الأحد، 10 ديسمبر 2017

وزير ومحافظ ومهندس وحماران

وزير ومحافظ ومهندس وحماران

خطيب بدلة
صديقي المهندس الرَقّي، ماهر حميد، له صولات وجولات في مقابلة الحكام والمسؤولين من مختلف القياسات. 
كان عنده طقم أزرق، وقميص أبيض، وكرافتة حمراء مقلمة، إضافة إلى وردة قماشية صفراء، توضع في الجيب العلوي الأيسر من الطقم. وكان يرتدي هذه "الحباشات" قبل موعد لقاء المسؤولين بقليل، ويشلحها بعد انتهاء الاجتماع، ويمسح الطقم بالكاز، ويعلّقه في الخزانة، إلى حين دعوته إلى لقاء آخر.

دُعي، ذات مرة،
من محافظ الرّقة لمناقشة المخطط التنظيمي للمدينة، بحضور وزير الإدارة المحلية، ومجموعة من مهندسي المحافظة. كان ماهر مُعْتَدَّاً بإمكاناته العلمية، فاعتقدَ أنه دُعي بسببها.. ولأنه يعلم أن المخططات التنظيمية تحتاج دراساتٍ نظرية لا تقل عن خمس سنوات، قبل البدء برسم مخططاتها، فقد قال لنفسه إنه سيكون مشغولاً جداً خلال السنوات الخمس المقبلة.

في قاعة الاجتماعات: جلس المحافظ، ومعالي الوزير، إلى المنصة. وفي الصفوف الأولى، جلس الرفاق الذين يحضرون كل شيء يخص الهندسة والطب والتصنيع والفلاحة والسقاية وختان الأولاد.. فهؤلاء هم الكوادر المناضلة التي تعرف كل شيء، وحتى ما يجول في الأنفس!.. وجلس المهندسون في الصف الثاني، يليهم أشخاصٌ رُتِّبوا في المقاعد بحسب التقييم الأمني: العضو العامل، فالنصير، فالمؤيد، فالحيادي الإيجابي. وفي آخر الصفوف، يجلس الحيادي السلبي، أما أصحاب الأفكار الهدّامة، كجماعة اليمين العفن، والمجتمع المدني، وجماعة كوبنهاغن، فلا مكان لهم في مشروع المخطط التنظيمي الذي سيصبح من منجزات الحركة التصحيحية المجيدة.

توقع ماهر أن يبدأ الوزير والمحافظ بمخاطبة المهندسين، ويُحيطانهم علماً بحجم مسؤولياتهم القادمة، لكنهما أقدما على تفجير قنبلة تنظيمية من العيار الثقيل، إذ رجعا، فجأة، بكرسيّهما إلى الخلف، وتوجها إلى الستارة الخلفية، وأزاحاها بتناغمٍ ثنائي مدهش، حتى ظهر المخطط التنظيمي المرسوم والملوّن، وفوقه تجثم صور السيد الرئيس حافظ الأسد الذي لم يكن قد أصبح خالداً بعد، وإنما كان يمر بمرحلة الإلهام، والبحث عن نبتة الخلود التي تليق بعظمته!

ضجّت القاعة بالتصفيق، وعمّت فيها الأفراح، وارتفع صوت النباح البهيج، وعلت الدهشةُ وجوهَ الحاضرين بما فعل الوزير المُلْهَم والمحافظ المُلْهَم اللذان عَيَّنَهما القائدُ المُلْهَم في هذين المنصبين.
 لقد درسا المخطط من دون الرجوع إلى أية إحصائيات، أو دراسات مائية، أو بيئية، أو معمارية، أو إنشائية، أو، أو.. ومشت الأمور كلها معهما من دون عوائق، أو مُحبطات، أو مثبطات، حتى إنَّ إعلانهما عن اعتماد هذا المخطط التنظيمي قد تَوَافَقَ، بمحض المصادفة، مع ذكرى ميلاد الحزب القائد.
وقف أمينُ فرع الحزب، وألقى كلمة من النوع "التاريخي" الذي يتكررُ في كل مناسبة قومية، أو حزبية، أو تدشينٍ يدل على عظمة القائد، ثم تبعه الأعضاءُ العاملون، فالأنصارُ. وللأمانة، سُمح لبعض الإخوة المهندسين بإلقاء كلماتٍ غير تخصّصية، إذ لا يجوز الخلط بين العاطفي والتقني في مثل هذه المناسبات.

حاول ماهر التحلي بالصمت الذي ينطوي على حكمة، لكنه لم يتمكّن من الصمود حتى النهاية، إذ شوهد رافعاً يده، طالباً الإذن بالكلام. أشار إليه المحافظ، بيده الكريمة، موافقاً، فقال:
- أنا، أستاذ، لا تعليق لدي على المخطط، ولكني سأروي لك حادثةً صغيرة، ممكن؟
قال له المحافظ مرتاباً: خير؟
قال ماهر: في إحدى القرى ذات التضاريس الصعبة.. كان أهالي القرية يخططون شوارع قريتهم بوضع حمارٍ جائع في النقطه الأولى، ثم وضع طعامه في النقطة التي يودّون إيصال الطريق إليها.. يسير الحمار، وهم يسيرون خلفه، ويضعون علاماتٍ مكان حوافره، ويرصفون الطريق فيما بعد حسب خط السير الحماري. وكلما أرادوا فتح طريقٍ كانوا يعيدون العملية.
 سألهم أحد الفهمانين: يا جماعة، ليش معذبين حالكم ومعذبين الحمار؟ جيبوا مهندس يخطط لكم الشوارع، وفضت يا عرب.
فرد عليه المختار: طالما في عندنا حمير لشو المهندسين؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق