6 يوليو 2026

مجالس القرآن منهج الغرباء – كيف تكون من الغرباء الذين أُوتوا دينهم غريباً؟

 مجالس القرآن منهج الغرباء – كيف تكون من الغرباء الذين أُوتوا دينهم غريباً؟

بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء”.. فمن هم هؤلاء الغرباء؟ وكيف تكون منهم؟ وما علاقة مجالس القرآن بهم؟ هذا المقال يكشف لك الطريق.




من هم الغرباء الذين بشرهم النبي ﷺ؟

في خضم انشغال الناس بالدنيا، وتهافتهم على زخرفها، وتنافسهم على حطامها، يظل هناك أناس لا تشغلهم الدنيا عن الآخرة. أناس يشعرون بالغربة بين قومهم، لأنهم يخالفون التيار، ويسيرون عكس الريح. يتبعون الحق حيثما كان، وينصرون الله ولو كانوا وحدهم.

هؤلاء هم “الغرباء” الذين بشر بهم النبي ﷺ عندما قال: “بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء” . سُئل: من هم الغرباء يا رسول الله؟ قال: “الذين يصلحون إذا فسد الناس” .

وفي رواية أخرى: “الذين يُصلحون ما أفسد الناس من سنتي” .

هؤلاء الغرباء ليسوا بالضرورة أناساً يعيشون في بلاد الغربة، بل هم غرباء في زمانهم ومكانهم ومجتمعهم. غرباء في أفكارهم وقيمهم وسلوكهم. غرباء لأنهم يعيشون في الواقع وفق ما يعتقده الناس مستحيلاً: يعيشون الإسلام كما أنزله الله، لا كما يريده الناس.

هذا هو جوهر الرسالة الثالثة من كتاب الشيخ فريد الأنصاري رحمه الله، التي عنونها “مجالس القرآن منهج الغرباء” . يبين لنا الشيخ أن طريق الغرباء إلى النجاة هو التمسك بـ”مجالس القرآن”، أي التلقي المباشر للقرآن، والانقياد له، والتربية على منهجه، بعيداً عن التأثيرات الفاسدة للبيئة المفسدة.

لماذا صار الإسلام غريباً؟

  • معنى الغربة في الدين

الغربة المقصودة في الحديث ليست غربة المكان، بل غربة المعنى والمنهج. الإسـلام غريب في أوساط الناس لأن أكثر الناس ابتعدوا عنه، وانشغلوا بغيره، وبدلوه وحرّفوه، واتخذوا من دين الله عادات وتقاليد، وتركوا جوهره وأخلاقه وتعاملاته وعباداته الصحيحة.

من هنا، المؤمن الحق أصبح كالشيء الغريب بين قومه. لا يفهمون تصرفاته، ولا يقبلون طريقته، وقد يسخرون منه، أو يقاطعونه، أو يؤذونه. هذا الشعور بالغربة قد يكون مؤلماً، لكنه أيضاً بشير بأنك على الطريق الصحيح.

يقول الشيخ فريد في هذه الرسالة: “الغرباء هم الذين يتمسكون بالقرآن منهجاً وحكماً وسلوكاً، ويرفضون أن يركبوا موجة الفساد التي تجتاح المجتمع” . إنهم يشبهون سفينة نوح التي ركبها المؤمنون، بينما غرق غيرهم.

أسباب غربة الإسلام اليوم

هناك أسباب كثيرة أدت إلى غربة الإسلام في أوساط المسلمين أنفسهم:

– غزو الأفكار الدخيلة: دخلت على المسلمين أفكار فلسفية وكلامية ومناهج فكرية لا تنسجم مع روح الإسلام والقرآن، فأفسدت عقولهم، وشوشت عليهم دينهم.

– الاهتمام بالقرآن حوله لا به: صار الناس يشتغلون بالقرآن حفظاً وتجويداً وتفسيراً، دون أن يتعرضوا له تعرض التلقي والتربية والانقياد.

– الانبهار بالحضارة الغربية: استضعف المسلمون أنفسهم أمام الحضارة الغربية، وتركوا دينهم واتبعوا عادات الآخرين وأفكارهم، حتى صار الدين غريباً بينهم.

– ضعف القدوة: غاب الأسوة الحسنة في الناس. فقد قل من يقتدى بهم في صلاحهم وتقواهم، وكثر من يقتدى بهم في فسادهم وانحرافهم.

من هم الغرباء؟ (مواصفاتهم)

المواصفات كما وردت في الحديث

النبي ﷺ وصف الغرباء بصفات عظيمة، في أحاديث متعددة:

  • المواصفة الأولى: يصلحون إذا فسد الناس

الغريب هو الذي يبقى صالحاً في وسط فاسد. كالنخلة في وسط سبخة، أو كالغصن الأخضر بين الأشجار اليابسة. لا يغريه الفساد المحيط به، ولا يجرفه التيار. بل قد يكون مصلحاً، يحاول إعادة الناس إلى الطريق القويم.

  • المواصفة الثانية: يُصلحون ما أفسد الناس من سنتي

أي يعيدون السنة النبوية إلى مكانتها، ويعملون بها، ويدعون إليها، وينقونها مما علق بها من بدع وخرافات. هم ورثة الأنبياء حقاً.

  • المواصفة الثالثة: قليلون

الغرباء قلة قليلة في كل زمان. قال ﷺ في بعض الروايات: “هم الثلة القليلة في الناس الكثيرة” . ليسوا بالعدد، بل هم كالملح في الطعام، أو كالنقطة البيضاء في الثوب الأسود.

  • المواصفة الرابعة: لا يهتم بهم الناس

الناس لا يعيرون الغرباء اهتماماً، لأنهم لا يشاركونهم في أهوائهم ولا في ضلالاتهم. وقد يتعرضون للأذى والاضطهاد بسبب خروجهم عن المألوف.

الغرباء عبر التاريخ

ليس الغرباء ظاهرة جديدة، بل هم موجودون في كل زمان ومكان. نماذجهم كثيرة:

نوح عليه السلام: ظل في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم، فما آمن معه إلا قليل. كان غريباً في قومه.

إبراهيم عليه السلام: خرج من قومه وآبائه وتركهم يعبدون الأصنام، وكان غريباً في دينه، بل وفي هجرته.

لقمان الحكيم: كان عبداً حبشياً، لكنه آتاه الله حكمة، وعاش غريباً بين قومه.

أصحاب الكهف: فتية آمنوا بربهم، فهربوا بدينهم إلى الكهف، وكانوا غرباء في زمانهم ومجتمعهم.

النبي ﷺ وأصحابه: عاشوا غرباء في مكة، ثم هاجروا إلى المدينة، ثم بقوا غرباء بين قبائل العرب حتى فتح الله عليهم.

هؤلاء كلهم غرباء، والله معهم، وناصرهم، ومكن لهم في الأرض.

مجالس القرآن منهج الغرباء

ما هي مجالس القرآن؟

“مجالس القرآن” هي التجمعات التي تُعقد لتلاوة القرآن وتدبره والتعلم منه والعمل به. لكنها ليست أي مجالس قرآنية. الشيخ فريد يضع ضوابط لهذه المجالس:

الضابط الأول: أن تكون مجالس تدبر وتعلُّم، لا مجرد تلاوة شكلية.

الضابط الثاني: أن تهدف إلى تغيير السلوك وتزكية النفس، لا إلى كثرة الختمات فقط.

الضابط الثالث: أن تكون منهج حياة، لا مجرد لقاءات أسبوعية تنتهي بانتهائها.

الضابط الرابع: أن تكون بعيدة عن حب الظهور والسمعة، قائمة على الإخلاص والتواضع.

يقول الشيخ: “مجالس القرآن هي حلقات التربية الربانية التي تنقل الإنسان من ظلمات الجهل والغفلة إلى نور العلم والهدى، وهي المصنع الذي يخرج الغرباء” . فهي المكان الذي يتحول فيه القرآن من نص مقروء إلى واقع معاش.

كيف تصنع مجالس القرآن الغرباء؟

أولاً: التلقي المباشر

الغرباء لا يأخذون دينهم عن طريق الوراثة أو التقليد الأعمى، بل يتلقونه مباشرة من القرآن والسنة، بفهم سلف الأمة. يستمعون إلى الآيات كأنها تنزل عليهم الآن، فيتفاعلون معها، ويتأثرون بها.

ثانياً: التزكية والتربية

الغرباء لا يكتفون بمعرفة الأحكام، بل يزكون أنفسهم، ويربونها على الأخلاق القرآنية. يتدربون على الصبر، والصدق، والتوكل، والإخلاص، والرحمة. مجالس القرآن عندهم هي مدرسة تخرجهم أحسن مما دخلوا.

ثالثاً: الانقياد والتسليم

الغرباء لا يناقشون أوامر الله ونواهيه بأهوائهم. بل يسلمون وينقادون. قالوا: سمعنا وأطعنا. لا يبحثون عن رخص ومخارج، بل يبحثون عن الأكمل والأفضل.

رابعاً: الجماعة والصحبة الصالحة

الغرباء وإن كانوا قلة، إلا أنهم يجتمعون على الخير، ويتحابون في الله، ويتبادلون النصح والدعم. هذه الصحبة هي التي تحميهم من الوحدة والضلال. كما قال ﷺ: “عليكم بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة” .

لماذا اختار الغرباء “مجالس القرآن” بالذات؟

  • القرآن هو الأصل

الغرباء عرفوا أن أصل الدين وأساسه هو القرآن. كل ما سواه من علوم وفنون، لا قيمة له إذا لم يخدم القرآن ويقوده إلى واقعيته وحقيقته. لذلك ركزوا على القرآن، لا على كتب الكلام والفلسفة التي أفسدت عقول السابقين.

  • القرآن هو المنهج التربوي

القرآن ليس دستوراً نظرياً فحسب، بل هو منهج متكامل لتربية النفس البشرية. فيه محطات تصعيدية تأخذ الإنسان من مرحلة إلى مرحلة، حتى يبلغ الكمال الذي يريده الله له. مجالس القرآن هي الوسيلة للدخول في هذا المنهج.

  • القرآن هو النجاة من الفتن

عندما تكثر الفتن، ويختلط الحابل بالنابل، لا نجاة إلا بالتمسك بالقرآن. فالقرآن هو الفرقان الذي يفرق بين الحق والباطل، والهدى الذي يبصرك بطريقك، والنور الذي يضيء لك في الظلمات.

  • القرآن هو الباقي

كل شيء زائل، إلا القرآن. الدنيا تفنى، والمجتمعات تنهار، والحضارات تندثر، لكن القرآن باقٍ. ومن تمسك به نجا، ومن أعرض عنه هلك.

يقول الشيخ فريد: “الغرباء هم الذين فهموا أن القرآن هو الحبل المتين الذي لا ينقطع، والصراط المستقيم الذي لا يعوج، فعلقوا به، وتمسكوا بآياته، وجعلوه إمامهم وقدوتهم” .

كيف تكون من الغرباء اليوم؟

خطوات عملية لتكون من الغرباء

إذا أردت أن تكون من الغرباء الذين بشرهم النبي ﷺ، فعليك بهذه الخطوات:

  1. ابدأ بتصحيح النية

اجعل نيتك خالصة لله في كل عمل تريد أن تقوم به من أجل أن تكون غريباً. لا ترد سمعة، ولا جاهاً، ولا مجداً. أريد وجه الله فقط.

  1. اجعل القرآن منهج حياتك

لا تكتفِ بقراءة القرآن في أوقات محددة، بل اجعله نصب عينيك في كل حين. عند أي مشكلة، ارجع إليه. عند أي قرار، استشر فيه. عند أي شك، استنر به.

  1. ابحث عن صحبة صالحة

ابحث عن أناس مثلهم، يريدون أن يكونوا من الغرباء. اجتمع معهم، وتدارسوا القرآن معاً، وتناصحوا، وتزاوروا. هذه الصحبة هي عونك على الطريق.

  1. تحمل الغربة

توقع أن تشعر بالغربة. توقع أن لا يفهمك الناس. توقع أن يسخروا منك. لا تجعل هذا يحبطك. تذكر أن طوبى (الجنة) للغرباء. كلما زادت الغربة، زاد الأجر.

  1. لا تستوحش من قلة السالكين

قد تجد أن طريق الغرباء طريق وعر، قليل من يسلكه. لا تضعف. فالقلة كانت دائماً سمة الغرباء. المهم أن تكون على الحق، ولو كنت وحدك.

  1. قم بأمر الله وإن خالف الناس

لا تخش في الله لومة لائم. قم بواجبك، وانصر الحق، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، وإن كان الناس كلهم ضدك. أنت مع الله، والله معك.

رسالة أمل

لا تيأس إذا شعرت أنك غريب. فلا زال في الأمة بقايا من الغرباء. ولا زالت مجالس القرآن تُعقد في خفاء. ولا زال أناس يصلحون إذا فسد الناس. أنت لست وحدك. الله معك. والنبي ﷺ يبشرك: “فطوبى للغرباء” .

طوبى للغرباء

من أراد أن يكون من الغرباء الصالحين، فعليه أن يعتصم بكتاب الله، وأن يتلقاه تلقياً مباشراً، وأن يجعله منهجاً لتربية نفسه وسلوكه، وأن يلتحق بمجالس القرآن التي ما زالت تقام في كل مكان، وإن خفيت على كثير من الناس.

الغربة مؤلمة، لكن ألمها مؤقت، وعاقبتها جنة عرضها السموات والأرض. فاصبر قليلاً، تكن من الفائزين.

ربنا اجعلنا من الغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس، واجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا.

المصدر

كتاب فضيلة الشيخ فريد الأنصاري – رحمه الله -:”هذه رسالات القرآن فمن يتلقاها”، الرسالة الثانية: مجالس القرآن منهج الغرباء، إعادة صياغة موسعة.

 اقرأ أيضا  

إنه وحي فتعرضوا له

طوبى للغرباء

الاثنين، 29 يونيو 2026

تفشي آفة الاستعجال بين المؤمنين

تفشي آفة الاستعجال بين المؤمنين

الشيخ د. سفر بن عبدالرحمن الحوالي


 إعداد خطة أو منهج، ثم الصبر عليه حتى يؤتي ثماره، دون استعجال، هذا الذي يجب أن نفكر فيه دائماً، وأن نسعى إليه دائماً، وألاَّ نتيح لأنفسنا ولعواطفنا مجالاً للاستعجال، وقطف الثمرة قبل أن تنضج، مهما كان الأمر، ومهما كانت رغبتنا في تحقيقها وفي قطفها، فهذه سنن ربانية، ولا بد أن تتحقق بالنسبة للفرد وبالنسبة للمجتمع، وكل العالم يدرك هذه السنن نوعاً من الإدراك.

الإنسان بطبيعته عجول

إن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قال: (خُلِقَ الْأِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ) [الأنبياء:٣٧]، وقال عز وجل: (وَكَانَ الْأِنْسَانُ عَجُولاً) [الإسراء:١١] فالإنسان بطبيعته عجول، والنفس الإنسانية بطبيعتها عجلة، وهذا أمر جعله الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فيها لحكمة عظيمة، لا نستطيع الآن أن نستعرضها، ولكن حكمة الله أن يكون في الإنسان هذا الطبع وهذه الصفة وهذه الغريزة.

ولو أن الناس لم يمنحهم الله تبارك وتعالى العقل والأناة، لأكلوا الثمار قبل أن تنضج، ولربما أكلوا الطعام قبل أن ينضج، إذ في الإنسان هذا الطبع، فإذا كان في طبع الإنسان باعتباره إنساناً أياً كان مؤمناً أو كافراً أن يستعجل، وخلق من عجل، فهذا يوضع في الاعتبار بالنسبة للإخوة الدعاة وبالنسبة للناس المدعوين.

أما بالنسبة للدعاة فيجب أن يحمل بعضنا بعضاً على المحمل الحسن، وإذا رأينا هذا الاستعجال من أنفسنا أو من إخواننا الدعاة، فلنعلم أن الطبيعة البشرية قد غلبت جانباً آخر، فلنذكِّر أنفسنا به، وهو “الحكمة والأناة”، حتى لا تغلبنا هذه النزعة وهذه العاطفة.

وبالنسبة للمدعوين نحتاج إلى أناة، إننا نريد أن نقول الكلمة اليوم فنرى أثرها عاجلاً الآن أو غداً، نريد أن نقول للناس: هذا حرام، فينتهي الجميع عنه، أو نقول لهم: هذا واجب، فسرعان ما نجدهم قد فعلوه، وامتثلوا أمر الله فيه.

معالجة القرآن الكريم لآفة الاستعجال

والأمر ليس كذلك أبداً، فلِكَوْنِ الاستعجال من طبيعة البشر، ذكر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في القرآن بياناً شافياً كافياً له حتى يغير به الأمور والأحوال.

ومن ذلك ما ذكره الله في آيٍ كثيرة أن الرسل الكرام عندما يدعون أقوامهم إلى الله وتوحيده يخوفونهم من عذاب الله، وينذرونهم عاقبة المعاصي، والظلم، والجور، والفساد، فإن الجواب عند كثير من الأمم هو استعجال العذاب (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) [الحج:٤٧].

انظر حلم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وسنن الله! يستعجلون أن تحل بهم العقوبة، ولهذا جاء الرد عليهم في آيٍ كثيرة، قال الله تبارك وتعالى: (أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ) [الشعراء:٢٠٤-٢٠٧].

سبحان الله! يستعجلون بالعذاب اليوم، لو فكروا كم سيعيشون، أرأيت إن أمهلهم الله وجعلهم يتقلبون في البلاد؟! أهذا يعني أنه لن يأخذهم أخذ عزيز مقتدر؟! سبحان الله! (أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ) [الشعراء:٢٠٥] هب أن الأمر كان كذلك (ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ) [الشعراء:٢٠٦-٢٠٧] هنا المحك، وهنا المعيار.

سل من تمتع وتقلب في أنواع الملذات العمر كله، لحظة أخذ الله له أخذ عزيز مقتدر، هل أغنى عنه ذلك المتاع شيئاً؟! (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ) [يونس:٥٠]، فإذا أتاه العذاب تذهب تلك النعمة، وتلك اللذات والشهوات، ولهذا في الحديث الصحيح: {أنه يؤتى يوم القيامة بأنعم أهل الأرض من أهل الدنيا، وهو من أهل النار، فيغمس في النار غمسة واحدة، فيقال له: هل رأيت نعيماً قط؟ هل ذقت نعيماً قط؟ فيقول: لا والله، ما ذقت نعيماً قط والعكس، يؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة، فيغمس في الجنة غمسة واحدة، يقال له: هل رأيت بؤساً قط؟ هل مرَّ بك شدة قط؟ فيقول: لا والله! ما ذقت بؤساً قط }.

إذاً العبرة بالنتائج، فلماذا نستعجل؟

فالمشركون يستعجلون العذاب في معرض التحدي للرسل، وأن الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم- غير صادقين فيما يعدون به من العذاب، والرسل الكرام يحذرونهم ويبينون لهم أن هذا الإمهال ليس إهمالاً، وأن التأخير ليس إغفالاً، ولكن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يمهلهم، ويملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلته؛ ولذلك يضرب المثل بالأمم التي سبقت من قبلنا تنعمت وعصت (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) [الفجر:٦-١٤]، فلم الاستعجال إذاً؟!

ألا ترون ما فعل الله بحضارة عاد؟! وهي من الحضارات المندثرة، التي يحكى عنها الغرائب، كما قال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه لما دخل مدينة دمشق ورأى ما فيها من النعمة والترف بالنسبة إلى ما كان يراه في المدينة ، “يا أهل دمشق ، ما لي أراكم تبنون ما لا تسكنون، وتجمعون ما لا تأكلون؟! إن الأمم قبلكم قد بنوا فشادوا، وجمعوا فأوعوا، وإنه قد بلغنا عن عاد أنهم بنوا لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، فمن منكم يشتري تركة آل عاد بدرهمين؟” لا أحد، لأنه لا وجود لها، فقد محيت، وذهب بها الله.

والحضارة الفرعونية إلى الآن، لم يصل العلم الحديث إلى كثير مما كانوا يتعاملون به مع التقنية واستخدام العلم، مثل تحنيط الموتى، ومثل تفريغ الهواء.

فإلى الآن يعجب العلم الحديث كيف وصلوا إلى ما وصلوا إليه، وهم الآن قد ذهبوا، وقد كانوا يستعجلون العذاب! كما أن الكفار في كل زمان ومكان يستعجلون العذاب، ويرون أنه تأخر.

لا بد من يوم يأخذهم الله تبارك وتعالى فيه إلا أن يؤمنوا بالله وحده

وإذا طال عليهم الأمد وقست قلوبهم ونسوا وعد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ووعيده، ركنوا إلى الدنيا وإلى الملذات والشهوات، وغفلوا عن كل ما جاء من عند الله (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ) [الأنعام:٤٤] تأتيهم الخيرات -وهذا الواقع الآن- الحضارة الغربية اليوم عندما نقول للناس: إن الغرب سيسقط، إن الغرب ليس بدائم؛ لأنه يعصي الله، ولأن عذاب الله تعالى الذي دمر الحضارات جميعاً سيدمره، يرى بعض المتفرنجين أو المتربين على آرائهم وأفكارهم، أن هذه الحضارة تملك مقومات الأبدية أو شبه الأبدية، نعم فيها مقومات لأن تستمر إلى ما شاء الله، لكن لا بد من يوم يأخذهم الله تبارك وتعالى فيه إلا أن يؤمنوا بالله وحده سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وهكذا كل حضارة وكل أمة.

فالكفار يستعجلون العذاب، وهو واقع بهم لا محالة، ويرون ما أعده الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى من العذاب بعيداً، سواءً عذاب الدنيا أم عذاب الآخرة، وهو أشد قال تعالى: (وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ) [القمر:٤٦]، وقال تعالى: (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً*وَنَرَاهُ قَرِيباً) [المعارج:٧-٨] هذا شأنهم وهذا حالهم.

استبطاء النصر آفة

وأما ما يتعلق بالمؤمنين فإن استعجالهم من نوع آخر، وهو استبطاء النصر من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، قال تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) [البقرة:٢١٤]، فهو قريب لكنهم يستعجلون.

{ولهذا جاءوا إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو متوسد في ظل الكعبة، فقالوا: يا رسول الله! ادع الله على قريش! وشكوا إليه ما وجدوا، فقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: والله ليتمن الله هذا الأمر حتى تسير الظعينة أو الراحلة من صنعاء إلى حضرموت ، ولكنكم قوم تستعجلون }، لا تستعجلوا، وقد أتم الله تعالى هذا الدين.

من كان يطمع من العرب أن يذكر كلمة كسرى؟!

{جاء سراقة بن مالك وقد منَّى نفسه بالمائة ناقة، وتبع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبعد أن حدثت الآية العظيمة، وساخت قوائم فرسه، يقول له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أبشر بسواري كسرى، يا سراقة أمن أجل الدنيا تأتي }.

فوعده رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بسواري كسرى، خيال!!! سواري كسرى! من يحلم أن يرى كسرى؟! من كان يطمع من العرب أن يذكر كلمة كسرى؟! وكسرى أين هو؟!

شيء فوق الخيال! وهذا الأعرابي يُوعَد به.

وممن يُوعَد به؟!!

يوعد به من رجل خرج خائفاً لينجو بنفسه صلوات الله وسلامه عليه، ومعه الصديق ، خرجوا خشية أن يقتلهم الذين كفروا أو يثبتوهم، سبحان الله!

في هذه الحالة! وهل أمنت على نفسك؟!

هذا هو المنطق البشري، منطق الذين يقولون دائماً: الأمر حسابات، واعتبارات وخطط.

أنت الآن تريدني أن أرجع، حتى لا أقبض عليك، وحتى لا أدل قريشاً عليك، وتعدني مع ذلك بسواري كسرى!

ولم يقل بعد جيل أو جيلين، انظروا إلى أين يؤدي ضعف الإيمان دائماً والاتكال على الأسباب المادية، وعلى النظرة المادية مهما كان عمق التخطيط، كما يظن، فلله تعالى حكم وسنن أعظم من ذلك كله، وفعلاً: لبس سراقة سواري كسرى. الله أكبر!

والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله

وعندما كان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحفر الخندق هو وأصحابه، بشرهم أيضاً بفتح كسرى، وإيوانه.

قال المنافقون: هذا محمد وأصحابه يعجز أحدهم أن يقضي حاجته، ويعدهم بقصور كسرى!

انظروا ضعف الإيمان، وضعف الثقة بالله، والنفاق!! ومع ذلك حقق الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ذلك، كما تعلمون -والحمد لله- وصدق فيهم قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبشارته: {إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله عز وجل }.

لا تستعجلوا..! الكنوز والحضارات التي تبنى، والمليارات التي يملكها الكفار، والذي نفسي بيده إن صدقنا مع الله لتنفقن في سبيل الله!

هذه التي جمعت من حرام، أو ربما جمعها الكفار من أموال المسلمين، لا نستعجل: “والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله عز وجل”، فيكون الأمر عكس ما أملوا، جمعوها ليقاوموا بها الدين والإسلام، فالله عز وجل يجعلها غنيمة للإسلام والمسلمين. يستعينون بها على الجهاد في سبيل الله.

لو خرج المسلمون يريدون أن يأكلوها أو يتمتعوا بها ما أُورثوها، ولذلك في هذا الحديث تنبيه للمؤمنين، { لتنفقن كنوزهما في سبيل الله } فإن قاتلنا فلله، وإن غضبنا فلله، وإن دعونا فلله، وإن رضينا فلله، الكل في سبيل الله، لو خرجوا يطلبون الغنائم، والمتاع الدنيوي ما أُعطوا شيئاً، أو لو كانوا عند أول غنيمة، اقتسموها واختصموا فيها، وما الذي وقع في بلاط الشهداء؟

استعجال المؤمنين لنصر الله مخالف لسنة الله

وأقول: استعجال المؤمنين أو استبطاؤهم لنصر الله هذا -أيضاً- مما يجب أن يبين بالأدلة وفقه الدعوة الصحيح أنه مخالف لسنة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وإن كان هو حق قال تعالى: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) [يوسف:١١٠]، نعم يأتي اليأس، ويأتي الشعور بأن الأمر قد فرغ، وأنه لا حيلة بعد ذلك، وربما وقع في القلوب أن النصر قد تأخر.. ولكن نقول: لا يجوز للإنسان أن يفقد أمله في الله، وأن يستبطئ نصر الله ووعد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

على الإخوة الدعاة -وفقنا الله وإياهم- أن يعالجوا هذا الأمر مع الأحداث النازلة هذه، وفي كل حدث وفي كل موقف، ومع كل إنسان يدعوه، وأن يعالجوا هذه الغريزة وهذه العاطفة بعدم الاستعجال في أي شيء في تكوينك الشخصي والعلمي وغيره.

لِـمَ الاستعجال، قبل أن ترى الحدث كله وأبعاده وما وراءه، قبل أن تلقى أو تسأل من هو أعرف منك، وأبصر منك بهذا الأمر؟! لا تستعجل في الحكم، ولا تتسرع.

الحلم والأناة خصلتان يحبهما الله

هناك خصلتان يحبهما الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كما ذكر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث أشج عبد القيس الحلم والأناة، فقال: {إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة }، الأناة: الروية، لا يندم الإنسان عليها أبداً، فإذا دعوت إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فكن حليماً ولا تستعجل.

رُبَّ مجرم ينقلب خيراً للدعوة -وهذا ما وقع والله- وينقلب سيفاً بتاراً على أعداء الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وعلى دعاة الشر والفساد، لكن بعد صبر من الدعاة عليه، حتى يفقه الحق، وحتى يستجيب له، وحتى يعرف أنه لم يُدع إلا إلى خير الدنيا والآخرة، فلا بد من الأناة.

الواجب على الجميع أن يتأملوا سنن الله في تغيير الأنفس والمجتمعات

لقد وعد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى المؤمنين بالنصر (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) [غافر:٥١] لكن الإنسان يقول: لماذا لم يأت النصر؟!! يريده الآن..!

فهذا الاستعجال آفة يبتلى بها الناس ولا ينبغي للدعاة بالذات، ولكل من يقرأ كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقع فيها، وإنما الواجب من الجميع أن يتأملوا سنن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في تغيير الأنفس وفي تغيير المجتمعات.

إننا نحن اليوم والأمة الإسلامية تواجه أعداءها من الشرق والغرب أنستعجل النصر، ونستعجل ما عند الله، وما وعد الله به المؤمنين، ونستعجل كيف نعمل وماذا نعمل؟! مع أن الواجب أن نأخذ الأمور بحكمة وبهدوء وبروية، ونقرأ التاريخ، فنأخذ منه العبرة والعظة، كيف غيَّر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الأحوال؟! عندما كانت حملات التتار، أو الحروب الصليبية، أو ما كان قبلها من المعارك أو ما بعدها، لقد جعل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سنناً للتغيير.

مما رأيته من سنن الله تعالى أن جيل الهزيمة لا ينتصر هو لكن ينبثق النصر منه.

فهو أول من يشعر بمرارة الهزيمة ومرارة الذل، وهذه من نعم الله.

فتأتي مصيبة، وتأتي نكبة، وتأتي مشكلة، فيبدأ الشعور بالتقصير، والشعور بوجوب الأخذ بما أمر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فتبدأ الانطلاقة من هنا، ولكي يكون النصر نهائياً يحتاج إلى أمد بعيد وإلى زمن طويل، لا نحدده ولا نقيده بسنوات معينة، لكن هو على أية حال يحتاج إلى صبر وإلى أناة.

توحيد الله هو أعظم القواعد التي يبنى عليها أي عمل

ومن هنا كان الواجب أنه في كل حدث، وفي كل مرحلة، وفي كل وقت، ألاَّ ننسى دائماً القواعد الأساسية التي عليها يبنى أي عمل مهما كان.

ومن أعظم القواعد في ذلك، أن توحيد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هو الأساس الذي يكون منه الانطلاق في الدعوة، والجهاد، وأن التوبة، والإنابة، والضراعة، والاستغفار، وترك الذنوب والمعاصي، والإقلاع عما حرم الله ومحاسبة النفس، كل هذا لا بد أن نستصحبه في كل حال.

إذا اراد الفرد في ذاته أن يطلب العلم، فالاستعجال بالتوحيد أول واجب.

إذا أراد أن يجاهد فالتوحيد أول واجب.

إذا أراد أن يدعو فالتوحيد أول واجب.

إذا أراد أي أمر من أمور دنياه فأول شيء لا بد أن يبدأ بالتوحيد، ثم بعده يأخذ بسنن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في التغيير، ولله تعالى سنن في ذلك.

الأخذ بسنن الله عز وجل في التغيير من القواعد الأساسية التي عليها يبنى أي عمل

فالجيل الأول جيل الهزيمة أو جيل السقوط لا يفعل شيئاً، ولهذا رأينا الهزيمة المدمرة التي مرت بالعالم الإسلامي، كما حدث عام (٦٧) الأيام الستة وما تسمى نكبة وهزيمة ونكسة، إلى آخر ما قيل، فابتداءً منها ولدت الصحوة الإسلامية والعودة إلى الله.

انهارت النظم القومية والاشتراكية، والدعاوى الباطلة، الوافدة المستوردة، وبدأ الناس يفيقون، ويفكرون بالعودة إلى الله.

ولننظر كم نحتاج؟ فإلى الآن لم نصل إلى حد أن نكون أهلاً للنصر؛ لأن المسألة تحتاج إلى طول وقت، ولذلك لما أُخذت القدس في الحروب الصليبية الأولى، وقبل أن يأخذوا القدس أخذوا مناطق أنطاكية ، وأجزاء الشام العليا.

ومرت سنوات حتى ظهر نور الدين ، ثم جاء بعد نور الدين ، صلاح الدين .

ثم كانت حطين في النهاية، ثم بعد حطين كان دخول بيت المقدس .

الرجوع إلى العلم أحدث تغيير أساسي في الأمة

إنها سنن وإعداد مادي، وإعداد علمي، وإعداد أدبي، فعند قدوم الصليبيين كانت هناك مدرسة واحدة في دمشق تعادل كلية كما نسميها اليوم، ودمشق عاصمة الشام ، ولم يكن فيها إلا مدرسة واحدة للعلم وللحديث.

فلما كانت أيام صلاح الدين ، كانت المدارس تقارب مائة مدرسة، فلماذا نغفل عن هذا الجانب؟!

ننظر دائماً أن صلاح الدين جمع الجيوش وانتصر، هذا حق وهذا جانب لا يمكن أن يغفل، لكن هل يمكن أن يكون هذا النصر وهذا الجيش لولا أن هناك أمراً آخر حدث في الأمة؟!

لقد حدث تغيير أساسي في الأمة، وهو رجوعها إلى العلم وإلى طلب العلم، وإلى الدعوة وإلى الخير.

وهؤلاء العلماء وهؤلاء الدعاة هم الذين حرَّكوا الأمة، فهم العصب الذي يحرك هذه الأمة ويجمعها، ويوحدها على الخير بإذن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وقد كان ابن قدامة رحمه الله صاحب المغني في ميمنة صلاح الدين .. فاجتمع العلماء على الكتاب والسنة، واجتمع حولهم طلبة العلم على ما اجتمعوا عليه من الحق، فاجتمعت القيادة المؤمنة، مع الدعاة الصادقين، مع طلبة العلم، فكان النصر بإذن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

من السنن الربانية: إعداد خطة أو منهج، ثم الصبر عليه حتى يؤتي ثماره، دون استعجال

وهذا الذي يجب أن نفكر فيه دائماً، وأن نسعى إليه دائماً، وألاَّ نتيح لأنفسنا ولعواطفنا مجالاً للاستعجال، وقطف الثمرة قبل أن تنضج، مهما كان الأمر، ومهما كانت رغبتنا في تحقيقها وفي قطفها، فهذه سنن ربانية، ولا بد أن تتحقق بالنسبة للفرد وبالنسبة للمجتمع، وكل العالم يدرك هذه السنن نوعاً من الإدراك.

فعندما بدأت اليابان تخطو خطواتها في ملاحقة الغرب، بدأت -وهي تدرك هذا الشيء- وصبرت على الابتعاث وعلى التبعية للغرب، حتى أصبحت منافساً له.

بدأت كوريا من نفس النقطة، وبدأت غيرها من الدول، وهي دول لا تؤمن بالله ولا باليوم الآخر، لكن أدركت السنن، وأنه لابد من إعداد خطة أو منهج، ثم الصبر عليه حتى يؤتي ثماره، دون استعجال تكون فيه النهاية، وتكون فيه الانتكاسة والبدء من جديد.

المصدر

محاضرة لفضيلة الشيخ د. سفر بن عبدالرحمن الحوالي بعنوان: ” آفة الإستعجال”.