‏إظهار الرسائل ذات التسميات ألطاف موتي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ألطاف موتي. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 10 أغسطس 2026

فوز عبدول السيد في ميشيغان.. هل تغير غزة موازين القوى داخل الحزب الديمقراطي؟

  فوز عبدول السيد في ميشيغان.. 
هل تغير غزة موازين القوى داخل الحزب الديمقراطي؟

ألطاف موتي
حسم عبدول السيد فوزه بترشيح الديمقراطيين لمجلس الشيوخ في ولاية ميشيغان
  • من غزة إلى ميشيغان.. كيف يتحدى عبد السيد المنظومة الديمقراطية التقليدية؟

تكشف الحملات السياسية أحيانا عن تحولات تاريخية أعمق بكثير مما تظهره نتائج الانتخابات وحدها. ويبدو أن فوز عبد السيد في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ في ولاية ميشيغان يمثل إحدى تلك اللحظات. ومع أن السباق كان رسميا منافسة بين مرشح تقدمي وآخر تدعمه المؤسسة الحزبية، إلا أن الحملة كشفت عن تحول أوسع داخل الحزب الديمقراطي؛ إذ سلطت الضوء على تغير المواقف تجاه حرب غزة، واختبرت نفوذ منظمات الضغط (اللوبيات) النافذة، وأثبتت الأهمية المتنامية للحركات السياسية الشعبية.

وسواء فاز عبد السيد في الانتخابات العامة أم لا، فإن الانتخابات التمهيدية بحد ذاتها قد طرحت بالفعل سؤالا أكثر أهمية: هل يدخل الحزب الديمقراطي حقبة سياسية جديدة تبدأ فيها الافتراضات التي صاغت السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط لعقود من الزمن بالتغير؟

استثمرت لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) والمنظمات السياسية المؤيدة لإسرائيل المتحالفة معها بكثافة لدعم خصم عبد السيد

غزة لم تعد مجرد قضية سياسة خارجية

لعقود طويلة، ظل الدعم لإسرائيل أحد أقوى نقاط الإجماع الحزبي في واشنطن. ورغم أن الرؤساء اختلفوا أحيانا مع الحكومات الإسرائيلية بشأن المستوطنات أو التكتيكات الدبلوماسية، إلا أن العلاقة الإستراتيجية نادرا ما تحولت إلى قضية محورية في الانتخابات المحلية.

وقد أدت حرب غزة إلى تغيير هذا المشهد السياسي.

فقد أدت التداعيات الإنسانية للصراع إلى تكثيف النقاش داخل الحزب الديمقراطي، لا سيما بين الناخبين الشباب، والأمريكيين العرب، والنشطاء التقدميين، والمجتمعات الجامعية، والعديد من الأمريكيين اليهود الذين انتقدوا علنا إدارة الحكومة الإسرائيلية للحرب. ونتيجة لذلك، أصبحت سياسة الشرق الأوسط متداخلة مع نقاشات محلية أوسع تتعلق بحقوق الإنسان، والقانون الدولي، وحرية التعبير، واتجاه القيادة الأمريكية.

وتجسد ولاية ميشيغان هذا التحول بوضوح شديد؛ فهي موطن لواحدة من أكبر الجاليات العربية الأمريكية في الولايات المتحدة، وأصبحت الولاية مركزا للسخط السياسي خلال حركة "غير ملتزم" في الانتخابات التمهيدية الرئاسية لعام 2024. وقد بنيت حملة عبد السيد على هذه البيئة السياسية المتغيرة، بينما دمجت ذلك مع أجندة أوسع تركز على الرعاية الصحية، والإسكان ميسور التكلفة، وسلطة الشركات، والارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة.

ولا يكمن المغزى في أن غزة وحدها هي التي حسمت الانتخابات، بل في أنها أثبتت أن سياسة الشرق الأوسط باتت قادرة الآن على التأثير في السياسة الانتخابية بطرق كان من الصعب تخيلها قبل سنوات قليلة فقط.

اختبار للنفوذ السياسي الراسخ

أصبحت الحملة أيضا اختبارا مهما للنفوذ السياسي في واشنطن.

فقد استثمرت لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) والمنظمات السياسية المؤيدة لإسرائيل المتحالفة معها بكثافة لدعم خصم عبد السيد. وعكس هذا التدخل الأهمية المتزايدة التي توليها تلك المنظمات للسباق في سعيها للحفاظ على الدعم ثنائي الحزب الطويل الأمد لإسرائيل.

وعلى الرغم من ذلك الجهد، فقد فاز عبد السيد.

إلا أن انتخابات واحدة لا تثبت أن "أيباك" قد فقدت نفوذها؛ فهي تظل واحدة من أكثر منظمات الضغط خبرة وفعالية في واشنطن، ولا يزال العديد من المرشحين المفضلين لديها يفوزون بالانتخابات.

ومع ذلك، تشير ميشيغان إلى أن الموارد المالية والتأييد المؤسسي وحدهما قد لا يضمنان النجاح في مواجهة الحملات الشعبية المنظمة جيدا والقائمة على صغار المتبرعين، والمتطوعين، والناخبين المتحمسين للغاية.

وإذا ظهرت نتائج مماثلة في أماكن أخرى، فقد تصبح السياسة الديمقراطية تدريجيا أقل اعتمادا على حراس البوابة التقليديين وأكثر استجابة للحركات الناشطة والطاقة السياسية المحلية.

جرت العادة بأن تصاغ السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط عبر إجماع حزبي داخل الكونغرس، وعلاقات مؤسسية قوية، وحسابات إستراتيجية نادرا ما تتغير كثيرا من إدارة إلى أخرى

لماذا سارع ترامب بالرد؟

كانت الهجمات الحادة التي شنها دونالد ترامب على عبد السيد مباشرة بعد الانتخابات التمهيدية معبرة بالقدر نفسه.

فعلى مستوى ما، انعكست فيها إستراتيجية الحملات الانتخابية القياسية؛ إذ سعى الجمهوريون طويلا لتصوير الديمقراطيين التقدميين على أنهم خارج التيار السياسي الأمريكي السائد.

ومع ذلك، فإن سرعة رد فعل ترامب وشدته يوحيان بشيء أكثر عمقا، حيث بدت حملته عازمة على رسم صورة نمطية لعبد السيد على المستوى الوطني قبل أن يتمكن من تقديم نفسه للجمهور.

ويشير هذا النهج إلى إدراك جمهوري بأن سباق ميشيغان يمثل أكثر من مجرد منافسة محلية، بل هو محاولة لتشكيل التصورات العامة لائتلاف ديمقراطي ناشئ يجمع بين الشعبوية الاقتصادية والنقد المتصاعد للسياسة الأمريكية التقليدية تجاه الشرق الأوسط.

وسواء نجحت هذه الاستراتيجية الجمهورية أم لا، يظل الأمر غير مؤكد، بيد أن حقيقة مسارعة كلا الحزبين إلى التعامل مع السباق باعتباره ذا أهمية وطنية تظهر وزنه السياسي الأوسع.

لماذا يكتسب هذا الأمر أهمية للشرق الأوسط؟

قد تكمن الأهمية الكبرى للحملة فيما هو أبعد من السياسة المحلية.

فقد جرت العادة بأن تصاغ السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط عبر إجماع حزبي داخل الكونغرس، وعلاقات مؤسسية قوية، وحسابات إستراتيجية نادرا ما تتغير كثيرا من إدارة إلى أخرى.

ولا ينبغي للمرء أن يتوقع زوال هذا التماسك سريعا، فالكونغرس، والرئاسة، والبنتاغون، والتزامات أمريكا الأمنية الأوسع كلها تفرض قيودا جوهرية على أي تغيير في السياسة.

إلا أن الانتخابات هي التي تحدد المناخ السياسي الذي تعمل في ظله تلك المؤسسات.

فإذا كان الناخبون في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية يكافئون بشكل متزايد المرشحين المستعدين للتشكيك في جوانب من السياسة الأمريكية الراسخة في الشرق الأوسط، فمن المرجح أن يقوم مرشحو الرئاسة المستقبليون، وقادة الكونغرس، والبرامج الحزبية بتعديل مواقفهم وفقا لذلك.

وهذا لا يعني بالضرورة قطيعة جذرية في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، لكنه ينذر بنقاش أكثر حدة حول المساعدات العسكرية، والإستراتيجية الدبلوماسية، والالتزامات الإنسانية، ودور واشنطن في الصراعات الإقليمية المستقبلية.

وبالنسبة للحكومات في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، قد يكون التطور الأهم سياسيا لا إيديولوجيا؛ إذ قد تواجه الإدارات الأمريكية المستقبلية ضغوطا محلية أقوى لشرح وتبرير السياسات الإقليمية أكثر من أي وقت مضى في العقود الأخيرة.

كشفت ميشيغان عن أمر يستبعد أن يزول، ألا وهو أن النقاشات التي كانت محصورة يوما في متخصصي السياسة الخارجية أصبحت تؤثر اليوم في المنافسة الانتخابية المحلية

التطلع لما وراء انتخابات واحدة

لا ينبغي النظر إلى صعود عبد السيد ببساطة على أنه نجاح لسياسي تقدمي واحد، بل يفهم بشكل أفضل باعتباره دليلا على أن الحزب الديمقراطي يشهد تغييرا داخليا عميقا.

فقد تحولت حرب غزة إلى قضية سياسية داخلية، وأثبتت الحركات الشعبية قدرتها أحيانا على قهر المعارضة المؤسسية النافذة، بينما يعيد السخط الاقتصادي صياغة التحالفات السياسية، وقد أدرك الجمهوريون مسبقا مغزى هذه التطورات ويحاولون وضع تعريفات لها قبل أن تنضج.

ولا يضمن أي من هذا تحقيق إعادة تشكيل دائمة، فالسياسة الأمريكية طالما أنتجت مرارا حركات بدت تحويلية قبل أن تفقد الزخم.

ومع ذلك، كشفت ميشيغان عن أمر يستبعد أن يزول، ألا وهو أن النقاشات التي كانت محصورة يوما في متخصصي السياسة الخارجية أصبحت تؤثر اليوم في المنافسة الانتخابية المحلية. وإذا استمر هذا الاتجاه، فإن نتائجه ستتجاوز واشنطن بكثير لتصل إلى الحلفاء والخصوم على حد سواء في الشرق الأوسط.

الخميس، 23 أبريل 2026

صعود باكستان كقوة متوسطة في النظام العالمي

صعود باكستان كقوة متوسطة في النظام العالمي

ألطاف موتي
كاتب، مدون، باكستاني
  • صعود باكستان كقوة متوسطة فاعلة وسط تبدل معالم النظام الأمني العالمي

يمر النظام العالمي حاليا بمرحلة انتقالية جلية؛ إذ لم تعد هيمنة القوى العظمى التقليدية مطلقة كما كانت في السابق. وفي ظل هذا المشهد المتحول، يبرز سؤال جوهري: هل بدأت "القوى المتوسطة"، مثل باكستان، بالانتقال من الهامش لتستقر في قلب التأثير العالمي؟

تعرف القوة المتوسطة عادة بأنها دولة لا تصنف كقوة عظمى، لكنها تمتلك من القدرات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية ما يكفي للتأثير في الشؤون الدولية. وغالبا ما تؤدي هذه الدول دور "بناء الجسور" والوساطة وتحقيق الاستقرار في السياسة العالمية. والمستجد اليوم ليس وجود هذه الدول بحد ذاته، بل حجم الفرص المتاحة أمامها.

إن دولا مثل تركيا والمملكة العربية السعودية وإندونيسيا وباكستان لم تعد أطرافا سلبية؛ فهي تتبنى بنشاط سياسات خارجية مستقلة، وغالبا ما تتجنب الاصطفاف الصارم مع أي قوة عظمى منفردة

تراجع الهيمنة التقليدية

لعقود خلت بعد الحرب الباردة، تشكل النظام العالمي إلى حد كبير تحت وطأة الهيمنة الأحادية للولايات المتحدة، إلا أن هذه المرحلة بدأت في الأفول؛ فقد أدى الإنهاك الاستراتيجي، والتحولات السياسية المحلية، والواقع الاقتصادي المتغير، إلى تراجع رغبة القوى التقليدية في القيام بدور "المدير العالمي".

في الوقت ذاته، أحدث صعود الصين نوعا من التوتر ثنائي القطب، ولكن دون الوضوح أو الاستقرار الذي اتسم به نظام الحرب الباردة؛ مما أفرز حالة من التشرذم بدلا من النظام. وفي بيئة كهذه، لم يعد النفوذ حكرا على أحد، بل أصبح موضوعا للتفاوض، وهذا الانحسار في تمركز القوة خلق مساحة شاغرة بدأت القوى المتوسطة في ملئها.

صعود القوى المتوسطة كـ"دول متأرجحة"

في البيئة الحالية متعددة الأقطاب، ينظر إلى القوى المتوسطة بشكل متزايد على أنها "دول متأرجحة"، حيث يمكن لخياراتها أن ترجح كفة التوازنات الإقليمية، وتصوغ المخرجات العالمية.

إن دولا مثل تركيا والمملكة العربية السعودية وإندونيسيا وباكستان لم تعد أطرافا سلبية؛ فهي تتبنى بنشاط سياسات خارجية مستقلة، وغالبا ما تتجنب الاصطفاف الصارم مع أي قوة عظمى منفردة. وتسمح هذه الاستراتيجية لها باستخلاص المنافع من الكتل المتنافسة، مع الحفاظ على استقلاليتها الاستراتيجية. وهذا لا يعد مجرد انتهازية، بل يعكس تغيرا هيكليا أعمق، حيث أصبح النظام العالمي أكثر شبكية وأقل هرمية.

تنخرط باكستان بشكل متزايد في شراكات متنوعة، فتحافظ على علاقاتها مع الصين، بينما تتفاعل في الوقت نفسه مع الدول الغربية والجهات الفاعلة الإقليمية، ويعد هذا النوع من "التوازن" علامة فارقة في سلوك القوى المتوسطة

دور باكستان الناشئ: من "الدولة الأمنية" إلى "الفاعل الدبلوماسي"

تقدم باكستان نموذجا مقنعا لهذا التحول؛ فبعد أن كان ينظر إليها تاريخيا من المنظور الضيق للهواجس الأمنية، تحاول الآن إعادة تموضعها كحلقة وصل دبلوماسية واقتصادية.

وتسلط التطورات الأخيرة الضوء على هذا التحول؛ إذ سعت باكستان للتوسط في التوترات بين الخصوم الكبار، بما في ذلك جهود تسهيل الحوار بين إيران والولايات المتحدة. وحتى مجرد استضافة المحادثات يعزز مكانتها الدولية، ويعطي إشارة على انتقالها نحو الدبلوماسية الاستباقية.

يتماشى هذا مع استراتيجية أوسع؛ حيث تعمل باكستان على استغلال موقعها الجغرافي عند مفترق طرق بين جنوبي آسيا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط، وتهدف مشاريع مثل "الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني" إلى تحويلها إلى مركز إقليمي للربط.

علاوة على ذلك، تنخرط باكستان بشكل متزايد في شراكات متنوعة، فتحافظ على علاقاتها مع الصين، بينما تتفاعل في الوقت نفسه مع الدول الغربية والجهات الفاعلة الإقليمية، ويعد هذا النوع من "التوازن" علامة فارقة في سلوك القوى المتوسطة.

المقومات الاستراتيجية وراء الطموح

طموحات باكستان ليست من فراغ، فهي تمتلك عدة سمات مرتبطة بمكانة القوة المتوسطة:

  1. موقعها الجيوستراتيجي الحيوي الذي يربط بين مناطق وطرق تجارية رئيسية، مما يجعلها رقما صعبا في المعادلات الاقتصادية والأمنية.
  2. قدراتها العسكرية، بما في ذلك الردع النووي الذي يمنحها ثقلا في حسابات الأمن الإقليمي.
  3. المرونة الدبلوماسية التي تسمح لها بالتواصل مع فاعلين متعددين في آن واحد.
  4. أخيرا: انخراط باكستان في الشبكات الناشئة للقوى المتوسطة، حيث يتزايد الحديث عن التعاون بين دول مثل باكستان وتركيا والسعودية، مما يعكس توجها أوسع نحو التنسيق بين القوى المتوسطة.

إن ما يتبلور حاليا ليس مجرد إحلال للقوى المتوسطة محل القوى العظمى، بل هو نظام أكثر تعقيدا يتم فيه تقاسم النفوذ والتنازع عليه

العقبات والقيود

ومع ذلك، لا ينبغي المبالغة في تقدير صعود القوى المتوسطة، إذ يظل نفوذها مشروطا.

باكستان -على سبيل المثال- تواجه تحديات داخلية جسيمة؛ فعدم الاستقرار الاقتصادي، والاضطراب السياسي، والضعف المؤسسي، كلها عوامل تحد من قدرتها على بسط نفوذ عالمي مستدام.

علاوة على ذلك، تعمل القوى المتوسطة ضمن نظام لا يزال رسم ملامحه يتم من قبل القوى العظمى؛ فهي قد تتوسط وتؤثر، لكنها نادرا ما تقرر النتائج بشكل مستقل. وهناك أيضا خطر "التوسع الزائد"، فالقيام بدور الوسيط أو الموازنة بين الخصوم يتطلب مصداقية وموارد، وأي سوء تقدير قد يؤدي إلى كشف نقاط الضعف بدلا من تعزيز المكانة.

نوع جديد من سياسات القوة

إن ما يتبلور حاليا ليس مجرد إحلال للقوى المتوسطة محل القوى العظمى، بل هو نظام أكثر تعقيدا يتم فيه تقاسم النفوذ والتنازع عليه. القوى المتوسطة لا تهيمن على النظام العالمي، بل تشكله بطرق محددة؛ فهي تعمل كموصلات ووسطاء وعناصر استقرار، وتملأ الفراغات التي تتركها القوى العظمى المنسحبة أو المنشغلة.

وهذا يوجد نظاما دوليا أكثر سيولة وعدم قابلية للتنبؤ؛ حيث تصبح التحالفات أقل جمودا، والشراكات أكثر براغماتية، والدبلوماسية أكثر لامركزية.

إن مستقبل القوى المتوسطة لن تقرره التوجهات العالمية وحدها، بل ستقرره خياراتها الخاصة

في الطليعة أم في غمار التشرذم؟

إن صعود القوى المتوسطة حقيقة واقعة، لكن لا ينبغي إساءة فهمها؛ فهذه ليست قصة هيمنة جديدة، بل قصة أدوار متغيرة. فهناك دول -مثل باكستان- تكتسب مساحة للحركة، وتصبح أكثر بروزا ونشاطا وثقة، مما يمنحها مكانا أقرب إلى مركز الشؤون العالمية مما كانت عليه من قبل.

لكن هذا الموقع ليس مضمونا أو دائما؛ فهو يعتمد على التوقيت والمصداقية والقوة الداخلية، وبدون الاستقرار الاقتصادي والاتساق السياسي يمكن للنفوذ أن يتلاشى سريعا… إن القوة المتوسطة قد تخطو للأمام، ولكن يمكن أيضا دفعها للخلف بالسرعة ذاتها.

بالنسبة إلى باكستان، المسار واضح ولكنه شاق؛ إذ يتعين عليها تعزيز اقتصادها، وبناء الثقة في دبلوماسيتها، والعمل باتساق. وإذا نجحت، يمكنها أن تظل فاعلا مؤثرا يشكل الأحداث بطرق ملموسة، وستظهر نتائجه على أرض الواقع بشكل واضح.

إن مستقبل القوى المتوسطة لن تقرره التوجهات العالمية وحدها، بل ستقرره خياراتها الخاصة.

الثلاثاء، 13 يناير 2026

كنوز غرينلاند بين ذوبان الجليد والتهديد الأميركي

كنوز غرينلاند بين ذوبان الجليد والتهديد الأميركي

الطاف موتي
  • مفارقة القطب الشمالي: ذوبان الجليد والتكالب الأميركي على كنوز غرينلاند

في مطلع يناير/كانون الثاني من عام 2026، انتقل الخطاب السياسي في البيت الأبيض من مجرد إبداء الاهتمام إلى لغة المطالبة الصريحة؛ إذ لم تعد "غرينلاند" في نظر واشنطن مجرد أرض نائية، بل تحولت إلى "أصل سيادي للأمن القومي" لا يقبل التفاوض.

ومع عودة الرئيس دونالد ترامب إلى سدة الحكم، تجددت مساعيه للاستحواذ على الجزيرة برؤية أكثر إلحاحا، مدفوعة بواقع قسري، وهو أن أزمة المناخ التي تهدد كوكب الأرض هي ذاتها التي تفتح اليوم "خزائن" من الثروات الهائلة والقوة الإستراتيجية التي لا تقدر بثمن.

يعد منجم "تانبريز" (Tanbreez) في جنوب غرينلاند، الذي شهد اهتماما أميركيا مكثفا في 2025 و2026، مستودعا لـ18% من احتياطيات العالم من العناصر الأرضية النادرة الثقيلة

"مفارقة القطب الشمالي": الكارثة بوصفها فرصة

يكمن السبب الجوهري وراء القفزة النوعية في أهمية غرينلاند مقارنة بالعقود الماضية في "وتيرة الانهيار البيئي". فالجزيرة تشهد ارتفاعا في درجات حرارتها بمعدل يفوق المتوسط العالمي بأربعة أضعاف. وتشير بيانات موسم الذوبان لعام 2025 إلى أن غطاء غرينلاند الجليدي يفقد قرابة 30 مليون طن من الجليد كل ساعة.

هذه "المفارقة" خلقت فرصة اقتصادية قاتمة؛ فمع انحسار الطبقات الجليدية التي يتجاوز سمك بعضها ميلين، بدأت تنكشف أراضٍ ظلت محجوبة لآلاف السنين:

  • الانكشاف الجغرافي: يعمل الجليد الذائب كستار يتم سحبه، ليكشف عن رواسب ضخمة من العناصر الأرضية النادرة (REEs) مثل "النيوديميوم" و"البراسيوديميوم" و"الديسبروسيوم".
  • الجدوى الاقتصادية: المناطق التي كانت توصف بـ"الجليد السرمدي" أصبحت الآن صالحة للحفر والتنقيب. كما أدى تراجع الأنهار الجليدية إلى نشوء "فيوردات" مائية عميقة، مما يسهل وصول معدات التعدين الثقيلة وتصدير المواد الخام بيسر غير مسبوق.

احتكار المعادن النادرة: كابوس الأمن الأميركي

ينظر البيت الأبيض إلى تضاريس غرينلاند الآخذة في التغير من منظار "حرب المعادن" مع الصين. فبكين تسيطر حاليا على نحو 90% من قدرات معالجة المعادن النادرة عالميا، وهي معادن تمثل شريان الحياة لتكنولوجيا القرن الحادي والعشرين، من مغناطيسات محركات السيارات الكهربائية وصولا إلى أنظمة التوجيه في مقاتلات "إف-35".

ويعد منجم "تانبريز" (Tanbreez) في جنوب غرينلاند، الذي شهد اهتماما أميركيا مكثفا في 2025 و2026، مستودعا لـ18% من احتياطيات العالم من العناصر الأرضية النادرة الثقيلة. وبالنسبة لإدارة ترامب، فإن الاستحواذ على غرينلاند هو السبيل الوحيد لـ"تحييد المخاطر" في سلاسل التوريد الأميركية.

فمن خلال إخضاع هذه الاحتياطيات للسيطرة المباشرة، تأمل واشنطن في كسر الاحتكار الصيني. وفي عقيدة الإدارة الحالية، حوّل ذوبان الجليد غرينلاند إلى "مصرف إستراتيجي" لا يمكن تركه تحت سيادة حليف أوروبي صغير مثل الدانمارك.

يرى البيت الأبيض أنه إذا لم تفرض الولايات المتحدة وجودا سياديا دائما في غرينلاند، فإنها ستفقد السيطرة على أهم الممرات التجارية في القرن المقبل

الشمال الأقصى: إستراتيجية الدفاع في عالم يذوب

بعيدا عن كنوز المعادن، يعيد ذوبان الجليد البحري رسم الخرائط الملاحية للعالم. تاريخيا، كان القطب الشمالي حاجزا متجمدا، أما اليوم فقد تحول إلى مسرح للمياه المفتوحة:

  • ممرات ملاحية جديدة: أصبح "الممر الشمالي الغربي" و"طريق الحرير القطبي" صالحين للملاحة لفترات أطول سنويا، مما يختصر آلاف الأميال بين آسيا وأوروبا.
  • التهديد الروسي: أعادت روسيا خلال العقد الماضي افتتاح أكثر من 50 قاعدة عسكرية من حقبة الحرب الباردة في القطب الشمالي.
  • التغلغل الصيني: أرسلت استثمارات بكين المتزايدة في البنية التحتية القطبية إشارة واضحة على نيتها أن تصبح لاعبا مهيمنا في المنطقة.

ويرى البيت الأبيض أنه إذا لم تفرض الولايات المتحدة وجودا سياديا دائما في غرينلاند، فإنها ستفقد السيطرة على أهم الممرات التجارية في القرن المقبل. ولم تعد قاعدة "بيتوفيك" الفضائية (ثول سابقا) مجرد محطة إنذار مبكر، بل باتت "مركز القيادة المركزي" لشمال الأطلسي بأسره.

تصاعدت الأهمية الإستراتيجية لغرينلاند لأن الجزيرة باتت "نقطة الصفر" في صراعين متداخلين: التغير المناخي، والتنافس بين القوى العظمى

السيادة وأزمة 2026 الدبلوماسية

أحدثت الضغوط الأميركية شرخا غير مسبوق داخل حلف "الناتو". ففي خطابها بمناسبة العام الجديد 2026، وصفت رئيسة وزراء الدانمارك "ميتي فريدريكسن" الموقف الأميركي بأنه "محاولة استعمارية عفا عليها الزمن". كما سنت حكومة غرينلاند المحلية قوانين بيئية صارمة، شملت حظر تعدين اليورانيوم، لحماية نظامها البيئي الهش من عمليات الاستخراج الجائرة.

ومع ذلك، أشار البيت الأبيض إلى إمكانية تجاوز الدبلوماسية التقليدية. وقد أحدثت التصريحات التي تلمح إلى أن "الخيارات العسكرية قائمة دائما" لتلبية احتياجات الأمن القومي صدمة في أوروبا. ويبدو أن الولايات المتحدة تتجه نحو سياسة تعتبر فيها "الضرورة الإستراتيجية" فوق "السيادة الإقليمية".

مقامرة رفيعة المستوى

لقد تصاعدت الأهمية الإستراتيجية لغرينلاند لأن الجزيرة باتت "نقطة الصفر" في صراعين متداخلين: التغير المناخي، والتنافس بين القوى العظمى.

وبينما يرى العالم في ذوبان الجليد كارثة بيئية، يراه البيت الأبيض سباقا مع الزمن لتأمين الموارد والأراضي التي ستحدد موازين القوة في القرن القادم.

وعبر تعاطيها مع غرينلاند بوصفها سلعة لا كيانا دوليا، تقامر الولايات المتحدة بسمعتها الدولية وباستقرار منطقة القطب الشمالي برمتها. ومع الاستمرار في تلاشي الغطاء الجليدي، فإن حدة الاحتكاك بين مساعي صون البيئة وهواجس الأمن القومي لن تؤول إلا إلى مزيد من التفاقم.

الأربعاء، 17 ديسمبر 2025

هل أدركت أوروبا أخيرا أنها وحيدة؟

 

هل أدركت أوروبا أخيرا أنها وحيدة؟


ألطاف موتي
كاتب، مدون، باكستاني
  • أوروبا وحدها بعد ترامب: هل انتهى التحالف الأميركي الأوروبي؟

لقد انقشع الحلم المريح.. لعقود خلت، غطت أوروبا في سبات عميق تحت المظلة الأمنية الأميركية، مستندة إلى يقين بأن التحالف عبر الأطلسي صخرة لا تتحطم. ولكن مع إسدال الستار على عام 2025، تبدل المزاج العام في بروكسل وبرلين وباريس من مجرد القلق إلى إدراك بارد وقاسٍ للحقيقة المجردة: لقد أصبحت أوروبا وحيدة.

لم تعد المؤشرات خفية أو قابلة للتأويل، بل باتت تصرخ من مانشيتات الصحف؛ فالوثيقة السياسية الأخيرة الصادرة عن واشنطن، والتي وقعها الرئيس ترامب مؤخرا، لم تكتفِ بانتقاد الإنفاق الدفاعي الأوروبي فحسب، بل وصفت الاتحاد الأوروبي صراحة بـ"الكيان المتداعي"، داعية الولايات المتحدة إلى "تبني مقاومة" ضد بروكسل. هذه ليست لغة حليف؛ بل هي لغة خصم ومنافس.

لأول مرة منذ عام 1945، تواجه القارة العجوز عزلة إستراتيجية، ولم يعد السؤال المطروح عما إن كانت الولايات المتحدة ستنسحب، بل حول مدى سرعة أوروبا في تعلم سبل البقاء دونها.

تغرق الصين السوق الأوروبية بالمركبات الكهربائية المدعومة حكوميا، مما يقوض فرص المصنعين المحليين. وتحاول أوروبا المقاومة عبر فرض تعريفاتها الخاصة، لكنها تفتقر إلى القوة المالية الموحدة التي تتمتع بها الدول العظمى

الفراغ الأمني

لقد تهشم وهم الأمان بشكل قاطع هذا العام. وبينما لا يزال حلف الناتو قائما على الورق، فإن الثقة في تفعيل "المادة الخامسة" قد تبخرت. لقد أجبر رفض إدارة ترامب الالتزام غير المشروط بالدفاع عن أوروبا القادة الأوروبيين على إعادة ضبط حساباتهم بشكل محموم.

جاء الرد الأوروبي عبر ضخ الأموال، وإن افتقر حتى الآن إلى الفاعلية؛ ففي عام 2025 سجل الإنفاق الدفاعي الجماعي للاتحاد الأوروبي رقما قياسيا بلغ 381 مليار يورو، حيث تقود ألمانيا وبولندا حملة إعادة تسلح لم يشهد لها مثيل منذ الحرب الباردة. ومع ذلك، فإن فواتير الإنفاق لا تعني بالضرورة تحقيق الأمن؛ إذ لا يزال جيش القارة عبارة عن "رقعة شطرنج" غير متناسقة، تتألف من 27 جيشا بمعدات غير متوافقة.

وفي خضم ذلك، تواصل الحرب في أوكرانيا استنزاف الترسانات الأوروبية، ومع غياب الدعم اللوجيستي والاستخباراتي الأميركي، بدأت التصدعات تظهر للعيان.

ولم يعد قادة دول البلطيق يتساءلون عما إن كانت واشنطن ستقدم المساعدة، بل باتوا يخططون لمستقبل يتحتم عليهم فيه ردع العدوان الروسي بالموارد الأوروبية البحتة. لقد اكتمل التحول من اعتبار "الاستقلال الإستراتيجي" مجرد موضوع للنقاش، ليصبح "إستراتيجية بقاء".

الخناق الاقتصادي

إذا كان الوضع الأمني مأساويا، فإن المشهد الاقتصادي يبدو قاتما بنفس القدر؛ حيث تجد أوروبا نفسها عالقة بين فكي كماشة لعملاقين يتبنيان سياسات حمائية: الولايات المتحدة والصين.

لقد مر أكثر من عام منذ أن قدم ماريو دراغي تقريره التاريخي حول التنافسية الأوروبية، والذي حمل تحذيرا صارخا: "الابتكار أو التدهور".

وبعد مرور عام، جاءت النتائج مخيبة للآمال؛ فعلى الرغم من إطلاق المفوضية الأوروبية "بوصلة التنافسية" في يناير/كانون الثاني 2025 لتقليص البيروقراطية وتعزيز التكنولوجيا، فإن التنفيذ كان بطيئا، حيث لم يتم تفعيل سوى 11% فقط من توصيات دراغي.

في غضون ذلك، أصبحت الحرب التجارية حقيقة واقعة؛ فقد طالت التعريفات الجمركية الأميركية الصلب والسيارات الأوروبية، بينما يواصل "قانون خفض التضخم" الأميركي جذب الاستثمارات الخضراء بعيدا عن الاتحاد الأوروبي.

وعلى الجانب الآخر، تغرق الصين السوق الأوروبية بالمركبات الكهربائية المدعومة حكوميا، مما يقوض فرص المصنعين المحليين. وتحاول أوروبا المقاومة عبر فرض تعريفاتها الخاصة، لكنها تفتقر إلى القوة المالية الموحدة التي تتمتع بها الدول العظمى. وفي الوقت نفسه، بدأت السوق الموحدة، التي كانت يوما سلاح أوروبا الأقوى، بالتشرذم تحت وطأة المصالح الوطنية الضيقة.

إن عهد القوة الناعمة يلفظ أنفاسه الأخيرة، وتتعلم أوروبا اليوم درسا قاسيا: في عالم تحكمه الذئاب، لا يعد الامتناع عن أكل اللحوم موقفا أخلاقيا، بل هو حكم بالإعدام

التشظي السياسي

لعل التهديد الأعظم لا يأتي من الخارج، بل ينبع من الداخل؛ فالضغوط الخارجية القادمة من واشنطن وموسكو تغذي الانقسامات الداخلية. وقد أدى الدعم الصريح من إدارة ترامب لأحزاب اليمين المتطرف والمشككين في المشروع الأوروبي إلى تقوية شوكة القوى السياسية التي ترغب في تفكيك الاتحاد من الداخل.

لقد أضحى الحكم كابوسا حقيقيا؛ فمع بقاء قاعدة الإجماع سارية في قرارات السياسة الخارجية الرئيسية، يمكن لفيتو واحد من دولة عضو متمردة أن يشل حركة التكتل بأكمله. وقد شهدنا هذا مرارا في عام 2025، حيث تعثرت حزم العقوبات والمبادرات الدفاعية بسبب معارضة عاصمة واحدة فقط.

إن إدراك حقيقة "أوروبا الوحيدة" بات يخلق معسكرين، هما: فريق تقوده فرنسا والمفوضية يدفع نحو "ولايات متحدة أوروبية" قادرة على الوقوف بندية أمام القوى العظمى، وفريق آخر يتقوقع داخل القومية، مؤمنا بأن النجاة تكمن في عقد صفقات ثنائية مع ترامب أو بوتين.

واقع جديد

إذن، هل أدركت أوروبا أنها وحيدة؟ نعم. 

لقد ولت حالة الإنكار التي ميزت أوائل العشرينيات، وجاءت صدمة التحول في السياسة الأميركية في ديسمبر/كانون الأول 2025 لتزيح آخر غشاوة عن الأعين.
ومع ذلك، فإن الإدراك لا يعني بالضرورة القدرة على الفعل؛ فأوروبا تستيقظ، لكن صحوتها جاءت متأخرة. إن التحول من عميل للأمن الأميركي إلى لاعب مستقل أمر مؤلم ومكلف ومحفوف بالمخاطر.

إن عهد القوة الناعمة يلفظ أنفاسه الأخيرة، وتتعلم أوروبا اليوم درسا قاسيا: في عالم تحكمه الذئاب، لا يعد الامتناع عن أكل اللحوم موقفا أخلاقيا، بل هو حكم بالإعدام. وستقرر السنوات القادمة ما إن كان هذا الإدراك سيقود إلى نهضة أوروبية جديدة، أم إلى انحدار بطيء ومفكك.

الثلاثاء، 14 أكتوبر 2025

مهندس الخراب: المفارقة المريرة في سعي توني بلير للإشراف على غزة

 مهندس الخراب: المفارقة المريرة في سعي توني بلير للإشراف على غزة


ألطاف موتي 


في ظل الدمار غير المسبوق الذي شهدته غزة، وبينما يتصارع العالم مع مخطط لمستقبلها، يمثل التعيين المقترح لرئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير في دور إشرافي خيارا إشكاليا للغاية. إن التفاصيل المسربة لخطة أمريكية-إسرائيلية للقطاع المحاصر، مع طرح اسم بلير كمدير دولي محتمل، لا تشكل بصيص أمل، بل هي استمرار لسياسات تعمل بشكل منهجي على تهميش حق تقرير المصير الفلسطيني. إنه مقترح ينطوي على مفارقة ومثير للقلق، حيث يتجاهل إرث بلير الكارثي في المنطقة ويروج لإطار مصمم لإدارة الصراع بدلا من حله، وذلك عبر ترسيخ المصالح الأمنية الإسرائيلية على حساب الحقوق السياسية الفلسطينية.

شبح من الماضي

إن مجرد طرح اسم توني بلير للإشراف على غزة بعد الصراع هو تذكير صارخ بإخفاقات السياسة الخارجية السابقة. كان بلير مهندسا رئيسا لغزو العراق عام 2003، وهي حرب شُنت بذرائع واهية وأدت إلى زعزعة استقرار المنطقة بشكل كارثي ومعاناة إنسانية هائلة. إن دفاعه عن تلك الحرب، استنادا إلى معلومات استخباراتية فاقدة للمصداقية، ساهم بشكل مباشر في مقتل مئات الآلاف، وتصاعد العنف الطائفي، وخلق فراغا في السلطة مكّن من ظهور تنظيم "داعش". لذا، فإن ارتباط اسمه بإعادة الإعمار والحكم يُعد، بالنسبة للكثيرين في الشرق الأوسط، إهانة عميقة.

عودته إلى دور بارز لا يُنظر إليها على أنها وصول وسيط سلام محايد، بل كظهور جديد لشخصية ترتبط ارتباطا وثيقا بالتدخل العسكري الغربي والوضع الدبلوماسي الراهن الفاشل. وتعيينه سيمثل استخفافا عميقا بتاريخ المنطقة والمظالم المشروعة لشعوبها، مما يقوض مصداقية أي خطة منذ البداية


علاوة على ذلك، فإن سجل بلير بعد رئاسة الوزراء لا يقدم الكثير من الطمأنينة. فبصفته ممثلا للجنة الرباعية الدولية للشرق الأوسط بين عامي 2007 و2015، اعتُبرت فترة ولايته غير فعالة إلى حد كبير، حيث فشلت في وقف التوسع الاستيطاني الإسرائيلي أو تقريب الأطراف من حل الدولتين القابل للحياة. وكثيرا ما تعرض لانتقادات لكونه شديد القرب من الموقف الإسرائيلي ولإعطائه الأولوية للمشاريع الاقتصادية على حساب الحقوق السياسية الأساسية. إن عودته إلى دور بارز لا يُنظر إليها على أنها وصول وسيط سلام محايد، بل كظهور جديد لشخصية ترتبط ارتباطا وثيقا بالتدخل العسكري الغربي والوضع الدبلوماسي الراهن الفاشل. وتعيينه سيمثل استخفافا عميقا بتاريخ المنطقة والمظالم المشروعة لشعوبها، مما يقوض مصداقية أي خطة منذ البداية.

مخطط التهميش

إن الخطة الأمريكية-الإسرائيلية التي قد يديرها بلير ليست مخططا للسلام، بل إطارا لاستمرار إخضاع الفلسطينيين. وبحسب التقارير، يشتمل المقترح على عدة مكونات رئيسة، كل منها مصمم لسلب الفلسطينيين أي حكم ذاتي حقيقي وفرض قبض أمنية خانقة ودائمة.

أولا وقبل كل شيء، تصر الخطة على سيطرة أمنية إسرائيلية مطلقة وغير محددة زمنيا على غزة. هذا الشرط وحده يجعل أي حديث عن السيادة الفلسطينية بلا معنى. من الناحية العملية، سيعني ذلك إقامة مناطق عازلة داخل أراضي غزة، ومنح الجيش الإسرائيلي الحق في شن غارات متى شاء، والتحكم الكامل في من وما يدخل أو يخرج من القطاع. إنه يضفي الطابع الرسمي على قدرة إسرائيل على إملاء شروط الحياة على سكانها، من الحصول على مواد إعادة الإعمار إلى حرية التنقل. فالدولة التي لا تسيطر على أمنها ليست دولة، بل هي أرض محتلة تحت مسمى مختلف.

ثانيا، تقترح الخطة وجود قوة متعددة الجنسيات أو عربية. هذه القوة لن تخدم حماية الفلسطينيين من العدوان الإسرائيلي، بل ستعمل على ضبطهم أمنيا نيابة عن المصالح الأمنية الإسرائيلية؛ سيكون دورها الأساسي هو منع أي مقاومة مسلحة للاحتلال، لتكون بمثابة ذراع تنفيذي لإسرائيل. وستكون مشاركة الدول العربية مدمرة بشكل خاص، حيث ستضعها في مصاف المتواطئين في نظر الكثيرين وتخلق شقاقات عميقة في التضامن الإقليمي، كل ذلك بينما يتم تصدير العبء الأمني للاحتلال.

ثالثا،
يُقدَّم مفهوم عودة "سلطة فلسطينية مجددة" إلى غزة كخطوة نحو الحكم الفلسطيني، ومع ذلك، فهذا حل تجميلي يسيء فهم الواقع السياسي بشكل أساسي. ففي نظر الولايات المتحدة وإسرائيل، يعني "التجديد" إنشاء سلطة فلسطينية أكثر فاعلية في تنسيقها الأمني مع إسرائيل، لا سلطة أكثر مساءلة ديمقراطية أمام شعبها. تعاني السلطة الفلسطينية بالفعل من أزمة شرعية عميقة ولا تحظى بشعبية كبيرة بين الفلسطينيين، إن فرضها على غزة دون تفويض شعبي جديد نابع من انتخابات حرة ونزيهة سيعني تنصيب هيئة إدارية طيعة، مما يخلق واجهة من الحكم المحلي بينما تظل كل السلطة الحقيقية في يد إسرائيل.

إقصاء حق تقرير المصير الفلسطيني

إن الخلل الجوهري في هذا الإطار برمته هو الغياب التام للإرادة الفلسطينية، فالخطة يتم تصميمها ومناقشتها من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل وجهات فاعلة دولية أخرى، مع التعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم رعايا يجب إدارتهم وليس كشعب يتمتع بحق غير قابل للتصرف في تقرير المصير. إن أي حل شرعي ودائم يجب أن ينبع من الفلسطينيين أنفسهم، من خلال ممثليهم الذين يختارونهم.

يكشف هذا النهج عن نفاق مذهل، فالقوى الغربية ذاتها التي تدعو إلى الديمقراطية وتقرير المصير على مستوى العالم، تعمل بنشاط على تقويضهما في فلسطين. فعندما شارك الفلسطينيون في آخر انتخابات تشريعية وطنية عام 2006، رفض المجتمع الدولي قبول النتائج، وفرض عقوبات أدت إلى تعميق الانقسامات الداخلية. ويوضح هذا التاريخ تفضيلا واضحا لقيادة فلسطينية مطواعة على قيادة ديمقراطية. إن فرض هيكل جديد من الخارج هو نهج استعماري جديد محكوم عليه بالفشل، فهو لا يبني سلاما، بل يزرع بذور صراع مستقبلي عبر ترسيخ نظام سيطرة سيواجه حتما بالمقاومة.

مفارقة عودة بلير المريرة


الخطة الأمريكية-الإسرائيلية لغزة، سواء مع توني بلير أو بدونه، ليست منطلقا لسلام عادل ومستدام، فهي تعطي الأولوية لأمن المحتل على حساب حقوق وحرية المحتلين، ومن خلال حرمان الفلسطينيين من أي دور حقيقي في تشكيل مستقبلهم، فإنها تضمن استمرار عدم الاستقرار


إن اختيار توني بلير للإشراف على مثل هذه الخطة ينطوي على مفارقة مريرة، فالقائد الذي أدخل بلاده في حرب مدمرة استنادا إلى معلومات استخباراتية مغلوطة، يُنظر في تعيينه الآن لإدارة التداعيات الحساسة لصراع وحشي آخر. لقد حطمت حرب العراق فكرة الغرب كطرف فاعل ذي مصداقية أو نزيه في المنطقة، ولم تكن هناك أي مساءلة لمهندسيها. إن وضع بلير في موضع حكم للسلام يتجاهل الضرر الذي أحدثته سياساته السابقة، ويظهر نمطا من الإفلات من العقاب للقادة الغربيين الذين تتسبب قراراتهم في عواقب كارثية في العالم العربي. إن وجوده سيضفي غطاء من الشرعية الدولية على خطة تدور في جوهرها حول ترسيخ السيطرة الإسرائيلية. إنها مناورة سياسية لا تحترم الذاكرة الجماعية للمنطقة وتؤكد أن نفس الاستراتيجيات الفاشلة للماضي يعاد تدويرها في الحاضر.

وصفة للكراهية لا للحل

في نهاية المطاف، إن الخطة الأمريكية-الإسرائيلية لغزة، سواء مع توني بلير أو بدونه، ليست منطلقا لسلام عادل ومستدام، فهي تعطي الأولوية لأمن المحتل على حساب حقوق وحرية المحتلين، ومن خلال حرمان الفلسطينيين من أي دور حقيقي في تشكيل مستقبلهم، فإنها تضمن استمرار عدم الاستقرار. لا يمكن فرض السلام الحقيقي من خلال الترتيبات الأمنية والإداريين المعينين، بل لا يمكن تحقيقه إلا من خلال عملية سياسية متجذرة في القانون الدولي وحقوق الإنسان؛ عملية تعترف بالحقوق المتساوية للفلسطينيين، وتنهي احتلالا دام 57 عاما، وتفكك هياكل الفصل العنصري (الأبارتايد)، وتسمح بتقرير المصير الحقيقي. هذه الخطة تفعل العكس تماما؛ إنها وصفة لإدارة احتلال دائم، الأمر الذي لن يؤدي إلا إلى توليد كراهية أعمق وضمان استمرار دائرة العنف لأجيال قادمة.