الأربعاء، 20 ديسمبر 2017

العصرانيون والشيعة لماذا يكرهون التاريخ؟

 العصرانيون والشيعة لماذا يكرهون التاريخ؟

كم كان العلامة ابن الأثير صاحب بصيرة ثاقبة واستشراف علمي عندما صدّر كتابه النفيس وسفره الحافل: الكامل في التاريخ بهذه العبارات المعبرة : [ ولقد رأيت جماعة ممن يدعى العلم والمعرفة ويزدريها، وبعرض عنها ويلغيها ، ظناً منه أن غاية فائدتها إنما هو القصص والأخبار، ونهاية معرفتها الأحاديث والأسمار ، وهذه حال من اقتصر علي القشر دون اللب نظره، وأصبح مخشلباً جوهره، ومن رزقه الله طبعاً سليماً، وهداه صراطاً مستقيماً ، علم أن فوائدها كثيرة ، ومنافعها الدنيوية والأخروية جمة غزيرة .....]
لقد راجت في الأيام الأخيرة عدة كتابات ومقالات وأطروحات ثقافية من قبل مجموعة من الكتّاب الذين ينتمون للمدرسة العصرانية أو العقلانية ، ومن الذين ينتمون لمدرسة التقريب من المسكونين بقيم إيران ومبادئ ثورتها الخومينية ، هذه الكتابات والمقالات كلها تدندن حول فكرة في غاية الخطورة ، وتهدف لغرض يزيد الأمة ضعفاً وتغريباً وتوهاً ، هذه الفكرة أو الأطروحة : هي حتمية تجاوز الأحداث التاريخية بكل ما تحمله من ذكريات ووقائع ، والتخلي عن وطأة النصوص التاريخية ، وسلب القدسية عنها بزعمهم ، إلي غير ذلك من العبارات المنمقة ، والتعبيرات المدبجة التي صيغت بإحكام لغوي ، ومسبوك بيان ، حتى تروج علي العقول والنفوس .
وأنا أعلم يقيناً أن الإنتصاب للرد علي أمثال هذه الأفكار والأطروحات سيجعل المرء غرضاً لكلمات ومقالات مثل اللكمات ، وعبارات أشبه بالطلقات ، وازدراء واستجهال واستغمار لما سيطرح للرد علي أنصار المدرستين : العصرانية والتقريبية ، لما لهم من دعم ووجود قوي وحضور كبير في الفضائيات والمنتديات والشاشات ، وآخر هذه المقالات كان في موقع الجزيرة لأحد الكتًاب الموريتانيين .
التاريخ الذي نريده
التاريخ الذي نريده ونعنيه ، والذي يتعرض الأن لحملة شرسة من بعض أبنائه ، هو و بعبارة واحدة  ذاكرة الأمة ، والذاكرة للأمة كالذاكرة للفرد تماماً ، به تعي الأمة ماضيها ، وتفسر حاضرها ، وتستشرف مستقبلها ، والإنسان الذي يفقد ذاكرته يرتد ولو كان ضخم الجسم ،واسع الثراء ، عظيم الجاه ، يرتد طفلاً غراً لا يعي شيئاً من حوله ، يحتاج لمن يوجهه ويقوده و يأخذ بيديه ، بالجملة يصبح بالجملة عالة علي غيره ، تماماً مثلما ما هو حادث الأن للأمة المسلمة التي فقدت تاريخها ، وهو ما يحدث لأي أمة مسلمة أو غير مسلمة إذا استلب منها تاريخها وتراثها ، فالتاريخ ليس علم الماضي أو الذاكرة الموتورة كما قال الكاتب الموريتاني مؤخراً ، بل هو علم الحاضر والمستقبل ، لذلك نجد الأمم من حولنا تعرف قدر التاريخ حق المعرفة والتقدير ، وتحافظ عليه بشتى السبل والوسائل ، والأمة الحية الباقية هي الأمة التي تبقي على ذاكرتها حية .
وهذا الكلام لا يعني أبداً أننا نضفي قدسية ما علي التاريخ ونصوصه، ولكن نعني أن التاريخ الذي نريده هو التاريخ الذي يعتبر ذاكرة للأمة ، وأداة من أهم أدوات نهوضها والتقدم ، التاريخ الذي تتجسد فيه عدة حقائق هامة ، لابد لكل دارس وقارئ للتاريخ أن يراعيها ومنها:
*أن التاريخ الإسلامي ليس فقط هو التاريخ السياسي أو تاريخ السلطة الحاكمة من خلفاء وسلاطين وحكام ، بكل ما يحمله من أمور تتعارض مع ثوابت الشريعة في كثير من أحوالها ، ودسائس القصور و مؤامرات أصحاب النفوذ ، وقيام الدول وزوالها ، وإن كان معظم التاريخ يتمحور حوله ، لكن نقصد التاريخ الإسلامي كله بشكل عام ، من الرأس إلي القاعدة ، وعطاء الأمة الحضاري في شتي الميادين والمجالات ، وإسهاماتها المباشرة وغير المباشرة في رقي البشرية ، وتقدم الإنسانية ، والتركيز علي السياسي دون الحضاري يعطيك صورة منقوصة وسلبية عن هذا التاريخ الحافل بالإنجازات .
* أن التاريخ الإسلامي ليس فقط تاريخ فترات الإنتصار والازدهار وحدها ، كما هو ليس تاريخ فترات التراجع والانكسار وحدها ، والتركيز علي فترة دون الأخرى يعطي حكماً منقوصاً ورؤية مشوشة عن هذا التاريخ ، وهذا ما يفعله عادة كارهو التاريخ ، يسوقون الكثير من الأحداث والوقائع التاريخية من فترات التراجع وغياب المبادئ والقيم الإسلامية بصورتها الكاملة ، للاستدلال علي سوداوية هذا التاريخ وعدم صلاحيته للمعايرة والتقييم والاستفادة .
* أن التاريخ الإسلامي إنما هو وعاء لفعل الأمة وسجل لحياتها وحركتها صعوداً وهبوطاً ، وعنوان فهمها للقيم والسنن ، ومدى تطبيقها علي الواقع ، لذلك فقراءة التاريخ تحتاج لتجرد وموضوعية وحيادية ، ليس كما يحدث الأن من اخترال وابتسار واختطاف للنصوص لصالح مفاهيم وأهداف بعينها أعدت سلفاً ، تماماً كمنهج أهل البدع في الاستدلال ، الحكم عندهم أولاً ثم جاري البحث عن الأدلة التي تثبته .
* أن التاريخ الإسلامي إنما هو تاريخ هذا الدين ، تاريخ حركته وإنتشاره والدعوة إليه ، وصراعاته مع القوى المعادية ،تاريخ صعوده وانتصاره ، تاريخ سننه وقيمه حضوراً وغياباً ،تاريخ الأمم والبلاد التي دخلها الإسلام وساد وانتشر فيها وحكم ،  أي تاريخ العرب وغير العرب ، تاريخ الجميع من أبنائه فيه سواء ، تاريخ اشترك في صنعه الجميع ، تاريخ يشهد لكل من ساهم في بنائه ، عربي أم غير عربي ، وتاريخ العرب إنما هو جزء صغير من تاريخ الأمة ، والجزء الأكبر منه صنعه غير العرب ، فحفظ التاريخ مكانة كل هؤلاء ، حفظ مكانة صلاح الدين الكردي ، ونور الدين التركي ، ويوسف بن تاشفين البربري ، وقطز وبيبرس وقلاوون التركمان ، ومراد الأول والثاني ومحمد الفاتح العثمانيين ، وعثمان بن فودي الإفريقي ، والقائمة طويلة ، وغير العرب فيها أضعاف أضعاف العرب .
* أن التاريخ الإسلامي تعرض مبكراً لحملات قاسية ومتتالية من التشويه والتحريف والتزييف و العبث ، من قبل أعداء الأمة ، الذين لا يريدون لها خيراً ، وكان الشيعة الرافضة أول من امتدت أصابعهم الخبيثة بتحريف التاريخ في العهدين الأموي والعباسي ، ومن بعدهم العبيديين الملاحدة ، ثم كان دور الأعداء الخارجيين من الصليبيين واليهود وغيرهم ، ولقدم التحريف والتزوير ورسوخه في تاريخ الأمة ، راج علي كثير من الناس حتى الفضلاء والعلماء منهم ، من غير المتخصصين في النواحي التاريخية ، والمحصلة النهائية من هذا التحريف والعبث ، تشكيك المسلمين في تاريخهم ، وقطع الصلة معه ، ليفقد التاريخ قيمته ومصداقيته في الاحتجاج والاحتفاء .
لكن لماذا يكره العصرانيون والتقريبيون التاريخ الإسلامي ؟
الهدف وإن كان واحد لدى الفريقين ، إلا لكل فريق أجندته الخفية ودوافعه الخاصة به ، فالعصرانيون والعقلانيون من كتًاب العصر ومفكرو الجزيرة وغيرهم، يكرهون التاريخ لرغبة ملحة عندهم في طمس الهوية الثقافية المسبقة عند جمهور المسلمين ، وهدم الخلفية العقلية التي تشكلت عبر القرون بكل ما تحمله من تجارب وأدوات ومعارف ، وذلك لصالح قيامهم بإعادة صياغة العقل العربي والإسلامي ، وإعادة تشكيل العلوم والثقافة الإسلامية ، وتطويع نصوصها وفقاً للمعايير والضوابط التي قامت عليها المدرسة العقلانية والعصرانية ، والنابعة أساساً من طريقة تناولهم وفهمهم لنصوص الوحيين ، وبالجملة تكوين مرجعية إسلامية جديدة وعليا ، يحاكمون الناس والنصوص إليها ، بدلاً من المرجعيات والضوابط التاريخية السابقة ، وتتجاوزها تماماً بدعوى عدم الصلاحية ، والتاريخ بكل ما يحمله من نتاج العقل الإسلامي المبدع عبر القرون الطويلة يقف حائلاً أمام طموحات وأطروحات العصرانيين ، لذا كان من الواجب التخلص منه .
أما أنصار التقريب ، فهم كما قلنا يمثلون الوعي المنقوص في هذه الأمة ، فهم لا يفرقون بين العدو والصديق ، يحسبون كل ما يلمع ذهباُ ، مسكونين بالقيم الإيرانية والمبادئ الخومينية، والقضية أكبر من كونها الوقوف بجوار حركات المقاومة ودعم المجاهدين ونصرة المستضعفين ، وإلا فإنهم لا يجرؤ الواحد منهم علي الإدلاء برأيه في ما يجري في إيران من اضطهاد وتنكيل بأهل السنة ومصادرة لأبسط حقوقهم ، ولا يجرؤ الواحد من التقريبيين على إبداء رأيه في عقائد الشيعة وما فيها من كفريات وضلالات ، وهؤلاء يكرهون التاريخ لأنه حافل وزاخر بالمواقف المشينة التي تفضح حقائق الشيعة وجرائمهم ، وجنايتهم بحق الأمة عبر القرون حتى وقتنا القريب ، والتاريخ حكم عدل علي هذه الجرائم البشعة ، والتي تقف حجر عثرة في طريق التقريب والاتحاد كما يدعي ويروج أنصار التقريب في بلادنا .
بالجملة فأن أي دعوي تروج لفكرة إلغاء التاريخ الإسلامي ،أو نبذه أو تطويره ، وإعادة صياغة له [ ليس إعادة قراءة ] فهي في النهاية لا تخدم إلا أعداء الأمة الأصليين والحقيقيين الذين يرمون لبقاء الأمة أسيرة التبعية والتيه ، ويعملون ليل نهار من أجل بقاء الأمة بلا ذاكرة ، تماماً مثل الإنسان فاقد الذاكرة . 

 شريف عبد العزيز


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق