الجمعة، 8 ديسمبر 2017

"الفشل، والجُبن، ودموع التماسيح"

الفشل، والجُبن، ودموع التماسيح..

أ. د. زينب عبد العزيز

أستاذة الحضارة الفرنسية



نعم، وبكل أسف: "الفشل، والجُبن، ودموع التماسيح" تلك هي خلاصة الرحلة التجريدية المؤسفة والتي انتهت بهزيمة غير معلنة، بسبب الجُبن الدفين والكاشف لنوايا بابا ليس في ذهنه سوي إلحاح واحد: اقتلاع الإسلام! 

وإن كان الإعلام العميل للفاتيكان قد جاهد لإضفاء البريق عليها، فلا ننسى انه بينما عملية القتل العرقي والطرد في أوجها، لاقتلاع هؤلاء الروهينجيا البؤساء، عقد البابا فرنسيس الاتفاقية الخاصة لإقامة علاقات دبلوماسية وإنشاء سفارة للفاتيكان في بورما مع أونج سو كي رئيسة الحكومة. 
وهذه الزيارة التي لا سابقة لها، كما تم وصفها في الإعلام الغربي، معروف أنها في غاية الحساسية في بلد متهم بالقتل العرقي، لتلك الأقلية المسلمة، من قبَل منظمة حقوق الإنسان ومن الولايات المتحدة. 
وقد أصبحت عودة الروهينجيا الفارين من القتل العرقي الى بورما مستحيلة، إلا ان أحدا لا يتحدث، ويتركون الأمر يتم في صمت أمام أعين الجميع، مثلما حدث مع فلسطين والفلسطينيين..

فمنذ اختلاق ما أطلقوا عليه "تنظيم داعش"، الذي ابتدعته كلا من الولايات الأمريكية والاتحاد الأوروبي، وتم الإعداد له ومباركته وتزويده بالعتاد اللازم وتوجيهه بكل شيطنة لمطاردة البلدان الإسلامية وشعوبها بزعم اقتلاع الشر، تمت إدانة الروهينجيا وملاحقتهم لمجرد أنهم مسلمون، وعانوا من نفس الإجرام والقتل العرقي الذي عانى منه الفلسطينيون.

ولم يكن لوجه الله أن قامت الإدارة الأمريكية بالإشارة الى عملية الإبادة والقتل العرقي التي يتعرض لها مسلمو الروهينجيا.

فهي تخشى انعكاس اتهام القادة في بورما على استقرار البلاد وحكومته الجديدة التي تترأسها تلك الحاصلة على جائزة نوبل للسلام. فقد ينعكس ذلك بعقوبات تبطئ أو تعرقل انتقال بورما وتحولها الجاري "للديمقراطية الأمريكية" الشهيرة، وبالتالي يؤدي ذلك الى دفع بورما للاقتراب من الصين.

فلقد اتفق كلا من جيش بورما والصين على بناء ميناء في المياه العميقة وطريقا يتجه الى كونمنج في الصين، يواكبة خط أنابيب للغاز وآخر للنفط. والولايات المتحدة لا ترى ذلك بعين الرضا وتجاهد لعرقلة هذه الأعمال الى أقصى حد ممكن، وذلك لأن هذا المشروع سيسمح للنقل الثقيل في الصين أن يكف عن استخدام مضيق ملقا الشديد الخطورة. والصداقة بين الصين والجيش في بورما لا تروق لمن يقودون اللعبة في العالم.

الأقلية المسيحية :


لقد تم استقبال شارل بو أسقف راجون وأول كاردينال في بورما منذ 2015، يوم السبت 25 سبتمبر في الفاتيكان، أي قبل سفر البابا بحوالي شهرين تقريبا، وأوصاه بتفادي نطق كلمة "الروهينجيا" وهو يتحدث مع أي شخص عن مسلمي مقاطعة راخين ؛ وأن يضيف الى برنامج الزيارة لقاء حذر مع رئيس الجيش في بورما، مين أونج هليج، المتهم من قِبل منظمات حقوق الإنسان بأنه الشخص الرئيسي المسئول عن عملية قمع وإبادة الروهينجيا، وأنه أحد أقوياء رجال الدولة والذي يعترض بإصرار، لا رجعة فيه، على عودة الروهينجيا، الذين أصبحوا بإجرامه أكبر تعداد في العالم لا مأوى له..

وإن كان العديد من وسائل الإعلام قد صُدموا لأن البابا تفادى بلباقة شديدة نطق كلمة "الروهينجيا"، أو "أنه قد ابتلع لسانه" على حد قول أحد المعلقين الغربيين، وذلك لكيلا يُعرّض أتباعه الكاثوليك الى أية أذية من جانب البوذيين الذين يمثلون الأغلبية الساحقة. فمجرد الإشارة الى اسمهم قد يشعل الصراعات. وهو ما تخشاه تلك الأقلية الكاثوليكية! إلا أن ذلك لا يمنع من أن يكون سبب هذا الجُبن اللئيم والشديد الوضوح هو: ان الكاثوليك حوالي سبعمائة ألف وهذه الحفنة تمثل قرابة 1 % من التعداد البالغ عدده واحد وخمسين مليونا، وقد عانوا كثيرا من عسكر بورما، لذلك يأملون الكثير من هذه الزيارة الباباوية، وينتظرون الدعم منه لبدء عملية التبشير على نطاق أوسع..

وقد ابتعد الكاثوليك في بورما عن المجال السياسي لكونهم أقلية ويُعتبرون مواطنون من الدرجة الثانية. وكثير منهم لا يحملون البطاقة القومية الوردية اللون التي تسمح للمواطن في بورما من الحصول على كافة المميزات المتاحة والمرتبطة بالجنسية، وتمكنهم من مواصلة التعليم او الالتحاق بالجامعة. وتلك الأقلية الكاثوليكية لم تحصل على التصريح اللازم لإقامة طقس الإفخارستيا في الكنائس، والذي يعنى انهم يشربون فعلا دم المسيح ويأكلون لحمه، لتعارض ذلك مع العقائد البوذية، وبسبب ان غير البوذيين يعتبرون أجانب ودخلاء على البلد ولا حق لهم بتغيير قوانينه.

البابا وأتباعه الكاثوليك :

عند اجتماعه بهم قام البابا بتحية حماسهم التبشيري في بنجلادش، مثلما يفعل عند زيارته لأي بلد به أقليات مسيحية. وتحدث عن أهمية توحيد العمل الكنسي بين مختلف فرق عقائد المسيحية. ثم تحدث عن الأهميات الرعوية الكنسية في بنجلادش، وطالب بالبدء في إيجاد تقارب أكبر بين الأتباع العلمانيين. وهو ما يعني بلغة الفاتيكان تعميق العمل الرعوي التبشيري والحوار بين الأديان. ويقول الكاردينال شارل بو، أسقف رانجون: "في شهر يونيو الماضي أرسل لنا الفاتيكان رسالة يذكرنا فيها بأن كثير من القساوسة قد غادروا الكنيسة في السنتين الماضيتين".. لذلك يحاول حث الجماعة الكاثوليكية على الانخراط مثله في الأعمال الأهلية أو السياسية. فالبابا بحاجة الى مساعدين جدد يواصلون المهمة بدلا من الذين يغادرون.. لذلك يضيف الكاردينال: "نحن نحبذ الآن أن يصبح أتباعنا رسلا ومبشرين من أجل السلام".. وهو ما يكشف بعضا من خبايا تلك الزيارة الباباوية، رئيس كنيسة تفرغ من العاملين بها رغم جهوده البهلوانية التي لا يكف عن القيام بها..

ولا شك في أن لهذه الرحلة أبعادها السياسية الشديدة، فانتقاله بين بلدين في قمة أزمة الروهينجيا، كانت مخاطرة، لكن البابا الداهية ـ كما سبق له ووصف نفسه، عرف كيف يتفادى المطبات ليتحدث لكل فريق بلغته ويناشده برعاية الأقليات، داعيا البوذيين في بورما والمسلمين في بنجلادش العمل جنبا الى جنب مع الكنيسة الكاثوليكية "لتدعيم السلام"! ومن يطالع عبارة "السلام" الفاتيكاني يدرك الباقية أو ما هو المطلوب من ذلك السلام..

وعند نهاية اللقاء بين الأديان والعمل المسكوني في أسقفية دكّا يوم الجمعة اول ديسمبر 2017، التقى البابا فرانسيس ببضعة أفراد من لاجئي الروهينجيا الذين انتقلوا الى حيث هو، لكيلا يرى حقيقة المأساة التي يعيشونها على أرض الواقع. وقد علق هامي تو سانج، أحد الناجين من جحيم بورما وهو يقف في طابور توزيع الطعام في أحد المعسكرات المكدسة بالبؤس الآدمي قائلا:

"إن كانت زيارته من أجلنا فكان يتعيّن عليه أن يأتي إلى هنا يلقانا ويتحدث معنا. كان يتعيّن عليه أن يرى كيف نجونا من الموت في بورما"..

ولأول مرة طوال رحلته، وأمام تلك المجموعة التي انتقوها له والمكونة من ستة عشر لاجئا، نطق البابا تلك العبارة التجريدية التي لا معنى لها على الإطلاق، لمجرد ان يرى العالم أنه قد تشجع ونطق اسم حُذر ومُنع من نطقه، إذ قال: "إن وجود الله اسمه أيضا، اليوم، روهينجيا".. ويا لها من عبارة تلفيقيه رخيصة، لا توصف إلا بالهراء..

الجانب الآخر للزيارة :


مثلما يفعل البابا فرنسيس دوما بعد كل رحلة يقوم بها، خاصة للبلدان التي يوجد بها أقليات مسيحية، بعد اول قداس يقيمه فور عودته، يقص عليهم موجزا لتلك الزيارة، التي عادة ما تكشف عن بعض جوانبها غير المعلنة. ولهذه الرحلة خباياها أيضا بما إن بورما بلد يمتلك ثروات أكثر من ضخمة تفوق الوصف من البترول والغاز والخشب والمياه ومناجم الچيد (نوع من الأحجار نصف الكريمة) والماس. فالأمر يتعيّن بالنسبة له أن يتصرف بدبلوماسية وَرعة، يتم فيها احترام قانون العلمانية التي فُرضت في بورما، لكي يتم إعادة توزيع هذه الثروات على كبار السادة فيما يُطلق عليها "سيتي أوف لندن"، وهو ذلك الحيّ المتمركز فيه بنوك قادة العالم والتي يحتل فيه الفاتيكان مكان الصدارة..

فبعد أربعة أيام من عودته من تلك الرحلة في بورما وبنجلادش، سرد البابا أهم لحظات تلك الزيارة، معربا عن فرحته بأنه تمكن من لقاء جماعة الكاثوليك "الشديدة الحيوية" على حد تعبيره، فهي بمثابة "خميرة ملكوت الرب" هناك رغم صغر حجمهم. ثم أضاف أنه تأثر بشدة بلقائه الستة عشر ممثلا "عن العرق الروهنجي" (ولم ينطق كلمة مسلمين)، وأنه قد اعتذر عن "تقصيرنا وعن صمتنا"! ويا لخسة ما تفوه به..

وتبقي كلمة "لقداسة" ذلك البابا: ليتك تقارن موقفك الهزيل تجاه القتل العرقي لمسلمي الروهينجيا، وموقفك مع الصهاينة الغزاة، الذين من أجل حبهم قامت مؤسستك بتحريف نصوص المسيحية والتلاعب بالعقائد لتبرأتهم من دم المسيح، وكيف ساندتهم أنت وتساندهم على احتلال فلسطين والاستيلاء عليها، معلنا بكل مغالطة:

"أن أمن الصهاينة من أمن الفاتيكان والمسيحية".. ويا له من رجل دين !

زينب عبد العزيز

7 ديسمبر 2017

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق