المفتاح الخفي للحرب: كيف تحوّل الإنترنت الفضائي إلى أداة للسياسة الخارجية الأمريكية؟
ألطاف موتي
حين يتحوّل الاتصال إلى مصدر للقوة
كان الإنترنت الفضائي يُقدَّم في السابق بوصفه وسيلة لربط المجتمعات النائية التي تقع خارج نطاق شبكات الاتصالات التقليدية. أما اليوم، فقد أصبح أداة أكثر تأثيراً؛ إذ بات قادراً على التأثير في مسار الحروب، ودعم الحركات السياسية، وتوسيع نطاق النفوذ الاستراتيجي للدول من دون الحاجة إلى نشر قوات عسكرية.
ويُعدّ نظام "ستارلينك" (Starlink)، الذي تديره شركة "سبيس إكس" (SpaceX) المملوكة لإيلون ماسك، أوضح مثال على هذا التحوّل. فالدور المتنامي الذي يؤديه النظام في أوكرانيا وإيران ومناطق أخرى تشهد نزاعات يكشف عن تغيّر جوهري في طبيعة السياسة الخارجية الأمريكية، إذ باتت واشنطن قادرة على تحقيق أهداف استراتيجية عبر بنية تحتية فضائية مملوكة للقطاع الخاص، في حين قد تخضع قرارات إتاحة الخدمة أو تقييدها جزئياً لسلطة مسؤول في شركة خاصة، لا لقرار صادر عن مسؤولين منتخبين.
وهكذا، يتشكّل نمط جديد من القوة؛ إذ يمكن أن تترتب على توصيل مجتمع بشبكة الإنترنت، أو تقييد اتصاله بها، أو قطعه عنها، تداعيات تضاهي في أهميتها نتائج أدوات السياسة الدولية التقليدية.
أوكرانيا: ساحة المعركة رهينة شبكة خاصة
كشفت الحرب الروسية الشاملة على أوكرانيا، التي بدأت في شباط/فبراير 2022، عن القيمة العسكرية للإنترنت الفضائي. فمع تضرر البنية التحتية الأرضية للاتصالات جراء الهجمات الروسية، أسهم "ستارلينك" في مساعدة السلطات الأوكرانية على الحفاظ على الاتصال واستمرار الخدمات الأساسية.
ولم تقتصر أهمية النظام على الاتصالات المدنية؛ إذ استخدمت القوات الأوكرانية الشبكة لتنسيق تحركات الوحدات العسكرية، وتبادل المعلومات الميدانية، ودعم عمليات الطائرات المسيّرة. وبذلك، تحوّلت خدمة تجارية إلى جزء من البنية التحتية العسكرية للبلاد.
غير أن هذا الاعتماد أوجد نقطة ضعف استراتيجية، فأوكرانيا، رغم امتلاكها جنودها وأسلحتها وأهدافها العسكرية المستقلة، ظلت تعتمد على شركة أجنبية لتأمين قناة اتصالات حيوية.
وفي تشرين الأول/أكتوبر 2026، أعادت الخلافات بشأن القيود المفروضة على استخدام "ستارلينك" في العمليات العسكرية الأوكرانية تسليط الضوء على هذه المعضلة. فقد أفادت تقارير بأن اضطراب الخدمة أثّر في الاتصالات على خطوط المواجهة ومهام الطائرات المسيّرة، قبل استعادة الخدمة. وقال إيلون ماسك إن "سبيس إكس" قيّدت سرعات الاتصال على خلفية مخاوف من استخدام الخدمة المدنية في شن هجمات بالطائرات المسيّرة. كما ميّز بين "ستارلينك" ونظام "ستارشيلد" (Starshield) ذي الاستخدامات العسكرية، موضحاً أن القيود المفروضة على الأخير تخضع لسيطرة الحكومة الأمريكية.
وكشفت هذه الواقعة عن حقيقة محرجة: فالاعتماد التكنولوجي قد يحدّ من حرية دولة في إدارة عملياتها العسكرية، حتى عندما تحتفظ قيادتها السياسية بالسيادة الكاملة على قواتها المسلحة.
إيران: الوصول إلى الإنترنت بوصفه ورقة ضغط سياسية
لا تقتصر تداعيات هذه التكنولوجيا على الحروب التقليدية. ففي إيران، أتاح الاتصال الفضائي بديلاً عندما تفرض السلطات قيوداً على الوصول إلى الإنترنت العالمي.
وعقب الاحتجاجات التي بدأت عام 2022، دعمت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن إجراءات تهدف إلى تسهيل وصول الإيرانيين إلى تقنيات الاتصال. وبعد ذلك، دخلت أجهزة "ستارلينك" إلى البلاد عبر قنوات غير رسمية. وخلال اضطرابات لاحقة وعمليات قطع الإنترنت، ساعدت الاتصالات الفضائية بعض المستخدمين على نقل الصور والمعلومات إلى الخارج، متجاوزين الرقابة الحكومية.
وفي عام 2026، أفادت تقارير بأن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت أيضاً تفعيل الوصول إلى "ستارلينك" داخل إيران عقب الضربات الأمريكية الإسرائيلية، بهدف تحسين الاتصال في ظل الاضطرابات السياسية. وتوضح هذه المساعي كيف يمكن لشبكة اتصالات تجارية أن تصبح جزءاً من استراتيجية أوسع تستهدف التأثير في البيئة المعلوماتية الداخلية لدولة معادية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية سياسية كبيرة، فالإنترنت يتيح للمواطنين توثيق الانتهاكات، والتواصل فيما بينهم، والوصول إلى معلومات مستقلة. لكن توفير الاتصال لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير سياسي، إذ تستطيع الحكومات الرد بالتشويش على الإشارات، والمراقبة، والاعتقالات، وفرض القيود على الأجهزة الطرفية.
كما أن الوصول إلى الإنترنت الفضائي ليس محايداً سياسياً؛ فعندما تساعد واشنطن على توفير خدمة ترى طهران أنها تهدد سلطتها، تجد شركة تكنولوجية نفسها منخرطة في صراع يتعلق بالسيادة، والسيطرة على المعلومات، والشرعية السياسية.
نفوذ واشنطن وحدوده
لا تسيطر الحكومة الأمريكية بصورة مباشرة على كل اتصال عبر "ستارلينك"، فشركة "سبيس إكس" كيان خاص، وتتأثر قراراتها بالاعتبارات التجارية، والقيود التقنية، والمخاوف الأمنية، وأولويات إدارتها. ومع ذلك، تمتلك واشنطن أدوات تأثير مهمة، من بينها العقود الحكومية، وضوابط التصدير، والصلاحيات التنظيمية، والشراكات الأمنية. وتشير تقارير حديثة لوكالة "رويترز" إلى أن إدارات أمريكية متعاقبة طلبت من "سبيس إكس" تفعيل خدماتها أو تعطيلها في دول مختلفة، بما في ذلك مساعٍ لمنع جماعات مسلحة مرتبطة بإيران من الوصول إلى الأجهزة الطرفية، وتوسيع نطاق الاتصال لفئات مختارة من المستخدمين.
وتوفر هذه العلاقة لواشنطن أداة استراتيجية ذات قيمة محتملة. فالبنية التحتية الخاصة تستطيع دعم الحلفاء العسكريين، ومساعدة السكان الذين يواجهون انقطاع الإنترنت، وتعزيز المصالح الأمريكية، من دون الحاجة إلى إنشاء شبكة عالمية تديرها الحكومة مباشرة.
لكن هذا الترتيب ينطوي أيضاً على قدر من عدم اليقين، فقرارات الشركات لا تتطابق دائماً مع تفضيلات الحكومات. وقد يقرر مسؤول في شركة تقييد الخدمة لتجنب التصعيد، أو حماية المصالح التجارية، أو تطبيق شروط الاستخدام. وهكذا، يمكن لقرار يُتخذ داخل مجلس إدارة أن يؤثر في عمليات عسكرية تجري على بُعد آلاف الكيلومترات.
ولم يعد السؤال الأساسي هو ما إذا كانت الشركات الخاصة تؤثر في السياسة الخارجية، بل كيف ينبغي للحكومات إدارة هذا النفوذ عندما يصبح الأمن القومي معتمداً على خدماتها.
القوة الفضائية: سلاح ذو حدّين
يمكن للتكنولوجيا نفسها التي تدعم دفاعات دولة ما أن تساعد خصومها أيضاً. فقد تُحوَّل الأجهزة الطرفية إلى جهات أخرى، أو يُعاد بيعها، أو يجري الحصول عليها عبر شبكات غير رسمية. وقد تستغل جماعات مسلحة الاتصال التجاري لتنسيق عملياتها، في حين يمكن للحكومات استخدام الشبكة للحفاظ على اتصالاتها عندما تتعطل البنية التحتية التقليدية.
وتجعل هذه الطبيعة مزدوجة الاستخدام التمييز بين البنية التحتية المدنية والعسكرية أكثر تعقيداً. فقد يخدم الاتصال الفضائي مستشفى، أو صحفياً مستقلاً، أو مشغّلاً لطائرة عسكرية مسيّرة، وقد يمنع تقييد الخدمة إساءة استخدامها، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى تعطيل خدمات مدنية أساسية.
كذلك، لا يخلو الإنترنت الفضائي من ثغرات تقنية. فالتشويش، والتداخل في الإشارات، والهجمات المادية على المعدات الأرضية، والعمليات السيبرانية، كلها عوامل يمكن أن تقوّض الاتصال. ومن ثم، لا يشكّل هذا الإنترنت بديلاً محصّناً من الأعطال عن الشبكات الأرضية أو الكابلات البحرية.
وبالنسبة إلى الدول التي تعتمد بدرجة كبيرة على مزوّد واحد، فإن غياب البدائل الموثوقة يخلق مخاطر استراتيجية مركّزة. ولذلك، يصبح تنويع مصادر الاتصال، وتطوير القدرات المحلية، وإبرام اتفاقيات تنظّم الوصول إلى الخدمة في حالات الطوارئ، أموراً ضرورية.
من يملك قرار تشغيل المفتاح وإطفائه؟
يفرض صعود الإنترنت الفضائي تحدياً على المفاهيم الراسخة للسيادة والمساءلة. فقد كانت الحكومات تتحكم تقليدياً في الاتصالات العسكرية عبر مؤسسات الدولة، أما اليوم، فقد تعتمد قدرات حيوية على شبكات خاصة، لا تتسم آليات اتخاذ القرار فيها بالشفافية الكاملة بالنسبة إلى المجتمعات المتأثرة بها.
وتواجه واشنطن ضرورة التوفيق بين هدفين: توظيف التكنولوجيا التجارية لتحقيق أهداف مشروعة في مجالي الأمن والسياسة الخارجية، وضمان خضوع القرارات ذات التداعيات الكبرى لقواعد واضحة ورقابة ديمقراطية.
وتواجه الدول الأخرى خياراً مماثلاً، إذ يمكنها تطوير شبكات بديلة، والتفاوض على اتفاقيات خدمة قابلة للتنفيذ، ووضع ضمانات لحماية الاتصال المدني. كما ينبغي للقواعد الدولية أن تحدد مسؤوليات مزوّدي الخدمات الذين تُستخدم بنيتهم التحتية لأغراض مدنية وعسكرية على حد سواء.
لم يعد المفتاح الخاص للحرب احتمالاً بعيداً؛ بل أصبح عاملاً يؤثر بالفعل في كيفية تواصل الدول، وخوضها الحروب، وسعيها إلى تحقيق أهدافها السياسية.
ويبقى السؤال الحاسم: هل تستطيع الحكومات وضع قواعد فعّالة قبل أن يتحول الاعتماد التكنولوجي إلى نقطة ضعف استراتيجية؟
ففي صراعات المستقبل، ستظل السيطرة على الأراضي والأسلحة مهمة، لكن السيطرة على الشبكات التي تربط الجيوش والحكومات والمجتمعات قد تصبح بالقدر نفسه من الأهمية والتأثير.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق