الأربعاء، 13 ديسمبر 2017

للقدس ربّ.. يحرّرها يوم القيامة!

للقدس ربّ.. يحرّرها يوم القيامة!
روعةأوجيه
أتفادى عادةً أن أكتب عن القدس وفلسطين، فكلّ ما يمكن أن أكتبه قيل حتماً بكلامٍ أجمل ومشاعر أعمق بحبر كبار الأدب العربي وصغاره أيضاً من الفلسطينيين أنفسهم. كيف لك أن تكتب بعد محمود درويش وغسان كنفاني؟ وغيرهم ممّن لم يلقوا الرواج ذاته لكنّ مشاعرهم لم تكن أقلّ تعبيراً..

لكنّ ترمب صفعنا.. وصفع تواضعي وخجلي أمام قضية بحجم فلسطين.. لكن من صفعني أكثر هم أولئك الذين سخّروا وقتهم على مواقع التواصل الاجتماعي يهاجمون كلّ من شعر بالخزي والإهانة من قرار ترمب.. وأتحفونا بوابلٍ من العنصرية والأحقاد الدفينة.. والخيانة العلنية!

خلال الحملة الانتخابية، كان كثير من العرب يشجّع فوز ترمب بحجّة أنّه على الأقل يكرهنا على المكشوف، وأنّه سيتخلّى عن النفاق وسيكون واضحاً في مواقفه. لم يخطر في بالي حينها أنّ كثيرين من العرب أرهقهم نفاقهم هم، وأتعبتهم أقنعتهم هم، فأرادوا رئيساً أمريكياً يؤمّن لهم البيئة الحاضنة ليكشفوا أوراقهم بكلّ صفاقة. فنحن في عصر السرعة، وهم لا يريدون تضييع وقتهم في شعاراتٍ طنّانة. يريدون صفقات العمر، وأن نمضي قدماً. نحو ماذا؟ لا يهمّهم! المهم الهرولة خلف سيّد البيت الأبيض.

لكنّنا لطالما عرفنا بخيانة القادة، ولطالما عرفنا تآمر العرب على بعضهم البعض على مستوى القيادات. لم يكن هذا ما فاجأنا "أو فاجأني ومن كان مثلي يؤمن بأنّ للشعوب قلوب أصفى وبوصلة أطهر من القادة" صفعة هؤلاء الذين ملأوا مواقع التواصل الاجتماعي بشتائمهم للفلسطينيين و"لعرب الشمال" ولكلّ من يؤمن بالقضية كانت أقوى.

خرج علينا من أتحفنا بحجّة "للقدس ربّ يحرّرها يوم القيامة.. وإذا اعترضت على مشيئة الله فأنت كافر!". ماذا تجيب حجّة كهذه؟ هو أساساً اختصر عليك الطريق وكفّرك
رويترز
 
ألم يكن يكفي الفلسطيني احتلال أرضه؟ ومصادرة أبسط حقوقه؟ والتهجير القسري؟ والحصار؟ والتجويع؟ والتشريد؟ والقمع؟ والفصل العنصري؟ ألم يكن يكفيه سكوت القوى العظمى عن الظلم الذي يتعرّض له، وتواطؤهم غالباً مع قاتله؟ ألم تكن تكفيه متاجرة الحكام بقضيته كما تسير مصالحهم؟ ألم تكن تكفيه خيانة بعض قادته؟ هل كان بحاجة فعلاً لكلّ هذه الكراهية المجانية؟

طيّب، انسَ الفلسطيني. كرّر بروباغندا الاحتلال كما يحلو لك، حمّله مسؤولية الانقسامات السياسية لقياداته التي تنبع أساساً بسبب التدخلات الخارجية التي تعلي مصلحتها على مصلحة الفلسطيني. كرّر بروباغندا الاحتلال بأنّه إرهابي وليس مقاوماً، أنّك "لم ترَ من الفلسطينيين سوى تفجير السفارات واختطاف الطائرات". تخلّى عن الفلسطيني. وتخلّى عن فلسطين كما يحلو لك. لأي حجّة تريد.

لكن ماذا عن القدس؟ ماذا فعلت لك القدس كي تتخلّى عنها؟ هل هي أيضاً اختطفت الطائرات؟ أم فشلت في حلّ الانقسامات؟ أم باعت القضية كما بعتها أنت؟ مجاناً؟

سمعنا الكثير والكثير هذا الأسبوع بين نفاق وبين استسلام وبين عدم اكتراث.. لماذا لم يصمت هؤلاء على الأقلّ؟ لماذا لم يتركوا أصوات المؤمنين بأنّ القدس حقّ يصدح وحده دون تشويشهم؟
انتفض مسيحيو الشرق ضدّ ترمب، واستفّزّهم اعتباره أن القدس عاصمة اليهود التاريخية، وطالبوا بحقّ ديانتهم فيها. انتفض الملحدون لأن القدس حقّ للجميع وليس لدين دون الآخر. وانتفض كثيرٌ من المسلمين أيضاً. لكن صمت كثيرٌ منهم. وصمت خصوصاً كثيرٌ من كبار الدعاة المسلمين! بعضهم انشغل بإصدار تفسيرات حول الوضوء بالجوارب. لوهلة اعتقدتها تغريدة استغاثة بلغة مشفّرة! وبعضهم الآخر طالب بلهجة خجولة بعودة البيت الأبيض عن قراره. طلباً لا أمراً.

ثم خرج علينا من أتحفنا بحجّة "للقدس ربّ يحرّرها يوم القيامة.. وإذا اعترضت على مشيئة الله فأنت كافر!". ماذا تجيب حجّة كهذه؟ هو أساساً اختصر عليك الطريق وكفّرك بمجرّد تفكيرك بالاعتراض على "فتواه".

سمعنا الكثير والكثير هذا الأسبوع بين نفاق وبين استسلام وبين عدم اكتراث.. لماذا لم يصمت هؤلاء على الأقلّ؟ لماذا لم يتركوا أصوات المؤمنين بأنّ القدس حقّ يصدح وحده دون تشويشهم؟ لماذا أرادوا أن يشغلونا بنقاش خياناتهم عوضاً عن نقاش ما يمكن فعله؟ لماذا شاركوا بكلّ قوّتهم في محاولات التخوين والتكفير والتضليل؟ كثيرةٌ هي الأسئلة التي نعرف إجاباتها. كثيرةٌ هي الأكاذيب التي لا تنطلي على أحد.. ردّدوها قدر ما شئتم. زمن غوبلز انتهى! حتّى لو صدّقتوا أنفسكم ستبقون كاذبين..

لكن صدقتم في أنّه للقدس ربّ..
للقدس ربّ.. سيحاسبكم يوم القيامة!
ونقطة!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق