‏إظهار الرسائل ذات التسميات نور الدين قدور رافع. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نور الدين قدور رافع. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 23 أغسطس 2026

بياض الجزائر.. سردية أرض الذهاب والعودة

بياض الجزائر.. سردية أرض الذهاب والعودة


أحيانا ينتابنا الشعور بالعودة إلى الماضي، ذاك الذي لم نستطع التخلص منه، أو بالأحرى لا نملك القدرة على التصالح معه، لأننا آثرنا أن نختار ترحيل آلامه وآماله نحو مستقبل هو الآخر يرفض النظر إليه، إلا إذا اعترف بأن ثمة حاجة ملحة للتواصل مع ذواتنا، بغية سماع صوت الحقيقة، والحديث بلغة هي أقرب إلى الهامش منها إلى الخطاب السلطوي، حيث تتأتى معها اللحظات الأكثر جدلية في تاريخ المجتمعات.

ولعل ما كتب في نص آسيا جبار المعنون "بياض الجزائر"، سردية عن مواكب الهجرة، لا إلى الجنوب الكبير، أو الارتماء في أحضان تاريخ استعماري لم تطو صفحاته بعد، بل استدعاء لذاكرة لم تتآكل مع مرور سنوات التيه، ولم تستطع قوى الشر أن تغلق أبواب الشوق نحو جزائر صاغت هويتها ولغتها بما يحفظ للجغرافيا حضورا تاريخيا، واستمرارا للحياة في وجه موت غير مكتمل، يسعى جاهدا إلى إسكات الأصوات وتشويه الكتابة واغتيال الحقيقة.

إن سردية "بياض الجزائر" لآسيا جبار هي تعبير عن بحث في ذاكرة أرادت الإفلات من تشوهات الماضي، عبر استذكار جمالية الحضور لكتاب وثوريين وهامشيين، وقسوة الغياب الذي تركوه فجأة، ضمن صوت فني آمن بأن الكتابة خيار للتنوع، لا افتراضا لجدليات تنفخ في الانقسامات والهويات المستعصية. فالناجون، على قلة أسمائهم، من أكفان الموت البيضاء، ذاكرتهم لن تمحى لمجرد أن تبنى التماثيل، وتنشد عصبيات الماضي في مراسم التشييع الجنائزي. فالقصة ليست موتا يجتاح المكان، بل حكاية أرض تقاوم منافيها، لتعود أكثر بياضا ونقاء.

كان الموت يحيط بآسيا من كل جانب، لكن بعناوين قاسية ومربكة، لدرجة أنها منعتها من أن تصدق حقيقة الفقد الذي طالها

موت غير مكتمل

في سردها للأحداث التي عاينت جزءا مهما من حياة أصدقائها، تقترب آسيا بعمق من معنى أن يكون الموت ذا تفسير مغاير عن الطقوس الجنائزية والشعائر الدينية التي تتوارثها الأجيال فيما بينها، حيث تضع تصنيفا للموت حين تختصر نصفه في موت غير مكتمل، إذ كان استهداف النخبة والمثقفين من طرف من يدعون الحق في امتلاك الذاكرة والهوية، ويزعمون تمثيلهم التاريخي للغة والدين، صورة اختلفت عناوين حضورها السياسي والاجتماعي. فالخوف لم يستهدف الجغرافيا على امتداد تاريخها فحسب، بل طال اللباس والعادات والحرية، ليكون فكرة تجتاح اللغة والهوية والتنوع.

إعلان

إن الطقوس الجنائزية التي أوردتها آسيا في سيرتها، ضمن شخصيات مقربة كعبد القادر علولة، وأخرى نخبوية كفرانز فانون، وقائمة مفتوحة للثوريين تبدأ من عبان رمضان، ما هي إلا إحالة إلى رفضها تدارك التغييرات الطارئة وفهمها ضمن سياقها، ليس لأن الكاتبة لم تع جيدا طبيعة الصراع الثوري ومخلفات الانفتاح الأيديولوجي، في إطار يبعث على الخوف من كل شيء عدا الموت، إذ بعد عقدين من الزمن، تفتح آسيا نافذة نحو أسماء كانت أقرب إليها، في يومياتها وحواراتها وفرحها بالاستقلال الوطني.

كان الموت يحيط بآسيا من كل جانب، لكن بعناوين قاسية ومربكة، لدرجة أنها منعتها من أن تصدق حقيقة الفقد الذي طالها. ففي لحظة، يغتال علولة، ويسقط فانون بعد أن أنهكته اللوكيميا، وتجتاح الخيبة عالم عبان رمضان، كأن الموت يريد أن يتركها لاختياراتها، لكنه يسلبها شغفها بالحياة، بالكتابة، وبالبحث المستمر عن الحقيقة، غير أن جبار استطاعت أن تنفذ ببراعة نحو الجزائر البيضاء، تلك الأرض بمروجها ومواكب حزنها وتقلبات ساستها، في مشهدية أطاحت بتعريف الموت كونه أكفانا تحملها ظلال ذاكرة تشبثت بوطنها الأم.

فانون مجددا

في بياض الجزائر، حضر فانون وكاتب ياسين وغيرهما من المثقفين الذين عرفت أرض الأمير عبد القادر كيف تحيي ذكراهم، فثمة ضرورة ملحة للبحث عن سؤال العودة، حينما يتعلق الأمر باستعادة جثامين ثوار قضوا في سبيل تحرير الأرض، من منازلهم التي اختاروا أن تكون موطنا لنعشهم. إذ كانت الحاجة إلى الإجابة عن سؤال: لماذا نستعيد رفات بعض الثوريين؟ مدعاة لفهم الفراغ الذي أراد البعض تسليطه على سرديات تاريخية، لمنح الشرعية للغة الواحدة. فآسيا لم تنبش قبور رفقاء الثورة، ولا راحت تهدم صروح أساطير تاريخية، إنما قدمت أسئلة في سرديتها، حيث يكون الاهتمام باستعادة ماذا؟ في وقت يهمش فيه الكثيرون ممن وقفوا في وجه السياسات الاستعمارية، من دون أن ينالوا اسما أو لافتة لشارع ما.

إن معذبي الأرض لم يموتوا برحيل فانون، بل ازدادوا شراسة حينما تعلق الأمر بترتيب البيت الوطني، فما كان بالأمس اختلافا في تعريف الثورة والاستقلال، أصبح بعد زمن بياضا يجتاح الجزائر بالاغتيال والتهديد والخوف، من دون معرفة الأسباب المقنعة التي تجعل شخصا ما يستهدف آخر، لقد عادوا مجددا ليطفئوا أنوار المعرفة في تكريماتهم الباهتة.

تجيب آسيا في سرديتها عن الأسئلة المقلقة التي أطلقتها في بداية رحلة الكلمات، ليس من منطلق نظرة تشاؤمية، أو اختزال للماضي في زاوية التضاد، بل لأنها اختارت أن تنحاز إلى الاعتراف، وإلى المصارحة، وإلى الكتابة التي تنقذها من بقايا الموت واليأس الذي حول الحياة إلى غربة موحشة. فما عاد المسرح يعرف عبد القادر، لكنه بات يحسن التصفيق عند كل استحقاق انتخابي، بينما تتوالى مشاهد التمثيل الجنائزي ليعم الصمت.

إن بياض الجزائر ليس ذاكرة عابرة، ولا سردية عن موت يزحف بعنف نحو المستقبل، بل طوق نجاة ترسمه الكلمات في مسرح الحياة

مسرح الكلمات

خلصت آسيا إلى حتمية مفادها أن الكتابة تشكل خطرا وجوديا، ليس على السرديات المضللة والخطابات السلطوية فحسب، بل تهدد أساطير ظلت جاثمة على قمة التقديس، حيث تعجز اللغة عن تفكيكها ومساءلتها، بل ترفض الإحالة إليها، كونها شخصيات مربكة، معتبرة إياها صورا تعيد إلى الذاكرة مفارقات بين أن يعود الأمير إلى الأرض، ويظل أوغسطين عالقا في منفاه.

إعلان

ففي هذا السرد الغني لجبار، بقي حضور الأحبة والتاريخ واللغة حاضرا بنفس تعبيري ونقدي مؤسس، فهي لم تسقط في غياهب الكتابة الإقصائية، ولم تفرض وصاية على سردية تاريخية، بل قالت بوضوح تام إنها تقترب من أحبتها، ومن وطنها، ولغتها، بكل ما تحمل عبارات الأسى لاستكمال رحلة الذاكرة.

تعود آسيا من الماضي بعبارات لا تحمل الوجع والحزن فحسب، بل تريد أن تمنحنا فسحة من الأمل حينما يتعلق الأمر بأن نكتب، وأن نتكلم، وأن نعبر عن خصوصياتنا، تلك التعبيرات التي تهدد اللون الواحد المفروض على جغرافيا متنوعة، سرعان ما استطاعت لغتا المستعمِر والمستعمَر أن تلبسا وشاح الشرعية.

إن بياض الجزائر ليس ذاكرة عابرة، ولا سردية عن موت يزحف بعنف نحو المستقبل، بل طوق نجاة ترسمه الكلمات في مسرح الحياة، فآسيا جبار وقفت تتأمل لحظات ما قبل الرحيل، حيث نكون نحن جميعا، دون استثناء، لسنا على موعد مع النسيان، بل مع ميلاد جديد لوطن متنوع.

الأحد، 12 يوليو 2026

حمد بن خليفة آل ثاني.. شيخ السياسة وصانع نهضة قطر

حمد بن خليفة آل ثاني.. شيخ السياسة وصانع نهضة قطر

نور الدين قدور رافع


الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله تعالى

  • شيخ السياسة.. في رثاء الأمير الوالد

ليس من السهولة الحديث عن شخصيات عظيمة غيرت حياة الكثيرين ممن اختبروا العيش، وساهمت برقيها وعفتها في صناعة لحظات متميزة يصعب نسيانها. سنحاول -في هذه الأسطر الموجزة- جمع الحروف واحدا تلو الآخر؛ لاقتفاء سيرة رجل من أهم السياسيين الذين أثروا في مسيرة الأمة، حيث عرف بمواقفه الحميدة ومواقفه المشرفة الداعمة للحقوق الإنسانية. سنروي لحظات متميزة من سيرة شخصية لقبت بالأمير الوالد، الذي ارتقى إلى بارئه بعدما أفنى عمره في دعم مسيرة بلده المتميزة، لعلنا نتبع أثره بالحسنى، ويكون مسك الختام.

أتقن السياسة؛ ليرسم صورة شيخ يعتمد الوساطة منهجا لحل أعقد الأزمات، فكان يسمع من القيادات وشعوبها، ويأخذ عنهم، ويشاورهم في المعروف، حتى ألفوا صوته الحكيم ورأيه الداعم للحرية والعدالة الإنسانية

شيخ السياسة

مثل دور الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني -رحمه الله- في أهم القضايا التي واجهت الأمة الإسلامية والعربية، نوعا من الحضور السياسي اللافت والمؤثر في عدة مسارات، كان من شأنها أن تغير خارطة الجغرافيا السياسية. وقد ارتبطت سياسات بلاده، في نظر كثيرين، بدعم عدد من القضايا العربية والإسلامية، والسعي إلى إيصالها عبر المنابر السياسية والأممية.

ولم يتخلف يوما عن تذكيرنا بضرورة الإصلاح الداخلي للدول، وهي المسيرة التي بدأت في دولة قطر على يديه، للخروج من واقع شهد صعوبة الحياة. فكان -بشخصيته المتفردة وآرائه الحكيمة- يسعى إلى فتح مسارات آمنة، وحلول مستدامة للمآسي التي عاشتها الملايين.

بل إن وقوفه المتواصل مع الشعوب التي انتفضت زمن الربيع العربي، ومع القضية الفلسطينية، كان مفتاحا لمعرفة شخصية الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، بعيدا عن السياسة، وقريبا جدا من إنسان يأمل أن تكون أوطاننا مزدهرة.

مثل دور الأمير الوالد الشيخ حمد، على المستوى الاجتماعي، تحديا في مسارات الحلم العربي الذي افتقد، في فترة من الفترات، نماذج إصلاحية سياسية غير تلك التي روجت لها القنوات بثيابها الفاخرة. وكان الأمير حمد مختلفا عن تلك النماذج التي تكشفت خيباتها في امتحانات التغيير ونصرة المرابطين.

إعلان

ومع أن العمل الأساسي الذي شغل شيخ السياسة -كما أحب أن أسميه- كان مشروعه الإصلاحي التنموي، ليس على مستوى دولة قطر فحسب، بل امتد ليطال منظومات عربية وإسلامية أراد لها أن تحقق قدرا أكبر من الاستقلال في قرارها السياسي، فإنه أتقن السياسة؛ ليرسم صورة شيخ يعتمد الوساطة منهجا لحل أعقد الأزمات، فكان يسمع من القيادات وشعوبها، ويأخذ عنهم، ويشاورهم في المعروف، حتى ألفوا صوته الحكيم ورأيه الداعم للحرية والعدالة الإنسانية.

ساهم بشكل كبير في نشر الوعي بالمشاريع الإصلاحية والخيرية، وفتح المجال لحرية الإعلام والصحافة، ودعم مشاريع مناهضة الفساد، ورسم مستقبلا لأمة اختارت أن تكون الحرية والعدالة عنوانها

ربما يمكننا اعتبار مرحلة التجديد والتنمية التي قادها الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني -رحمه الله- نقطة فاصلة ومهمة في مسار الإصلاح والتنمية، بل نقطة "مركزية مغايرة" في تاريخ الشخصيات السياسية المعاصرة للأمة. وقد تجلت واقعيتها وفعاليتها وهي تحفر في وجداننا ومستقبلنا، وكان انتشارها بين مختلف الأوساط والطبقات ذا أثر بالغ في صياغة هوية الأمير الوالد، المتعددة الجوانب.

قدم مشروعه بوصفه مشروعا إصلاحيا وتنمويا، بعيدا عن المصالح الضيقة أو السعي إلى فرض إملاءات اقتصادية، بل كان خياله السياسي وطموحه الثقافي مرهونين بمشروعه الإصلاحي التنموي، لا بالرغبات القطرية الضيقة، لترى ظلاله الخيرة في أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط.

ولأن الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني كان يدرك جيدا الرهانات التي يقتضيها العمل السياسي، وتكلفته الباهظة إنسانيا ونفسيا، فقد جاد بنفسه وماله من أجل رفاهية شعبه وأمته، وتحلل من كل ما يشوبه من سوء ظن واتهام وفرية، ونأى بمشروعه الوطني التنموي بعيدا عن كل تقدير سلطوي أو احتكار ذاتي، ليكون مشروعا مستداما في عطائه.

وقد ساهم بشكل كبير في نشر الوعي بالمشاريع الإصلاحية والخيرية، وفتح المجال لحرية الإعلام والصحافة، ودعم مشاريع مناهضة الفساد، ورسم مستقبلا لأمة اختارت أن تكون الحرية والعدالة عنوانها. كما كسر حصار غزة حين زارها عام 2012، معلنا مشاريع إسكانية وتنموية للقطاع. وقد صدق من قال فيه: لقد أتعبت السياسيين من بعدك، أيها الأمير الوالد.

لم يسع إلى إسكات أي صوت ناقد أو استرضائه، بل شغلته طموحاته المذهلة والمتفردة، التي فاقت جميع التصورات، عن الدخول في جدالات عقيمة، مع احتفاظه بقدرته على حسم النزاعات بمرونة وسهولة

التحدي.. والأثر

ما من عمل سياسي أو تنموي إلا وله تحديات كبيرة، ولم يكن الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني استثناء من حركة التاريخ في مواجهة العقبات التي اعترضت مشاريعه وأفكاره الإصلاحية، لكنه تفوق بحنكته وهدوئه على تلك العقبات التي كانت تتجدد مع امتحانات التاريخ وإرادة الناس في التغيير.

ولم يستسلم للضغوط في ترك مشروعه الوطني ورؤيته لمستقبل البلاد، حين تعرض لحملات التشويه والإنكار من بعض الأصوات الإعلامية، عقب وقوفه مع انتفاضات الربيع العربي. وكانت تلك الحملات التحريضية ضد شخصه وبلده تهدف إلى استرضاء سادتها الذين أمعنوا في القتل والتهجير والتنكيل بشعوبهم.

إعلان

لكنه ترك خلفه تلك الأصوات المعارضة، والسهام البالية ترتد على أصحابها، ووقف بثبات في وجه الادعاءات، لتكشف مواقفه المشرفة من قضايا الأمة حقيقة شخصية الشيخ حمد.

لقد كان لتجاوز الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني تلك الضغوط والحملات البائسة أثر عظيم في إكساب مشروعه صورته الحقيقية، وإظهار جديته في تقبل أي نقد يوجه إلى سياساته الداخلية والخارجية. ثم أعلن تنازله عن العرش لابنه تميم عام 2013، مستكملا مسيرة التجديد والإصلاح بنفس شبابي، وصوت إصلاحي، وحضور أبوي ناصح.

يفنى الجسد في بركات تراب الأرض الطيبة، ويبقى أثر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني خالدا في ذاكرة الوطن، ووجدان الأمة، وذكرى الدار

فلم يسع إلى إسكات أي صوت ناقد أو استرضائه، بل شغلته طموحاته المذهلة والمتفردة، التي فاقت جميع التصورات، عن الدخول في جدالات عقيمة، مع احتفاظه بقدرته على حسم النزاعات بمرونة وسهولة، بعيدا عن التشنجات والانحيازات والتلفيق الممنهج. وفي زمن التخندق المميت والارتماء في أحضان المستحيل، بقي الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني يشق طريق الإصلاح والعمل التنموي مع ابنه الأمير تميم، كما بدأه أول مرة، منفتحا على كل الاحتمالات التي من شأنها أن تعيق أفكاره.

لم يحارب الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أولئك الذين وقفوا ضد أفكاره وتآمروا على مشروع وطنه، بل سعى إلى إبعاد دولة قطر عن كل التزام من شأنه أن يورثها خطايا بحق الإنسانية. وكانت لأخلاقه السامية ومواقفه الحكيمة قدرة على إطفاء نار الحروب.

ويشاء القدر أن يتوارى حضور الأمير الوالد جسدا، لكن روحه وصورته بقيتا -ولا تزالان- حضارة في نفوس القطريين وشعوبنا العربية. صورة اختلف الكثيرون في توصيفها، لكنها ستبقى شاهدة على مواقفه التاريخية والإنسانية، التي لا تنتهي بغيابه، ولا برحيله، ولا حتى بتعليق صورته على جدران التعزية، بل ستظل خالدة في وجدان وتاريخ دولة قطر.

ومثلما تكون البدايات على قدر أصحابها، تأتي النهايات بكراماتها، كأن القدر يرسم ملامح الخلود لأولئك الذين عاشوا في صمت من أجل الأمة. لكن الله شاء أن يكتب لهم القبول والرضا في قلوب الذين عرفوهم والذين لم يعرفوهم. ويفنى الجسد في بركات تراب الأرض الطيبة، ويبقى أثر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني خالدا في ذاكرة الوطن، ووجدان الأمة، وذكرى الدار.

الاثنين، 6 يوليو 2026

هل يقود الذكاء الاصطناعي إلى استعمار رقمي جديد؟قضايا

 هل يقود الذكاء الاصطناعي إلى استعمار رقمي جديد؟

الكاتب: أصبح توجيه الخوارزميات وفق توجهات سياسية أو أيديولوجية مدعاة لإعادة التفكير في معنى أن يكون الفضاء الرقمي مجتمعا إنسانيا


بمجرد أن تضغط على زر التصفح، تظهر الإعلانات والتطبيقات متزامنة مع تفاعلك عبر المنصات الرقمية، معتقدا أنك لم تبد لها رغباتك، بينما في الحقيقة فإن مجرد لمسة عابرة قد تمكنها من جمع بياناتك والاقتراب بعمق من تفضيلاتك الشخصية. فالشاشات لم تعد تسرد القصص وتبث الأخبار فحسب، بل أصبحت "وسيطا حساسا" ينقل المعلومات الشخصية ويحللها، لينتج فضاء افتراضيا ثالثا يخيل إلينا أنه عالمنا البديل، حيث تصنع التقنيات الذكية توجها مستداما لمستقبل تتغير فيه الشروط الحضارية للإنسان.

حين ظهر الذكاء الاصطناعي، اعتبره كثيرون تهديدا وجوديا للقيم الإنسانية والحضارية، إذ صور إلى حد كبير على أنه "استعمار رقمي" يستلب إمكانات البشرية ووظائفها، متفوقا عليها بآلاف المرات. ويحيل هذا التصور إلى الصورة التاريخية التي رافقت ظهور الطباعة، حين انقسم العالم بين تحريمها والأخذ بها، قبل أن يتبين لاحقا أن الحضارة تمتلك ذكاء جمعيا يجعل ابتكارات البشر مصدرا للإبداع والتنوع الثقافي والهوياتي، بعيدا عن السرديات المضللة والاستغلال الموحش لوسائل الحضارة. فهل نعيش حقا استعمارا رقميا يهيمن على خصوصياتنا، أم إن رفضنا للابتكار ضمن شرط حضاري خاص هو ما يغذي خوفنا ويمنحنا شعور الاستسلام والانطواء؟

لعل الانتقال من صناعة الخوف عبر سرديات مضللة ومفبركة إلى تغذيته عبر تضخيم أجزاء مبتورة من الحقيقة لم يعد حدثا عابرا، بل أصبح موضوعا يوميا يعاد تدويره ضمن خطاب الاستعمار الرقمي

من صناعة الخوف إلى تغذية العالم به

تتأسس عملية السيطرة على المجتمعات والدول على مسألة الخوف، حيث تنبري المخاطر الواقعية والمتخيلة لرسم مستقبل مضطرب ومثقل بمصائر قد لا تكون بالضرورة نتائج حتمية. فالخوف يشكل ما يمكن تسميته "الذات المترددة" المنقادة للسائد ضمن فضاء تتعزز فيه القيم والهويات الأحادية.

إعلان

وهذا الارتباط بين الخوف على الخصوصية والثقافة من جهة، والانصياع للضوابط الاجتماعية والسياسية دون إعمال آليات التفكير والنقد من جهة أخرى، يفتح ثغرات تاريخية بين الأجيال المتعاقبة. فبدل أن يكون الصراع الحضاري قائما على جدليات بين النخب المسيطرة والهوامش القاعدية، ينزاح نحو صراع أفقي بين أجيال تتآكلها الذاكرة التاريخية وتتفاوت ثقافاتها وفق ظروف حضارية مختلفة تماما.

ومن أجل ذلك، تطورت عملية "صناعة الخوف" لتشمل مجالات هشة وحساسة يعتقد أنها أكثر انفتاحا على الذات، بينما هي في الواقع تستحوذ على خصوصيتنا طوعا. فالمجال الرقمي، الذي كان يفترض أن يكون فضاء للتبادل الإنساني والتواصل والتعبير عن التنوع، لم يبحث عن مخرج للمأزق الحضاري بقدر ما جعل تغذية الخوف "نسقا عالميا مستداما" عبر منظومة يومية تشمل وسائل الإعلام الرقمي، وصناعة المحتوى، والحروب السيبرانية، مستهدفة جوهر العلاقات الإنسانية وتحديات الوجود البشري.

ولعل الانتقال من صناعة الخوف عبر سرديات مضللة ومفبركة إلى تغذيته عبر تضخيم أجزاء مبتورة من الحقيقة لم يعد حدثا عابرا، بل أصبح موضوعا يوميا يعاد تدويره ضمن خطاب الاستعمار الرقمي. كأن يصور البرنامج النووي الإيراني بوصفه تهديدا للسلم العالمي، أو تصنف مقاومة الاحتلال على أنها إرهاب، أو يتعامل مع الأوبئة بوصفها قدرا محتوما من دون مراجعة إخفاقات الأنظمة الصحية وآليات الاستجابة للأزمات.

إنه انتقال نحو "هيمنة بلا استعمار" فرضت نمطا بشريا واحدا خاضعا لتصور اختزالي للخوف. فبدل أن يكون الموت قدرا إنسانيا، يصبح تحديا يجب تجاوزه ضمن رؤية لا تنتجها إلا حضارة مادية أقصت نفسها عن القيم الإنسانية المشتركة.

نحن اليوم أمام قفزة نوعية في آليات التواصل البشري والتمثيل الحضاري، حيث انتقل صراع البشر فيما بينهم إلى فرض نسق مستدام من الخوف، يحول توتره الداخلي إلى رفض للذكاء الاصطناعي، رغم أنه صاغ شروطا حضارية لا تقتصر على ثقافة الهيمنة أو الاستهلاك السريع

الشرط الحضاري

بالرغم من أن الحرية والعدالة تمثلان حالة إنسانية شاملة، فإن البعض يختزلهما ضمن مجتمع أو ثقافة أو جيل معين، فتتحول المقاربات الاختزالية إلى إعادة إنتاج للتناقضات التاريخية بدل التفاعل مع الاختلاف والتمايز بواقعية وابتكار.

ولو نظرنا إلى حالة التشابك التي يعيشها جيل "زد" مع الأجيال التي يصفها بالكهلنة، لأدركنا أن ثمة مأزقا تعيشه الشعوب داخل فضاء حضاري يفرض شروطه الخاصة عبر مراحل تاريخية متباينة، بعيدا عن حتمية تكرار النسخ البدائية داخل السحب الرقمية.

إن ما يعنيه الشرط الحضاري هو تلك الحالة التي تسمح بإحالة الفعل الإنساني إلى قيم الحرية والعدالة، لتتعزز معها وسائل الابتكار والتنوع والاعتراف. حيث يكون لكل جيل ثقافته الخاصة التي ترسم ملامح مجتمع تتوارث فيه الهويات الحرية والعدالة، لا الصراعات التاريخية المرتبطة بخطابات العنصرية والأفضلية.

فنحن اليوم أمام قفزة نوعية في آليات التواصل البشري والتمثيل الحضاري، حيث انتقل صراع البشر فيما بينهم إلى فرض نسق مستدام من الخوف، يحول توتره الداخلي إلى رفض للذكاء الاصطناعي، رغم أنه صاغ شروطا حضارية لا تقتصر على ثقافة الهيمنة أو الاستهلاك السريع.

إعلان

وسيتحتم على المجتمعات الهامشية أن تعي مأزقها الحضاري، ولو متأخرة، لأن الخوف الذي تبثه الهيمنة الرقمية عبر منصات التواصل سيجعل منها نسخا مستلبة تتكرر صورتها ولغتها التفاعلية. غير أن إدراكها معنى الشرط الحضاري يتيح لها استثمار الفضاء الرقمي اجتماعيا وثقافيا وسياسيا، بما يعزز الابتكار ويرتقي بالحضور الإنساني، ويحصنها ضد الخوف الذي تفرضه متلازمات الاستعمار الحديثة.

يعيد الذكاء الاصطناعي تعريف مفاهيم الحرية والإرهاب ضمن برامج تغذية الخوف العالمي، بوصفه شكلا من أشكال الهيمنة بلا استعمار

هيمنة بلا استعمار

يرتكز الاستعمار الرقمي على التكنولوجيا ومنصات التواصل، حيث يجعل من الإنسان رقما في سلسلة التحليل والاستخدام اليومي لبياناته. غير أن الجانب الأهم في إدراك خطورة هذا النوع من الاستعمار الناعم يتمثل في قدرته على تفكيك مجتمعات أظهرت هشاشتها؛ بسبب رفضها فكرة الابتكار.

فقد أصبح توجيه الخوارزميات وفق توجهات سياسية أو أيديولوجية مدعاة لإعادة التفكير في معنى أن يكون الفضاء الرقمي مجتمعا إنسانيا، لا مجرد مخزن للبيانات يستخدم لترميم عسكرة المجتمعات وإعادة إنتاج السيطرة عليها.

وما استجد مع الذكاء الاصطناعي هو انتقال التكنولوجيا من مجرد فرض خطاب معين إلى إعادة تشكيل بنية اجتماعية كاملة، أقرب إلى استيطان رقمي يتغلغل في الثقافة والتاريخ والهوية، لا بهدف تطويرها وتحويلها إلى موضوع للإبداع، بل لتحويلها إلى حالة متناقضة ومستعصية على الفهم يجب التخلص منها.

ولعل تقييد بعض منصات التواصل الاجتماعي للمحتوى الداعم للقضية الفلسطينية وحجب أجزاء منه، واتباع سياسات تضييقية تجاهه، يمثل نموذجا على تورط الوساطة التقنية في التأثير على السرديات العامة وتوجيهها.

يعيد الذكاء الاصطناعي تعريف مفاهيم الحرية والإرهاب ضمن برامج تغذية الخوف العالمي، بوصفه شكلا من أشكال الهيمنة بلا استعمار. إذ يكمن الصراع على التكنولوجيا المتطورة في تنافس بين قوى تسعى إلى تعزيز نفوذها عبر أدوات رقمية متقدمة.

فالإنسان لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد عنصر داخل ماكينة إنتاج أو استهلاك. وبدل أن تتعزز التقنيات الحديثة في خدمة الصحة ومواجهة الكوارث والفقر وإيجاد حلول مستدامة للمشكلات الإنسانية، تنشأ مخاوف متزايدة حول أنسنة الروبوتات وتوسيع أدوارها بواسطة الذكاء الاصطناعي.

لم يعد الأمر مقتصرا على الاستحواذ على الوظائف البشرية، بل امتد إلى التأثير في العلاقات الاجتماعية وأنماط التفكير والتفاعل الإنساني. فهل سنشهد إذعانا للاستعمار الرقمي، أم تفاعلا إبداعيا ينجح الإنسان من خلاله في توظيف التكنولوجيا لصالح حريته ومستقبله الحضاري؟



الأربعاء، 3 يونيو 2026

اليوم نرمي الدفاتر وغدا نفقد الإنسان

 اليوم نرمي الدفاتر وغدا نفقد الإنسان


  • ماذا تكشف ظاهرة رمي الكراريس عن أزمة التعليم؟

عند انقضاء الموسم الدراسي، تبرز بعض السلوكيات السلبية لدى المتعلمين، كرمي دفاترهم في الشارع، وتحطيم نوافذ المدارس، في صورة لا تمثل الأهداف السامية التي يسعى إليها النظام التعليمي، ولا تعد تعبيرا إيجابيا عن ملمح التخرج الذي تتبناه الجماعة التربوية للطلبة. فقد أصبح "رمي الكراريس" في الشارع ظاهرة اجتاحت مختلف الأطوار التعليمية، بعدما كان الاحتفاء بنيل الشهادات العليا يتمثل في إلقاء "قبعة التخرج" في السماء إيذانا ببدء مرحلة حياتية جديدة نحو عالم الشغل.

ومن الضروري النظر إلى تلك التصرفات الدخيلة على المجتمع، والتي تشكل "خطرا مستداما" على استقرار البنى التعليمية والهوية الاجتماعية، إذ تعبر عن صورة مخيفة للعنف الرمزي تجاه ما يفترض أنه اللبنة الأولى لمستقبل الأجيال، والطريق الأنسب لمحو التبعية والخنوع. فلا شيء يحمل معنى للنظام التعليمي أكثر من "حقيبة المتعلم" التي تجعل منه ذاتا باحثة عن صور النجاح.

قد نتفق على أن ثمة "عقبة تربوية" تواجهنا جميعا، مفادها اللامسؤولية الجماعية في تحقيق الارتباط الروحي والمعرفي بين التلميذ والمناهج والمجتمع، غير أن علينا أن ننظر بعمق إلى الأسباب التي أوصلتنا إلى مثل هذه التصرفات: فهل تقف الجماعة التربوية أمام تحديات ثقافة عابرة تستحوذ على كل شيء؟ أم إن بنية النظام التعليمي تحتاج إلى أطر أكثر إبداعا ومرونة؟

المتعلم يقف أمام اختبار مكتسباته عند ملمح التخرج، الذي يفترض أن يعزز قيمه وتنوعه وابتكاره، بل إن تحصيله الدراسي السنوي قد لا يتجاوز دفتي الكراس

ما الذي لا نتعلمه؟

تدور إشكالية التصرفات السلبية للمتمدرسين حول علاقتها بنظام ثلاثي معقد، يبدو في ظاهره بسيطا، لكنه من أكثر الأنظمة حساسية وإفراطا في البحث عن المعنى. إذ تقوم عناصره الثلاثة: المناهج، والمدارس، والجماعة التربوية، على رسم صورة حضارية للدولة، وتشكيل حصن هوياتي في مواجهة الثقافات الأخرى.

ويقوم هذا الارتباط بالضرورة على قواعد أخلاقية غايتها المتعلم. ويمكن القول إن التلميذ هو الحلقة الأساسية في العملية التعليمية التربوية، لإنشاء جيل يتمتع برؤيته الخاصة ويبتكر أدواته الجمالية والإبداعية، من أجل أن تقف الدول والمجتمعات أمام اختبار أخلاقي يتعلق بالمسؤولية السياسية والاجتماعية، لخلق فضاءات تكوينية تسمح بإنتاج ذوات تتمتع بالكفاءة النفسية والجمالية، وتتصالح مع مناهجها التعليمية، بدل أن تنظر إلى المدرسة باعتبارها مجرد "لمجة وسبورة". فالمدارس تمثل اتفاقية حضارية بين المجتمع والدولة، بنودها منظومة تعليمية داعمة للهوية، وليست سجنا ناعما.

يتهافت البعض على القول بضرورة تطوير النظام التعليمي، لكننا نتغافل عن البحث في سؤالين أساسيين: ماذا يتعلم المتعلم؟ وما الذي يمكن أن يجعله إنسانا فاعلا اليوم قبل الغد؟

بعد ذلك يمكننا أن نتفق على أن المعارف والمناهج هي التي ترسم هويتنا وتحفظ مجتمعنا وتنمي فينا روح الوطنية. لكن ماذا عن اللوحة التي تتوارى خلفها أحلام الأطفال، حيث المستقبل ترسمه براعم ناعمة وابتسامات حقيقية، حين يسأل المعلم تلميذه عن حلمه، فيجيب قائلا: "أريد أن أكون معلما".

إن النظام التعليمي ضروري لتحصيل المعارف واكتساب المهارات، غير أن الأهم هو تنشئة جيل يؤمن بأن محفظته ودفتر معارفه، اللذين يخط فيهما كل يوم، ليسا إلا طريقا أوليا نحو معرفة ذاته وبناء دولته، لا التزاما اجتماعيا يسلبه حريته وكرامته. فهو يرى أن "الجميع استقال" من أداء مسؤولياته التاريخية إلا هو، وأن الجميع يناصبه النصائح ويراقب أفعاله، متوقعا له أن يكون في عداد الفاشلين.

حين ترمى الدفاتر

يفترض أن يعد تكسير نوافذ المدارس، ورمي الدفاتر وتمزيقها في الشارع، تصرفا غير لائق تجاه منظومة متكاملة ومتوازنة. فالمتعلم يقف أمام اختبار مكتسباته عند ملمح التخرج، الذي يفترض أن يعزز قيمه وتنوعه وابتكاره، بل إن تحصيله الدراسي السنوي قد لا يتجاوز دفتي الكراس.

ويتشكل هذا "العنف المعرفي" ضد النظام التعليمي، الذي يتخذ صورة الدفتر والمدرسة، في ظل تأخر المناهج عن استيعاب الطاقات المتجددة للطلبة، وكثافة الحشو بدل التنوع، وارتهانها لامتحانات مصيرية تجعل ملمح التخرج المعرفي معلقا بمدى استجابة المتمدرس للنقطة. وهذا التصور للمعرفة هو ما ينفخ الذات المهووسة بالتحطيم والرفض السلبي.

حين يلقي التلميذ دفاتره في الشارع ويمزقها، فهو يعبر ضمنيا عن حالته الاجتماعية والنفسية المتأزمة، لا خلال موسم دراسي فحسب، بل طوال سنوات التمدرس التي يبدو أنها تسرق أحلامه وتحشره في زوايا العلامة الكاملة، لا الابتكار والتنوع. الأمر الذي يجعله إنسانا بلا معنى، هدفه تبرير الإخفاقات المتكررة لمنظومات تعليمية كان من الواجب عصرنتها وتقليل كثافتها، للحفاظ على نقاوة الذات المتعلمة، قبل أن نصطدم في المستقبل بعنف يفوق تحطيم نوافذ المدارس.

تدق أجراس الخطر إزاء مجتمع يظن نفسه متحررا ومواكبا للحضارة ومتناغما مع العصرنة، لكنه في الحقيقة يدخل نفقا معتما، غارقا في أوهام مستوردة

استقالة جماعية

لا يمكننا لوم النظام التعليمي فحسب، فثمة ما يمكن تسميته "استقالة جماعية" انساق إليها طوعا أولئك القائمون على ما يفترض أنهم صناع الهويات والحصن المتين للمستقبل. فإذا نظرنا إلى العائلة والمجتمع، نجد أن كثيرا منهم لا يبرح هوس حصول أبنائهم على أعلى النقاط. كما أن الإفراط في تحميل المناهج وتجريبها دون تقديم نقد حقيقي لها أسهم في حشو عقول المتلقين، بدل أنسنة النظام التعليمي، ما نجم عنه رضوخ شبه كلي للجماعة التربوية وتخليها عن مقاربة المعارف مع واقعها المعاش.

هي استقالة جماعية بكل ما تحمله العبارة من معنى، لا على الجانب التعليمي فحسب، بل امتدت لتطال احترام المدرسة والمعلم والمنظومة والمناهج. فالمجتمع أصبح ينساق نحو وهم الدروس الخصوصية والترندات والتباهي بمكاسب طفولية، في وقت يحتاج فيه المتمدرسون إلى احترام اختياراتهم وأحلامهم.

فلا قيمة للدفتر والمدرسة والسبورة ما لم ندرك أن الخلاص يبدأ أولا من فهم الطفل، ذاك المشروع الأساسي للنظام التعليمي والدولة برمتها.

وحري بنا ألا نتغاضى عن المعضلة التي تجتاحنا مع كل نهاية فصل دراسي. فربما تتمثل ظاهريا في بعثرة الدفاتر وتحطيم نوافذ المدارس، لكنها أعمق بكثير. إذ تدق أجراس الخطر إزاء مجتمع يظن نفسه متحررا ومواكبا للحضارة ومتناغما مع العصرنة، لكنه في الحقيقة يدخل نفقا معتما، غارقا في أوهام مستوردة.

فما نشهده من تصرفات سلبية يرسم صورة موت الإنسان، حيث لا معنى للأشياء ولا قيمة للحضارة، واغتراب موحش يقتات على الطفولة.

ويجدر بالذكر أن دولا عدة عالجت ظاهرة رمي الكراريس بجمعها وإعادة تدويرها ضمن حلقة اقتصادية واعدة، غير أن المسألة لا تقتصر على حلول استعجالية لسلوكيات تنخر بنية المجتمع والنظم التعليمية. فتمزيق الكراريس ليس إلا نتيجة حتمية لتراكمات سياسية واجتماعية.

وما لم نتدارك الأمر بوضع خطط حقيقية لمعالجة هذه الاختلالات، فإننا سنخسر أجيالا متعاقبة أنهكتها الأزمات والجوائح، وأصبحت، مع كل نهاية موسم دراسي، ترمي بذاتها في الشارع، سائلة: "هل من منقذ؟"

الخميس، 14 مايو 2026

الفرح وسط المآسي.. محاولة الإنسان للنجاة

 الفرح وسط المآسي.. محاولة الإنسان للنجاة


  • ابتكار الحياة: هل ينجو الإنسان بالفرح؟

مع اقتراب عيد الأضحى، الذي لا يبدو مختلفا هذه المرة، إذ يستحوذ صوت الخوف والرعب على المكان، ويسقط ضحايا كثر بسبب الاستهداف الممنهج لآلة القتل. ولعل انتظار الناس لحظات يفرحون بها لا ينتهي عند استعراض البهجة والسرور واتساع الابتسامات، فنحن أمام شاشة مثقلة بمصائر الموت، تحجب عنا ما يدفعنا إلى النظر في فن الحياة البسيطة وتبادل الابتسامات.

وفي هذا العالم المترامي على عتبات التغيير، يبحث الناس عن شيء يسير من الفرح ينسيهم مآسي يشيب لها الولدان. فالحرب تدفع نحو مزيد من الفقد والخذلان والنسيان. فما الذي يعنيه أن نفرح، وغيرنا يذوق عذابات الموت والتهجير؟ وما الذي يمكننا أن نفعله؟ هل نتوقف عن الفرح، أم نواري وجوهنا خجلا من السعادة، ونبصر تجلياتها في لحظاتنا الموسمية؟

حري بنا أن نقف، ولو لحظة، نتأمل "معنى الفرح" في زمن فقدت فيه الإنسانية قيمتها، وانساقت نحو الإذعان لرغبة التملك، التي لا تتأخر عن إعلان فرحها باستهداف المدنيين والمدارس، إذ لا يعنيها من يموت بقدر ما تتحقق أهدافها الأساسية. ومع أن الفرح لا يقترن بالأشياء الجميلة فحسب، فثمة مهمشون يرون في الموت حياة مفعمة باللذة والاقتناء. وهذا الاقتران ما هو إلا تفسير لعالم تعرج النفس فيه إلى ملكوت التخلي، أو لذاك الذي ارتمى في شهوة التملك، لتفتح أبواب الصراع اللانهائية، وترتفع معها أصوات المدافع.

فهل بإمكاننا أن نفرح بأشيائنا البسيطة، أم أصبح جليا أننا ضمن حضارة تبهجنا وتحزننا باستعراضاتها الاستهلاكية؟

حاجة المهمشين والمنفيين إلى أن يجتمعوا حول أفران العيد ليست لصناعة الحلوى واستقبال لحظات الفرح فحسب، بل لتقديم معنى خالص للحياة

الفرح متكلما

اقترن تصور العبادات بشيء من الحزن، ذاك الذي يجعل الحياة في صورتها القاتمة، ويحملها معاني التخلي القاسية، ويذهب بنوع من لذاتها. فالعبادة، على اختلاف مراتبها، ما هي إلا حضور إنساني بقيم وأخلاق تعرفها الأديان والعقائد وفق نمط معين، يجعل من الحياة ذات معنى خاص، وتصورا شديد الحساسية تجاه الإنسان ذاته.

إن مفهومنا للفرح قد يقتصر، اختزالا له، على أحد الجانبين، فإما أن يكون صورة باذخة من الضحك الهستيري والانغماس في طرائق الاستهلاك المفرط، أو تزهدا في الحياة ومعاشرة الناس في حلهم وترحالهم. غير أنه يخرج عن هذه الثنائية الاختزالية، كونه دافعا للذات البشرية نحو فن الابتكار والاستمرار. فما معنى أن تكون الطبيعة ذات جمال متنوع، ويكون الإنسان فناء لها؟

حين نرجع إلى ماهية الفرح، فإننا نقرنه بالسعادة، تلك الحالة الاستثنائية في زمن تجتاحه الحروب وتلغيه صراعات الإنسان اللاحضارية.

وهذا الربط طبيعي لتقديم جمالية ما، إذ إن الفرح تعريف مختصر للسعادة، وإحالة للذات نحو مستقبل تأمن فيه من أهوال الفقد والخوف والموت.

ولعل ما ورد في كتاب الله عن الفرح لا يختصر المزاعم التي تقدمه مجتزأ في قوله تعالى: "إن الله لا يحب الفرحين"، بل علينا أن نعي كذلك أن ثمة مظاهر أخرى عنونت في قوله تعالى: "قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون".

وهاتان الإحالتان إلى الفرح لا تنطويان إلا على أنه طبيعة بشرية تتقلب بين الطلب والترك، والبحث عن السعادة في تجلياتها الإنسانية الخالصة، لا تلك التي تفتح أبواب الصراع والضغينة.

يحيلنا سؤال: لماذا نفرح؟ إلى البحث عن تعريف دقيق لمعانيه الواسعة، لكنه يحجب عنا جوهر أن يكون الفرح موضوعا متعلقا بالنفس البشرية. فحين نمرح، هل نبدع ونتفنن في تصورنا للعالم، أم إنه خلاص للذات من امتحان الدنيا نحو تفسيرات أخروية؟

إذ يمكن للمرء أن يبتهج بجمع الأموال، وإغاثة اللهفان، والسعي إلى قضاء حوائج الخلق. لكن ما الذي يجعل أحدهم يتمرغ في سبيل اكتساب أشياء قديمة، متعبة ومربكة للكثيرين، حتى يرى فيها جمالية الابتهاج، ويجعل منها عنوانا للفرح؟

فأن تكون مهووسا بماركات سيارات قديمة، أو أن نعود إلى تاريخنا فنستذكر الحكايات والأساطير، يشرح الإمكانات التي من شأنها أن تجعل الإنسان عالما خالصا، ونوعا طبيعيا متميزا، يحسن ابتكار الفرح حتى في أسوأ المظاهر الحضارية قسوة. فحاجة المهمشين والمنفيين إلى أن يجتمعوا حول أفران العيد ليست لصناعة الحلوى واستقبال لحظات الفرح فحسب، بل لتقديم معنى خالص للحياة.

أن يهلك الإنسان بالموت هو بداية مصير آخر، وانتقال نحو الأبدية، لكن أن نفنى في غياهب العجز عن ابتكار الحياة، وارتضاء السائد المهيمن بطعم الاستغلال والاستهلاك، فما هو إلا هروب نحو العدم

هل فقدنا شغف ابتكار الحياة؟

يستغرق أن نفهم الفرح، بوصفه خلاصا للذات البشرية من مأساتها، أن ندرك أن صناعة الخوف والمعاناة هي ما يحول دون جمالية الحياة وروعة الأشياء. ولعل لحظات الناس الجميلة، وبالخصوص أعيادهم الموسمية، تظهر ذلك التمايز الاستثنائي لماهية الفرح، كونه اجتماعيا يحيلنا إلى قصص وصور متعددة للجنس البشري، ودينيا يبعث فينا أخلاق التعايش والتجاوز، وتاريخيا يستجلب لنا ذكريات الصغر والعائلة والأصدقاء. لكن، هل فقدنا فن ابتكار الحياة، واتجهنا نحو البحث عن سبيل للهروب من قسوتها؟

حين تحل ذكرى ميلاد أو عيد الأضحى مثلا، ينتابنا شيء خاص من الحضور الإنساني تجاه الآخرين، إنسانية ينتظرها المهمشون بشغف، ويرجون تحصيل نتائجها احتسابا لما قدموه من تضحيات، لتتجلى الإنسانية في أسمى صور الحضور الإبداعي والفني. فكما ينشغل المتعبدون في محاريب مناجاتهم، وتتزين البيوت بالروائح الطيبة من أصناف الحلوى، وتوقد الأفران ليلا لصناعة كعك العيد، وتتبادل النسوة أحاديث الصباح ومشاغل الرواح، يبصر البسطاء لحظات ذكرياتهم الجميلة قبيل ارتدائهم الثياب الجديدة.

وبهذه الصورة، التي على ما يبدو نفتقدها ونرجو أن تتكرر، ولو في شكلها الحضاري الاستهلاكي، نعجز عن ابتكار معنى للحياة البسيطة، تلك التي تجعل من الأشياء عالما، ومن الإنسان حضارة، ومن الحياة فنا. حتى إننا نخشى تعريف ذواتنا والتعبير عن حقيقتها في قوالب الحلوى، فنختار الإذعان للمصائر المرعبة، وصراعات لا نجاة منها ولا غنيمة.

ليس بمقدورنا الإعراض عن الإجابة عن حالنا حينما تجتاحنا اللحظات السعيدة، فالزمن كفيل بالإفصاح عما نخفيه ونتوارى خلفه، وما عجزنا عن مواجهته في العالم، ورفض المأساة التي تتكرر بعناوين موجعة في كل مكان. فنحن في قبضة أولئك الذين يصنعون أفراحنا، ويتلذذون بمعاناتنا، وما هي إلا لحظات يسيرة تتنفس فيها البشرية معنى الحياة.

أن يهلك الإنسان بالموت هو بداية مصير آخر، وانتقال نحو الأبدية، لكن أن نفنى في غياهب العجز عن ابتكار الحياة، وارتضاء السائد المهيمن بطعم الاستغلال والاستهلاك، فما هو إلا هروب نحو العدم، حيث يتكرر اليومي من العمل واللقاء والأصدقاء والحلوى بلا تعريف متميز لهم. إذ يكفي أن نضحك معا ونتلذذ بحلوى "البنيون" مثلا، حتى تمر اللحظة على عجل، دون أن ندرك أن الفرح ليس نقيضا للمأساة، بل قدرة الإنسان على ابتكار الحياة.

الجمعة، 8 مايو 2026

ما بعد الوظيفة.. هل نفقد هويتنا بعد التقاعد؟

ما بعد الوظيفة.. هل نفقد هويتنا بعد التقاعد؟
الكاتب: يظهر التطور الحضاري أن الوظائف البشرية تغيرت وفقا "للمعايير الاقتصادية" أكثر منها نتيجة للضرورات الإنسانية
  • ما بعد الوظيفة: قل لي من أنت، لا ماذا تعمل

تبدو الوظائف البشرية المستحدثة، القائمة على استمرارية النفعية، كالمستشارين وصناعة المحتوى الرقمي واقتصاد المنصات، عنوانا لمصائر مربكة لأولئك الذين يخافون من التقاعد، حين يحالون إليه وهم في سن يرون أنها ما زالت تشع خبرة وعطاء نحو أولئك الذين يرغبون في خوض الطريق ذاته.

فعقود متلاحقة منحت الوظائف الإنسان هوية، وصورة متناقضة للحضارة، وعالما مختلفا عما يمكن أن يكونه الإنسان. إنها، بالضرورة، مزاحم شرس للحياة الاجتماعية والنفسية المتعلقة بالذات، حيث نتخلى عن كل شيء في سبيل أن تتحقق المساعي الاقتصادية والأمن المستقبلي المتوهم.

إن ما "بين الإنساني والوظائفي" شيء في غاية الرقة والحساسية. أقصد أن ثمة خيطا رفيعا يمنح بعضنا حياة مستدامة مفعمة بالابتكار والاختيار والجمال، بينما يرى آخرون مرحلة التقاعد من الوظيفة مسافة قصيرة نحو الفناء، أو بالأحرى عقابا للذين بذلوا حياتهم في سبيل تحقيق "هوية مؤسساتية" غاب فيها التواصل الإنساني والتاريخي.

ومن أجل ذلك، يقارب هذا المقال معنى أن يكون الإنسان من دون وظيفة، في لحظة عمرية تعيد استكشاف ذواتنا التي أنهكها الالتزام بالنظام المؤسساتي.

ولفعل ذلك، نقترب أكثر من الوظيفة، بوصفها ابتكارا لا تعريفا مهنيا يختزل جوهر التدافع الإنساني، إلى جانب النظر في تنامي ظواهر استهلاكية جعلت من المستقبل هاجسا حتميا، من دون النظر إلى واقع يمكن تفعيله بشكل أكثر جمالية وفنية.

فهل ننجح في فتح مسارات إبداعية نحو ذواتنا حين تحين ساعة تقاعدها؟ أم إننا سننتظر حفنة التراب تلقى على أولئك الذين فقدوا وظائفهم، ظنا أن تجاربهم المهنية عنوان لكل شيء، إلا لذواتهم المفقودة؟

إن مفهومنا للعمل المؤسساتي تجاوز الاحتكام إلى الابتكار والإتقان والتنوع، ليصير هو الآخر وسيطا بين الإنساني والوظيفي في شكله العدواني والمخيف، الباعث على فشل حضاري وتاريخي

بين الإنساني والوظائفي

من المجحف أن ترتبط الوظائف البشرية بالجانب الاقتصادي فحسب، فثمة رهانات محفزة تجعل منها ذات بعد اجتماعي ونفسي وأخلاقي، حتى إن بعضها يمنح الإنسان حضورا مستداما في أماكن قاسية.

وبالنظر إلى معنى أن تكون الوظيفة موضوعا متعلقا بالطبيعة البشرية، فإن ميزاتها الأساسية ليست بالضرورة أن تفي بغرضها الاقتصادي، بل إن أفضلها يعد أثرا فنيا في الحضارة التي تمنح العالم ابتكارا جماليا، يجعل منها معنى يمتد نحو مستقبل لا تخشاه الذات، بقدر ما تتصالح مع واقعه لتعزز حضورها فيه.

حين تأتي الوظيفة، تتدرج معها مخاوف الفقد والصراع على المناصب العليا، وهذا من آثار التطور الذي طرأ على الوظيفة ذاتها ومعناها، إذ كانت قديما تشكل "هوية إنسانية طبيعية" وساحة صراع وهيمنة، من شأنها أن ترسم مستقبلا ناضجا غير معقد، مفعما أحيانا كثيرة بالتناقضات، كما أنها لم تكن لتفتح أبواب المنافسة إلا ضمن جوانب فنية وجمالية، أكثر من كونها بحثا عن اعتراف اجتماعي.

ويظهر التطور الحضاري أن الوظائف البشرية تغيرت وفقا "للمعايير الاقتصادية" أكثر منها نتيجة للضرورات الإنسانية، حيث عملت آلة التصنيع على إعادة إنتاج بنية مؤسساتية ذات "منطق إقطاعي" يعيث في الحقوق الأساسية للعمال والمزارعين والحرفيين والأطباء والأساتذة وغيرهم ظلما وقهرا، مقدما شيئا يسيرا مما تذروه الشركات العابرة للقارات.

حتى إن مفهومنا للعمل المؤسساتي تجاوز الاحتكام إلى الابتكار والإتقان والتنوع، ليصير هو الآخر وسيطا بين الإنساني والوظيفي في شكله العدواني والمخيف، الباعث على فشل حضاري وتاريخي.

إن النظر إلى الوظائف بوصفها "سلسلة إنتاج اقتصادي" توزع فيها المداخيل بحسب ساعات العمل، دون التفكير في أنها مصنع هويات وقيم منافسة، مسألة تختزل حقيقة "المستقبل الإنساني" المرهون بمدى استجابة الوظائف للاعتراف بالحق في الحياة.

لذلك يخشى كثيرون المستقبل وهم ينظرون إلى غيرهم وقد أحيلوا إلى التقاعد؛ مستقبل تنمو فيه الوظائف في سياق اقتصادي متوحش، بينما تتلاشى فيه الأدوار الإنسانية والاجتماعية والتعبيرية للبشر.

وما نشاهده اليوم من تمدد الآلة والروبوتات في حلقة الإنتاج يعد تحديا للحضارة الإنسانية التي تكافح للانعتاق من قيم إمبراطورية معولمة ترى في الوظائف "حقل تجارب" لإعادة صياغة العبودية الطوعية.

إن الخوف الذي يجتاحنا حين ندرك أننا سنترك مناصبنا مرتبط بكون الوظيفة هي التي تعرف الإنسان، بدل أن نمنحها معنى خاصا لكل ذات مبدعة، متفننة، تترك أثرا جميلا

البحث عن اعتراف اجتماعي

بالعودة إلى الواقع، سنرى أن كثيرين ممن أحيلوا إلى التقاعد وجدوا عالما منسيا، مكتظا بالذكريات، ومنهمكا في الطلب، ومرتميا نحو الذات، في لحظة خيل لهم فيها أن الآخرين قد تخلصوا منهم، بينما هم في الحقيقة يعيدون تعريف وظائفهم بإعطاء مساحة أكبر للجانب المغيب طيلة عقود من البذل والعطاء والتميز.

وندرك أن الإنسان، في زمن أصبحت فيه الوظيفة تمنحه هوية ومعنى وحضورا، لا يجد من السهل طي صفحة مثقلة باعتراف اجتماعي عنوانه الوظيفة، حيث يقوم التواصل والتبادل على سؤال: ماذا تعمل؟ بدلا من: من أنت؟

فلا حاجة للسؤال عن ذواتنا وأسمائنا وهوياتنا، بقدر ما تمنح الوظيفة اعترافا يبدو حضاريا حين نلبس هوية الطبيب والمهندس والعسكري والسياسي.

سرعان ما تتلاشى تلك الأوهام الاجتماعية والنفسية بمجرد أن نجلس في المقهى أو نتجول في الأسواق، مع أنها فضاءات حيوية مليئة بالحضور، فلا شيء يمنحنا اعترافا في هذه الأماكن المكتظة بالمحالين إلى التقاعد إلا حضورا قائما على الابتكار والفن.

إن الخوف الذي يجتاحنا حين ندرك أننا سنترك مناصبنا مرتبط بكون الوظيفة هي التي تعرف الإنسان، بدل أن نمنحها معنى خاصا لكل ذات مبدعة، متفننة، تترك أثرا جميلا.

لذلك، حين نرى الحرفيين مثلا، نشاهد صورا مختلفة تماما عن ذاك الذي عاش حياته يطوي صفحات الإدارة ويكتب التقارير، متناسيا أن ما بين يديه لن يجده مستقبلا، حتى لو استُدعي ليكمل مسيرته المهنية مستشارا أو محللا إستراتيجيا في الإعلام، إذ سيتوقف حضوره على قدر استغلال المؤسسة له.

وبدل أن يكتشف نفسه جماليا، بأن ينظر إلى ما كان يزاحم تاريخه ويربك ذاكرته، يختار المضي قدما نحو فنائه.

ليس التقاعد نعشا للإنسانية، ولا نهاية لما يسمى الاعتراف الاجتماعي، بل هو مرحلة حقيقية لمعنى أن نكون أنا وأنت إنسانا، حين يفقد الجميع اعترافهم الوظيفي

ما بعد الوظيفة عالم مفعم بالإنساني، لا خيبات تحاكم الذات على تخليها عما رغبت فيه عقودا خلت. إنه مسار جديد نحو الذات، لاستكشاف عوالم تتداخل بالسعي تارة وبالشوق تارة أخرى؛ عوالم تمتحن الأشياء لا الإنسان، وتستذكر صورا لا تاريخا طوته عناوين كبرى، وحضورا اجتماعيا تتعزز فيه الخصوصية الذاتية بعيدا عن أحكام معلقة بحبل النجاة الذي تنسجه الوظيفة.

فما نعيشه اليوم يصرخ بأعلى صوته نعيا لموت الإنسان.

ليس التقاعد نعشا للإنسانية، ولا نهاية لما يسمى الاعتراف الاجتماعي، بل هو مرحلة حقيقية لمعنى أن نكون أنا وأنت إنسانا، حين يفقد الجميع اعترافهم الوظيفي.

وهو ليس عجزا عن المنافسة، ولا قصورا عن العطاء، بل استراحة محارب للاهتمام بذاته، من دون أنانية أو إفراط في حضوره الاجتماعي. فأي اتجاه سنختار؟