الخميس، 2 فبراير 2017

أولتراس ثورتنا

أولتراس ثورتنا


 وائل قنديل
في ذكرى مرور عام على مذبحة ميدان التحرير، المعروفة باسم موقعة الجمل، جاءت المجزرة الأبشع ضد الجماهير في ملعب بورسعيد، التي أرادت من ورائها السلطة العسكرية الحاكمة أن تنهي عصر الجماهير، نهائياً.

ولذلك ليس غريباً أن تحشد السلطة كل قواها بالأمس لمنع الأولتراس من إحياء ذكرى الشهداء الأربعة والسبعين، بعد مرور خمس سنوات على الجريمة.
ليس مسموحا باستعادة زمن الجماهير مرة أخرى، ولذلك لا تندهش أنه، استباقاً للذكرى، وضعت السلطة نجم الجماهير، ومعشوق الأولتراس، محمد أبو تريكة على قائمة الإرهاب.

تحتفظ ذاكرة جماهير الكرة المصرية بمحمد أبو تريكة، متفرداً بالتمسك بأن الكرة للجماهير، وبالجماهير، وليست لعبة من أجل السلطة، لذلك كان النجم الخلوق هو الوحيد الذي يتذكر الشهداء، ويغرد في ذكراهم.

كانت مذبحة بورسعيد إعلاناً صريحاً من الحكم العسكري أنه باق في السلطة، ومتشبث بها، ولا يمانع في إغراق العشب الأخضر بدماء الذين يطالبونه بتسليم السلطة لأهلها. وكما دونت في ذلك الوقت، رفع العسكر شعار مبارك: نحن أو الفوضى وشلالات الدماء.
في ذكرى شهداء أولتراس ثورتنا، أستعيد ما سجلته وقتها:
قرأ الناس رسالة بورسعيد جيدا منذ اللحظة الأولى "دى مش كورة دى بولوتيكا" ودقق جيدا في التفسيرات العفوية البسيطة للجماهير التي تابعت الفاجعة، وراجع الهتافات التي انطلقت في محطة باب الحديد وأمام النادي الأهلي، وقارن بين كل ذلك وبين تحليلات السياسيين والنواب، فهل ترى في فطرة المصريين السليمة من تفاوت؟
 من أصغر مشجع يتمتع بحس إنساني سوي، إلى أكبر نائب في البرلمان، مرورا بالخبراء السياسيين، كان هناك إجماع على أن كارثة بورسعيد مدبرة ومخطط لها جيدا، في معسكرات الإعداد إياها، لمواجهة الضغوط المتزايدة من أجل تسليم السلطة وتحرير مصر من حكم الطوارئ.
وعلى طريقة "نحن أو الفوضى" أديرت معركة ملعب بورسعيد، لابتزاز المصريين بفزاعات الأمن مرة أخرى، ووضعهم أمام صورة شديدة السواد والرعب، إن هم أصروا على مطلب تحرير السياسة من العسكر، صونا للاثنين معا، غير أن كلفة هذه الصورة جاءت هذه المرة أفدح وأعلى بكثير من سابقاتها، 74 شهيدا سقطوا في دقائق على مرأى ومسمع من الملايين التي تسمّرت أمام شاشات التليفزيون، ومئات الجرحى، وآلاف المكلومين من أسر وأصدقاء شهداء الملعب في بورسعيد.

 إنها لم تكن مباراة في كرة القدم بين المصري والأهلي، بل كانت معركة سياسية دامية ضد الثورة، خطط لها ونفذها خصومها من المتظلمين من مطالبها وأصدقاؤهم من حثالات النظام السابق، في توقيت بالغ الدلالة، قبل يوم واحد من ذكرى موقعة الجمل، وهو اليوم الذي قايضنا فيه المخلوع "أنا أو الفوضى"، وإن هي إلا ساعات حتى كانت قطعان البلطجية تعمل آلة القتل والتنكيل، من فوق ظهور الجمال والخيول، في حشود الثوار بالميدان.

 ومن العبث أن يحاول أحد قراءة هذه المأساة على ضوء قاموس الشغب الرياضي، ومن العهر أن يلقي آخرون بمسؤوليتها على الثورة والثوار، كما فعل بعض خدم جمال وعلاء مبارك من لاعقي الأحذية، المحتفظين بأماكنهم في منظومة الإعلام الرياضي حتى الآن، بعد أن تلوّنوا وغيّروا جلودهم كالحرباوات والأفاعي نفاقا للثورة في أيامها الأولى، ثم انقلبوا نافثين سمومهم عليها، مع أول فرصة للعودة إلى وضاعتهم وانحطاطهم.

 لقد استنفد الذين التصقوا بمقاعد السلطة كل الألاعيب والحيل، وسيناريوهات الرعب والخراب والدم، من أجل ثني الثورة عن استكمال دورتها في إنتاج التغيير الشامل، وكلما بدت الثورة أقرب إلى تحقيق غاياتها النبيلة المشروعة، زادت شراستهم وخِسّتهم في توجيه الضربات.

ولا يمكن لعاقل أن يستوعب أن ماسورة الانفلات الأمني قد قررت أن تنفجر ذاتيا فجأة في هذا التوقيت بالذات، من حوادث السطو الكوميدية على البنوك، والتي يغلفها إخراج رديء وسيناريو ركيك، وصولا إلى موقعة بورسعيد، خصوصا أن كل هذا يجيء، بينما قصائد المديح في الحالة الأمنية التي جاء بها وزير الداخلية الجديد لم تتوقف.

أيها السادة: إن لم تكونوا متواطئين على هذه الثورة، فالمؤكد أنكم فاشلون وعاجزون عن إدارة وطن أذهل شعبه العالم بثورته، وفى الحالتين نسألكم الرحيل عائدين إلى أعمالكم الأصلية، لسنا فئران تجارب تختبرون فيها خبراتكم الفقيرة، ولسنا عقارا تتقاسمونه أنتم وشركاؤكم ممن زعموا أنهم رفقاء الثورة ذات يوم، ثم تحولوا إلى "عكاشيين" يدبّجون بيانات تردد أن تسليم السلطة يساوي الانفلات الأمني.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق