الجمعة، 1 ديسمبر 2017

من سيرة الصبا.. الحب والخروف

من سيرة الصبا.. الحب والخروف
أحمد عمر


كانت للمدارس هيبة في تلك الأيام، المدرّس مقدر وموقر، ويشار له بالبنان، إنه واحد من نجوم المجتمع. والمدير نافذ، والموجه التربوي له شرف وزير، وزمجرة وزئير.  كانت المدرسات الوافدات من مدن الداخل، إلى مدن الأطراف، التي تعاني من نقص حاد في المعلمين، جميلات، كلهن جميلات، أم لعلهن تجملن بالثياب الحديثة الضيقة، والتنانير القصيرة. وكانت أضيقهن ثيابا الآنسة شذى العبلاء التي فعلت في شباب البلدة ما فعله مائة مدفع. في الصباح، عند بدء دوام المدرسة، يخرج الشباب على النواصي ليشهدوا موكبها إلى المدرسة، وكانت إذا مشت، مشت في إثرها أيائل ووعول، وإذا حان موعد خروجها، استنفروا استنفارا، ينفخون صهدا من صدورهم ويتحرقون شوقا إلى الابتراد، ويشتمون حظوظهم السوداء، ويتوقون إلى تحريرها من ذلك الضيق، فللحرية الحمراء أبواب كثيرة.

رأى الفرسان الثلاثة الاثنين معا في يوم الجمعة: رمز الهيبة والرعب، ورمز الجمال والرغبة، أمام باب المدرسة، نذير الماردوني والآنسة شذى العبلاء، وقد أتيا للمدرسة من أجل درس خاص جدا، درس لحن الخلود والنشاط الطلائعي، وهو أخص درس عرفته البشرية، وهو الدرس الذي قامت من أجله حرب طروادة. اليوم يوم عطلة يا ليوث البر والغاب، فالمهمات التربوية لا تقع في يوم الجمعة. إن ارتياد المدرسة في يوم عطلة، وثالثهما الشيطان مريب، ويثير الشكوك. لقد نجح الموجه التربوي في إيقاع الآنسة الحسناء في شِراكه، هذا هو الصياد، أي دودة ذهبية نصبها في الشرك يا كباش الله؟ صادها صيد الحمام كما يقول دريد عواضة. لم يجرؤ على اصطحاب الصيد إلى البيت، فجاء به يأكله في المدرسة، العلم نور.

لا قبل لنا بالدولة وأغانيها وأنوارها، كره الفرسان الثلاثة هذه الأغنية، وإن كانوا يتحرقون للمشاركة في الحفلة السرية، فيها بنات جميلات والآنسة شذى هي المشرفة على تعليم بشرية هذه البلدة فنون الاشتراكية والحرية والوحدة، ماذا نفعل؟ وقعت الآنسة في أسر السلطة والهيبة، وبدلا من أن تكون معلمة صارت تلميذة، ووقعت السلطة والتربية بدروها في فخ فخذي امرأة منصوبين كالمشانق، استبقا الباب هو وهي، وقدت قلوب الصبية من قبل ومن دبر، وطال اللقاء في الداخل، امتد درس "لحن شجرة الخلّد" التي وسوس بها إبليس لأبينا آدم، والثلاثة واقفون ينتظرون على النار. ماذا نفعل أيها الفرسان؟ هذه نكاية ما بعدها نكاية، لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم. المنية ولا الدنية، تعالوا نثأر للعلم، يا ضيعة العلم والنور.

سنقيم عليهما الحد. وطفقوا يرجمون نوافذ المدرسة بالحجارة، فحطموها، واضطر نذير الماردوني إلى الخروج لتفقد القصف الجوي الذي أفسد لحن الخلود، أخرج رأسه من الباب، فأطل على الفرسان متلبسين بالجرم المشهود، فألقوا حجارتهم وتواروا خائفين. ليس أكثر غضبا من الإنسان سوى الحيوان إذا ما أفسد عليه لحن الخلود، يصير النور في عينيه ظلاما، ويصبح الثأر لزاما. 

 غادر الموجه التربوي مع الآنسة شذى في سيارته الجيب بعد إتمام ممارسة النشاطات الطليعية، وتحقيق الوحدة والحرية والاشتراكية، لكن بين اثنين من سكان الحزب، غادرا بعد أن لقنا المقاعد والحيطان والسبورة والشعارات المدرسية درساً لن تنساه أبدا. شبعت المقاعد من الطرب والمتعة والنشاط الطليعي وكفرت بالشعارات الكثيرة التي لا طعم لها من هول السعير.

فكر الصبي الضّلّيل: هذه الخيانة كان يلزمها خروف سحري مثل خروف "بستم بردم". ضحك الصاحبان، وتذكرا خروف الحكاية الشهيرة، الخروف الحارس للشرف، الأقوى من التنين. كل آت آت، ناموا ليلتهم تلك، وهم يمضغون الذل والهزيمة كما لو أنهم خسروا موقعة، وفي الصباح واجهوا امتحان النشيد الصباحي، سيأتي الموجه ويتفقدهم، يتفقد الموجهون والمدرسون أظافر التلاميذ صباحا، البراثن ممنوعة، الشعر الطويل ممنوع، البوط عسكري جلدي، فالبلاستيكي ممنوع، الهندام موحد. فماذا هم فاعلون، قال قرمجي: نختبئ في المراحيض. فعلا ليس أمامنا سوى هذا الحل. رنّ الجرس، فاختبأوا في المراحيض، وآثروا رائحة الحموض، والمخلفات البشرية على العقاب، وجاء الموجه التربوي وتفقد خصومه، وسار بين الصفوف مثل عنترة بن شداد قبل الغزو، فلم يجد غرماءه، صدحوا بالنشيد، وتبرع الكرماء منهم بالقروش من أجل فلسطين، تقدموا وأسقطوها في الصندوق، فاستمتع المدرسون بالرنين وصفقوا. ودخل التلاميذ الصفوف.
  
 أخرجوا رؤوسهم، الباحة خالية، هرعوا إلى الصفوف متفادين المرور أمام باب الإدارة، دقوا على الباب، ففتحت الآنسة مها مستغربة: هذا التأخر جريمة ويلزمها عقاب. المدارس تشبه الخدمة العسكرية. أين كنتم؟ سكت الثلاثة.. قال قوب مخترعا كذبة: أضاع أحمد ليرة وكنا نبحث عنها. - قال قرمجي: سقطت في الصرف يا آنسة

الآنسة مها رقيقة وحنونة، سمحت لهم بهم بالدخول، في مرة سابقة، شكتهم إلى المدير، فنالوا عقوبة الفلقة أمام تلاميذ الصف. أشارت إلى اللوح: فقرأوا: إنشاء وتعبير شفهي. هذه هي المرة الأولى التي تطلب معلمة تعبيرا شفهيا، التعبير دائما موضوع مكتوب، موضوع عن رحلة، أو معلم في يوم عيده، أو أم في عيدها، أو فقير بحاجة إلى مساعدة. من منكم قادر على رواية حكاية، لن تعاقبوا مقابل حكاية، الحكاية ديّة التأخير. رأت الآنسة هذا الحل الظريف للثلاثة، فرفع الصبي الضّلّيل إصبعه متطوعا، وخرج ووقف أمام التلاميذ وراح يحكي باللهجة الدارجة خالطا كلمات بدوية مع كلمات كردية، الحكاية التي فكّر فيها طوال الليل قبل أن ينام، حكاية الموجه التربوي مع شذى اللذة والخيال: كان يا ما كان، زوج وزوجة، ولها عشيق، فشهق الأولاد من العلاقة بين الثلاثة: الزوج والزوجة والعشيق، وشُدهت الآنسة مها فهذه حكاية للكبار..

صار اسم الآنسة شذى فيما بعد الآنسة: بستم، واسم الموجه التربوي نذير الماردوني: بردم، ما إن يراهم التلاميذ في الشارع حتى يهتفوا: بستم، ثم يقولوا في جوقة واحدة بردم
مواقع التواصل

 تابع الولد: وكان للزوج خروف سحري يدافع عن البيت، وعن شرفه. للخروف قوة تنين وبأس أسد. خرج الزوج لتجارته، فاستدرجت الزوجة عشيقها إلى العش من أجل... كتابة الوظائف غير المدرسية، لكنها خافت من الخروف، فهي تعرف أنه لن يسمح بالخيانة، لو تعرفين يا آنسة غيرة الكباش على القطيع. المهم أنها قررت قرارها، وأمسكت بالسكين وغدرت به وذبحته، وأحضرت قدرا كبيرا وسلخته ورمته فيه، لم تكتف بذبحه، بل إنها أرادت إطعام العشيق من لحم الخروف الحارس، وقالت للعشيق: تمتع بالخروف يا حبيبي وقرة عيني، هذا يوم السعد والمنى. فضحك التلاميذ وصفق بعضهم. وقال الصبي في نفسه، كان يوم سعد: لحمان لذيذان، لحم الزوجة ولحم الخروف. فضحكوا

فتحت للعشيق الباب فدخل، واقترب من القدر ليذوق لحم الحارس الخروف، فالتصق بالقدر، ففزعت الزوجة وهرعت لنجدته، فالتصقت هي الأخرى، والقدر ساخن ويغلي، فطلبا النجدة، فهرع الجيران لنجدتهم، فالتصقوا بالقدر، اصطف طابور طويل كطابور الفرن أمام القدر ملتصقين ببضعهم، الزوجة الخائنة والعشيق والجار والجارة وأولاد ورجال وعجائز. التصقت حارة بأكملها بالقدر. أخبروا الزوج فجاء للنجدة، وعرف بالقصة والخيانة، واطلع على مصير خروفه المغدور الوفي، الذي دافع عن شرف بيته حياً وذبيحاً، وقال لخروفه في القدر: "بردم" فأطلق سراح الجيران الأبرياء، لكنه قال له: أما هذان "فبستم" فظلا ملتصقين بالقدر. وسكت الولد فقد انتهت الحكاية.

سألت مها ضاحكة: ما معنى بستم وبردم؟ قال الصبي: كلمتان من الشعوذة والسحر، مثل حكاية السمسم في ألف ليلة وليلة. بستم معناها أمسك، وبردم معناها أفلت. صفق الأولاد، وهتفوا بستم بردم، تحولت الجملة إلى نشيد، وصار اسم الآنسة شذى فيما بعد الآنسة: بستم، واسم الموجه التربوي نذير الماردوني: بردم، ما إن يراهم التلاميذ في الشارع حتى يهتفوا: بستم، ثم يقولوا في جوقة واحدة بردم.

في الصيف رحلت شذى إلى ديارها وصار حالها "بردم". بقي الصبي فترة طويلة وهو يحلم أن يستحوذ على تعويذة بستم بردم، كأن يقول للعصافير بستم، فتلتصق بالشجر، يقول للشرطة بستم، فتتجمد عن الحركة، أن يحكم العالم بهاتين الكلمتين، وكبر الصبية واشتهوا "البتسم" بالحسناوات، لكنهم التصقوا بقدر الحياة المغلي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق