‏إظهار الرسائل ذات التسميات ابوبكريحي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ابوبكريحي. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 7 يونيو 2023

مغالطات فتوى إباحة فوائد البنوك الربوية (2)

 

مغالطات فتوى إباحة فوائد البنوك الربوية (2)


باحث شرعي ورئيس مؤسسة الرؤية الحضارية - سراييفو

الفتوى بجواز الفوائد البنكية ظهرت عندما أصبح الشيخ محمد سيد طنطاوي مفتيا لمصر 

استكمالا للمقال السابق الذي تناولت فيه بعض المغالطات في فتوى إباحة فوائد البنوك الربوية، نتابع في هذا المقال الرد على بقية هذه المغالطات:

ثالثا: الرد على قوله: "إن العملات الورقية كانت مغطاة بالذهب فكانت من الأصناف الربوية، وبعد أن لم تعد كذلك -حسب وصفه (بترودولار)- أصبحت خارج الأصناف الربوية ولا يجري عليها الربا":

  • استخدم الدكتور ما يعرف بأسلوب "رجل القش"، فقد أسهب في الحديث عن الموضوع الاقتصادي الخاص بتغطية العملة بالذهب وتحولها إلى البترول ورغم أن هذا الكلام من الناحية الاقتصادية غير دقيق، فالغطاء البترولي ليس إلا جزء من الأمور التي تكتسب العملة الورقية قيمتها منها، وكلامه بالجملة غير صحيح، وفي كل الأحوال هذا الكلام ليست له علاقة بالموضوع، فعلّة الربا التي حددها العلماء في ما يخص "الذهب والفضة" هي "الثمنية"، والثمنية هي التي تجمع الذهب بالفضة بالعملات الورقية ويمكن أن يقاس عليها أي شيء يتفق الناس على اعتباره من الأثمان، والأثمان تختلف عن السلع كونها لا تستخدم في ذاتها، وإنما هي أداة لتقييم السلع والأموال، وأداة لحفظها وادخارها وأداة للشراء والبيع، وأداة للديون، وهذا التعريف يتفق عليه الشرعيون والاقتصاديون.
  • القول بأن التعامل بالعملات الورقية قد أفقدها "محل الربا" قول في غاية الخطأ، فإذا قلنا بهذا القول فمن الضرورة أن ننفي عنها وجوب الزكاة أيضا، وكل أحكام الربا وسينتفي وجوب أي حكم شرعي متعلق بالأموال في عصرنا الحالي، فلا زكاة ولا ربا ولا غير ذلك من أحكام المعاملات، لأن الناس اليوم لا يتعاملون في معاملاتهم اليومية بالذهب والفضة، وهذا من أسخف ما يقال.
  • فإن قيل إن بعض العلماء في القديم قد تحدثوا عن بعض الأمور المشابهة كورقة الحوالة اللازمة وأوراق البنكنوت، فإن ذلك كان في عصر كانت الأثمان المتفق عليها بين الناس هي دراهم الفضة ودنانير الذهب وكانت متوفرة في العملية التبادلية التجارية، وكان الناس يدخرون بها أموالهم ويدفعون بها زكاتهم، وليس كما هي الحال اليوم فقد تحولت كل الأموال إلى أوراق نقدية، ويلزم بذلك عقلا وعرفا وشرعا أن تحل محل الذهب والفضة وتقاس عليهما، وبذلك ينطبق عليها كل أحكام النقد من زكاة وربا وغير ذلك.

رابعا: الرد على قوله: "إن القائلين بحرمة فوائد البنوك هم الوهابية، وإن الأزهر يفتي بأنها جائزة منذ السبعينيات، وإن القائلين بالحرمة قد روجوا لذلك حتى لا يضع الناس أموالهم في البنوك ويتوجهوا لهم بها لكي يسرقوهم، كما فعل الريان، على حد قوله، وإن الإخوان يروجون لذلك لتشويه سمعة الأزهر وعلماء الأزهر":

  • أستغرب وأتعجب من جرأة هذا الدكتور على الكلام بهذه الطريقة الفجة، وهو يعلم أنه لم يقل بجواز فوائد البنوك في العالم الإسلامي كله سوى بعض المحسوبين على العلم من المقربين لبعض الحكومات وحدهم دون غيرهم من كل علماء الأمة وعلماء الأزهر الشريف، وكانت بداية ذلك نهاية الثمانينيات من القرن الماضي وليس من السبعينيات كما يدعي، فقد كان شيخ الأزهر عبد الحليم محمود -رحمه الله- يفتي بحرمة فوائد البنوك، وكذلك شيخ الأزهر الذي تلاه الشيخ جاد الحق -رحمه الله- يفتي أيضا بتحريمها وكذلك الشيخ الشعراوي -رحمه الله- وبقية العلماء الربانيين من علماء الأزهر على الرأي نفسه، كالشيخ القرضاوي، والغزالي، والشيخ حسين حامد حسان، والشيخ أحمد طه ريان، والشيخ محمد المسير -رحمهم الله جميعا- وغيرهم كثير، ويمكن الرجوع لفتاويهم جميعا بسهولة على الإنترنت واليوتيوب، مسجلة بالصوت والصورة.
  • بل إن جميع العلماء في العالم الإسلامي شبه مجمعين على هذا الأمر، ابتداء من قرارات المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية في الأزهر الشريف الذي عقد عام 1965، الذي حضره ممثلو 35 دولة إسلامية، وفتوى جبهة علماء الأزهر الشريف التي تضم العشرات منهم. وكذلك قرار مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في مكة المكرمة، الذي حضره ممثلو جميع الدول الإسلامية مع أكثر من 70 خبيرا في الفقه والاقتصاد في ديسمبر/كانون الأول 1985، وكذلك قرار المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي برئاسة الشيخ ابن باز رحمه الله. علاوة على قرار هيئة كبار العلماء في السعودية، وقرارات المجمع الفقهي في السودان، وفي الهند، وعلماء باكستان، والمجلس الأوربي للإفتاء والبحوث وغيرها، وقرارات عدد من مؤتمرات الاقتصاد الإسلامي التي ضمت عددا كبيرا من الفقهاء والاقتصاديين على مستوى العالم الإسلامي، والتي تجمع كلها على حرمة فوائد البنوك الربوية.
  • الفتوى بجواز الفوائد البنكية ظهرت عندما أصبح الشيخ محمد سيد طنطاوي مفتيا لمصر، وحتى هو فقد بدأ هذه الفتوى بالتدرج فقال بعدم حرمة جميع المعاملات البنكية، ثم وصل تدريجيا إلى إباحتها بالكلية، وكما يقول الشيخ علي القره داغي -في مقالة له بعنوان: "فوائد المصارف من الحرام المجمع عليه إلى الحلال"- ردا على الشيخ محمد سيد طنطاوي: "ثم تطور الوضع فأكثر، فأباح فوائد البنوك التقليدية من خلال كتابه المسمى (معاملات البنوك وأحكامها الشرعية)، وقد قام بالرد عليه كبار علماء المسلمين وكبار فقهائهم أمثال العلامة الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه الشهير (فوائد البنوك هي الربا المحرم) والدكتور علي السالوس في مجموعة من كتبه وجمع غفير من علماء الأزهر الشريف وغيرهم".

ويتابع القره داغي: "كما قمت بالرد عليه، ومناظرته في برنامج إذاعي يسمى (قضايا وآراء)، واقترح فضيلته عقد مؤتمر خاص بهذا الموضوع، ولكنه مع الأسف الشديد لم يقم بذلك، بل ركز منذ حوالي سنة 1988 على تجميع من يؤيده في هذه الفتاوى في المؤسسات التي تتبع الأزهر الشريف، ولذلك لم يعرض هذا الموضوع على مجمع البحوث منذ فتواه عام 1989 إلى أن اطمأن إلى تأييد الغالبية فعرضه في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2002 برئاسته. وبعد مطالعة القائمة الملحقة نجد أن الذين أفتوا بحل الفوائد البنكية معظمهم متخصصون في علوم الفلسفة والتفسير، والحديث والقانون ونحو ذلك، ولذلك رفض المتخصصون في الفقه والأصول (الأستاذ الدكتور عبد الفتاح الشيخ والأستاذ الدكتور محمد رأفت عثمان) هذه الفتوى، ولو جمع رئيس المجمع علماء الاقتصاد وفقهاء الشريعة لما انتابني أدنى شك بأنهم لن يوافقوا على ذلك"، انتهى كلامه.

الخلاصة: يتبين من ذلك أن الفتوى بجواز الفوائد البنكية الربوية من مجموعة قليلة جدا من المحسوبين على العلم الشرعي مخالفين بذلك إجماع جميع العلماء في الأزهر الشريف وفي العالم الإسلامي والمجامع الفقهية والهيئات التخصصية لهو دليل قاطع على عدم مصداقية ما يقول المجيزون، وأن وراء رأيهم أمورا أخرى غير موضوعية ولا يمكن أن يعتمد على فتواهم مسلم يخاف الله عز وجل.

مغالطات فتوى إباحة فوائد البنوك الربوية (1)


السبت، 20 مايو 2023

مغالطات فتوى إباحة فوائد البنوك الربوية (1)

 

مغالطات فتوى إباحة فوائد البنوك الربوية (1)

لقد تطرق في هذا المقطع لعدة نقاط استند إليها في زعمه بأن فوائد البنوك الربوية مباحة شرعا، ويمكن تلخيصها في الآتي:

  • إن البنوك تطورت وأصبح عملها الاستثمار بعد أن كان الإقراض بالربا فقط.
  • إن ثبات الربح في المضاربة قد يفسدها فقط، وهذا إن حدث فإنه من الصغائر وليس من الربا الذي هو من الكبائر، وإن هناك علما اسمه دراسة الجدوى ظهر منذ 100 سنة هو السبب في جواز تثبيت الربح في المضاربة.
  • الاستدلال على عدم حرمة الفوائد في البنوك الربوية بأن العملات الورقية سابقا كانت مغطاة بالذهب فكانت من الأصناف الربوية وبعد أن لم تعد كذلك أصبحت خارج الأصناف الربوية ولا يجري عليها الربا.
  • ادعى أن القائلين بحرمة فوائد البنوك هم الوهابية، وأن الأزهر يفتي بأنها جائزة منذ السبعينيات، وأن القائلين بالحرمة قد روجوا لذلك حتى لا يضع الناس أموالهم في البنوك ويتوجهوا بها إليهم لكي يسرقوهم كما فعل الريان، وأن الإخوان يروجون لذلك لتشويه سمعة الأزهر وعلماء الأزهر!

كلام خاطئ

ولبيان خطأ هذا الكلام أقول وبالله التوفيق:

أولا: الرد على قوله "إن البنوك تطورت وأصبح عملها الاستثمار بعد أن كان الإقراض بالربا فقط".

  • ربما تكلم الدكتور في هذا الموضوع بما لا يعرف أو أنه يدلس على الناس بدهاء عندما قال هذا الكلام؛ فمن المعلوم والمستقر من دون أي خلاف (عند المختصين) أن البنوك وظيفتها القانونية الأساسية هي الإقراض بفائدة أعلى مقابل اقتراض بفائدة أقل، وأن المتاجرة بأموال المودعين ممنوع عليها بنص القانون، وأن ما يطلق عليه "استثمار" في العرف البنكي هو المعنى اللغوي لكلمة "الزيادة"، والمقصود بها من الناحية الاقتصادية والمحاسبية هي عقود الاقتراض بفائدة ربوية. يدخل في ذلك حسابات التوفير والودائع البنكية، وشهادات الاستثمار، والسندات البنكية وغيرها من الصور التي تختلف في بعض شروط إصدارها، ولكنها تجتمع كلها في صفة واحدة وهي إقراض مال بفائدة ربوية.
  • إن البنوك الربوية لم تتطور إلا بتطوير أسماء منتجاتها التمويلية أو خدماتها المصرفية، ولم يحدث أي تطور على بنيتها الأساسية وعملها كمؤسسات إقراض، ولا يختلف في هذا الأمر أي أحد من الاقتصاديين أو الشرعيين.
  • أما نشاط البنك لصالح الشركات والمصانع وغيرها فليس من باب الشراكة في الاستثمار وإنما أيضا بالإقراض بفوائد ربوية، وما يحصله البنك من هذه الفوائد سواء من تمويل الشركات أو تمويل المشاريع أو تمويل الأفراد تعود بنسبة أقل إلى المودعين في البنك، سواء كانوا أصحاب حسابات توفير أو شهادات استثمار أو سندات، ويستفيد البنك من الباقي فهو يعتمد على التربح بصفة أساسية على هذا الفرق بين الإقراض والاقتراض.

ثانيا: الرد على قوله "إن ثبات الربح من المضاربة يفسدها فقط وهذا من الصغائر وليس من الربا الذي هو من الكبائر، وإن هناك علما اسمه دراسة الجدوى ظهر منذ 100 سنة هو السبب في جواز تثبيت الربح في المضاربة".

  • إن أي دارس للفقه وإن كان مبتدئا يعرف قاعدة شرعية أصيلة لا خلاف عليها وهي "العبرة في العقود بالمعاني وليس المباني". بمعنى أن المعتبر هو حقيقة الشيء وليس اسمه، فإن كان بعض الناس يطلقون على الزنا اسم زواج فلا يصح أن يقال عنه إنه زواج فاسد، بل هو زنا وكبيرة من الكبائر. ومجرد تغيير الاسم لا يعني شيئا إن كان حقيقة التعاقد تدل على مدلول آخر؛ وهذه القاعدة الفقهية تنفي كلام هذا الدكتور جملة وتفصيلا، فعقد المضاربة إن كان الربح فيه ثابتا فلا يجوز أن يطلق عليها اسم (مضاربة) لأن من شروط المضاربة أن تكون قابلة للربح والخسارة وعليه: فإن حقيقة هذا التعاقد الذي يكون فيه الربح ثابتا ومضمونا هو أنه: عقد إقراض بالربا، وليس كما قال يصبح مضاربة فاسدة!
  • تجدر الإشارة إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم، والذي هو قاعدة شرعية مستقرة في الفقه الإسلامي ليس عليها خلاف وهي: "الخراج بالضمان". ومنه اتفق العلماء على القاعدة الشرعية "الغنم بالغرم". وهذه القاعدة واضحة الدلالة بعدم جواز التربح أو الزيادة في ما ليست فيه مخاطرة خسارة، والإقراض من العقود اللازمة المضمونة التي لا يجوز بإجماع الأمة التربح منه، فما دام المقترض يجب عليه رد رأس المال حتى وإن تلف في يده من دون قصد منه أو بإهماله أو تعديه وليس للمقرض علاقة بذلك ففي المقابل لا يجوز للمقرض أن يتربح من هذا الإقراض أبدا، وأي تربح في هذه الحالة هو من الربا المحرم المجمع على تحريمه، وهو من أكبر الكبائر.
  • أما القول إن دراسة الجدوى هي ما تبيح الأمر وتجعل ضمان المضاربة جائزا، فهذا غير صحيح فدراسة الجدوى لم تغير شيئا من طبيعة عمل البنوك وما هي إلا دراسة مالية يقوم بها البنك ليتأكد من ملاءة وقدرة الشخص المدين على سداد الدين، فإن كان المستدين أو طالب القرض من البنك مؤسسة أو شركة تجارية فإن دراسة الجدوى تشمل دراسة الجزء المتعلق بمشاريع هذه الشركة التجارية وأعمالها في السوق حتى تتأكد أنها قادرة على سداد هذا القرض ولا علاقة للبنك بمشاركة هذه الشركة أو الدخول معها في العمل التجاري الذي يخصها.
  • أما قوله إن العلماء حرموا ذلك في السابق لعدم وجود دراسة الجدوى في البنوك قديما فهو ادعاء غير صحيح، إذ ليست هناك علاقة من قريب أو بعيد بين الأمرين.

يتبع في مقال آخر..

الوطنية الكذابة

 الوطنية الكذابة

أبو بكر يحيى

أبو بكر يحيى

باحث شرعي ورئيس مؤسسة الرؤية الحضارية - سراييفو

26/10/2016

شبه أحد أصدقائي -وهو عالم دي- الوطنية والدعوة لها اليوم من قبل "الطامعين في السلطة أو المتمسكين بها" بالأصنام التي كانت تعبدها قريش قبل الإسلام والفرق الوحيد بينهما أن الأصنام كانت ترابا منحوتا والوطن تراب ممدود. هذه حقيقة، فما الوطنية اليوم إلا شعارات زور تزدان بقشرة رقيقة من الحقيقة.
 

متى عرف المسلمون الوطنية وباتوا يرددون أحاديث حب الوطن والأرض إلا في عصر الاستعمار والانتهاك لكل حرمات الوطن والمواطن "عصر الذل والانكسار والتبعية". قد يبرر البعض ذلك بأن الأمر مرتبط بردة الفعل تجاه احتلال الأوطان العربية ولكني أرى غير ذلك؛ فالوطنية جزء من الدعاية للاستعمار. هي جزء من خطة تقسيم المقسم وتجزيئ المجزء.. فعندما كانت الأمة تحت راية واحدة من إندونيسيا وحتى المغرب لم تكن هناك دعوات العصبية الجاهلية المناطقية الضيقة التي نراها اليوم.
 

لقد تخطى مفهوم الوطنية الضيق أقطار سايكس بيكو فأصبحت الشعوب المسكينة تتفاخر وتتباغض فيما بينها باسم الوطنية حتى داخل القطر الواحد بل والمحافظة الواحدة وطالت حتى المدينة ذاتها أو المدينة وضواحيها. إنها توصيف دقيق لل"نتانة" التي حذر منها المصطفى صلى الله عليه وسلم حين قال: "دعوها فإنها منتنة".

بدعوى هذه الوطنية والمناطقية بات الدمشقي لا يلتفت لمجاعة أهله في حمص، والمصري لا يألم لحصار إخوانه في فلسطين، ألا تبا للوطنية و للمناطقية وللقومية "الكذابة"

دعوة لإلهاء الشعوب "المتخلفة" لتتكبر على غيرها من إخوتها في البشرية من أهل الأقطار الأخرى، وتصنع الحواجز بين الشعوب بدلا من مد جسور الحب والتعارف. دعوة للعصبية دون فهم؛ فحتى إن كانت بلادي متخلفة وجاحدة وظالمة إلا أنه يتوجب عليّ نصرتها بالحق وبالباطل كأنه فريق لكرة القدم أشجعه حتى وإن كان لا يجيد اللعب، في حين تتباهى الشعوب غير العربية بعالميتها وتعدد أعراقها ومكوناتها. دعوة لاخماد الثورات ضد السراق المستبدين العملاء بدعوى حب الوطن والمحافظة على أمنه واستقراره.

مخدر ممتد المفعول يستخدم من قبل الأبواق الإعلامية للأنظمة بديلا عن مخدر وأفيون الدين الذي كان يجدي في العصور الوسطى لكبت الأصوات النبيلة "حق يراد به باطل". فالوطنية فطرة لم يذكرها النبي صلى الله عليه وسلم إلا في سياق حديثه عن قضية أسمى وأعلى، قضية "الحق المطلق" التي أرسل لأجلها المرسلون وقامت لأجلها السماوات والأرض، قضية التوحيد وإعلاء كلمة الله في الأرض. فهل من الصحيح أن نتمسك بهذا الكلام العرضي ونضخمه لنجعل منه القضية الأسمى والأهم التي يغني لها الراقصون ويتلحف بها الفاسدون ويبرر بها الظالمون جرائمهم؟! هل هذا توازن طبيعي أم أنه جزء من مخطط تركيع هذه الأمة المسكينة!
 

هذه الأمة التي لازالت تتفاخر بالتاريخ رغم أن الحاضر مأساوي ومعيب.. أمة تتكبر وتتفاخر منذ بدء الخليقة بكل شيء وهمي إلا بختام الرسالات التي تُشرف فعلا أصحابها، فتفاخروا بالشهامة والرجولة الكذابة وقد كانت نهبا وغارات وخيانة.. يتفاخرون بالشعر والبلاغة وقد كان سفاهة وخلاعة.. كانوا يتفاخرون بالحج رغم أنه كان للاصنام والشرك والخرافة.
 

كل هذا ولازالوا يتفاخرون على خطى العرب بكل قبيح وتافه ويذرون ما رفعهم حقا فوق السحاب وجعلهم يرتقون فوق غيرهم من الأمم "كتاب الهدى وسنة الهادي". كذابون أولئك الذين يصرفون أنظارنا إلى معان صغيرة يضخمونها ويكبرون من شأنها إلى أن غدت دينا بدل الدين وصنما يعبد من دون الله تسمت باسمه أحزاب وجماعات لاهم لها إلا سرقة الأوطان.
 

وأصبح مفهوم الوطنية مضادا للدين لا جزء منه، ثم هرول الإسلاميون أيضا لتقمص الدور فباتوا يعزفون نفس الأنغام ويسيرون مع التيار فناقضوا من حيث لا يدرون فكرتهم وساهموا في تقطيع أوصال بلدانهم فباتت لقمة سائغة لدى الأعداء.  بدعوى هذه الوطنية والمناطقية بات الدمشقي لا يلتفت لمجاعة أهله في حمص، والمصري لا يألم لحصار إخوانه في فلسطين، ألا تبا للوطنية و للمناطقية وللقومية "الكذابة".