‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات بوح الفكر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات بوح الفكر. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 31 أغسطس 2026

أنا بلا قطيع

 أنا بلا قطيع




الفراغ الأيديولوجي... أم النجاة من الاستعباد الفكري؟!

في مجتمعاتنا، يُنظر إلى الإنسان الذي لا يحمل راية فكرية واضحة وكأنه كائن ناقص التكوين، مشروع إنسان لم يكتمل بعد، أو شخص تائه ينتظر من يقوده إلى «الحقيقة المطلقة». 

فإن لم تكن يسارياً اتُّهمت بالضبابية، وإن لم تكن محافظاً وُصفت بالانفلات، وإن لم تكن منتمياً لقبيلة الفكرة أو مذهب الجماعة أو حزب المصالح، أصبحت متهماً بمرضٍ اجتماعي جديد اسمه: الفراغ الأيديولوجي.

لكن، ماذا لو كان هذا «الفراغ» ليس جهلاً كما يُروَّج له؟ ماذا لو كان في بعض الأحيان أعلى درجات النجاة؟

أنا أكتب... ولاأزال أبحث عن ذاتي. لا أكتب لإرضاء أقصى اليسار، ولا لأصفق لأقصى التشدد، ولا لأُطرب أولئك الذين يحوّلون الأفكار إلى أصنامٍ مقدسة لا يجوز الاقتراب منها. 

أكتب لأن الكتابة بالنسبة لي ليست هواية عابرة، بل طقس نجاة. 

أكتب لأنني أستمتع حين أكتب، ولأن رأسي حين يهدأ فوق الوسادة آخر الليل، أشعر بأنني قد أفرغت شيئاً من ضجيج هذا العالم، من الأسئلة الثقيلة، من الفوضى التي يصنعها بشرٌ يصرّون على ارتداء اليقين حتى وإن كان مثقوباً.

ولأنني أكتب، بدأت أتساءل: من أنا؟ بأي لونٍ فكري أرسم؟ أي وصفٍ يليق بي؟ هل يجب عليّ أن أكون شيئاً محدداً كي أُرضي القارئ؟ هل الإنسان ناقصٌ ما لم ينضم إلى قطيعٍ فكري يصفق معه، ويغضب معه، ويكره معه؟

الحقيقة المؤلمة أن مجتمعاتنا لا تخشى الفراغ الأيديولوجي بقدر ما تخشى الإنسان الذي يفكر وحده.

فالإنسان الذي لا يُستقطب... يُربك الجميع.

ذلك الشاب الذي لم يقع أسيراً لقبيلةٍ سياسية، ولم يبتلع خطاباً دينياً بلا تفكير، ولم يسمح لمصالح الآخرين أن تستأجر عقله... يبدو دائماً مشبوهاً في أعين أصحاب المشاريع الكبرى. 

لأن العقل الحر لا يُستخدم بسهولة، ولا يُقاد بالعاطفة، ولا يركض خلف الصيحات كجوادٍ أُلبس لجامه وأُطلق نحو غنائم لا تخصه.

ولنكن صرحاء حدّ الإزعاج...

كم شابٍ استُخدم باسم القبيلة؟

أُقنع أن ولاءه الأعمى «فزعة»، بينما كان مجرد جسرٍ بشري لعبور طموحات ابن القبيلة الباحث عن النفوذ والمقعد والامتيازات؟!

كم إنسانٍ فارغ فكرياً جرى تعبئته مذهبياً أو دينياً حتى تحوّل من إنسان بسيط إلى مقاتلٍ نفسي يخاصم المجتمع، مقتنعاً أن طريق الجنة يمر عبر خدمة أجندات الأرض؟!

كم شخصاً صُنع منه خصمٌ لفئةٍ أخرى فقط ليشعر بأنه «الأرقى» و«الأكثر استحقاقاً»، بينما كان في الحقيقة مجرد أداة تُستخدم لإرضاء نخبةٍ تتغذى على الانقسام؟!

وكم مستثمرٍ صغير جرى دفعه -بوعي أو دون وعي- لضرب مستثمر أصغر منه، كي يلتهم الحوت الأكبر السوق بهدوء، تاركاً خلفه عائلات تتآكلها الديون وأحلاماً تُدفن تحت ركام المصالح؟!

المشكلة ليست في وجود الأفكار، بل في طريقة تسويقها.

الفكرة في هذا الزمن لم تعد دائماً مشروعاً أخلاقياً أو معرفياً... بل تحوّلت أحياناً إلى سوق نخاسة حديثة، يُباع فيها الإنسان على هيئة ولاءات. مرة باسم الوطنية، ومرة باسم الدين، ومرة باسم الحرية، ومرة باسم النخبة، بينما النتيجة واحدة: مصادرة العقل الفردي.

وهنا يبرز السؤال الذي نخاف منه أكثر من أي شيء:

لماذا لا نُشخّص الحالة كما هي؟

في الطب يقولون: «التشخيص الدقيق هو البوصلة التي تحدد مسار الشفاء». فلماذا نصرّ اجتماعياً على تجميل العلل؟ لماذا نخاف من الاعتراف بأننا أحياناً نصنع أجيالاً تُعبَّأ أكثر مما تُعلَّم؟ تُحرَّض أكثر مما تُثقّف؟ تُقاد أكثر مما تُفكّر؟

لست من دعاة فوضى فكرية، ولست ضد الدين، ولا ضد القيم، ولا ضد الانتماءات الطبيعية. لكن ضد أن يتحول الإنسان إلى وقود مجاني لحروب الآخرين، أو إلى حطبٍ يُلقى في نار المآرب الحزبية والفئوية والمصلحية.

أنا لا أخاف على الشباب من الفراغ الأيديولوجي بقدر خوفي عليهم من الامتلاء الكاذب.

ذلك الامتلاء الذي يجعل الشاب يردد شعارات لا يفهمها، ويقاتل معارك لم يخترها، ويدافع عن أشخاص لن يتذكروا اسمه حين تنتهي المعركة.

ولعلّ هواية بسيطة، قراءة كتاب، رياضة، كتابة، سفر، أو حتى شغف يبدو «تافهاً» في نظر المجتمع ... أكثر نفعاً أحياناً من عقلٍ تمت مصادرته بالكامل لصالح شيخ فكرة، أو زعيم تيار، أو تاجر نفوذ.

في النهاية...

لكل إنسان أن يختار فكره، وأن يقترب ممن يشاء، ما دام لم يتحول اختلافه إلى كراهية، وقناعته إلى عصا، وإيمانه إلى وسيلة لإلغاء الآخرين.

فالإنسان ليس رقماً في قطيع، وليس مشروعاً تابعاً، وليس حطباً لمعركة أحد.

وفي زمن الضجيج الفكري... ربما تصبح أعظم شجاعة أن تقول بهدوء:

أنا أبحث عن ذاتي... لا عن قطيع.

X:jzaband

الثلاثاء، 18 أغسطس 2026

هيّا بنا نلعب

هيّا بنا نلعب


مروان الغفوري
كاتب وروائي وطبيب قلب 

نتذكّر تفاصيل مسلسلات كرتونية من طفولتنا، بل نستعيدها بالشجن ذاته، ونُردّد أغاني التتر، ونحن نقود سياراتنا أو نبتكّر أشياء في مطابخنا. نتذكّر ملامح الأبطال والأشرار، كأنّها البارحة. بل أكثر من ذلك، نتذكّر محاولاتنا لتعديل النهايات وتغيير أسماء الأبطال.

بمستطاعنا أن نحكي عن رواية قرأناها في طفولتنا، بما في ذلك روايات "التيار العام" التي تتشابه كلّها. قد نتعثّر قليلاً في تذكّر اسم بطلة في رواية كلاسيكية، غير أنّنا سنقول في النهاية "ماجدولين".

إذا نزلنا بضع درجات إلى الطفولة، وجلسنا لنتذكّر: سنرى القميص الذي حصلنا عليه في "ليلة الشعبانية"، الهدية التي أُعطيت لنا "في الوقفة"، والمطعم الذي زرناه بصحبة العمّة والشمس تحجبها الغيوم. كانت الأشياء قليلة، لذا كنّا قادرين على الدهشة، والدهشة هي الذاكرة.  

كانت الأشياء قليلة، لذا كنّا قادرين على الدهشة، والدهشة هي الذاكرة.

كان لكل منّا حبيبة واحدة، بدلة واحدة، كتاب واحد، أغنية واحدة، وقرية من الأصدقاء. كنّا ننتظر الغسق كلّ يوم لنجلس أمام التلفاز على الموعد. لم نكن قادرين على التحكّم بأيّ شيء، كان علينا الانتظار والامتثال، كلّ ذلك كان يعزّز من ذاكرتنا، ويربّي شبكة انفعالاتنا، ويعلّمنا احترام المواقيت والنظام.

نتذكّر الجزء من المسلسل حين ألقت الفتاة بنفسها في النهر، والكرة التي أصابت العارضة، وقفزت إلى الأعلى. نفكّر الليل كلّه، النهار كلّه: هل سينقذها الصياد، وهل سيقفز الكابتن وليد، رغم وجع ساقيه، خلف الكرة.

تتدافع السيناريوهات في خيالنا، وكان خيالنا يتسع، يصير أكثر ليونة وطراوة. الخيال هو الذي أعاننا، في تلك الطفولة البعيدة الصعبة، على تجاوز ظروف هذا العالم الذي تفشل أمامه الحضارة نفسها.

عندما زارتنا العمّة من مكان بعيد كنّا قد فرغنا للتو من غدائنا، تناولنا الأرز بالصلصة والبطاطا، ووزّعت أمي نصف الدجاجة علينا. حصلتُ، في ذلك اليوم البعيد، على جزء من ظهر الدجاجة، كانت دجاجة بيضاء اشتريناها بكذا، وكان البائع يحكّ ذقنه، ويسأل: هل أذبحها لكم؟ عندما قال "لكم" رأينا ضروسه الناقصة، ولم يكن قد تجاوز الثلاثين من عمره. كلّ هذا في الذاكرة، في الخيال، في الوجدان، في التجربة. لا يفلت منه شيء، يزداد اختماراً مع الأيّام، الماضي يُعيد إنتاج نفسه، ثم نعيد خلقه في النصوص والآداب، في الفنون والحيل والتجارب الجديدة. كان ساراماغو، الروائي البرتغالي، يقول "دع الطفل الذي بداخلك يتحدث"، وقال ماركيز إنّه عندما أراد أن يكتب على نحو مختلف قرّر أن يحكي كما كانت جدّته تحدّثه في طفولته.

أعاننا الخيال، في الطفولة البعيدة الصعبة، على تجاوز ظروف هذا العالم الذي تفشل أمامه الحضارة نفسها.

تعلّمنا التاريخ على رويّة، بصرف النظر عن جودة المادة التي قُدِّمت لنا من وجهة نظر علمية. التاريخ، أو الحكاية، كان متعدّد الطبقات والأبطال والذرائع، فيه تحوّل البطل إلى شرير، وعاد الشرير ليلتحق بجيش الأخيار قبل المعركة بساعة. كانت الغجرية ترقص، وتغنّي عالياً، وكان "علي أحمد باكثير" يحيط برقصتها، وينقلها لنا حركة حركة. لا يزال صوتها يرنّ في الأذان، وكلّما شاهدنا فيلم "أحدب نوتردام"، ورأينا إزميرالادا هتفنا "نعرف هذه الغجرية، رأيناها في مكان آخر".

لماذا أقول كلّ هذا؟

فيما بعد اعتقدنا أن تعدّد الخيارات في الدنيا سيصبّ في صالحنا. من الأفضل أن نجد عشرين نوعاً من الجبنة، وثلاثين نسخة من الموبايل، ومئة تصميم للفستان. هذا أفضل، لأنّه يحقّق في النهاية رفاهاً وسعادة. الاختيار بين "بضاعتَين" كان يعود علينا، في القديم، بشيء من القلق. نسأل أنفسنا في طريقنا إلى البيت، ما إذا كانت البضاعة الأخرى هي الأفضل، هل اخترنا الأسوأ؟ بيد أنّ الأمر بات مدمّراً الآن، على المستوى النفسي. يسأل المرء نفسه: لماذا اخترت هذه النسخة، وتركت الأخريات، ويفكّر بمئة نسخة استبعدها. ما إن يصل الفرد البشري إلى منزله حتى تكون علاقته بما اشتراه قد انهارت. الوفرة غمرتنا بالقلق، بالتوتّر، باللايقين، وأفقدت أشياءنا جاذبيتها، وهكذا جعلتنا غير قادرين على إنشاء علاقة اجتماعية- نفسية مع ما نملكه، من اللعبة إلى الحب، ومن جهاز الموبايل إلى الصداقة. 

أتذكر حكاية مع ابنتي، سبعة أعوام آنذاك، وهي تلقي بالآيباد على الأريكة قائلة "الآيباد خلص". تقصد أنّها شاهدت كلّ المواد المُتاحة للأطفال على تطبيق ديزني. الآن، بعد خمسة أعوام، لم تعد تتذكّر شيئاً من كلّ تلك البحيرة التي شاهدتها وعايشتها. تعيش بلا أبطال في الذاكرة، ويتداخل عليها الخيال، ولا تبدو قد استفادت عاطفياً من تجربتها المُبكّرة مع الفن، باستثناء الأعمال الكلاسيكية المركّبة.

كانت الندرة كنزاً، لم تكن معضلة. كانت منصّة للتربية العاطفية المعمّقة، لتدريب الخيال.

كانت رواية واحدة تجعل من المرء منّا كاتباً. وكانت قصيدة واحدة، ربّما بيت شعر واحد، يخلق عدداً من الشعراء. وكانت القبيلة يهنّئ بعضها بعض إذا نبغ فيها شاعرٌ أو وُلِدت لهم فرس. كانت الندرة كنزاً، لم تكن معضلة. كانت منصّة للتربية العاطفية المعمّقة، لتدريب الخيال. الخيال هو أعظم ما يملكه الإنسان، يقول بورخيس. هو كذلك، مع الحلم. الوفرة جعلتنا خائفين، قلقين، غير ناضجين، وأفسدت طبائعنا. كان ويلسون يتحدث عن الخيول التي جيء بها من البادية إلى المدينة، وقُدّمت لها العصيدة. يقول: أحبّت العصيدة اللينة السهلة، ومع الأيّام سقطت أسنانها.

أسنان الخيول للشوك والبريّة لا للعصيدة. هكذا صار لدينا خيول بلا أسنان، وبشر لم يعودوا قادرين على الحب، وأجساد مُكتشفة لم تعد تُخفي سرّاً، وحياة بلا غموض، وذاكرة يتسرّب منها كلّ شيء.

صار لدينا خيول بلا أسنان، وبشر لم يعودوا قادرين على الحب، وأجساد مكتشفة لم تعد تخفي سرّاً، وحياة بلا غموض.

ثم أضيف إلى كلّ هذه "المأساة" التعقيد البيروقراطي لحياتنا، الحصار القانوني، القيود، والنماذج السلطوية بالمعنى الذي يذهب إليه فيكون، السلطوية البنيوية الكامنة في كلّ التمظهرات. من الضحية؟ يجيب ماكس فيبر، قبل قرن من الآن: الخيال والإبداع. عندما مات مارادونا، وبكته الصحف، كتب المحرّر الرياضي في صحيفة Neue Zürcher Zeitung السويسرية الناطقة بالألمانية: دعوا الرجل يذهب، فلو كان يلعب الآن لأوقفه المدربون، وأجلسوه في دكّة البدلاء. 

نسمع هذا الأسى على لسان إدوارد غاليانو، الكاتب الأوروغواني، إذ يقول: في الماضي كان المدرب يجتمع مع لاعبيه قبل المباراة، ويقول لهم "هيا بنا نلعب". الآن يسمع اللاعبون جملة واحدة "هيا بنا نعمل". ليتنا، مثل زمان، نذهب لنلعب، ونقف في السوق، ولا نرى سوى شيئَين أو ثلاثة.

السبت، 15 أغسطس 2026

الإرادة والمطاولة: فلسفة الوجود ومواجهة القهر في المشكاة النبوية

الإرادة والمطاولة: فلسفة الوجود ومواجهة القهر في المشكاة النبوية
محمد صالح البدراني

"الاستسلام لفكرة أن المشكلة هي "قدر دائم" يحوّلها سيكولوجياً إلى "همّ مقيم" يورث "الحزن" وتمثيل الرضا"

تأمل في حديث نبوي: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجَزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَغَلَبَةِ الدَّيْنِ، وَقَهْرِ الرِّجَالِ)

ومضة:

النظر للإرادة بالمفهوم الفلسفي الإسلامي يأخذ الحديث النبوي من سياق التبرك اللفظي إلى مصاف "المنهج الحركي لبناء الإنسان الصامد"، فالإسلام لا يرى في الإنسان كائناً مسلوب الإرادة مسيّرا بالحتميات، وإلا ما معنى الثواب والعقاب، بل قبل هذا الحساب؟ وإنما يراه مكلفاً ومسؤولاً، وجعل الحرية في الاختيار والعزيمة شرطاً أساسياً لصحة هذا التكليف، حتى الدول حين تتحول الديون من أرقام في الموازنة إلى "شروط هيكلية" تفرضها مؤسسات دولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، فإنها تنتقل من سياقها المالي الصرف لتصبح أداة قهر وتسلط عابرة للقارات، تسلب المجتمعات سيادتها ويتم التحكم في تفاصيل حياة المواطن اليومية، وعندما تعجز عن السيطرة على الفساد فهذا قهر الرجال.

وهن العاطفة وقهر العجز

تبدأ مأساة الإنسان عندما يعجز عن حماية من يحب، ليس فقط من عوادي الزمن وظلم الآخرين، بل حتى من "نزوات" المحبوب نفسه. إن هذا العجز يمثل ذروة "قهر الرجال"؛ فالقهر ليس سوى تجريد الإنسان من قدرته على الفعل وحرمانه من حق الحماية.

الإنسان المقهور والمكبّل بالديون (سواء كانت ديوناً مالية، أو التزامات خانقة) هو إنسان مسلوب الإرادة، والمصلح أو المواطن الصالح لا يمكنه تقديم النفع لشعبه أو وطنه وهو يعيش حالة "العجز والكسل"


عندما يعجز عن صد عاصفة شعورية تعصف باهله ووطنه وأمته، يتحول القهر من ضغط خارجي إلى تآكل داخلي، هنا يولد "العجز والكسل" كمرحلة تالية للقهر، حيث يفقد العقل المحرك الأساسي للمقاومة، ويتحول الكيان الإنساني من فاعل في الكون إلى مفعول به.

الحرية شرط العطاء:

الإنسان المقهور والمكبّل بالديون (سواء كانت ديوناً مالية، أو التزامات خانقة) هو إنسان مسلوب الإرادة، والمصلح أو المواطن الصالح لا يمكنه تقديم النفع لشعبه أو وطنه وهو يعيش حالة "العجز والكسل". التعوذ هنا رفض واعٍ للمظاهر التي تحوّل الإنسان الإيجابي إلى عنصر خامل ومستهلك. "وأعوذ بك من "قهر الرجال" هي في جوهرها استعاذة من وضع يُسلب فيه الإنسان حريته؛ لأن القهر يعطل فاعلية التكليف ويجعل المرء عاجزاً عن الوفاء بمسؤولياته تجاه ربه، ونفسه، وأمته، وهي إشارة لاتباع الآليات التي علمها الله لعباده وجعلها من سنن الكون في التدافع؛ وليس آليات إبليس والخنوع التي مسارها إلى غضب الله.

إن استعباد الدول من قوى أكبر منها وإجبارها على الخضوع، وبدل تحقيق الرفاهية للشعب تذهب إلى استعباده بعجزه أمامها وأمام نفسه كما عجز الدولة أما غيرها، وكسلها عن المواجهة يجعلها تفرض عليه فوق طاقته كما فُرض عليها فوق طاقتها، فتغلبه الديون كما غلبتها الديون، لكن المواطن وهو عاجز في كل هذا؛ واقع تحت قهر الرجال إجبارا، وتقع الدولة في قهر الرجال اختيارا، وهذا أشد مما استعاذ منه رسول الله (ص).

فخ "الهموم" مقابل واقعية "العقبات"

تتشكل جغرافيا النفس البشرية بناءً على طريقة رؤيتها للحياة؛ فحين يتعامل الإنسان مع الدنيا بوصفها كتلة صماء من "الهم والمشاكل"، فإنه يحكم على إرادته بالضمور، الاستسلام لفكرة أن المشكلة هي "قدر دائم" يحوّلها سيكولوجياً إلى "همّ مقيم" يورث "الحزن" وتمثيل الرضا.

أما القراءة الواعية، فتقتضي تحويل "المشاكل" إلى "عقبات". الفرق بين الاثنين أن الهم مستنقع يغرق فيه المرء، أما العقبة فهي جدار صُنع ليُتسلق أو يُهدم. إدراك الدنيا كمسار مليء بالمنعطفات والعقبات يمنح النفس مرونة مجابهة القهر، فالألم في هذا السياق يصبح ثمناً مستحقاً للعبور، وليس سياجاً يمنع الحركة.

المطاولة والديون الوجودية

الإنسان لكي يحمي من يحب، ولكي يفي بدينه تجاه وطنه وشعبه، عليه أن يمتلك الشجاعة لتحويل مشاكله إلى عقبات، وأن يدرك أن تسديد ديونه الوجودية هو السبيل الوحيد للتحرر من قهر الدنيا وغلبة الرجال


الحياة في جوهرها ليست سباق سرعة، بل هي "معركة مطاولة" تحتاج إلى نَفَس طويل وإرادة صلبة لاجتياز الأزمات أو تسديد "الديون"، وهنا يتسع مفهوم "الدَيْن" في الفلسفة النبوية ليتجاوز معناه المادي الضيق (المال) إلى أبعاد وجودية وأخلاقية شاملة.

الديون أنواع، وأثقلها هي الديون غير المرئية:

- الدَّين تجاه الوطن والشعب: وهو الالتزام الأخلاقي والتاريخي بتقديم النفع، وحماية الهوية، والمساهمة في البناء.

- الدين تجاه الذات: وهو السعي لتطويرها وعدم الخضوع لجهلها أو كسلها.

- الدين تجاه الآخرين: وهو الوفاء بالوعود والمشاعر والمسؤوليات الاجتماعية.

إن تراكم ما يحتاج تسديداً (بسبب الجبن أو البخل أو التقاعس) هو ما يؤدي في النهاية إلى "ضلع الدَين" -أي انحناء الظهر وثقل النفس- وعندما تنحني النفس تحت وطأة تقصيرها، تصبح لقمة سائغة وتغلب عاجزة مقهورة فتبدو كتسلط الظرف، وهو ما يحصل فعلا كأحد الحالات حتى مع العامل الجاد المكافح والصادق في المجتمعات المتخلفة الغاطسة بالفوضى.

خاتمة: العبور بالإرادة

إن الحديث الشريف لا يقدم مجرد استعاذة لفظية، بل يضع خريطة طريق تحذيرية؛ إنه ينبهنا إلى أن الضعف يبدأ من الداخل (الهم والحَزن)، لينعكس على الجسد والسلوك (العجز والكسل)، فيثمر تراجعاً عن المواجهة (الجبن والبخل)، لينتهي الإنسان عبداً لظروفه وللآخرين (غلبة الدَّين وقهر الرجال).

المخرج الفلسفي والعملي يكمن في "الإرادة والمطاولة"؛ فالإنسان لكي يحمي من يحب، ولكي يفي بدينه تجاه وطنه وشعبه، عليه أن يمتلك الشجاعة لتحويل مشاكله إلى عقبات، وأن يدرك أن تسديد ديونه الوجودية هو السبيل الوحيد للتحرر من قهر الدنيا وغلبة الرجال.


الأربعاء، 22 يوليو 2026

حين أصبح الإنسان عبداً لردائه الجديد

 حين أصبح الإنسان عبداً لردائه الجديد



جزا بندر الهاجري

في عام 1769، كتب الفيلسوف الفرنسي دنيس ديدرو، مقالاً لم يكن يعلم أنه سيصبح بعد قرون أحد أهم المفاهيم في علم النفس الاستهلاكي. 

لم يكن يتحدث عن الاقتصاد، ولا عن الأسواق، ولا عن الإعلانات، بل عن رداء مخملي فاخر أُهدي إليه. كانت هدية بسيطة في ظاهرها، لكنها غيّرت حياته.


نظر ديدرو، إلى ردائه الجديد، ثم التفت إلى منزله، فإذا بالأثاث يبدو رخيصاً، والمكتب قديماً، والكرسي مهترئاً، والسجاد لا يليق بالمشهد الجديد. بدأ يستبدل قطعة بعد أخرى، حتى انتهى به الأمر غارقاً في الديون، ليكتب عبارته التي اختصرت مأساة الإنسان الاستهلاكي:

«كنت سيد ردائي القديم، فأصبحت عبداً لردائي الجديد».

لم تكن المشكلة في الرداء، بل في العقل الذي أقنع صاحبه بأن قطعة واحدة من الفخامة تستوجب تغيير الحياة بأكملها.

اليوم، وبعد أكثر من قرنين، لم يعد تأثير ديدرو، مجرد نظرية فلسفية، بل أصبح أسلوب حياة يهيمن على المجتمعات الحديثة، ومنها المجتمع الكويتي. 

فما إن يشتري أحدهم ساعة فاخرة، حتى يشعر أن سيارته لم تعد تليق بها، ثم يرى أن منزله أقل من مستوى سيارته، وأن ملابسه لا تناسب منزله، وأن المقهى الشعبي لا ينسجم مع صورته الجديدة، فينتقل إلى لوبيات الفنادق الفاخرة، لا لأن القهوة هناك ألذ، بل لأن الصورة أهم من المذاق.

إنها رحلة لا تنتهي.

رحلة تبدأ بساعة، وتنتهي بقرض.

في الماضي، كانت الأسرة الكويتية تبني حياتها على الضروريات. كان رب الأسرة يتقاضى راتباً متواضعاً، لكنه يكفي لإطعام سبعة أو ثمانية أفراد، ويوفر لهم المسكن والكسوة والتعليم، بل ويترك مساحة للادخار. لم تكن الحياة خالية من الطموح، لكنها كانت تعرف الفرق بين الحاجة والرغبة، وبين الكماليات والأساسيات.

أما اليوم، فقد انعكست المعادلة.

أصبحت الكماليات هي الأساسيات، وأصبحت الأساسيات مجرد تفاصيل لا يلتفت إليها أحد.

لم يعد السؤال: هل أحتاج هذا الشيء؟

بل أصبح: ماذا سيقول الناس إن لم أمتلكه؟

وهكذا انتقل الإنسان من العيش لنفسه إلى العيش أمام الآخرين.

دخلت البراندات العالمية إلى وعينا قبل أن تدخل إلى خزائننا. وأصبحت أسماء مثل باتيك فيليب، وأوديمار بيغيه، وريتشارد ميل، وهاري وينستون، رموزاً للنجاح في نظر البعض، رغم أنها صُممت في الأصل لفئة محدودة من الملوك وكبار رجال الأعمال وهواة جمع الساعات، لا لتكون معياراً يقاس به نجاح الإنسان أو قيمته.

ولم تتوقف العدوى عند الساعات.

امتدت إلى السيارات، فأصبحت أسماء مثل أستون مارتن، وماكلارين، وبوغاتي، ليست مجرد وسائل نقل، بل أدوات لإثبات المكانة الاجتماعية.

ثم امتدت إلى السفر.

فلم يعد السفر راحة، بل أصبح استعراضاً.

وأصبحت أسماء مثل كورشوفيل، والمالديف، وسيشل، وموناكو، وكان، أحلاماً إلزامية في نظر كثيرين، حتى ظن البعض أن السعادة لا توجد إلا هناك، وأن الإجازة داخل الوطن أو في وجهة بسيطة تعني الفشل الاجتماعي.

لكن الحقيقة أكثر قسوة.

فنحن لا نطارد تلك الأماكن لأنها أجمل دائماً، بل لأن الآخرين سبقونا إليها.

لقد تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى أكبر مصنع للرغبات الوهمية. فهي لا تعرض حياة الناس كما هي، بل تعرض أفضل لحظاتهم، بعد مئات الصور والمحاولات والفلاتر. ومع ذلك، يقارن الإنسان حياته اليومية بتلك اللقطات المنتقاة، فيشعر أن حياته ناقصة، وأن عليه أن يشتري المزيد ليصبح مثلهم.

وهنا تكمن خطورة تأثير ديدرو.

فهو لا يسرق المال فقط، بل يسرق الرضا.

يجعل الإنسان يحتقر ما يملك، ويطارد ما لا يحتاج، ويؤجل سعادته إلى أن يشتري الشيء التالي، ثم يكتشف أن السعادة انتقلت إلى الشيء الذي يليه.

وهكذا يدخل في سباق لا خط نهاية له.

إن أخطر أنواع الفقر ليست قلة المال، بل قلة القناعة.

وأخطر أنواع الثراء ليست كثرة الممتلكات، بل كثرة الاحتياجات.

لقد أقنعنا المجتمع الاستهلاكي بأن قيمة الإنسان في ما يلبس، وما يقود، وما يرتدي في معصمه، وما ينشره في حساباته، بينما الحقيقة أن قيمة الإنسان كانت وستظل في ما يحمله من علم، وما يقدمه من خُلق، وما يتركه من أثر.

لسنا ضد الرفاهية، ولا ضد أن ينعم الإنسان بما أحل الله له من طيبات الحياة، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الرفاهية إلى معيار للكرامة، وعندما يصبح الاستهلاك هوية، لا مجرد اختيار.

إن المجتمع لا يحتاج إلى مزيد من المظاهر، بل يحتاج إلى إعادة تعريف النجاح.

فالنجاح ليس ساعة بمئات الآلاف، ولا سيارة تتجاوز قيمتها قيمة منزل، ولا رحلة إلى جزيرة بعيدة.

النجاح الحقيقي أن تعيش في سلام مع نفسك، وأن تنفق في ما تحتاج، وأن تملك الأشياء دون أن تمتلكك.

وهذا هو الدرس الذي أراد دنيس ديدرو، أن يورثه للعالم منذ أكثر من مئتين وخمسين عاماً.

لكن يبدو أن كثيراً منا ما زال يرتدي ذلك الرداء... وما زال يدفع ثمنه حتى اليوم.

الاثنين، 22 يونيو 2026

متى دخلت غرفتك الصينية؟

 متى دخلت غرفتك الصينية؟

حمد حسن التميمي

حين تكتب لصديقك في لحظة حزنه عبارة مواساة طويلة وبليغة فيتأثر حدَّ البكاء، بينما أنت في الحقيقة تتناول قهوتك ببرود تام وتنظر من النافذة دون أن يتحرك في صدرك شعور واحد، فاعلم أنك دخلت غرفتك الصينية الخاصة.

أنت لم تكذب، والكلمات التي اخترتها كانت مثالية ومناسبة تماماً للموقف، لكنك فعلت ذلك كآلة مدربة، سحبت الإجابة الصحيحة من كتيب القواعد الاجتماعي ومررتها لمن ينتظرها، دون أن تفهم أو تشعر بكلمة واحدة مما كتبت. 

هذا تحديداً ما تنبأ به الفيلسوف جون سيرل عام 1980 في تجربته الفكرية المعروفة بالغرفة الصينية، حين تخيل شخصاً يجلس في غرفة مغلقة يستلم رموزاً صينية لا يفهمها، ويتبع كتاب تعليمات يخبره أي رمز يكتب رداً على أي رمز آخر، فيخرج لمن يسأله بالخارج إجابات صحيحة تماماً دون أن يفهم حرفاً واحداً منها. 

غير أن ما يزعج هذه الفكرة من الداخل هو سؤال أكثر إزعاجاً: إذا كان الرجل في الغرفة لا يعرف أنه لا يفهم، فكيف تضمن أنك لست في غرفتك الآن، تُخرج كلمات صحيحة عن مشاعرك دون أن تفهمها فعلاً؟

سيرل صمم تجربته ليقول إن مطابقة الرموز ليست فهماً، والقواعد الصحيحة ليست وعياً. لكن المؤسسات التعليمية تعمل بنفس منطق الغرفة منذ قرون. الطالب يدخل المدرسة كغرفة مغلقة، يُعطى كتاب تعليمات اسمه المنهج، ويتعلم أي رمز يكتب رداً على أي سؤال في ورقة الامتحان. يحصل على الدرجة الكاملة ويصفق له الجميع، بينما لم يختبر الفكرة فعلاً ولا شعر بها، فقط حفظ التركيب دون أن يلمس المعنى. وهذا لا يتوقف عند المدرسة، بل يمتد للأيديولوجيات والمعتقدات التي نتبناها كاملة دون أن نفهم كواليسها، نردد شعاراتها لأن الكتيب يقول ذلك ويصفق لنا من حولنا.

الأخطر في هذا كله ليس أننا نخدع الآخرين بكفاءتنا الظاهرية، بل أننا نخدع أنفسنا أولاً. 

نقول «أنا أحب هذا» أو «أنا أؤمن بذلك» بثقة تامة، لأن الكتيب الذي تلقيناه في الصغر يخبرنا أن هذا هو الرد الصحيح في موضعنا. 

والمشكلة أن هذا الخداع لا يُحس من الداخل، الرجل في الغرفة لا يشعر بالنقص لأن إجاباته صحيحة شكلياً. 

ودراسة حديثة من جامعة أونتاريو الكندية شملت 854 عاملاً في الصحة النفسية والمكتبات أثبتت أن هذا النوع من الأداء، إظهار مشاعر لا يشعر بها الإنسان فعلاً، يُضاعف القلق والغضب لدى من يمارسه باستمرار، حتى لو بدا للآخرين متماسكاً وسعيداً. الجسد يدفع ثمن الغرفة الصينية حتى وإن لم يشعر العقل بذلك.

وهذا بالضبط ما يحدث لمن يعيش حياته بمطابقة الرموز، يبدو لنفسه طبيعياً وواثقاً حتى تأتي تلك اللحظة النادرة من الصمت الحقيقي فيتساءل إن كان يشعر فعلاً بما يقوله.

ما يسكن حياة كثيرين ليس غياب المشاعر، بل غياب القدرة على التمييز بين المشاعر الحقيقية والردود المحفوظة التي تشبهها تماماً من الخارج، حتى يصعب على المرء نفسه أن يفرّق بين ما يشعر به وما تعلّم أن يقوله.

ربما دخلت غرفتك الصينية في أول مرة دافعت فيها عن فكرة لم تخترها أنت، أو في أول مرة قلت «أنا بخير» وأنت لست بخير، أو في أول مرة مارست دور الأبوة أو الصداقة بكتاب قواعد ورثته دون أن تسأل نفسك إن كان يناسبك. 

والسؤال الحقيقي ليس إن كنت قد دخلتها، بل:

متى ستلاحظ أنك لا تزال بداخلها؟

السبت، 20 يونيو 2026

ثقافة الجزائريين الأسرية

 ثقافة الجزائريين الأسرية 

أنور نصر الدين هدام 

أعلم انه ليس من ثقافتنا نحن الجزائريين الحديث عن زوجاتنا والاعتراف علانية بما يقدمن من تضحيات من أجل البيت والاسرة.. 
لكنني اعتقد انه من واجبي ذكر هنا تجربة زوجتي، كعينة من التجارب العديدة لأسر اللاجئين ومحنهم.. ولو بالاكتفاء بالإشارة إلى بعض ما قدَّمَتْهُ خاصة في بلاد اللجوء الاضطراري.. 
عكس الهجرة الطوعية، مغادرة البلاد لأسباب سياسية ليس نزهة او فسحة سياحية… دفع المواطنين إلى اللجوء جريمة نكراء…

هذه صورة التقطت بالأمس بضواحي العاصمة الأمريكية واشنطن  خلال حفل تقاعد زوجتي، الركيزة الأساسية طيلة 48 سنة الماضية من حياتي، في السراء والضراء، بداية داخل وطننا الغالي الجزائر ثم في بلاد اللجوء الاضطراري والمنفى.

لا يقدّر قيمة هذه الصورة ومغزاها إلاّ من يثمن معاناة الذين واجهوا بكل حزم وعزة وكرامة إكراهات اللجوء الاضطراري التي ناذرا ما يتم الحديث عنها.. اللجوء السياسي الذي هو مختلف تماما عن الهجرة الاختيارية.

للتذكير، لقد تعذر علي في بلاد المنفى مواصلة مهنتي الأكاديمية (أستاذ فزياء جامعي) بسبب تابعات نشاطي السياسي ضد انقلاب يناير 1992 على خيار الشعب، من سجن ظلما وعدوانا لـ4 سنوات بسبب اتهامات مفبركة من قبل الانقلابيين.. وحتى بعد الخروج من السجن لغياب الأدلة، كانت الإقامة شبه جبرية ل 25 سنة رغم تبرئة القضاء الأمريكي ساحتي.

امام هذا الوضع الصعب، تحملت الزوجة الكريمة لوحدها مسئولية البيت.. بيت في بلاد المنفى بدون مدخول، 4 أطفال صغار آنذاك في سن التمدرس وزوج بدون مدخول، حيث كان إما بالسجن ظلما وعدوانا او في شبه إقامة جبرية.

أمام هذا الوضع، تحملت ام الذراري المسؤولية، أخذت بعض الدروس الجامعية في مجالها الطبي، حيث هي أصلا طبيبة تخرجت من جامعة الجزائر، ودخلت مجال الشغل في بلاد المنفى فواجهت لوحدها التحديات بكل شجاعة، كلاجئة في البداية، وكامرأة أجنبية، لم تكون متمكنة من اللغة في الأول، ومحجبة، وفوق ذلك كله كانت هناك مضايقات سلطات الهجرة الأمريكية بسببي. إلى أن أصبحت كما تظهر الصورة، a legend أسطورة بشهادة زملاؤها في الشغل نظير خدمتها المرضى بمهنية عالية وفناءها في عملها.

أسئل المولى عز وجل ان يحفظها وجميع الأمهات الجزائريات هنا فوق ارض الوطن وفي بلاد المنفى والمهجر.. 
اللهم رد كل لاجئ وأسرته إلى بلدهم معززين ومكرمين.

كل مُؤذٍ سوف يُؤذَى.. إنها الأيام

 كل مُؤذٍ سوف يُؤذَى.. إنها الأيام

يؤذيك مَن كنت تخشى عليه من الأذى، وتأتيك الطعنة

 الغادرة ممن لم تتوهمه يومًا طاعنًا أو غادرًا. 

لا تأمنن جانب أحد؛ فقد بسط ابن آدم عليه السلام يده

 ليقتل أخاه، وتآمر أخوة «يوسف» عليه وألقوَه في

 غياهب الجُب، وقد قالوا من قبل: 

{اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضًا}.. 

ويقول القرآن الكريم: 

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا

 لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ}..

فما بالكم بمن لا تربطه بكم روابط الدم وأواصر القربى؟

يجرى الأذى في عروق بعض المنتسبين إلى البشر 

مجرى الدم، ويظنون كل أذى يصنعونه، ومكر 

يمكرونه، وغدر يغدرونه، انتصارًا ساحقًا، تتباهى به 

نفوسهم الأمارة بالسوء والقبح والقيح والكراهية 

والجحود والنكران.. 

يحسبونه هينًا وهو عند الله عظيم.

فيا أيها المؤذِي غيرَه.. اعلم أن كل مُؤذٍ سوف يؤذَى، 

وكل ساقٍ سوف يُسقى بما سقى، وكل ظالم سوف 

يُظلم، إن لم يكن بنفس الموقف، فسوف يكون بنفس 

الألم أو أكثر، وإن لم يكن اليوم فغدًا.

لا تتفاجأ إن كان مرضًا خطيرًا أو ابنًا عاقًا، أو فقرًا 

مدقعًا أو ذلاً ومهانة بين الخلق، أو أي شيء يرهقك 

معنويًا ويقهرك ماديًا. فقط تذكر ما فعلته مع الناس، وستعرف لماذا يحدث لك ذلك، إنها الأيام، والدنيا 

دوَّارة، سيعود إليك يومًا ما فعلته، سواء كان خيرًا أو 

شرًا، فأحسن صُنع ما تودُّ أن يعود إليك في الغد. 

واعلم -إن لم تكن تعلم- أنه لا فرح يدوم ولا حزن 

يستمر. واعلم -إن لم تكن تعلم- أن أفعالك سوف 

تزورك قريبًا فاستعد وجهز نفسك.

نعم.. ليست كل الأيادي التي نصافحها نظيفة، ولا كل 

الضمائر التي نتعامل مع أصحابها نقية، ولا كل 

القلوب التي نخاطب ذويها طاهرة، خذوا حذركم؛ 

فالدنيا أشبه بغابة موحشة، المجد فيها أصبح لذوي 

البطش والمكر والخديعة والأذى؛ حتى يتدخل الله 

بقدرته المطلقة، ويعيد الأمور إلى نصابها الصحيح.

الأذى والغدر وجهان لعملة واحدة، فكل غادر مُؤذٍ، 

وكل مُؤذٍ غادر، ولكل غادر لواء يوم القيامة يُرفع له 

بقدر غدره، فيقال: ألا هذه غدرة فلان، فالحقوق إن 

ضاعت بين البشر، فإنها لن تضيع عند رب البشر، 

بذا حكم الله وقضى، ولن تجد لسنة الله تبديلاً، ولن 

تجد لسنة الله تحويلاً.

وأنت.. مهما نالك من أذى، وأصابك من غدر، فاصبر

 واحتسب وتوكل على الله، ومن يتوكل على الله فهو

 حسبُه، إن الله بالغ أمره، وإياك أن تواجه أذى بأذى

 أو غدرًا بغدر وإلا صرتَ مثلهم، ولكن حسبك أن 

تُحصِّن نفسك من الأذى والغدر، وإن وقعت في الفخ 

يومًا وغدوت فريسة لمُؤذٍ أو غادر على حين غفلة 

منك، فيكفيك يومئذ أن تستعيد حقك إن استطعت إلى 

ذلك سبيلاً، ولا يغبْ عن ذاكرتك أبدًا قول الله تعالى: 

“وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن 

صبرتم لهو خير للصابرين”.