‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات الدكتورة زينب عبدالعزيز. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات الدكتورة زينب عبدالعزيز. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 2 أكتوبر 2026

المتناقضات فى الأناجيل .. (2)

 

المتناقضات فى الأناجيل .. (2)

الدكتورة زينب عبدالعزيز
أستاذة الحضارة الفرنسية

 
المتناقضات فى الأناجيل .. (1)


أدهشنى ما أثاره بعض إخواننا المسيحيين من تعليقات تستنكر ما نشرته فى مقال سابق حول تحريف الأناجيل، لذلك لا يسعنى إلا تقديم بعض النماذج الأخرى حتى وإن كانت مسألة تحريف "الكتاب المقدس" برمته محسومة بين العلماء بل واقرها الفاتيكان فى مجمعه الثانى سنة 1965 وليست بحاجة إلى مزيد من الأمثلة..
ورغمها، لن أتناول هنا إلا خمسة نماذج فقط من هذه المتناقضات، التى تُعد باللألاف، وكلها متعلقة مباشرة بيسوع عليه السلام. ويسوع المسيح يُعد أهم شخصية فى المسيحية بكل إنقساماتها وفرقها التى تعدت الثلاثمائة سبع وأربعين الأعضاء بمجلس الكنائس العالمى. ويقولون إن كل ما هو مكتوب عن يسوع فى هذه الأناجيل صحيح تماماً و"منزل من عند الله" .. 
ليرى القارىء بنفسه ما تقدمه المؤسسة الكنسية من نصوص، عانت فعلا على مر التاريخ من شتى أنواع التلاعب والتغيير والتبديل، إلى درجة تمس تعاليم العقيدة نفسها من جهة، ومن جهة اخرى، ان هذه المؤسسة الكنسية تسعى لفرضها على العالم أجمع بدأً بالمسلمين، لذلك يتعيّن علينا كمسلمين أن نفهم ما بها ..
وكل ما أرجوه من إخواننا المسيحيين هو ان يفتحوا أناجيلهم ليراجعوا فيها الآيات الواردة منها هنا أو فى أى مقال آخر كتبته. 
علما بأننى أستعين بطبعة 1966 ، لا لقلة ما لدىّ من نسخ متفاوتة التواريخ ، بدأً من تسة 1671 ، ولكن لأنها النسخة التى لم تطلها التعديلات الجديدة بعد مجمع الفاتيكان الثانى المنتهى عام 1965، مع الأخذ فى الإعتبار بأن جميعها تختلف فعلا من طبعة لأخرى. وهذه الآيات من المفترض أنها كافية لإقناع أى قارىء بوجود متناقضات .. 

وابدأ بمن هو مفترض جد يسوع :

1 - الإختلاف فى والد يوسف :
يقول إنجيل متّى : "ويعقوب وَلَد يوسف رجل مريم التى وُلد منها يسوع الذى يُدعى المسيح " (1 : 16). ويقول إنجيل لوقا : "ولما ابتدأ يسوع كان له نحو ثلاثين سنة وهو على ما كان يُظن إبن يوسف إبن هالى" (3 : 23)، فأيهما والد يوسف: يعقوب أم هالى؟ فمن المحال ان يكون له أبّان بيولوجيان ، والحديث هنا عن إنسان، بشر عادى، وليس عن إنسان تم تأليهه ويطلقون عليه "ربنا يسوع المسيح" !.

2 – الإختلاف فى شجرة نسب يسوع :


توجد شجرة نسب يسوع ابن مريم فى إنجيل متّى (1 : 6-16) ، كما توجد فى إنجيل لوقا (3 : 23-31). 

إنجيل متّى يبدأ من سيدنا إبراهيم نزولا إلى يسوع، ولوقا يبدأ من يسوع صعودا إلى آدم، والإسم الوحيد المشترك بين هاتين القائمتين ، من داود ليسوع، هو يوسف.. فكيف يستقيم كل ذلك التفاوت ؟! بل والأدهى من ذلك كيف يمكن أن يكون ليسوع شجرة عائلة مثبوتة بالإسماء ، وإن إختلفت، والكنيسة تؤكد أنه أتى من الروح القدس وأنه إبن الله ؟. 
بغض الطرف هنا عن ان الروح القدس – كما تؤكد الكنيسة أيضا، هو جزء من الثالوث الذى لا يتجزأ فالثلاثة واحد وهو ما يُفهم منه ان يسوع قد أنجب نفسه، لكى لا نكرر أقوال بعض العلماء فى الغرب من ان ذلك يمثل حالة زنا إذا ما أخذنا والعياذ بالله بأن مريم "ام الله" كما يقولون ، حملت من الروح القدس أى من إبنها !.

3 – الإختلاف فى مولد يسوع :


تورد الأناجيل مرة ان يسوع وُلد أيام هيرودس (متّى 2 : 1)، ومرة أيام كيرينيوس (لوقا 2 : 2) .. والثابت تاريخيا أن هيرودس مات سنة 4 قبل الميلاد ، بينما كيرينيوس قد تم تعيينه والياً على منطقة سوريّة فى عام ستة ميلادية ! 

أى ان الفرق الزمنى بين التاريخين قدره على الأقل عشر سنوات لتحديد تاريخ ميلاد يسوع، فهل هذا معقول ؟ بل والثابت تاريخيا أيضا أنه لم تحدث أية مجزرة للأطفال أيام هيرودس ! وما يكشف عن إختلاف آخر أن إنجيل مرقس يقول أنه وُلد فى الناصرة ، بالجليل ، بينما يقول كل من متّى ولوقا انه وُلد فى بيت لحم بمنطقة اليهودية : 
فأيّهم أصدق ، وجميعهم رسل وقديسين ؟!. 
وهنا لا بد من الإشارة إلى قول العالم الفرنسى إميل بويخ (E. Puech) مدير المعهد القومى للأبحاث العلمية (CNRS) فى فرنسا مؤكدا : 
"يجب علينا أن نعترف بأمانة أننا لا نمتلك حتى الآن أى نص من شهود عيان عن يسوع"، وذلك لأن كل ما كتب عنه كتب بأثر رجعى وبعد أجيال وقرون...

4 – الإختلاف فى معرفة يسوع إبن من ؟! :
يقول إنجيل لوق أنه عندما تخلّف الصبى يسوع فى المعبد وهو فى الثانية عشر " وكان أبواه يذهبان كل سنة إلى أورشليم فى عيد الفصح" (2 : 41) ضل عنهما الطفل يسوع، وبعد ثلاثة أيام من البحث وجدا الصبى فى الهيكل جالسا وسط المعلمين فلما أبصراه إندهشا : " وقالت له أمه يابنىّ لماذا فعلت بنا هكذا. هو ذا أبوك وأنا كنّا نطلبك معذّبين" (2 : 48) .ويزداد الأمر خلطاً حينما يجيبها الطفل يسوع قائلا : " لماذا كنتما تطلبانى ألم تعلما أنه ينبغى أن أكون فى ما لأبى. فلم يفهما الكلام الذى قاله لهما" (2 : 39-50) أى ان مريم وزوجها والد الطفل يسوع ( كما تقول هى فالمفترض أنها أدرى ممن أنجبت إبنها) وأيضا كما يقول إنجيل لوقا ، المهم ان الإثنين لا يعرفان أى شىء عن رسالة يسوع ، وهو ما يخالف ما ورد بنفس الإصحاح فى الآية 19 حينما راح ملاك الرب يخبر الرعاه بمجىء الرب يسوع المخلّص ، ثم ذهب الرعاة يخبروا بالكلام الذى قيل لهم عن هذا الصبى : "وأما مريم فكانت تحفظ هذا الكلام متفكرة به فى قلبها".. فكيف تعرف مريم هذا الكلام عن ظهر قلب وحينما يحدثها ذلك الرب، الذى هو إبنها، لا تفقه منه شيئا ؟؟. بل والأكثر من ذلك ان كل ما ورد بإنجيل لوقا حول واقعة المعبد يتناقض تماما مع قصة نزوح العائلة المقدسة إلى مصر ..
وعملية تفنيد حضور العائلة المقدسة الى مصر تناولها فى الغرب العديد من المؤرخين والباحثين ولن أشير هنا سوى الى ميشيل كوكيه ( M. Coquet ) القس السابق وكتابه "إزالة الخدع عن حياة يسوع" الصادر عام 2003 ، وتقول الفقرة :
"أقر المؤرخون ولله الحمد ان هروب العائلة المقدسة الى مصر، كما يصفها لنا إنجيل متّى لا مصداقية لها. فعبور الصحراء الشديدة الحر نهاراً والشديدة البرودة ليلا، مسافة خمسمائة كيلومترا، فى منطقة مليئة باللصوص وبالحيوانات المفترسة، على ركوبة لا يمكنها ان تحمل على ظهرها المياة والأكل اللازم لمثل هذه الرحلة، تبدو عملية مستحيلة التنفيذ بالنسبة لزوجين وطفل رضيع.
والأكثر من ذلك، إذا سار يوسف على قدميه بواقع خمسة عشر كيلومتراً فى اليوم، فسيأخذ منه ذلك حوالى شهرا فى ظروف شديدة القسوة. فالطريق الذى سار فيه بدأ من بيت لحم الى الخليل.
ومن غزة كان على العائلة المقدسة ان تتبع قرب الشاطىء الى القنطرة والإسماعيلية واخيرا القاهرة. وفى واقع الأمر، ليس لدينا أى دليل على هذه الرحلة، حتى وإن قامت الكنيسة القبطية بنشر خط السير هذا (بمساعدة وزارة السياحة المصرية !) (الأقواس وعلامة التعجب من الكاتب) ، إعتمادا على بردية من القرن الخامس مكتوب عليها خط السير الذى سلكته العائلة المقدسة، بل ويحددون ان الإقامة إمتدت لمدة ثلاث سنوات وأحد عشر شهراً, والقرن الخامس بكل سوء حظ هو القرن الذى إنتهوا فيه من إستكمال إختلاق قصة يسوع .
وبعد قرن من الحفائر الأثرية فى الأرض المقدسة لم يتم العثور على أى دليل لهذا الهروب" (صفحة 266) .. واللهم لا تعليق !

5 – الإختلاف حول إنجيل يسوع :

يقول القديس بولس، الذى افرَدَت له مؤسسة الفاتيكان عاما بأسره ، من 28/6/2008 الى 29/6/2009 للإحتفال به، نظراً لأهميته اللاهوتية وفى الدعوة وسط الأمم ، يقول هذا الرسول القديس إلى أهل رومية :
" ... حتى انى من أورشليم وما حولها إلى الليريكون قد أكملت التبشير بإنجيل المسيح"
(15 : 19) ،
وفى نفس الرسالة فى الآية 29 يقول
" ... وأنا أعلم انى اذا جئت اليكم سأجى فى ملء بركة إنجيل المسيح" ،
وفى الرسالة الثانية الى أهل كورنثوس يقول :
"... إنجيل مجد المسيح الذى هو صورة الله" (4 : 4)، وفى نفس الرسالة يقول : "فإنه إن كان الآتى يكرز بيسوع آخر لم نكرز به أو كنتم تأخذون روحا آخر لم تأخذوه أو إنجيلا آخر لم تقبلوه فحسنا كنتم تحتملون" (11: 4) ،
وإلى أهل غلاطية يقول : " إنى أتعجب أنكم تتنقلون هكذا سريعا عن الذى دعاكم بنعمة المسيح إلى إنجيل آخر. ليس هو آخر غير أنه يوجد قوم يزعجونكم ويريدون ان يحوّلوا إنجيل المسيح "
(1: 3-6) ..

و ما نخرج به من هذه الآيات الصادرة عن أهم الحواريين فى نظر الكنيسة، وبوضوح لا لبس فيه، ان السيد المسيح كان له إنجيلا يكرز به ، وهو ما لا أثر له فى التراث الكنسى الحالى بكله وإن كان يتفق تماما مع ما يثبته القرآن الكريم من أن الله عز وجل قد أوحى الإنجيل إلى عيسى بن مريم ..
ومن ناحية أخرى، من المفترض ان رسائل بولس هذه صيغت سنة 54 ميلادية كما يقول المختصون الكنسيون .. وهنا يمكن الجهر بكل ثقة للمؤسسة الكنسية بكامل هيئاتها وبناءً على أقوال بولس الرسول : ان السيد المسيح كان له إنجيلا يبشر به فأين هو ؟! فرسائل بولس وأعمال الرسل هى أول نصوص كتبت فى المسيحية وتؤرخونها بعام 54، وكل ما يقال فى الوثائق الكنسية ان صياغة الأناجيل تمت من سنة 70 الى 95 .
فإذا اضفنا أعمار الحواريين الى هذه التواريخ لأدركنا انهم كانوا فى حوالى المائة سنة سناً أو أكثرً، وهو ما لا يتمشّى مع نسبة متوسط الأعمار من الفين سنة مضت – بغض الطرف عن مخالفة هذه المعلومة للواقع ، إذ ان صياغة الأناجيل إمتدت حتى أواخر القرن الرابع بإعتراف القديس جيروم نفسه، فهو الذى كوّن هذه الأناجيل الأربعه وعدّل وبدّل فيها كما قال فى المقدمة التى تتصدر ترجمته.. فكيف يتحدث بولس ويحذّر الأتباع من الإلتفات إلى أى إنجيل آخر سوى إنجيل يسوع الذى كان يبشّر به ؟!.

وأغض الطرف هنا أيضا عن إن هذا القول من بولس يتضمن إتهاما لباقى الحواريين، إتهام بالكذب وتحريف الرسالة، فلم يكن آنذاك اى فرد آخر يقوم بالتبشير سوى الحواريين الذين يتهمهم بولس صراحة بأنهم كذبة ..
فهل يحتاج الأمر بعد ذلك إلى مزيد من الأدلة على التناقضات فى الأناجيل ؟
ولا يسعنى إلا أن أضيف بكل هدوء إلى إخواننا المسيحيين بكل فرقهم : إقرأوا أناجيلكم بدلا من الإنسياق فى التعاون مع الذين فرضوا عليكم المساهمة فى عملية تنصير العالم ، فوثيقة "إلى العلمانيين" المخجلة ، الصادرة عن مجمع الفاتيكان الثانى، التى يفرض فيها لأول مرة فى التاريخ على كافة المسيحيين ، الكنسيين منهم والمدنيين، العمل على إقتلاع الإسلام والمسلمين لتنصير العالم، موجودة ومنشورة ضمن قرارات ذلك المجمع.

إقرأوا أناجيلكم بإمعان ، وافهموا ما بها ، فما من عاقلٍ أمين مع نفسه يمكنه قبول مثل هذه المتناقضات أو الإيمان بها لسبب بسيط هو : هل يمكن لمثل هذا الخلط والتناقض أن يكون منزّلا من عند الله ؟!..

د. زينب عبد العزيز
13/11/2008




المتناقضات فى الأناجيل .. (1)


الخميس، 1 أكتوبر 2026

الفاتيكان ، الصهاينة ، والمسجد الأقصى ..

الفاتيكان ، الصهاينة ، والمسجد الأقصى ..

الدكتورة زينب عبدالعزيز
أستاذة الحضارة الفرنسية



فى 30 ديسمبر 1993 وقّع الفاتيكان الإتفاق الأساسى الذى يعترف فيه بدولة إسرائيل.. وكم أدهش هذا القرار المتابعين للأحداث السياسية ، فمنذ أن تم إنشاء هذا الكيان الصهيونى المحتل لأرض فلسطين كان البابوات يتشدقون بضرورة ضمان وضع دولى لمدينة القدس. وهو ما كان قد أوضحه البابا بولس السادس ، حينما زار الأراضى المقدسة عام 1964 ، أثناء إنعقاد مجمع الفاتيكان الثانى ، ودافع عن حق الرسالات التوحيدية الثلاث فى مدينة القدس. ورغمها أعلن الكيان الصهيونى فى أغسطس 1980 ضم القدس وإعتبارها "عاصمة أزلية " لإسرائيل.

والغريب أيضا أن البابا يوحنا بولس الثانى أعلن، بعد هذا القرار، فى خطابه الرسولى بعنوان: "عام الفداء" الصادر فى 20 إبريل 1984 ، ما يجعله يبدو وكأنه يتجاهل قرار الغزاة المحتلين، قائلا : "ان الشعوب والأمم التى لها أخوة فى الإيمان بمدينة القدس ، مسيحيون ، و يهود ، ومسلمون ، لديهم دافع خاص ليبزلوا كل ما فى وسعهم للحفاظ على الطابع المقدس ، المتفرد، والذى لا يعوض للمدينة. لذلك لا بد من إيجاد وسيلة حاسمة وفعّالة للحفاظ بصورة متجانسة وثابتة على مختلف المصالح والتطلعات ، لحمايتها بصورة مناسبة وفعّالة بوضح يتم ضمانه دوليا ".

ومن الواضح أن عبارته القائلة "أخوة فى الإيمان" كانت تتضمن الرسالات التوحيدية الثلاث ، كما أن عبارة "مختلف المصالح" تعنى أتباع الرسالات الثلاث، وأن الفاتيكان آنذاك كان يأخذ فى الإعتبار حق الإسلام و المسلمين فى القدس ، ولو شكلا أو حتى يبدو مطلبه محايدا. أما المطالبة بوضع ضمان دولى لمدينة القدس فتكشف عن أن الكرسى الرسولى لم يعد يثق تماما فى قادة الصهاينة لضمان التوافق المطلوب ، أو أنه بدأ يدرك مؤخراً الهاوية التى سقط فيها بتبرأتهم وبالإعتراف بدولة لهم على ..

وكان الأجدر به أن يدرك معنى الهاوية الجحيمية التى انساق إليها بتوقيعه على مثل هذا الإعتراف بالكيان الصهيونى المحتل لأرض فلسطين، متناسيا أن المسيحية الحالية قائمة أساسا على رفضها وبترها لليهودية ، وعلى لعن اليهود ومحاربتهم على مدى ألفى عام تقريبا . ومن المؤسف إضافة أن ذلك الإعتراف يعنى رضوخ أعلى سلطة دينية فى الغرب للقوى الصهيونية الجامحة ، التى تتلاعب وتعربد بكافة القرارات الناجمة عن المجتمع الدولى ومؤسساته ..

والغريب أن هذا الإعتراف الإجرامى من جانب الفاتيكان يناقض موقف البابوات السابقين وموقف الكنيسة الكاثوليكية الرسولية الرومية على مدى تاريخها . وتكفى الإشارة إلى البابا بيوس العاشر الذى كان قد إلتقى بتيودور هرتزل فى 25 يناير 1904 ، ورفض فكرة الموافقة على إنشاء دولة للصهاينة قائلا : " إن اليهود لم يعترفوا بربنا يسوع وبالتالى لا يمكننا الإعتراف بالشعب اليهودى " !. أما الكاردينال مرّى دل فال ، الذى كان برفقته فقال : " طالما يُنكر اليهود الإعتراف بألوهية المسيح لن يمكننا بكل تأكيد مسايرتهم . لا يمكننا. لا لأننا نتمنى لهم أى سوء ، بالعكس ، لطالما حمتهم الكنيسة. أنهم بالنسبة لنا شهود ضروريين على ما حدث عندما زار ربنا الأرض. لكنهم مصرّون على إنكار الوهية المسيح. كيف إذن يمكننا قبول استحواذهم على الأرض المقدسة إلا إن أنكرنا نحن أعلى مبادئنا ؟" (وارد فى كتاب أندريه شوراكى "الإعتراف" ، 1992 ، صفحة 108 ). وقد تم إضفاء صفة القداسة على البابا بيوس العاشر ، بمعنى أنه يمثل إيمان الكنيسة ، وإيمان الكنيسة حتى مطلع القرن العشرين كان يعنى عدم الإعتراف بدولة للصهاينة !

وقد انتهت فترة البابا يوحنا بولس الثانى بصورة تكشف عن مدى عمق الكارثة ، إذ لم يعترف الفاتيكان بأول دولة دينية عرقية فى التاريخ فحسب ، ولم يخرج عن كل تعاليم دينه أو " إنكار مبادئه العليا " فحسب ، وإنما بدأ يساير دولة الصهاينة بمزيد من التنازلات الفاضحة : فكان يوحنا بولس الثانى أول بابا يذهب لزيارة المعبد اليهودى فى روما ، قائلا لأول مرة : " إخواننا الأكبر منا" ، وإعلانه فى 17 نوفمبر 1980 عن مسؤلية الكاثوليك تجاه اليهود ، وأنها تتضمن ثلاث نقاط : تعليم التراث اليهودى للكاثوليك ، دراسة معاداة السامية وما اقترفه المسيحيون من أعمال انتقامية على مر التاريخ ، و – وياللعجب : زيادة التقارب الروحى بين اليهود والمسيحيين ! ووقف نفس ذلك البابا فى سنة 2000 يبكى و يصلى أمام ما يطلقون عليه زورا وبهتانا: "حائط المبكى" .. فهذا الحائط هو"حائط البراق" ، وهو جزء لا يتجزأ من المسجد الأقصى..(تناولته بالتفصيل فى كتاب "حائط البراق" 2001، والطبعة الثانية عام 2004 بعنوان "من حائط البراق إلى جدار العار" ).

ويواصل البابا بنديكت السادس عشر نفس المسيرة المخزية. ففى الخطاب الأول الذى ألقاه بمناسبة توليه منصب البابوية ، وبعد أن قام بتحية مختلف الفئات الكاثوليكية حتى العلمانيين منهم ، "الذين يعاونون على إقامة مملكة الرب فى العالم"، - أى المساهمين فى عمليات التبشير وإقتلاع الإسلام التى فرضها عليهم مجمع الفاتيكان الثانى سنة 1965 ، واصل البابا قائلا : " إلى كل الذين لم يندمجوا معنا كلية بعد رغم حصولهم على التعميد" ، ويقصد بهم أتباع الكنائس الأخرى ، أضاف : "وأنتم ، الأخوة الأعزاء من الشعب اليهودى ، الذى نرتبط معه بتراث روحى مشترك تمتد جذوره فى وعود الرب التى لا رجعة فيها" ، ثم أنهى تلك التحية الكاشفة عن موقفه من الإسلام والمسلمين من أول يوم له فى هذا المنصب قائلا : "وأخيرا فإن فكرنا يتجه أيضا إلى جميع رجال عصرنا ، المؤمنين وغير المؤمنين"، وواصل الخطاب..

ويا له من إغفال أو إستبعاد له مغزاه ، فمنذ الكلمات الأولى الرسمية التى نطق بها إستبعد الإسلام والمسلمين ، ولا ندرى فى أى فئة وضعهم فى ذهنه : من ضمن المؤمنين ، أو غير المؤمنين .. ولا غرابة فى ذلك فقد سبق للفاتيكان أن وضع الإسلام عام 1965 مع الديانات الأسيوية ، فى وثيقة "فى زماننا هذا" الشهيرة لإستبعاده عن رسالة التوحيد !

وإن كان لهذا الخطاب الإفتتاحى أى معنى ، فهو يشير بوضوح إلى موقف البابا المتعمّد العداء للإسلام ، كما يشير إلى أن الإسلام والمسلمين ليسوا مستبعدون فحسب تماما من تلك المسيرة المشتركة بين الصهاينة والفاتيكان وإنما يعمل الفريقان معا على اقتلاعهم، وبالتالى فإن الآثار الإسلامية الموجودة فى فلسطين ، وخاصة فى مدينة القدس ، وأهمها المسجد الأقصى ، لا مكان له فى تلك الجريمة المشتركة .. ولا غرابة فى ذلك أيضا ، فالسيد بنديكت السادس عشر كان قد نشر بحثا ، قبل توليته منصب البابوية بثلاث سنوات ، يتناول فيه السيدة مريم و الإيمان المريمى ، وقد أطلق عليه عنوان : " إبنة صهيون " !!.. ولعل ذلك يكشف عن سبب إنتخابه.

وهذا التحالف الحالى بين الفاتيكان و الصهاينة ، الذى بدأ بتبرأة اليهود من دم المسيح ، ثم بالإعتراف الرسمى والدبلوماسى بدولة إسرائيل ، هو بمثابة تحالف غير شرعى من الناحية الدينية ، فوثيقة " التبرأة" لم تعتمد على أى نص كنسى سابق ، كما هى العادة فى مختلف النصوص لأنها تخالف الخط التاريخى لها، بل كفّت حتى عن إحترام ذلك "العهد" الجديد الذى تقول أنها بموجبه تعتبر الكنيسة نفسها "شعب الله المختار الجديد" بدلا من اليهود ! بل راحت الوثيقة تقر باستمرارية العهد الخاص باليهود !.. والفاتيكان ، بذلك الإعتراف ، يعتدى شرعا على لعنة أحلّت بهم لعدم إعترافهم "بربنا يسوع" – كما يقولون ، و يعتدى على لعنة أنزلها الله عز وجل باليهود لإبتعادهم عن رسالة التوحيد ورجوعهم إلى عبادة العجل وقتل الأنبياء ، فتم هدم المعبد سنة 70 م ، وفُرض عليهم الشتات ولم تقرب البقية الباقية منهم ارض فلسطين بعد ثورتهم الثانية ضد الرومان عام 135 م ..

إن ما تناسته المؤسسة الفاتيكانية ان المسيحية انبثقت من بترها عن اليهودية ، لأن رفض اليهود لرسالة يسوع ، الذى لم يأت إلا من أجل خراف بيت إسرائيل الضالة (متى 15 : 24 ) قد أدى إلى إعادة صياغة النصوص والخروج بدين لا يعرف عنه يسوع أى شىء.. وإن الإعتراف بالسلطة الدينية اليهودية يعنى أنه لا حاجة لوجود تلك المسيحية !. ويا لها من بداية إنتقام رهيب ..

ولا يمكن لمثل هذه المؤسسة العاتية ، التى فرضت عقيدتها بالسلاح والقتل والإقتلاع ومحاكم التفتيش والتعذيب والحروب الصليبية والدينية والتعتيم ولىّ الحقائق وتحريف النصوص ، وكلها حقائق باتت تملأ الكتب والمراجع بل والمجلات العلمية وغيرها، لا يمكنها أن تتنازل طواعية عن كل ما شيدته بمثل ذلك العنف الدامى على مدى الفى عام تقريبا ، أو أن تتنازل بمثل هذه البساطة ، إن لم يكن هناك ما هو أقوى وأعتى منها ومن جبروتها . وهو ما تناولته بالتفصيل فى كتاب "المساومة الكبرى ، من مخطوطات قمران الى مجمع الفاتيكان الثانى".. المطبوع فى قطر ومنعته الرقابة فى القاهرة !.

وإذا نظرنا من ناحية الصهاينة ، لوجدنا أن إنشاء دولة لا يمثل فى الواقع نهاية المطاف وإنما مجرد بدايته.. فما يرمون إليه تحديدا هو استعادة مكانتهم كشعب الله المختار – تلك المكانة الدينية التى سلبتها الكنيسة إياهم .. وذلك لا يتأتى إلا "بإقامة سلطة دينية يهودية جديدة فى القدس "– على حد قول جيرار إسرائيل فى كتابه المعنون : "المسألة المسيحية. فكرة يهودية عن المسيحية". وهذه السلطة الدينية اليهودية الجديدة فى القدس لا تتأتى إلا بهدم المسجد الأقصى وإقامة المعبد – بغض الطرف عن كل ما واكب تلك المسيرة الإنتقامية من تحريف للنصوص الدولية والتاريخ بل ولحكم الله عز وجل وقضائه..

ولا يسع المجال هنا لتناول كيف تم ذلك إعتمادا على الغش والتنازلات والخيانة من جميع الأطراف ، فالكل متواطىء بصورة أو بأخرى ، وما أكثر الكتب والمؤتمرات والقرارات والوثائق ، لكنا نتوقف عند الوضع الراهن وكيف تمكن الصهاينة من تلجيم الغرب المسيحى المتعصب عن طريق قضيتين أساسيتين ، هما : المحرقة ، ومخطوطات قمران أو البحر الميت.

فقد تم تصعيد لعبة المحرقة إلى درجة الإطاحة لا بكل من يتشكك فى عدد موتاها فحسب ، وإنما بكل من يمس بمصداقيتها ، والأدهى من ذلك التلويح بدور الفاتيكان فيها! وبذلك تم فرض صورة "اليهودى المظلوم المعتدى عليه دوما" ، مع تحميل الغرب وزرها ، أمام صورة "الفلسطينى المسلم الإرهابى" ، لأنه يدافع عن أرضه ، بل وإلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام والمسلمين بصورة لا سابقة لها فى التاريخ !.. أما مخطوطات قمران التى تم الإعلان عن إكتشافها فى نفس ذلك اليوم الذى تم فيه الإعلان عن قيام دولة اسرائيل عام 1948 ، علما بأنها مكتشفة قبل هذا التاريخ ، فذلك يكشف أن هناك صلة وثيقة بين الإثنين- خاصة لمن تابع تفاصيل قصتها والمغامرات التى واكبتها وحقيقة محتوياتها.

وتكفى الإشارة هنا إلى قصة إكتشافها والتعتيم عليها وكل ما واكبها من قمع وتحكم من اللجنة العاكفة عليها والتابعة للفاتيكان ، أو لكل ما قام به الصهاينة للإستيلاء على بعضها وإيداعها فى متحف خاص بها بجوار مبنى الكنيست. وهو ما يكشف عن مدى أهمية ما استولوا عليه. والتعتيم على نشرها لمدة خمسين عاما يمثل أكبر فضيحة علمية فى القرن العشرين. ولم يسمح الفاتيكان بنشرها إلا بعد ترحيل تاريخ تحليل الكربون لمحاولة فصلها عن المسيحية. ويرجع التعتيم عليها ، وفقا لما قيل فور اكتشافها، إلى ان بها ما يهدم المسيحية ويطيح بها إلى الأبد.. وتلك هى ورقة المساومة الكبرى التى يمسك بها الصهاينة ويفرضون بها كل تلك التنازلات المهينة على المؤسسة الكنسية وعلى المجتمع الدولى وكل قراراته التى يضربون بها عرض الحائط .. فهم المتحكمون !

ولو إنتقلنا إلى شكل الوضع حاليا ، لوجدنا: من ناحية، سباق محموم من المؤسسة الكنسية لتنصير العالم وخاصة لإقتلاع الإسلام، إعتمادا على الحوار ومؤتمراته لكسب الوقت حتى تتم عملية التنصير دون مقاومة تذكر، كما يقولون فى النصوص الرسمية ، مع محاولة واضحة لتنصير معالم المدن وخاصة الإسلامية منها ، إضافة إلى عمليات القتل الجماعى فى تلك الحروب الإستباقية الإستيطانية وكلها تحصد فى أعداد المسلمين.. ومن ناحية أخرى، سباق آخر محموم ، من جانب الصهاينة ، لتنفيذ قرارهم عندما احتلوا أرض فلسطين و استولوا عليها، بأنهم يريدونها " أرضا بلا شعب لشعب بلا أرض".. وهو ما يتم تنفيذه على مرأى ومسمع من ذلك المجتمع الدولى الذى تم تلجيمه ، فالتزم الصمت و ألف الخضوع صمتا إلا من بعض العبارات الجوفاء من قبيل نرفض ، نحتج ، نشجب ، نعترض ، الخ ، ذرا للرماد فى الأعين! وياله من منطق ، فبعد ان إبتلع طُعم مسؤليته عن المحرقه ، تولى القيام بمحرقة للشعب الفلسطينى تكفيرا عن ذنبه !!.

فواقع الأمر يؤكد أن الصهاينة قد استولوا على 80 % من أرض فلسطين أيام حرب 1967 ، ثم التهم جدار العار 40 % من أراضى الضفة الغربية ، أى أنه لا يتبقى فعلا من كل أرض فلسطين سوى 9 % ، التى تدور حولها الوعود والأكاذيب والتلويح الأجوف بإقامة دولة فلسطينية . وما أشبهها لعبة بذلك الحوار الذى تقوده الكنيسة لمجرد كسب الوقت حتى يتم لهم ما يبتغون.. ذلك لأن جدار العار يبلغ طوله 730 كيلومتراًً بإرتفاع ثمانية أمتار من الأسمنت المسلح ، وبه برج مراقبة كل 300 متراً، وأسلاك شائكة مكهربة ، إضافة إلى خندق بعمق مترين. والجدار يقام بتكلفة أكثر من مليون دولار للكيلومتر الواحد .. وكل ذلك : لحماية الصهاينة الغلابة الذين لا يملكون، دونا عن غيرهم فى الشرق الأوسط ، سوى ترسانة نووية وأسلحة فتاكة ومتطورة وكيمائية ، لحمايتهم من حجارة الإنتفاضة !! وياله من منطق يبلعه الذين فُرض عليهم الصمت والتواطوء..

وبناء الجدار بالصورة التى تم بها حول القدس الشرقية ، أو هو بالفعل بناء جدارين متتاليين حولها كالطوق المزدوج ، يبيد أية تطلعات بأن تكون هذه الجزئية المحاصرة بالسياج عاصمة لوهم يُدعى"دولة فلسطينية". فالجدار يفصل بالفعل مدينة القدس عن مدن الضفة عند رام الله فى الشمال ، وبيت لحم فى الجنوب ، وأبو رديس فى الشرق، كما اخترق حرم جامعة القدس واقتلع ثلث مساحتها. وذلك يعنى تطويق وحماية مدينة "القدس الكبرى" كما حددها الصهاينة. فالبرنامج يسير على أساس عدم السماح بإقامة دولة فلسطينية بأى ثمن ، وعدم السماح بأى وجود فلسطينى ، بل والعمل على محاصرتهم حتى الموت أو إجبارهم على الهجرة ، وبذلك يكونوا هم الذين رحلوا بارادتهم !! أى انها تكرار لنفس مخطط البداية الذى بدأ بالإرهاب وبمحاصرة الفلسطينيين وحصادهم فى المجازر المتعددة لطرد من يتبقى.. وهو ما تؤكده تصريحات وزيرة خارجيتهم عقب لقائها مع نظيرتها الأمريكية يوم 1/8/2007 ، إذ أعلنت : "إن إسرائيل لن توافق على بحث القضايا الأساسية للنزاع مع الفلسطينيين وهى : الحدود ، واللاجئين ، ومستقبل القدس، خلال المؤتمر الدولى للسلام الذى دعى إليه بوش". فما معنى إقامته إن لم يكن مضيعة للوقت ؟!

وإذا رجعنا إلى بدايات محاولة إستيلاء الصهاينة على المسجد الأقصى ، سنجد أنها بدأت بالتدريج منذ مطلع القرن العشرين ، بجلب الكراسى والمصابيح والستائر وتركها أمام حائط البراق لتكون سابقة تمكنهم من إدعاء ملكيتهم للحائط. وتنبه المسلمون آنذاك وبدأ النزاع المسلح بين الطرفين فى 19/2/1922 ، وكان رجال الإنتداب البريطانى يأمرون الصهاينة برفع تلك المعدات ، ويعاود الصهاينة الكرة ، حتى الإنفجار المعروف باسم "ثورة البراق". فأرسلت الحكومة البريطانية لجنة للتحقيق عرفت باسم " لجنة شو" نسبة إلى رئيسها. وقال التقرير :
" للمسلمين وحدهم تعود ملكية الحائط الغربى ، ولهم وحدهم الحق فيه لكونه يؤلف جزءاً من ساحة الحرم الشريف التى هى من أملاك الوقف؛ وللمسلمين أيضا تعود ملكية الرصيف الكائن أمام الحائط وأمام المحلة المعروفة بحارة المغاربة لكونه موقوفا حسب أحكام الشرع الإسلامى".

وانتهت اللجنة الدولية من وضع التقرير فى ديسمبر 1930 ، ونالت قراراتها موافقة الحكومة البريطانية و موافقة "عصبة الأمم" آنذاك. إلا أن السلطات الإسرئيلية قد استولت فى عام 1967 على "حائط البراق" بعد أن هدمت حارة المغاربة ووضعت يدها على باب المغاربة ، أحد ابواب الحرم الشريف .. وتواصلت عمليات الحفر والتخريب ، فى نفس الوقت الذى تم فيه تشييد المعبد بطريقة المبانى المعدّة مسبقا ، اى ان تركيبه لن يستغرق أياما معدودة.. وذلك يفسر أهمية جدار العار وحقيقة والغرض منه ..
وعلى الرغم من كل ما تم من حفائر منذ استيلاء الصهاينة على أرض فلسطين وحتى يومنا هذا ، فإن كل الوثائق الجديدة تؤكد " أن اليهود لم يعد من حقهم إدعاء أن أرض فلسطين ملكا لهم بزعم أنهم غزوها قديما بمساعدة الإله يهوه . حقا ، لقد عاش عليها أجدادهم منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة ، لكنهم كانوا يتقاسمونها مع الكنعانيين الذين كانوا يمثلون الأغلبية آنذاك ، و هم أجداد الفلسطينيين. وأيا كان الأمر فلا حق لليهود فى هذه الأرض التى غابوا عنها طوال عشرين قرنا" !! والمتحدث هنا عالمان من كبار علماء الآثار اليهود هما إسرائيل فنكلشتاين و نيل سيلبرمان ، فى كتابهما المشترك :"كشف النقاب عن الكتاب المقدس".

أما أطماع الصهاينة التى لا تأخذ فى الإعتبار أى حق ولا منطق ، فإن كل ما يرمون إليه هو إستعادة حقوقهم السليبة من القيادة الكنسية ، استكمالا لمشوار الإذلال الذى فُرض عليها بدأ من مجمع الفاتيكان الثانى ، وذلك : بهدم المسجد الأقصى وإقامة المعبد لإعادة السلطة الدينية اليهودية . وعندإذ يظهرون ما لديهم من مخطوطات قمران التى تثبت أن المسيحية الحالية لا مصداقية تاريخية لها ، بعد أن تمكنوا من تلجيم المجتمع الدولى بورقة "المحرقة" وإضعاف المسلمين والعرب إلى ما تحت الإهانة والإذلال ، بعد أن ورطوهم فى تنفيذ الكثير من ذلك المخطط الإنتقامى الرهيب .. ويا له من إتقام !!.

ولا أتناول هنا الهوس الدينى أو معركة هرمجدّون وغيرها ، لكننى أشير بوضوح إلى : أن عملية هدم المسجد الأقصى تمثل جزء لا يتجزأ من مخطط الصهاينة للإنتقام من المؤسسة الفاتيكانية لكل ما جعلتهم يتجرعونه من ذل ومهانة وإبادة على مدى ألفى عام ، وفى نفس الوقت إستكمال عملية إذلالهم للمسلمين ومقدساتهم ، فمن يقبل بالخيانة لا مكان ولا احترام له لدى من يدفعه إليها ..

فبدلا من أن نقدم الأسمنت للصهاينة لبناء جدار العار، وبدلا من بيع الغاز المصرى لهم وبأقل من ثمنه ، وبدلا من توصيل مياة النيل بترعة السلام ، وبدلا من فرض عمليات تطبيع ضد إرادة الشعوب ، لترسيخ الوجود الصهيونى وتثبيته ، وكلها فضائح تناولتها الصحافة المصرية وغيرها ، لا يسعنى إلا أن أذكّر بالكلمة التى ألقاها السيد الرئيس حسنى مبارك فى المؤتمر الثامن الذى عقد فى رحاب الأزهر فى أكتوبر 1977 ، نائبا عن الرئيس أنور السادات ، وجاء فيها :
" إن المسجد الأقصى الشريف ما زال فى أيدى أعدائنا ، وإن إخواننا أبناء فلسطين لم يستردوا حقوقهم المشروعة بعد ، وهذا الموقف يحتم استمرار الجهاد حتى يستنفذ وطننا ومقدساتنا وحقوق إخواننا ، وإن هذا واجب لا يستثنى منه أحد ، وإننا لا نمل أن نذكر المسلمين ونذكر العالم كل يوم بعدالة قضيتنا" ..

والآن ، وقد تزايد التهديد والوعيد بهدم المسجد الأقصى طارة ، أو بهدم الكعبة طارة أخرى ، نحن على مشارف حافة الهاوية فعلا، و لم تعد المسألة بحاجة إلى تذكرة للمسلمين وللعالم أجمع بعدالة القضية الفلسطينية أو بحق المسلمين فى المسجد الأقصى ، وانما نحن بحاجة إلى إعلان الجهاد الحقيقى، وإتخاذ التدابير الفعلية لذلك ، بعد ان تبين للكافة الأطماع الإستيطانية للكيان الصهيونى ولمن يساندونه فى الغرب .. فالجهاد كما شرّعه الله عز وجل ، بالمال وبالنفس دفاعا عن الحق ، قد أصبح فرض على كل مسلم ومسلمة لإنقاذ ونصرة أولى القبلتين وثالث الحرمين : المسجد الأقصى الذى بارك الله حوله. لذلك لا يسعنى إلا مناشدة كافة المسؤلين فى العالم الإسلامى والعربى ، بمختلف مستوياتهم ومسؤلياتهم ، سرعة التحرك لإحلال الحق ، فالحق أولى بأن يُتبع .

ذلك هو ما تبين لى من كل ما تجمّع من كتب ووثائق وأحداث ، أقدمه لمن يمكنه التصرف ، علّنا نفيق من غفلتنا وندافع عن ديننا وكياننا، لأن الغرب دائم التخلص من عملائه ، وما اكثر النماذج عبر التاريخ ! كلنا عابرى سبيل ، ولا يبقى إلا صالح الأعمال.
استودع الله دينكم .. وآماناتكم .. وخواتيم اعمالكم ..
استودعكم الله الذي لا تضيع عنده الودائع .


المتناقضات فى الأناجيل .. (1)

المتناقضات فى الأناجيل .. (1)

الدكتورة زينب عبدالعزيز
أستاذة الحضارة الفرنسية

 
عادة ما يغضب إخواننا المسيحيون من الإشارة إلى المتناقضات فى الأناجيل أو فى الكتاب المقدس ، التى باتت تُعد بالآلاف ، ويتهمون قائلها بأنه يعتدى على "قدسية" نصوص منزّلة !.. 

بل لقد أضيف إلى عبارة الغضب هذه رد صادر عن المؤسسة الفاتيكانية ، للتمويه على الحقائق العلمية ، بأن هذه المتناقضات ليست بمتناقضات ، وإنما هى آيات تكمّل بعضها بعضا ! 

وذلك هو ما قاله أيضا الأب رفيق جريش ، فى المداخلة التى قام بها، ردا على ما أشرت إليه بهذا الصدد ، فى برنامج "90 دقيقة" على قناة المحور ، يوم 14 يناير الماضى..
وفى واقع الأمر ، أن هذه "القدسية" المزعومة قد إعتدى عليها الفاتيكان فعلا ثلاث مرات: 

المرة الأولى فى مجمع ترانت ، سنة 1546 ، حينما فرضها على الأتباع قهرا فى الدورة الرابعة ، يوم 8 أبريل ، قائلا أن "الله هو المؤلف الوحيد للكتاب المقدس" ، وهى العبارة الواردة فى وثائق ذلك المجمع ، مع فرض "اللعنة على كل من يتجرأ ويسأل عن مصداقية أى شىء" ! (المجامج المسكونية ، الجزء الثالث صفحة 1351 ، طبعة لوسير 1994).

والمرة الثانية ، مع تقدم العلوم والدراسات التاريخية واللغوية ، حينما تراجع الفاتيكان عن عبارة أن "الله هو المؤلف"، ليقول فى مجمع الفاتيكان الأول سنة 1869 : "أن الله قد ألهم الحواريين عن طريق الروح القدس" !..


أما المرة الثالثة ، ففى مجمع الفاتيكان الثانى المنتهى سنة 1965 . فمن أهم ما ناقشه : الدراسات النقدية التى أطاحت بمصداقية الكتاب المقدس بعامة ، وبالعهد الجديد بصفة خاصة.. فبعد مداولات متعددة لدراسة كيفية صياغة الإعلان عن هذا التراجع المطلوب ، المناقض لكل ما تم فرضه قهرا لمدة قرون ، على أنها نصوص منزّلة ، تم التوصل إلى محاولة للتخفيف من وقعه على الأتباع ، عبر خمس صياغات مختلفة ، واقترعوا على الصيغة النهائية ، بأغلبية 2344 صوتا مؤيدا ، ضد 6 أصوات معارضة..

ويقول النص الصادر عن الفاتيكان : 

"أن هذه الكتب وإن كانت تتضمن الناقص والباطل ، فهى مع ذلك تُعد شهادات لعلم تربية إلهى حقيقى" .. ويعنى النص بالفرنسية :
"Ces livres, bien qu'ils contiennent de l'imparfait et du caduc, sont pourtant les témoins d'une pédagogie divine" !..

وفى العدد رقم 137 من مجلة "عالم الكتاب المقدس" سبتمبر- أكتوبر 2001 ، والذى يتصدر غلافها موضوع رئيسى بعنوان : "من كتب الكتاب المقدس ؟ " ، نطالع فى المقال الذى بقلم جوزيف موان J. Moingt)) ، الأستاذ المتفرغ بكليات الجزويت بباريس ، و الذى يشير فيه إلى صعوبتين فيما يتعلق بالكتاب المقدس قائلا :

" أولا أن الكتاب المقدس ليس كتابا بالمعنى المفهوم وإنما مكتبة بأسرها ، مجموعة متعددة من الكتب والأنواع الأدبية المختلفة ، بلغات مختلفة ، ويمتد تأليفه على عشرات القرون، وأنه قد تم تجميع كتبه فى شكل كتاب بالتدريج ، إبتداء من مراكز صياغة ونشر متنوعة. ثانيا كل كتاب من هذه الكتب لم يتم تأليفه دفعة واحدة ، بقلم نفس الكاتب ، وإنما صيغ كل كتاب منها إعتمادا على العديد من التُرث الشفهية المتناثرة وكتابات جزئية متفرقة ناجمة عن مصادر شتى بعد أن تمت إعادة كتابتها وصياغتها وتبديلها على فترات طويلة قبل أن تصل إلى ما هى عليه".. ويوضح هذا الإستشهاد كيف أن مثل هذه المعلومات ، فى الغرب ، باتت من المعلومات الدارجة التى يتم تناولها على صفحات الجرائد والمجلات ..

وإذا أضفنا إلى ما تقدم ، كل ما توصلت إليه "ندوة عيسى" ، بمعنى أن 82% من الأقوال المنسوبة ليسوع لم يتفوّه بها ، وأن 86 % من الأعمال المسندة إليه لم يقم بها، لأدركنا فداحة الموقف ، من حيث الهاوية التى تفصل الحقائق التى توصل إليها العلم والعلماء ، وكثير منهم من رجال اللاهوت ، والإصرار الأصم على تنصير العالم ، بأى وسيلة وبأى ثمن - رغم كل الشعارات الطنانة والمتكررة التى يعلنونها بإحترامهم أصحاب الأديان الأخرى !
ولا أتناول هذا الموضوع من باب التجريح أو الإنتقاص من أحد - فما من إنسان فى هذا الزمن مسؤل عما تم فى هذه النصوص من تغيير وتبديل ، عبر المجامع على مر التاريخ ، لكننى أطرحه كقضية عامة تهم كل المسلمين ، أينما كانوا ، والذين باتت تُفرض عليهم عملية تنصير لحوحة وغير إنسانية ، مدعومة بالضغوط السياسية وبما يتبعها من تنازلات .. 
لذلك أناشد كافة الجهات المعنية التصدى لهذه المهزلة المأساوية الكاسحة !..
كما أنها تهم كل القائمين على عمليات التبشير والتنصير ، التى تدور رحاها بذلك الإصرار الغريب ، حتى يدركوا فداحة ما يتسببون فيه حقيقة، على الصعيد العالمى ، من ضغوط وإنفجارات .. ضغوط وإنفجارات ناجمة عن إصرارهم على إقتلاع دين الآخر ، و نحن جميعا فى غنى عنها ـ خاصة وأنها تدور قهرا ، بجيوش مجيشة من العاملين فى هذا المجال ، من أجل فرض نصوص وعقائد أقرت قياداتها العليا ، منذ أجيال عدة ، بأنها تتضمن "الناقص والباطل" كما رأينا ..
وقد قامت نفس هذه القيادات بالتمويه على ما بها من متناقضات ، جلية لكل عين لا تتعمد فقدان البصر والبصيرة ، باختلاق بدعة أنها تعبّر عن تعددية الرؤية والتعبير، أو أنها تكمل بعضها بعضا !.. لذلك أصبحوا يقولون "الإنجيل وفقاً لفلان" ، وليس "إنجيل فلان" .. وهو ما يحمل ضمناً الإعتراف بوجود مساحة من الشك والريبة غير المعلنة ..

وإذا ألقينا بنظرة على بعض هذه المتناقضات ، التى قالت عنها الموسوعة البريطانية فى مداخلة "الكتاب المقدس" أنها تصل إلى 150,000 تناقضا ، وقد رفعها العلماء مؤخرا إلى الضعف تقريبا ، لأمكن لكل قارىء ـ أيا كان إنتماؤه ، أن يرى بنفسه ويقارن مدى مصداقية مثل هذه النصوص ، أو مدى إمكانية إعتبارها نصوص منزّلة ! ونورد ما يلى على سبيل المثال لا الحصر:

* التكوين 1 : 3-5 فى اليوم الأول الله خلق النور ثم فصل النور عن الظلمة
* التكوين 1 : 14-19 تم ذلك فى اليوم الرابع

* التكوين 1 : 24-27 خلق الحيوانات قبل الإنسان
* التكوين 2 : 7 و 19 خلق الإنسان قبل الحيوانات

* التكوين 1 : 31 اُعجب الله بما خلق
* التكوين 6 : 5-6 لم يعجب الله بما خلق وحزن وتأسف ..

* التكوين 2 : 17 كتب على آدم أن يموت يوم يأكل من شجرة المعرفة ، وقد أكل
* التكوين 5 : 5 آدم عاش 930 سنة !

* التكوين 10 : 5 و 20 و 31 كل قبيلة لها لغتها ولسانها
* التكوين 11 : 1 كانت الأرض كلها لسانا واحداً ولغة واحدة

* التكوين 16 : 15 و 21 : 1-3 إبراهيم له ولدان إسماعيل وإسحاق
* العبرانيين 11 : 17 إبراهيم له ولد واحد وحيده إسحاق (وتم إستبعاد إسماعيل)

* التكوين 17 : 1—11 الرب يقول عهد الختان عهداً أبدياً
* غلاطية 6 : 15 بولس يقول ليس الختان ينفع شيئا (وبذلك تعلو كلمة بولس على كلمة
الرب) !..

* خروج 20 : 1-17 الرب أعطى الوصايا العشر لموسى مباشرة بلا وسيط
* غلاطية 3 : 19 أعطاها الرب مرتبة بملائكة فى يد وسيط

* الملوك الثانى 2 : 11 صعد إيليا فى العاصفة إلى السماء
* يوحنا 3 : 13 لم يصعد أحد إلى السماء إلا إبن الإنسان (يسوع)

* متى 1 : 6 – 7 نسب يسوع عن طريق سليمان بن داوود
* لوقا 3 : 23 -31 نسب يسوع عن طريق ناثان بن داوود

* متى 1 : 16 يعقوب والد يوسف
* لوقا 3 : 23 هالى والد يوسف

* متى 1 : 17 جميع الأجيال من داوود إلى المسيح ثمانية وعشرون
* لوقا 3 : 23 -28 عدد الأجيال من داوود إلى المسيح أربع وثلاثون

* متى 2 : 13 – 16 يوسف أخذ الصبى (يسوع) وأمه وهربوا إلى مصر
* لوقا 2 : 22 – 40 عقب ميلاد يسوع يوسف ومريم ظلا فى أورشليم ثم عادوا إلى
الناصرة ! أى أنهم لم يذهبوا إلى مصر بالمرة ، بل ولا يرد ذكر ذبح الأطفال بأمر هيرود

* متى 5 : 17 – 19 يسوع لم يأت لينقض الناموس
* أفسوس 2 : 13 – 15 يسوع قد أبطل الناموس بجسده !

* متى 10 : 2 ، ومرقس 3 : 16 – 19 ، ولوقا 6 : 13 – 16 ، وأعمال الرسل 1 : 13
تختلف بينها أسماء وأعداد الحوايرين ..

* متى 10 : 34 جاء يسوع ليلقى سيفا وليس سلاما
* لوقا 12 : 49 – 53 جاء يسوع ليلقى ناراً وإنقساما
* يوحنا 16 : 33 جاء يسوع ليلقى سلاما ! بينما يقول يسوع :
* لوقا 19 : 27 أما أعدائى أولئك الذين لم يريدوا أن أملك عليهم فاْتوا بهم إلى هنا واذبحوهم قدامى !!

* متى 16 : 18ـ19 يسوع يقول أنت بطرس وعلى هذه الصخرة ابنِ كنيستى وأبواب الجحيم لن تقوى عليها وأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات ..
* متى 16 : 23 فالتفت يسوع وقال لبطرس إذهب عنى يا شيطان أنت معثرة لى لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس !.. وكررها مرقس كاتبا : " فانتهر بطرس قائلا إذهب عنى يا شيطان لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس" (8 : 33) ! فكيف يمكن لكنيسة أن تقوم على شخص يعتبره السيد المسيح شيطانا ومعثرة ولا يهتم بما لله ؟!.

* مرقس 14 : 44-46 علامة خيانة يهوذا ليسوع أن يقبله
* لوقا 22 : 47-48 يهوذا دنا من يسوع ليقبله
* يوحنا 18 : 2-9 يسوع خرج وسلم نفسه ولا ذكر لقبلة يهوذا الشهيرة

* متى 27 : 5 يهوذا طرح الفضة (النقود) أرضا ثم انصرف
* أعمال الرسل 1 : 18 يهوذا يقتنى حقلا بأجرة خيانته

* متى 27 : 5 يهوذا خنق نفسه
* أعمال الرسل 1 : 18 يهوذا يسقط على وجهه وانشق من الوسط فانسكبت أحشاؤه كلها

* متى 27 : 28 ألبسوا يسوع رداءً قرمزيا (علامة على الإهانة) ! ..
* مرقس 15 : 17 البسوه رداءً أرجوانيا (علامة على المَلَكية) !..

* متى 27 : 32 سمعان القيروانى سخّر لحمل صليب يسوع
* يوحنا 19 : 17 خرج يسوع حاملا صليبه

* متى 27 : 46 – 50 كانت آخر كلمات يسوع "إيلى إيلى لما شبقتنى ، أى إلهى إلهى لماذا
تركتنى " ..
* لوقا 23 : 46 كانت آخر كلمات يسوع " يا أبتاه فى يدك أستودع روحى" ..
* يوحنا 19 : 30 كانت آخر كلماته " قد أكمل " ونكس رأسه وأسلم الروح ..

* لوقا 23 : 43 قال يسوع للص المصلوب بجواره : الحق أقول لك إنك اليوم تكون معى فى الفردوس !..
* أعمال الرسل 2 : 31 تقول الآية أنه ظل فى الجحيم حتى بُعث (فى طبعة 1831) ، وفى طبعة 1966 تم تغيير عبارة "الجحيم" وكتابة "الهاوية" !..

وتغيير الكلمات أو العبارات من علامات التلاعب بالنص المتكررة ، وليست فقط فى الآية السابقة وتعد بالمئات ، فعلى سبيل المثال نطالع فى طبعة 1671 ، فى سفر إشعيا 40 : 22 عبارة "الذى يجلس على دايرة الأرض وسكانها هم مثل جراد : الذى يمد السموات كلا شىء ويبسطهن كمخبأ للمسكون " ، نجدها قد تحولت فى طبعة 1966 إلى : " الجالس على كرة الأرض وسكانها كالجندب الذى ينشر السموات كسرادق ويبسطها كخيمة للسكن " ! وأهم فارق يشار إليه فى هذا التغيير هو حذف عبارة " دايرة الأرض" التى تشير إلى أن الأرض مسطحة حتى وإن كانت مستديرة الشكل ، وكتابة " كرة الأرض" لتتمشى مع التقدم العلمى الذى أثبت أن الأرض كروية وتدور حول الشمس ، وهى القضية التى تمت محاكمة جليليو بناء عليها ، ومن الواضح أن التغيير قد تم بعد ثبوت كلام جاليليو !

وهناك آيات جد محرجة فى معناها ، إذ تكشف عن حقيقة موقف أهل يسوع وأقرباؤه ، كأن نطالع : " ولما سمع أقرباؤه خرجوا ليمسكوه لأنهم قالوا أنه مختل . وأما الكتبة الذين نزلوا من أورشليم فقالوا إن معه بعلزبول وأنه برئيس الشياطين يُخرج الشياطين. " (مرقس 3 :21-22).. وهو ما يؤكده يوحنا ، إذ يقول : " فقال له اليهود الآن علمنا أن بك شيطانا" (8: 52 ) بل يضيف يوحنا : " لأن إخوته أيضا لم يكونوا يؤمنوا به" ( 7 : 5 ) !. فهل يجوز لمثل هذا الإنسان الذى يصفه أقرباؤه بالمختل ، ويرى فيه اليهود أن به شيطانا ، وان إخوته لم يكونوا يؤمنوا به ان يكون إلاها ويصبح "ربنا يسوع المسيح" الذى يجاهد التعصب الكنسى لفرض عبادته على العالم ؟!

أما مسألة يسوع وإخوته فما هو مكتوب عنها يؤكدها تماما ، إذ يقول لوقا : 
" فولدت إبنها البكر و قمّطته وأضجعته فى المزود إذ لم يكن لهما موضع فى المنزل " (2 : 7) .. وعبارة "الإبن البكر" تعنى يقينا أن له إخوة وأخوات كما هو وارد فى متى (13 : 55 – 56 ) ، وأن يسوع ، عليه الصلاة والسلام، هو أكبرهم ، أى الإبن البكر ..
وهو ما يؤكده متى حينما يورد الحلم الذى رآه يوسف النجار :
"فلما إستيقظ يوسف من النوم فعل كما أمره الرب وأخذ إمرأته. ولم يعرفها حتى ولدت إبنها البكر ودعا إسمه يسوع" (1 : 24 -25 ).. وعبارة "لم يعرفها حتى ولدت" تعنى أنه لم يعاشرها جسدا حتى وضعت إبنها البكر. 
وهذا تأكيد على صحة عبارة الإخوة والأخوات المذكورين بأسمائهم فى مرقس (6 : 3) . خاصة وأن النص اليونانى للإنجيل يحمل عبارة "أدلفوس" adelfos)) أى أخ شقيق ، وليس "أنبسوى" anepsoi)) ، أى أولاد عمومة كما يزعمون كلما اُثيرت هذه المشكلة التى تمس بألوهية يسوع ..
وهناك العديد من الوقائع التى لم يشهدها أحد فكيف وصلت لكتبة الأناجيل ، ومنها السامرية التى قابلها يسوع ، رغم العداء الشائع بين اليهود والسامريين ، إضافة إلى أن هذه السامرية بها من المحرمات الدينية والشرعية ما يجعله يبتعد عنها ، فهى متزوجة خمس مرات وتحيا فى الزنا مع آخر ، ورغمها نرى يسوع عليه السلام ، يبوح لها فى إنجيل يوحنا بما لم يقله لمخلوق ( 4 : 26 ) ، بأنه هو المسيح المنتظر !! فاى عقل أو منطق يقبل مثل هذا القول؟
وهناك تناقضات تشير إلى عدم صلب يسوع ، عليه السلام ، بالشكل المعترف عليه الآن، فالنص يقول أنه عُلق على خشبة ! وهو ما يتمشى مع الواقع ، فالصليب بشكله الحالى لم يكن معروفا فى فلسطين آنذاك .. 
وتقول الآيات :
"إله آبائنا أقام يسوع الذى أنتم قتلتموه معلقين إياه على خشبة" ( اع 5 : 30 ) ؛ " ..الذى أيضا قتلوه معلقين إياه على خشبة" ( اع 10 : 39 ) ؛ " ولما تمموا كل ما كتب عنه أنزلوه عن الخشبة ووضعوه فى قبر" ( اع 13 : 29 ) ؛ " المسيح إفتدانا من لعنة الناموس إذ صار لعنة لأجلنا لأنه مكتوب ملعون كل من عُلق على خشبة" (رسالة بولس إلى أهل غلاطية 3: 13) ؛ وهو ما يؤكده بطرس فى رسالته الأولى إذ يقول : " الذى حمل هو نفسه خطايانا فى جسده على الخشبة" (2 : 24 ) .. فأية آيات نصدق فى مثل هذه الأناجيل ؟!. ولا تعليق لنا على إعتبار السيد المسيح عليه الصلاة والسلام " لعنة " و " ملعونا " والعياذ بالله !

وليس كل ما تقدم إلا مجرد شذرات ، مقارنة بعددها الفعلى ، فلا يسع المجال هنا لتناول تلك الآلاف من المتناقضات الثابت وجودها فى النصوص الدينية ، لكنا نشير إلى حقيقة أن هذه النصوص ، بالشكل التى هى عليه ، ليست منزّلة – بإعتراف قادة المؤسسة الكنسية الفاتيكانية ، والعديد من الباحثين . وإنما هى قد صيغت وفقا للأغراض والأهواء السياسية والدينية ، وبالتالى فانه لا يحق لأى "إنسان" أن يحاول فرضها على المسلمين او غير المسلمين !
ليؤمن بها من شاء من أتباعها وليكفر بها من شاء من أتباعها ، لكن فرضها على العالم أجمع ، وخاصة على العالم الإسلامى الموحد بالله الواحد الأحد الذى لم يلد ولم يولد ، فهو أمر مرفوض بكل المقاييس .
 فالآيات التى يتذرعون بها لتنصير الشعوب والتى تقول : 
"فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والإبن والروح القدس" (متى 38 : 19) 
قد تمت صياغتها فى مجمع القسطنطينية ، سنة 381 ، بإختلاق بدعة الثالوث وإقحامها فى الأناجيل التى بدأت صياغتها فى أواخر القرن الأول .. 
فبأى عقل يمكن للدارس أو حتى للقارىء العادى أن يضفى أية مصداقية على ذلك الكم من المتناقضات ؟!..

الأربعاء، 30 سبتمبر 2026

الصهاينة والأقصى..

 الصهاينة والأقصى..



أ. د. زينب عبد العزيز

أستاذة الحضارة الفرنسية

يتكرر العنف الصهيوني على ساحة الأقصى في كل رمضان وسادة العالم ومحركو أحداثه نيام: خرصٌ صمٌ بكمٌ لا يستوعبون ولا يدركون ما يرتبه المولي عز وجل.. ويتكرر العنف الصهيوني الذي اقتلع أصحاب الأرض دهسا وسحقا ومرحا على أجساد الآلاف ومئات القري الفلسطينية التي دكّوها دكا تمهيدا لاستقدام المزيد من الغزاة.. والخُرص خرصاً، والصمٌ صُما، والبكمُ بكما.

ويعلم العالم أجمع أنه لا حق لهم في هذه الأرض، فلا أثر قديم لهم فيها مهما شقوا بطن الأرض وجرفوا أمعائها، ومهما فتحوها بحثا عن أي دليل يثبت وجودهم فيها.. فالتاريخ مهما حاولوا التعتيم لا يعرف طمس الحقائق التي لا بد لها وان تتكشف يوما.


والحقائق الثابتة واضحة معروفة: فالرومان حين احتلوا المنطقة سنة 70، وهدموا المعبد اليهودي وهُدمت معه التوراة، وتم قتل وطرد أو ترحيل اليهود جميعا، لم يبق منهم أحدا.. وتناثروا في الشتات واندمجوا في بلدان الغرب القريبة والنائية، واختلطوا بالأجناس الأوروبية خاصة الخزر، واندمجوا حتى باتوا من نفس السلالة والملة، ولا علاقة لهم بمن كانوا في فلسطين.. فمن يحتلون فلسطين منذ المعاهدة المشؤمة هم من سلالة الخزر ولا صلة ولا علاقة لهم بأرض فلسطين إلا بموجب المخطط الصهيوـ مسيحي القائم لاقتلاع الإسلام.


وقد ظل الفاتيكان يطاردهم ويذيقهم سوء العذاب والمهانة قرونا ممتدة، فهم في نظره: "قتلة الرب" وأجبرهم علي دفع الثمن، مهانة وطردا، يذيقهم فيها كل ما تمخضت عنه وسائل التعذيب والعذاب. فهم من ناحية دليل الجريمة التي اقترفها الفاتيكان واتهمهم بأنهم "قتلة الرب"، ومن ناحية أخري السيد المسيح أصلا يهودي من الذين ثاروا على انفلات القيادات الإسرائيلية، وتم التعتيم على هذه الجزئية طويلا إلى أن تكشفت بفضائح أخري..


مثلما ظل الفاتيكان، منذ القرن الثامن، وحتى يومنا هذا، يحارب الإسلام بكل الطرق والوسائل.. وحينما فشلت كل حروبه الصليبية وما بعدها، قام بأكبر جريمة في حق عقيدته، إذ خرج عنها بكل جبروت وصلف: فبعد أن ظل قرونا متواصلة يحارب فيها اليهود على أنهم "قتلة الرب"، إذا به يتنكر لعقيدته ويبرأهم فجأة من دم السيد المسيح، في مجمع الفاتيكان الثاني سنة 1965. ولم يعودوا "قتلة الرب"، وإنما أصبحوا في نظر الفاتيكان: "إخوتنا الأكبر منّا في الإيمان"..


الأمر الذي أطاح بمصداقية الفاتيكان في نظر أتباعه الذين راحوا يتسللون من عقيدة ثبت لهم أنها تتبدل وتتغير وفقا للظروف والأحداث.. أما الفاتيكان، الذي لا يغلب في تقديم التبرير والمبررات، فقد تحالف مع الصهاينة لمحاربة الإسلام واقتلاعه..


وقد قَبل اليهود اللعبة، وتغاضوا مؤقتا عن كل ما تجرّعوه من الفاتيكان طوال ألفا عام تقريبا، فهم واثقون من هزيمته سحقا عند نهاية اللعبة: لقد تحالف الصهاينة مع الفاتيكان ليقضوا معا علي الإسلام، وهم، أي الصهاينة، واثقون من أنهم يمتلكون خيوط اللعبة بالوثائق.. يمتلكون وثائق "مخطوطات قمران"، ومنها وثيقة البردية المعروفة باسم: "سيد العدالة". وتثبت هذه البردية/الوثيقة أن قصة السيد المسيح، كما تقدمها الكنيسة، هي نقلا حرفيا لقصة حياة "سيد العدالة"، اليهودي الذي ثار على قبيلته وقبضوا عليه وحاكموه وصلبوه..


وما أن يكشف الصهاينة عن هذه البردية/الوثيقة، التي وضعوها مع غيرها في متحف بجوار الكنيست، يتم دخوله ببصمة العين وبصمة اليد، حرصا على كل ما به من وثائق هامة، حتى ينهار الفاتيكان بكل ما نسجه من فريات وكل ما فرضه من حروب وبدع ليسود الصهاينة..


إلا أن تصوراتهم شيء وما يرتبه الله شيء آخر، فالدين عند الله هو التوحيد به، بلا شريك ولا ولد. ولو استرجعنا في عجالة قصة الرسالات الثلاثة، لوجدنا أن اليهود قد حادوا عن التعاليم التي أتي بها إبراهيم وموسى عليهما السلام، وعادوا للعجل وقتل الأنبياء، وبدّلوا النصوص التي كُتبت من الذاكرة بعد هدم المعبد.. مثلما حاد النصارى عن تعاليم السيد المسيح في القرن الرابع وعدّلوا وبدّلوا في النصوص حتى جعلوا منه إلها في مجمع نيقية سنة 325، ثم إبن إله ثم جزء من ثالوث في مجمع خلقيدونيا سنة 381، ثم الثلاثة في رب واحد!!


وتحالف الفريقان ضد الإسلام، بالتحايل والغدر حينا، وبالمحبة والأخوة حينا آخر، متناسين أن الدين عند الله هو الإسلام، وأن القرآن هو النص الوحيد المنزّل من عند الله والذي لم يتبدل فيه حرفا واحدا منذ أنزله المولي عز وجل حتى يومنا هذا. ويتضمن القرآن الدليل القاطع من رب العزّة علي مختلف أنواع ما تم من تحريف وتبديل في الرسالتين السابقتين. وهو ما يملأ ثلث صفحات القرآن الكريم تقريبا.

وقد لخص لنا رب العزة رسالة التوحيد في سورة {الإخلاص} بوضوح شديد لنتمسك بكل حرف فيها:

{قل هو الله أحد}: التوحيد المطلق لله سبحانه وتعالي،

{ألله الصمد}: الله الواحد الأحد هو من نلجأ إليه ونستعينه في كل شيء،

{لم يلد ولم يولد}: تنزيه ونفي مطلق لبدعة تأليه السيد المسيح،

{ولم يكن له قفواً أحد}: تنزيه مطلق عن أن يكون أحد أضلاع الثالوث أو أي شبيه.


ليتنا نعي الدروس المتتالية في إيقاعها متسارع الخطي، ليتنا نتمسك بتعاليم الإسلام ولا ننساق في أي بدعة من بدع الغرب الصهيوني الصليبي المتعصب، وقد أعماه الجبروت والصلف، متناسيا وجود رب العزة سبحانه وما يمكن أن يكيله لكل ظالم..

زينب عبد العزيز

8 مايو 2021

الخميس، 10 سبتمبر 2026

أكذوبة زيارة العائلة المقدسة !

أكذوبة زيارة العائلة المقدسة !

أ. د. زينب عبد العزيز
أستاذة الحضارة الفرنسية



تمثل أكذوبة "هروب العائلة المقدسة إلى مصر"، فرية الفريات التي نسجتها الكنيسة في القرن الرابع وما بعده. وهي إضافة جديدة إلى كل ما سبق ونسجته، لتؤكد ان كل جزء في هذه المسيحية عبارة عن تحقيق لإحدى نبوءات العهد القديم.. إلا أن العلماء الذين اهتموا بالبحث في مختلف المجالات، بالنسبة لأصول تلك الديانة، يؤكدون ويثبتون، تفاصيل أكبر عملية تزوير في قصص الأناجيل وأساطيرها.. فعندما تم فرض المسيحية في القرن الرابع ديانة رسمية لكل الإمبراطورية الرومانية، انبرى الكهنة في كل دولة لاستكمال صياغة الأناجيل ليتم فرضها كنصوص منزلة، متخذين من نصوص العهد القديم دليلا على كيانهم الذي يختلقونه. كما قامت في نفس الوقت بإدخال أهم الجزئيات من الديانات المحلية لتسهيل عملية دخول الأتباع في المسيحية. وهو مما تم فرضه في مجمع نيقيه الأول سنة 325 لتأليه يسوع.. وهنا يؤكد كلا من ديفيد إيكة، وجيرالد ماسيه، وجريفز ـ على سبيل المثال لا الحصرـ إلى وجود من مائة إلى ثلاث مائة نقاط تشابه بين يسوع وكريشنا.. ولا أقول هنا شيئا عما استحوذوا عليه من الديانة المصرية القديمة وغيرها..

أصل الحكاية:
إن السند الوحيد في الأناجيل لقصة "هروب العائلة المقدسة إلى مصر" هو إنجيل متّى فقط. وأبدأ بعرض ما ورد به:

"وبعد أن انصرفوا إذا ملاك الرب قد ظهر ليوسف في حلم قائلا قم وخذ الصبي وأمه واهرب إلى مصر وكن هناك حتى أقول لك. لأن هيرودس مزمع يطلب الصبي ليهلكه. فقام وأخذ الصبي وأمه ليلا وانصرف إلى مصر، وكان هناك إلى وفاة هيرودس. لكي يتم ما قيل من قبَل الرب بالنبي القائل من مصر دعوت ابني" (متّى 2: 13 ـ 15). وعندما علم هيرودس "ان المجوس قد سخروا به غضب جدا. فأرسل وقتل جميع الصبيان الذين في بيت لحم وفي كل تخومها من ابن سنتين فما دون بحسب الزمان الذي تحققه من المجوس. حينئذ تم ما قيل بإرمياء النبي القائل" (متّى 2: 16 ـ 17).

وفي الفقرة التالية يواصل متّي: "فلما مات هيرودس إذا ملاك الرب قد ظهر في حلم ليوسف في مصر قائلا. قم وخذ الصبي وأمه واذهب إلى أرض إسرائيل. لأنه قد مات الذين كانوا يطلبون نفس الصبي. فقام وأخذ الصبي وأمه وجاء إلى أرض إسرائيل. لكن لما سمع إن أرخيلاوس يملك على اليهودية عوضا عن هيرودس أبيه خاف أن يذهب إلى هناك. وإذ أوحى إليه في حلم انصرف إلى نواحي الجليل. وأتى وسكن في مدينة يقال لها الناصرة. لكي يتم ما قيل بالأنبياء أنه سيدعى ناصريا" (متّى 2 : 19 ـ 23).
هذا هو كل ما هو وارد بالإنجيل وفقا لمتّى: يوسف النجار يحلم بأن ملاك الرب ظهر له في الحلم وأمره أن يهرب بالطفل وأمه إلى مصر، وفي حلم آخر يسمح له الملاك بالعودة إلى إسرائيل، لكن يوسف يخالف قول الملاك ويخشى الذهاب إلى إسرائيل، فقام الملاك بتغيير رأيه وأمر يوسف في حلم ثالث بالذهاب إلى مدينة الناصرة التي لم تكن موجودة أيام المسيح!! واللهم لا تعليق، لكن العلماء في الغرب يعلقون ويفنّدون ولا يعبئون..

فالغريب أنه لا مرقص ولا يوحنا يتحدثان عن تلك الرحلة المزعومة، رغم أهميتها فرضا، ولوقا قد غير تاريخ قصة التعداد ليضعها بعد اثني عشر عاما، أي بعد وفاة هيرودس. غير إن هذا التغيير قد نجم عنه تناقضا جديدا: لماذا عاد هيرود بسن الأطفال الذين يود اغتيالهم إلى عامين ؟ والرد هو: لأن الوقت بين مجيء "الرعاة" وسفر العائلة المقدسة إلى مصر هو بضعة أشهر.. إن نبوءة ارميا التي استشهد بها كاتب هذه الفرية لا تتحدث عن اغتيال الأطفال وإنما عن ترحيلهم.. كما إن المؤرخ فلافيوس جوزيف قد تحدث طويلا وبالتفصيل عن هيرودس في كتابه "آثار يهودية"، لكنه لم يقل أي شيء حول قراره اغتيال الأطفال هذا.. بل ولا يوجد له أي أثر في أهم المراجع لنسخ الكتاب المقدس الكاملة باللغة اليونانية التي ترجع للقرن الرابع، وهي: النسخة السينوية والفاتيكانية والسكندرية...!

والأدهى من ذلك، إن المراجع التاريخية لا تذكر سوى واقعة واحدة لذبح الأطفال، وقعت أيام إسكندر ينّاي، ملك منطقة اليهودية وكبير كهنة القدس (103 ـ 76)، الذي أخمد ثورة للفلاحين الفريسيين، وأمر بصلب ثمانمائة فريسي وتعليقهم على خشبة، ثم ذبح زوجاتهم وأطفالهم أمامهم وهم معلقون في انتظار الموت.. والثابت تاريخيا إن هذه الواقعة حدثت قبل الميلاد بثمانية وثمانين عاما..

وهنا يقول ميشيل كوكيه، أحد الباحثين الفرنسيين والشماس الكاثوليكي السابق: "المؤرخون، ولله الحمد، أقروا أن قصة هروب العائلة المقدسة إلى مصر، مثلما يحكها إنجيل متّى لا يمكن تصديقها. إذ إن عبور صحراء شديدة الحر نهارا قارصة البرد ليلا، طولها خمسمائة كيلومترا، في منطقة غير آمنة، بها اللصوص والحيوانات المتوحشة، على ظهر حمار لا يمكنه أن يحمل على ظهره المياه والطعام اللازم لمثل هذه الرحلة، هي مغامرة من المحال تحقيقها بالنسبة لزوج وزوجة وطفل رضيع. فإذا افترضنا جدلا إن يوسف النجار كان يسير بواقع خمسة عشر كيلومترا في اليوم، فكان عليه أن يسير حوالي شهرا في هذه الظروف القاسية. فالطريق كان يتجه من بيت لحم إلى الخليل، ثم من غزة كان على العائلة المقدسة أن تتبع طريق القنطرة والإسماعيلية ومنها إلى القاهرة. وفي حقيقة الأمر، نحن لا نمتلك أي دليل على هذه الرحلة، حتى وإن كانت الكنيسة القبطية قد أصدرت حديثا (بواسطة وزارة السياحة المصرية!) [وارد في النص بين قوسين وعلامة تعجب] خط سير هذه الرحلة اعتمادا على بردية من القرن الخامس، مكتوب عليها الطريق الذي سلكته العائلة المقدسة، بل ويحددون إن إقامة العائلة امتدت في مصر إلى ثلاث سنوات وأحد عشر شهرا.. وبكل أسف إن القرن الخامس هو ذلك القرن الذي كان فيه اختراع قصة يسوع على وشك الانتهاء".. ("حياة يسوع بلا خداع"، 2003)..

ثم يوضح ميشيل كوكيه قائلا: "بعد قرن من الحفائر الأثرية المقدسة لم يتم العثور على أي دليل عن الهروب إلى مصر ". وقد استقروا في الناصرة لكي تتم نبوءة الأنبياء: "إنه سيدعى ناصريا" (متّى 2: 23). وهنا يوضح كوكيه: "تظهر مشكلة جديدة: فما من مؤرخ وجد مثل هذه النبوءة في العهد القديم، كما لم يتم العثور على مدينة الناصرة في تلك الفترة. لذا لا يوجد أي أمل في العثور على ما يثبت ذهاب العائلة المقدسة إلى مصر".

إن الثابت تاريخيا إن الديانة المسيحية ديانة انتقائية النزعة لإثبات وجودها استنادا إلى تحقيق نبوءات العهد القديم. أي أنها تنتقي الجزئية التي تناسبها وتترك الباقي حتى وإن كانت جملة واحدة. فعبارة "من مصر دعوت ابني" (هوشع 11: 1) هي النصف الثاني من جملة متعلقة بإسرائيل، إذ يقول هوشع: "لما كان إسرائيل غلاما أحببته ومن مصر دعوت ابني" (طبعة 1966)! أما في طبعة 1671 فتقول الجملة: "كما جاز الصبح كذلك جاز ملك إسرائيل لأن إسرائيل صبي وأحببته ومن مصر دعوت ابني".. وفي كلا الحالين الجملة متعلقة قطعا بإسرائيل طفلا ولا علاقة لها بيسوع..

تنويعات في صياغة الفرية :

تتفق بعض المصادر على قول إن العائلة المقدسة حين هربت إلى مصر لم تسلك أحد الطريقان المعروفان آنذاك، وإنما سلكت طريقا آخر. والدليل الوحيد على ذلك التغيير هو نص ثيوفيلس، بطريرك الإسكندرية، وكل ما دونه في يومياته بناء على حلم رآه.. ومن اللافت للنظر إن العهد القديم يغص بالقصص الدرامية والمآسي والهروب، أما العهد الجديد فلا ترد به سوى حالة هروب واحدة، إلا أنه تم غرسها في الوجدان التاريخي للمسيحيين وأصبحت أحد الموضوعات الهامة حتى في المجال الفني الى القرن الثامن عشر عندما بدأ يختفي تصوير هذا الموضوع لبداية عصر التنوير وكشف ما قامت به الكنيسة من فريات ومآسي..

والغريب إن هذه القصة واردة باقتضاب شديد في إنجيل متّى فقط. ولا ترد عنها أية تفاصيل، في حين أنها تمثل، فرضا، جزئية هامة في حياة يسوع. وكل المعلومات والتفاصيل مستقاه من إنجيل "متّى المزعوم" أو "المستبعد". والأكثر غرابة أنه يذخر بالتفاصيل بصورة غير تقليدية ويشرح خط سير العائلة المقدسة في مصر. والداعي للدهشة هنا إن هذا الإنجيل المستبعد والذي أخذوا عنه كل تفاصيل الرحلة مكتوب فيما بين القرن الثامن والتاسع، أي بعد الحدث المزعوم بثماني أو تسعة قرون! وهذه التفاصيل هي التي تم أخذها على أنها حقائق تاريخية.. وفيما يلي بعض ما تناقلته المراجع وتم ترسيخها على أنها حدثت فعلا :
يقول هذا الإنجيل المستبعد من الكيان الكنسي، في الإصحاح العشرين: "في اليوم الثالث مريم كانت متعبة، جوعى وعطشى. فجلست في ظل نخلة، لكن النخلة كانت شديدة الارتفاع ويوسف لم يتمكن من الوصول إلى فاكهتها، عندئذ قال يسوع الطفل: "يا شجرة انحني ورطبي أمي بفاكهتك"، وعند سماع هذه الكلمات انحنت النخلة حتى أقدام مريم فجمعوا الفاكهة وجميعهم ارتووا. وبعد أن جمعوا كل الفاكهة (...) قال يسوع: "ليتدفق من بين جذورك النبع المدفون وأن تجري المياه بقدر حاجتنا". فارتفعت النخلة وسالت المياه من بين جذورها نقية ندية. وحينما رأوا المياه امتلأوا سعادة وشربوا مع كل الحيوانات الموجودة والرجال الموجودين، وحمدوا الرب".

ومنذ القرن التاسع بدأت تظهر معجزة النخلة ونبع المياه في الأيقونات جنبا إلى جنب مع الأشخاص الرئيسية الثلاثة الأصليين. ولا يقال لنا من أين أتت هذه الحيوانات ولا هؤلاء الرجال الذين لا سند لهم في الأصل..

وفي الإصحاحات من 22 إلى 24 في نفس الإنجيل المزعوم أو المستبعد، نطالع قصة الفارين الثلاثة عند دخولهم معبد "سيوتنن" حيث كان يوجد 365 تمثالا : "وحينما دخلت مريم والطفل في المعبد كافة التماثيل وقعت على الأرض، لتكشف بوضوح أنها لا تعني شيئا (...)، وعندما أخبروا أفروديزيس، حاكم المدينة، جاء إلى المعبد واقترب من مريم وأدى التحية للطفل الذي بين ذراعيها (...)، وفي هذه اللحظة كل سكان المدينة آمنوا بالله عن طريق يسوع المسيح" !..

وتم تناقل هذه القصة مع تزايد في المعجزات وفي عدد السنوات التي من المفترض قضاها يسوع. وعلى الرغم من أنه لا يوجد أي دليل تاريخي حول هروب العائلة المقدسة وإقامتها في مصر في الأناجيل المعتمدة سوى في الإنجيل وفقا لمتّى، فإن الأناجيل المحجبة تزخر بالتفاصيل حول مدة السنوات التي امضوها في مصر لتنتقل من ثلاث سنوات وبضعة أشهر إلى سبع سنوات مع تدوين مختلف التفاصيل والقصص المختلقة. ويحتفل الأقباط ببيت العذراء في دير المحرّق، ويحتفلون بهروب العائلة المقدسة إلى مصر في 26 ديسمبر..
وبغض الطرف عن المغالطة في هذا التاريخ، فالمفترض زعما إن يسوع وُلد في 25 ديسمبر، وظل حتى ختانه في اليوم الثامن ثم تم تقديمه للمعبد بعد أن تطهرت مريم من ولادته (وهو الإله المزعوم !)، ثم تأتي عملية الهروب المزعومة أيضا، فكيف يتم الاحتفال بالهروب ثاني يوم مولده الذي اعترف البابا يوحنا بولس الثاني أنه كذبة من الأكاذيب الكنسية، فذلك تاريخ ميلاد الإله ميترا، الشمس التي لا تقهر ؟
وتقول الباحثة ألكسندرا دورّ في بحثها حول "طفولة يسوع" : "إن هذه القصة تطورت بناء على تكوين النموذج الأوّلي، الذي تمت صياغته فيما بين القرن الخامس والسادس، وبدأ التكوين الفني يزدحم بإضافة شخص ثم مجموعة ثلاثة أشخاص حتى وصل الجمع إلى مدينة مزدحمة .. وذلك في الوقت الذي يقول فيه المصدر الإنجيلي الوحيد: "فقام وأخذ الصبي وأمه ليلا وانصرف إلى مصر" (متّى 2: 14). وبينما يقول متّى إن الهروب إلى مصر وقع قبل "مذبحة الأبرياء"، فإن النصوص المحتجبة اتفقت على تغيير التاريخ وجعلت الهروب إلى مصر عقب المذبحة. كما ملأوا النص بالتفاصيل وأهمها إضافة الأشخاص".

وتحت عنوان "وقائع تاريخية وعبادة" تقول الباحثة: "لا يوجد أي أثر مكتوب يشهد تاريخيا بأن الهروب إلى مصر قد وقع فعلا. والإنجيل وفقا للوقا لا يتجاهل واقعة الهروب فحسب، وإنما يعلن أن العائلة المقدسة، بعد تقديم الطفل يسوع إلى المعبد، عادت إلى منطقة الجليل، في مدينة الناصرة (لوقا 2 : 39). وهو الأصح تاريخيا بما إن هيرودس لم يزعج المسيح ابدا لأنه كان يجهل وجوده في تلك المدينة"..

وذلك هو ما أقصده تماما بقول إن المسيحية الحالية ديانة انتقائية تلفيقيه، تأخذ ما يروقها وتترك الباقي. ففي الأناجيل المعتمدة إنجيل يقول ان العائلة المقدسة هربت إلى مصر (متّى)، وإنجيل آخر، هو لوقا، يقول إنها عادت إلى الناصرة، أي أنها لم تحضر إلى مصر على الإطلاق.. فاختارت المؤسسة الكنسية ما يبرر لها تلفيق وترسيخ وجودها في مصر منذ الخطوات الأولى للمسيحية، ـ التي ظل الرومان يحاربونها فيها وبضراوة حتى القرن الخامس!
أما جويندولين دي مولينير، فيقول في بحث عن "سقوط الأصنام أثناء الهروب إلى مصر" : "إن جزئية تصوير سقوط الأصنام عند هروب العائلة المقدسة كثيرا ما تناقلها فنانوا القرون الوسطى، مستوحين فقرة إنجيل "متّى المستبعد". وهو موضوع مرتبط بتراث شفهي منتشر في الشرق ويعود أساسا إلى أناجيل محتجبة تتعلق بطفولة يسوع. ويرجع إنجيل "متّى المستبعد" الذي تمت صياغته في أواخر القرن السادس أو بعد ذلك، لكننا لا نمتلك منه أي نسخة مخطوطة قبل القرن الحادي عشر. كما توجد تنويعات لهذه القصة في الإنجيل العربي لطفولة يسوع الذي تمت صياغته في القرن السادس، ويضم الكثير من القصص الأسطورية حول طفولة يسوع".

ويعلق دي مولينير على هذه الجزئية في بحثه قائلا: "إن هذه التقنية في التفسير التي يطلق عليها الدليل عن طريق الكتابة، تتلخص في إظهار الحدث الذي عاشه يسوع على أنه تحقيقا للعهد القديم. وقصة سقوط الأصنام عند مرور يسوع تعتمد على نفس التقنية: فقد تولدت من نص نبوءة في العهد القديم وكان لا بد من تبريرها (إشعياء 19: 1 ؛ إرمياء 43 : 13)".

أما في تعليقه على معنى تحطيم الأصنام فيقول إنها بدأت في القرن الحادي عشر والثاني عشر لإثبات انتصار يسوع وانعكاس سلطانه على الوثنية المصرية، موضحا: "إن تمثيل سقوط الأصنام هو جزء لا يتجزأ من أسلوب سيطرة الديانة المسيحية على العقائد الأخرى، القائمة على تحطيم صورة الآخر وفرض وجهة النظر الجديدة".. غير إن كمّ التماثيل المصرية القديمة الذي لا يزال قائما يعد أكبر دليل على هذه الأكاذيب.

الموسوعة: وعنوانها الفرعي: "القاموس العقلاني للعلوم والفنون والحِرَف":

وهي أول موسوعة شاملة في التاريخ الفرنسي، في القرن الثامن عشر، وتضم سبعة عشرة مجلدا للمقالات وأحد عشر مجلدا للوحات البيات والصور. وتمثل السلاح الأساسي في الصراع العلمي والفلسفي في معركة العلماء ضد ظلمات الكنيسة وتعتيمها على التقدم العلمي والإنساني وعلى ما اقترفته من فريات. وقد امتدت صياغتها خمسة عشر عاما واستغرقت طباعتها واحد وعشرين عاما. وقد قام البابا كليمنت الثالث عشر بإدانة الموسوعة ووضعها ضمن الكتب المحرّمة، في وثيقة "الإنديكس" يوم 5 مارس 1759، كما هدد الكاثوليك بالطرد والحرمان إن لم يقوموا بحرق النسخ التي لديهم..

وفي جزئية الأناجيل المحتجبة، وعدد الوارد منها تسع وثلاثين، تقول الموسوعة عن إنجيل يسوع:

"إنه مصنف للمعجزات التي يفترضون أن يسوع قام بها منذ نعومة إظفاره في رحلته إلى مصر وبعد عودته إلى الناصرة حتى سن الثانية عشر. وهو باللغة العربية ومعه ترجمة باللاتينية بقلم هنري سيكيوس. كما قام السيد كوتييه بإضافة جزءا باليونانية. وفيما يلي بعض عينات من الأساطير والخرافات التي يتضمنها هذا الإنجيل المزيف. ويتحدثون عن مولد يسوع المسيح في هذه الظروف: إن يوسف جرى إلى بيت لحم يبحث عن داية وعندما عاد إلى المغارة كانت مريم قد وضعت والطفل ملفوف ونائم في مزوده: وإن الداية التي أحضرها يوسف كانت مصابة بالجزام لكنها ما أن لمست الطفل حتى شفيت من الجزام: وإن الطفل تم ختانه في المغارة وتم الاحتفاظ بغرلته في آنية من الألبستر والمراهم، وإن نفس هذه القنينة هي التي اشترتها مريم الزانية ودهنت أقدام الرب (...). يلي ذلك هروب العائلة المقدسة وإقامتها في مصر. وامتدت هذه الرحلة ثلاث سنوات مليئة بالمعجزات التي لا ترد على الإطلاق في أي نص آخر ؛ ومنها زوجة شابة أصيبت بالبكم وما أن قبّلت الطفل يسوع حتى عاد إليها النطق، ورجل كان مسحورا على هيئة بغل عاد إلى شكله الطبيعي ما أن رأى الطفل يسوع. وعند عودته إلى بيت لحم قام بمعجزات أخرى".

وتدرج الموسوعة العديد من التفاصيل لتنهي هذا الجزء بمعلومة لافتة للنظر خاصة وأنه يتم التعتيم عليها في كافة الوثائق الكنسية المعلنة: "وأخيرا وصل يسوع إلى سن الثانية عشر وظهر في المعبد وسط العلماء الذين أدهشهم بأسئلته وإجاباته، لا حول الشرع فحسب، ولكن أيضا حول الفلسفة وعلم الفلك وكل مختلف العلوم. ثم عاد به يوسف ومريم إلى مدينة الناصرة حيث ظل بها إلى سن الثلاثين، خافيا معجزاته ودراسته للشرع. وذلك هو ملخص الأشياء الرئيسية الواردة في النص العربي الذي ترجمه سيكيوس. أما الجزء اليوناني الذي ترجمه السيد كتلييه فهو يختلف قليلا فيما يتعلق بترتيب المعجزات والظروف، لكنه يحتوي على وقاحات وقصص أكثر استهزاء مما تقدم"..
والغريب ان كافة الوثائق الكنسية لا تذكر شيئا عن حياة يسوع من سن الثانية عشر حتى سن الثلاثين، حين بدأ يبشر !!

خلاصة الفرية:

لو حاولنا تلخيص أصل الحكاية لوجدنا أنها قائمة على سندين اثنين:
1 ـ ان ملاك الرب ظهر ليوسف في الحلم، وطلب منه الهروب إلى مصر حماية للطفل الذي يريد هيرودس قتله. وعند وفاة هيرودس ظهر ملاك الرب ليوسف وأمره بالعودة إلى إسرائيل لكن يوسف يرفض قول ملاك الرب، فيقوم ملاك الرب بتغيير نصيحته ويطلب من يوسف، في حلم ثالث، أن يذهب إلى الجليل ويسكن في الناصرة كما قال لوقا في إنجيله (2 : 39)، وهو ما يتناقض مع الرواية الأصلية، رواية متّى الذي قال أنه أخذ الكفل وأمه وذهب إلى مصر!
أي إن القصة قائمة على ثلاثة أحلام شاهدها يوسف، ليتمم نبوءات العهد القديم، ويثبت إنجيل آخر هو إنجيل لوقا أن يوسف لم يذهب إلى مصر وإنما عاد إلى الناصرة. وأكذوبة أخرى متعلقة بهيرودس ومذبحة مزعومة لم يقم بها وإنما هي قد تمت قبل ميلاد يسوع بثمانية وثمانين عاما أيام إسكندر ينّاي.. وقد أقر المؤرخون المعاصرون إن القصة كما هي واردة في إنجيل متّى من المحال تصديقها وشرحوا السبب عمليا وعلميا: بناء على الحفائر الأثرية وبناء على استحالة أن يقوم رجل وامرأة ووليدها بالسير لمدة أكثر من شهر في صحراء على ظهر حمار !!! كما إن المؤرخين قد أقروا بعدم وجود أي دليل تاريخي على تلك الفرية حتى وإن كانت الكنيسة القبطية قد أصدرت بواسطة وزارة السياحة المصرية كتيّبا لإثبات تلك الأكاذيب. بل أجمعوا على إنه لا يوجد أمل في العثور على ما يثبت ذهاب العائلة المقدسة إلى مصر بناء على الحفائر الأثرية التي تمت.
2 ـ أما السند الثاني فهو الحلم الذي رآه البطريرك ثيوفيلس في أواخر القرن الرابع بأن السيدة مريم زارته في المنام وحكت له الرحلة المزعومة. فقام ودونها في مذكراته الشخصية. ثم تم الاستعانة بها وبكل التفاصيل الواردة في إنجيل مكتوب في القرن الثامن أو التاسع لينسجوا قصة لم تحدث على الإطلاق.. وتوالت الفريات بزعم رحلة بطول القطر المصري وعرضه وزعم تدمير كل التماثيل المصرية القديمة، التي لا يزال أغلبها قائم، لزعم فرية إن كل سكان مصر آمنوا بيسوع وانتصاره على الوثنية وتنصروا..
ولا تعليق لي إلا: اللهم ارحمنا من الفريات !!
فكيف يمكن كتابة التاريخ بناء على حلم في إطار نصوص تتناقض، وبناء على حلم آخر بعده بأربعة قرون ليتم صياغة الفرية بناء على تفاصيل إنجيل مزيف ومستبعد من نفس المؤسسة الكنسية ؟؟

زينب عبد العزيز
14 أغسطس 2016