ها أنا أجلس بعد العصر، أحتسي فنجانا من القهوة يؤنسني، أقلب صفحات كتاب سئم الانتظار، وحيدا، وبين يدي لحظة ترتسم فيها ذكريات العائلة، حين كانت تجتمع كلها حول الخوان.
ينظر هو الآخر إلى وجوه اعتلا بعضها الزمان بالشيب والوهن، وأخرى تستقبل الحياة شغفا وفرحا.
إنني أسمع صوت الماضي، وحنين أهل القبور إلى ساعة العصر، حين ترفع الأعمال، وتقترن بصالح النيات؛ إذ لا يسعني إلا الجلوس لأرتشف لحظات منسية، لصحبة غادرت المكان، لكن أرواحها تعمر الأشياء بأنفاسها الطيبة وسيرتها العطرة.
لا القهوة تريد انقضاء ساعتها، ولا الخوان يسأم حديث المتحلقين به.
ولعلي أدعوكم إلى احتساء فنجان دافئ من القهوة، وأنتم تقرؤون كلمات تعانق الحياة القديمة، وتستذكرون لحظات كنا فيها صغارا، نرقب إبريق القهوة وخبز الجدة المحشو بالتمر والمطهو على الطين، علنا نزيح عنا تعب السعي المستمر؛ فهي رشفة من العمر تبوح بمشاعر الفقد والحنين إلى هدوء النفس، حين تكون ذواتنا تكاشف طبيعتها. فهل حقا تشهد قهوة العصر، وهي أحلى من الروحة على مصر، على افتقادنا طرائق العيش البسيطة وأثر الأشياء العريقة؟
لست خالدا، لكنني أنصت أكثر مما أتكلم، وأتأمل عالما مؤنسا يتلاشى ببطء، يرفض أن يبقى على حقيقته: نقيا، عذبا، وساذجا ببراءة الطفولة وإيمان الجدة
خوان البيت
بعيدا عن ضوضاء الحياة، أتوسط مكانا يتوافد إليه الضيوف كثيرا، وتداعبه أشعة الشمس في منافذ الشتاء والصيف بخيوطها. أنتظر اللحظة التي تقرر فيها الأم استدعاء الأواني التي توارت عن الأنظار في خزانة المطبخ القديمة، لتصطف على خوان مصنوع من خشب أبيض مصفر، يعطر المكان بنكهات الطعام ويكتسب ألوانا بتعاقب الليل والنهار. يتكئ على أربعة أرجل، أحدها أهلكته دابة الأرض، ويرفض الأخ الأكبر أن يطيع أمه لتبديل دعامة له أو إصلاح قوامه المهترئ، إذ سجنته مشاغل الحياة المتسارعة عن واجباته تجاه العائلة.
تضعني ربة المنزل في أوقات تحددها اللحظات الحاسمة، تلك التي تعتني بالقريب حين يراوده الحرمان، أو تدق الأبواب بظلال ضيف عزيز على البيت. فأنا لا أفرق بين من عايشته وهو يلتقط أنفاس الطفولة، يملأ الغياب صخبا، ويلاعبني بالقفز والصراخ، ومن يزورنا ليتلحف كرم العائلة. أتحسس الثواني التي أمسكت فيها فنجانا مشقوقا، وما لبث أن فاضت منه القهوة، حين تبادلت الحديث مع شقيقتك الصغرى عن أحوال المدرسة، وأقرانك في الخارج وهم يتنمرون عليك.
كنت أفرح كثيرا بدفء ألفتك، حينما كنت تتوارى خلفي مع أختك المشاغبة، وأنتما تسمعان مناداة الوالدة لأحدكما لفتح باب المنزل. كنتما تعصيانها بصمت وسخرية، لكن سرعان ما تطيعانها حين تفوح رائحة زكية، تستدعيني لأتوسط مجلس عائلتك، وأتلذذ بحنين يوقظه المصباح، وهو يراقص دخان القهوة المتصاعد نحوه، مع قصص الجدة المتناثرة في أرجاء البيت.
لست خالدا، لكنني أنصت أكثر مما أتكلم، وأتأمل عالما مؤنسا يتلاشى ببطء، يرفض أن يبقى على حقيقته: نقيا، عذبا، وساذجا ببراءة الطفولة وإيمان الجدة. وها أنا أفتقد صورة العائلة مجتمعة حولي، حين كانوا يعانقونني مرات عديدة، ويتبادلون الحديث عن مرض الجدة، وقسوة عمل الأب، ورحيل الأخ الأكبر. لأتركها معلقة على جدران المنزل، حيث لا تعرفها شمس الصباح، وتغيب عنها الذكريات، لأجد نفسي في حياة أخرى، لا يحتفى بالقهوة عند كل عصر.
أتذكر عبارات القلق من بين تلك الشفاه، تتنافس على حطب الدنيا. يومها امتلأت قهوة باردة، فجعل سيدة المنزل تضعني بقوة لتكسر عروتي، مما تركني أنزف عند ساعة العصر. لكنني ما زلت أتمسك بهويتي وتاريخي وروعة لقائي
فنجان ينزف قهوة
كثيرة هي الأشياء التي يفرح بها الناس، تلك التي تستجلب لهم السعادة إن سكنوا إلى ذكرياتها، أو رهنوا أنفسهم هدية للمحب. وما أنا إلا قليل مما يرغب البشر في اقتنائه؛ إذ أغازل شفاهًا وألسنة تتقاطر عشقا، وأخرى تتلو حنينا لمن ارتحلوا من غير أن يستأذنوا. فبالأمس كانوا حول الخوان، يسكبون لبعضهم بعضا قهوة دافئة، تعبر بهم نحو ماض غير آسف.
إنني فنجان تغنى بي الشعراء في قصائدهم، وامتدحني مقام العشاق عند قارئة الفنجان، وما أنا إلا آنية من طين نفخت فيه روح آدم، كي أقاسمها لحظة السعادة، فأرتشف عند كل قبلة سيرة العائلة والبيت، كي يطوف بهما الزمان في أزقة المكان، حيث تداعبني أنفاس من يعشق القهوة عند كل عصر.
في البيت، حيث الأواني من كل أصناف الحداثة، وأخرى تتوارى مخافة أن تزيدها مخالطة الضيوف انكسارا، تختارني صاحبة البيت كي تجلسني إلى الخوان، فتحتسي فنجانا ينزف ببطء شديد سيرة قهوة توارثت شغف الارتماء، واستلهمت من تعاقب الأجيال متى يكون الانتظار مؤلما، حين تذكرنا الحياة البسيطة بمن نكون؛ نحن الذين نلامس البشر في لحظات أليمة، تستنجد بذكرياتها.
حين تزاحمني الأقداح الفاخرة، على اختلاف ألوانها ومعادن صنعها، تتصارع مع بعضها لتنال الحظوة على الخوان، لكن سرعان ما تجتبيني أنامل ناعمة من بين تلك الآنية الفخمة، كي تسقيني عبق الماضي، وتعطرني بقهوة العصر الرائعة؛ تلك اللمسات تمسكت بإنسانيتها في زمن تذروه الخيبات والآهات، ليترك الناس لمصائرهم الموحشة.
أتذكر عبارات القلق من بين تلك الشفاه، تتنافس على حطب الدنيا. يومها امتلأت قهوة باردة، فجعل سيدة المنزل تضعني بقوة لتكسر عروتي، مما تركني أنزف عند ساعة العصر. لكنني ما زلت أتمسك بهويتي وتاريخي وروعة لقائي.
ما إن تصب القهوة من فيه نحو الفنجان، حتى تضع الحياة بعضا من أوزارها، إيذانا بأن نحمل مرة أخرى نحو زوايا البيت الهادئة؛ فقهوة العصر تتلاشى معها الحياة السريعة
إبريق العصر
ها نحن الثلاثة، صديقاي عند ساعة العصر، الخوان وفنجان قديم، يذكرانني بأساطير الإنسان التي لا تنتهي، وتنافسه الموغل في القطيعة والحرب، مع أن عالمي هو ذات العالم الذي يكتنز الجمال والفن والمحبة له، لكنه يختار أن ينصاع إلى تقلب الزمان الموحش وغربة المكان.
حين تضعني سيدة البيت على نار هادئة، تريد أن تغلي الماء لتنثر في جعبتي قهوة ناعمة تطبخ على مهل، حيث تجوب رائحتها المكان قبل أن تفيض من على جانبي، لتحملني نحو الخوان وأقداح تعرف أصحابها. وما إن أوضع على مائدة العصر، إذا بظلال العائلة تحشر بين جنبات ألسنة تتبادل حديث المساء، وابتسامات تنسيها تعب السعي بالدعاء.
ما إن تصب القهوة من فيه نحو الفنجان، حتى تضع الحياة بعضا من أوزارها، إيذانا بأن نحمل مرة أخرى نحو زوايا البيت الهادئة؛ فقهوة العصر تتلاشى معها الحياة السريعة، باستعادة إيقاعها الطبيعي، بعيدا عن سطوة الأشياء التي تخلو من روح الإنسان.
نحن لغة التواصل البشري، وصورة العالم المكتنز بالرغبة والإثارة والخوف. وقهوة العصر، على طيبها، تكابد للحفاظ على توازن البيوت التي فقدت شغفها الداخلي، وتلاشت ألوانها الباهية نحو السواد. فليست القهوة إبريقا يخرج فوه بخارا، أو فنجانا فقد عروته لجبروت الإنسان، أو خوانا تهشمت حوافه بالنكران؛ إنها ساعة من الحقيقة، ولحظة فارقة في بيت العائلة، حين نعود غير مكرهين نحو الماضي، ولا فاقدين، بل مشتاقين.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق