الاثنين، 27 فبراير 2017

تفاخر الشواذ ومؤتمر المرأة ! إلى كل من له دين يغار عليه : علّكم تتّقون ..


تفاخر الشواذ ومؤتمر المرأة !
إلى كل من له دين يغار عليه : علّكم تتّقون ..
أ. د. زينب عبد العزيز 
أستاذة الحضارة الفرنسية

لو ربطنا بين التواريخ وتتابع الأحداث في كل ما أحاط بمؤتمرات المرأة، لأدركنا أن هناك ثمة إصرار لا رجعة فيه على فرض أنماط بعينها، وأن هناك شباك يتم نسجها بكل جبروت ودأب بين مختلف مجالات الانحلال والدعارة والشذوذ وتشعباتها.. ففي الوقت الذي كان يتم فيه الإعداد لعقد مؤتمرات المرأة في منتصف التسعينيات، كانت تدور المحاولات لزيادة فرض أنماط الانحراف علناً على المجتمعات الغربية خاصة في أمريكا وأوروبا. وهو ما يمكن مطالعته بشيء من التفصيل فيما يلي، وإن كانت وسائل الإعلام هناك قد قامت بدورها الترحيبي كالمعتاد.. 
إلا أن المؤسف المحزن حقا هو أن نرى انعكاسات هذا الانفلات السافر/السافل ينعكس على مجتمعاتنا المسلمة وكأن الأمر لا يعنى أحدا.. فلم نكن نسمع مثلا، فيما مضى، عن إنشاء "حزب للإلحاد"، أو المطالبة ولو على استحياء بحقوق للشواذ بأنواعهم المتعددة، أو أن نراهم يتسللون إلى المجتمع المصري وغيره من المجتمعات المسلمة، من خلال الإعلام المأجور وبعض الروايات كأعشاب البحر، ويعقوبيان، وغيرها كثير، وخاصة تغوّل هذه الهجمة من خلال الأفلام والمسلسلات والمسرحيات التي ضج واشمئز منها المجتمع، لكن يبدو، بكل أسف، ألا حياة هناك لمن تنادي.. إذ يبدو أن من يفرضون هذا الانفلات أقوى وأعتى من أية حرمات أو صرخات.. بل أن يصل تحجر الوعي والضمير إلى درجة أن أحدهم راح يطالب منذ عدة أيام، في برنامجه التليفزيوني، بإلغاء شهادة الإسلام: "لا إله إلا الله" من الكتب المدرسية وغيرها "لأنها تدعو إلى الإرهاب" على حد قوله.. 
وتحتبس العبارات ألماً وقرفا من ذلك الذي يبيع ضميره لينضم لتلك الحفته المسعورة التي باتت تساهم جهلا أو عن عمد، أو.. ربما لعلها كثرة ووفرة ما يتكسّبونه من هبات وعطايا ممن يقودون هذه الحملة من متطرفي الكنائس المختلفة في مصر والعالم الإسلامي.. وكان الأكرم لتك الأفراد من الطرفين أن تتفكر مليا وهي تحاول المساس بالإسلام، بدلا من فتح أبواب الجحيم على مصراعيه..


لقد أصبحت المسيرات التى ينظمها الشواذ بنوعيهما، من أجل الحصول على مزيد من الحقوق الإجتماعية، من التقاليد المتبعة فى باريس منذ أربعة عشر عاماً. بينما ما زال ظهورهم فى الأقاليم الفرنسية يمثل علامات إتهام ملحوظة.
وقد تم الإحتفال هذا العام (1995) فى فرنسا بالحركة المسماة "مفخرة الشواذ"، فى خمس مدن كبرى، قامت بالإعداد لها مائة وخمس وعشرون منظمة من منظمات الشواذ وجمعياتهم ! وتفاوت حجم المظاهرات من بضعة مئات فى مرسيليا ونانت ورين ليصل عددهم إلى عشرين ألفاً فى باريس ! وذلك بخلاف مسيرات مدينتى تولوز و مونبلييه.
أما فى الولايات المتحدة فيرجع تاريخ هذا الإحتفال الماجن إلى عام 1969، حينما قامت إحدى دوريات البوليس بمداهمة حانة "ستونوول" فى حملة تفتيشية تقليدية، إلا أن الشواذ فى ذلك المساء قد رفضوا الإنصياع لهجمات البوليس وقاوموه بشدة ليتحول الأمر إلى ظاهرة وإعتصام إمتد لمدة ثلاثة أيام .. وكان ذلك بمثابة مولد الحركة المسماه "مفخرة الشواذ"، أى فخر مقاومتهم لقوى المجتمع "الرجعية" وإعلان فرض ظهور المنحرفين، من الأقبية والحنايا المستترة، لينبثقوا فى وضح النهار !
وسرعان ما إمتدت هذه الحركة كالنار وسط الهشيم، لتنتقل إلى مختلف العواصم الأوروبية فى برلين وبوستدام ومدريد وأيدنبورج ولندن وكوبنهاجن وستوكهولم، دون أن نقول شيئا عما إمتد أو يدور فى بوينس أيرس أو جوهانسبورج.
ولا تعنى هذه المظاهرات المخالفة لشرع الله عز وجل ولكافة نواميس القيم والأخلاق، مجرد جبروت هؤلاء الشواذ وصلفهم على تحدى المجتمع الذى يعيشون فيه، وإنما تعنى بكل أسف مولد جماعة فى قلب جماعة الأمة التى يعيشون فيها، جماعة أخطبوطية التركيب، يتشابك أفرادها وجماعاتها عبر العالم الغربى والبلدان الخاضعة له مباشرة بغية فرض مزيد من الإنحلال، أو هو فى الواقع بغية جعل كل ما هو شاذ ومخالف لسنن الله سبحانه وتعالى هو الذى يسود العالم.
بل لقد إمتد الفخر والفقدان لأية ضوابط إلى درجة سماحهم لبعض المراهقين من الشبان والفتيات الصغار بالإشتراك فى مسيرات مدينة نيويورك وهم يحملون لافتات مكتوب عليها :
"أطفال شواذ من أباء وأمهات شواذ" !
ومن المخزى للضمير الإنسانى أن نطالع ما ورد بمجلة "نوفيل أوبسيرفاتير" الفرنسية الصادرة فى 22 يونيو 1995، بالتفصيل الممل وعلى مدى تسع صفحات، ما وصل إليه هؤلاء المنحرفون من سلطان فى البلدان الأمريكية، بحيث أصبحوا يكونون مركز ضغط لا يستهان به، بعد أن أصبحت لهم جماعاتهم العلنية فى المدن الكبرى، بل وأصبحت لهم أحياء بأسرها مثلما فى مدينة سان فرانسيسكو.
وتعد واقعة حق الشواذ فى الإلتحاق بالجيش الأمريكى واقعة لها مغزاها .. فقد كان بيل كلينتون قد وعد الشواذ أثناء الحملة الإنتخابية التى تقدم فيها عام 1992 لمنصب رئاسة الولايات المتحدة، بأن يقبل إلتحاقهم بالجيش. إلا أنه لم يستطع مقاومة المجتمع الأمريكى الذى إعترض آنذاك على ذلك الوعد. مما إضطر الرئيس بيل كلينتون بعد ذلك إلى إتباع سياسة التواطؤ الصامت التى إشتهرت بعبارة "لا تقول ولا نسأل" ! أى أنه لا يجب على الشواذ أن يعلنوا عن هويتهم، ولا يجب على السلطات العسكرية أن تسأل أو تطرح أى سؤال عن الإنحراف ! الأمر الذى أدى إلى وجود الشواذ بالجيش الأمريكى، لكنه وجود مستتر.
وإذا ما كان وجود هذه الفئة ما زال مستترا فى الجيش الأمريكى، فقد بدأ بعض أعضاء الكونجرس هناك يعلنون عن هويتهم الشاذة، وكذلك بعض الأبطال الرياضيين.. وسرت العدوى بين مختلف القطاعات ليقوم بعض العاملين فى قطاعات البوليس ومجال التعليم والصحة وبعض المؤسسات الكبرى بالإعلان عن ميولهم الجنسية الشاذة.
وقد نشرت جريدة "لوموند" الفرنسية الصادرة فى 24 يونيو 1995 مقالاً عن مئات الآلاف من الشواذ الذين إشتركوا فى تلك المسيرة السنوية، ثم نشرت تعليقاً عن الرئيس بيل كبينتون "الذى إضطر إلى تغيير موقفه بعد أن حصل على التصويت اللواطى السحاقى عام 1992" ! وكان ذلك بمناسبة محاولته الأخيرة لعودة المياة إلى مجاريها بينه وبين الشواذ.
فقد قام بدعوة فريق منتخب من الشواذ مكون من ثلاثين فرداً لزيارة البيت الأبيض، وتضيف الصحيفة قائلة : "إلا أن غلطة لها مغزاها قد وقعت وألقت بظلالها على الموقف من جديد" .. إذ أن عند لحظة دخول ذلك الفريق من الشواذ المنتخب، ولا ندرى أو لم تفصح الجريدة عن نوعية أو معيار ذلك الإنتخاب أو التميز، قام أحد رجال الأمن بتفحصهم وهم يرتدون قفازات طبية من اللاتكس حماية لأنفسهم من الإيدز ! الأمر الذى أغضب الفريق وقام بتصعيد الموقف لدرجة إضطر معها الرئيس بيل كلينتون إلى توجيه خطاب إعتذار رسمى إلى ذلك الوفد المنتخب الإنحراف !!
إلا أن ذلك لا يعنى أن الأمر قد استتب للشواذ نهائيا. فما زالت هناك بلدان، كما توضح مجلة "نوفيل أوبسيرفاتير" تحرم الشذوذ الجنسى مثلما فى إيران والصن وكوبا حيث تتم مطاردة الشواذ وإلقائهم فى السجون. بل وفى نفس المجتمعات الأمريكية ما زالت عملية لفظ الشواذ سائدة. ففى مقاطعة أوريجون قامت منظمات اليمين المسيحى بجمع آلاف التوقيعات من الأهالى لسن قانون يحرم وجود الشواذ كلية فى بعض المهن وكذلك إلغاء كافة القوانين التى حصلوا عليها والإمتيازات التى ترتبت بناء عليها، وخاصة فيما يتعلق بمجال التوظيف والسكن.
وقامت نفس المحاولة فى مدينة دنفر بمقاطعة كولورادو، إلا أن القاضى هناك أوقف الإجراءات لعدم تمشيها مع الدستور.. الأمر الذى يكشف عن ميوله الذاتية أو ربما حرصه الشديد على عدم إغضاب البعض منه.
ومن ناحية أخرى ، ورغم كل هذه المعارضات الإجتماعية لوفد الشواذ، فإن وجودهم يتزايد فى المجال الثقافى والإعلامى. ففى فرنسا تخصص لهم القناة الفضائية "كنال بلوس" عشر ساعات يومياً. بينما يتزايد عدد الصحف والمجلات الخاصة بهم فى مختلف البلدان الأوروبية، حيث بدأ سيل من الروايات الخاصة بحياتهم يغزو الأسواق ويطفح على الإنتاج السينمائى والتليفزيون، بل ويتسلل إلى مجالات التعليم ليتصدر بعض المواد الجامعية من قبيل "نظريات الإنحراف" !؟
وكان المؤرخ جون بوسويل، الذى توفى منذ بضعة أشهر مصابا بالإيدز، من أوائل الذين دخلوا هذا المجال بكتابه المعنون : "المسيحية، التسامح الإجتماعى والشذوذ الجنسى" الذى صدر عام 1980. وكان قد تمكن قبل وفاته بقليل من الإنتهاء من كتابه الإستفزازى، على حد تعبير المجلة الفرنسية، حول "الزيجات المثلية". غير أن الطامة الكبرى تظل هى إنشاء أقسام فى الجامعات الأمريكية للدراسات السحاقية واللواطية !
ورئيسة أحد هذه الأقسام فى جامعة مدينة بركلى بكاليفورنيا هى كارولين دينشو، أستاذ الأدب الإنجليزى فى القرون الوسطى، وهى أيضا إحدى مؤسسات ومحررات المجلة الفصلية المعروفة بإسم "اللواطيون والسحاقيات" التى تقوم بنشر الأبحاث العلمية الخاصة بهذا المجال الذى أصبح معروفا فى الجامعة بإسم "الدراسات السحاقية واللواطية والثنائية الجنسية وتجاوز النوع". وهذه العبارة الأخيرة تربطنا بمؤتمر المرأة الرابع المزمع إقامته فى بكين فى شهر سبتمبر القادم (1995). فلم نسرد كل ما تقدم جزافاً أو لمجرد الكشف عن مدى الإنحلال وتفشى مخالفة شرع الله سبحانه وتعالى فى المجتمعات الغربية، وإنما لأن هذا الإنحلال يمثل النتيجة الحتمية التى ستئول إليها مجتمعاتنا بعذ ذلك المؤتمر المشئوم !
ذلك لأن وثيقة المؤتمر قائمة على فكرة فرض عبارة "النوع" بدلا عن عبارة "الجنس" التى تشير إلى الذكر والأنثى، وبالتالى تشير إلى الفرق الذى خلقه الله عز وجل بين الكائنين. وتصر الوثيقة على فرض عبارة "النوع" إعتمادا على أن الفرق بين الجنسين ناجم عن التنشئة ولا بد من تغيير هذا المفهوم ورفض فكرة "أن الوضع البيولوجى هو المصير" ! أى أنه يمكن للإنسان أن يختار بكامل حريته النوع الذى يود أن يكون عليه وأن يختار بكامل حريته نوعية العلاقات الحميمة التى يود إقامتها فى كافة الأعمار وخارج إطار الزواج، وهو ما أوضحته فى المقالين السابقين (راجع جريدة "الشعب" 30/6 و 7/7/95).
كما تطالب بعض بنود الوثيقة بتغيير القوانين الإجتماعية والدينية التى تمنع الزواج المثلى، وذلك من باب الحرية الشخصية، وحتى يتسنى لهم تكوين أسرات قائمة أو مكونة من اللواطيين والسحاقيات مع إتاحة لهم حق الحصول على أطفال عن طريق تأجير البطون أو التلقيح الصناعى.
وبما أن الوثيقة تنص على أن قراراتها ملزِمة، وأن نفس هذه الوثيقة يصعب الحصول عليها أو على ترجمة لها، وبما أن أهم ما تدور حوله بنودها يخالف شرع الله وتعاليمه ويخالف أبجدية التعاليم الإنسانية والأخلاقية وكافة الأعراف السوية، فلا يسعنى إلا أن أتوجه إلى كل من له دين يغار عليه، وخاصة المسئولين عن هذا الدين، أن يعملوا جاهدين على توحيد جهودهم لرفض هذه القرارات العابثة بنواميس الله عز وجل، وإن كانت جهودهم من الضعف بحيث لن يمكنهم صد هذه الهجمة الكاسحة لكل شئ، فليعملوا على مقاطعة هذا المؤتمر مقاطعة مسببة. وقد سبق لبعض الدول أن أعلنت مقاطعتها المسببة لمؤتمر السكان والتنمية الذى إنعقد فى القاهرة العام الماضى (1994)، والذى يعد مؤتمر المرأة القادم إستمرار له.
فأياً كانت الضغوط والتهديدات والوعيد أو مهما كانت الوعود الزائفة، فإن الدفاع عن الدين وعن القيم الأخلاقية والإنسانية أهم وأبقى.
نشر بجريدة "الشعب" فى 28/7/1995 


 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق