‏إظهار الرسائل ذات التسميات المنصف المرزوقي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات المنصف المرزوقي. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 10 نوفمبر 2024

أوهام نحيا فيها ويكشفها لنا فوز ترامب


أوهام نحيا فيها ويكشفها لنا فوز ترامب

لكلّ الديمقراطيين – وما زلت واحدًا منهم – تبعث الانتخابات الأميركية الأخيرة بثلاث رسائل تعرّي مرة أخرى الأوهام الثلاثة التي بنينا عليها جميعًا نظريتنا وممارستنا للديمقراطية.

الرسالة الأولى؛ هي أن هناك أكثر من سبعين مليون أميركي لا يرون مانعًا أن يكون رئيسهم بالصفات المعروفة للجميع، بل وشخصًا ملاحقًا من قبل العدالة في أكثر من قضية. ما نتغافل عنه دومًا هو أن الناس تصوّت لمن يشبهها ويعبّر عن قناعاتها وخياراتها، ولمن يثير إعجابها وتحاول التشبّه به.

لذلك، علينا القبول بأن الفكرة التي تَبني عليها الديمقراطية أسسها خاطئة، أي وجود كائن عاقل أخلاقي يختار كل ما يخدم المصلحة العامة إذا ما توفرت له الحرية.. والحال أننا أمام طيف من البشر فيهم جزء كبير لا علاقة له بهذا التصور المثالي، والدليل على ذلك انتصار ترامب وأمثاله.

وفي هذا الصدد كتب في جريدة "نيويورك تايمز" (The New York Times) لهذا اليوم 6 أكتوبر/ تشرين الأول الصحفي والكاتب الأميركي كارلوس لوزادا: "بالنسبة لأولئك الذين أصرّوا منذ فترة طويلة على أن ترامب "ليس ما نحن عليه"، وأنه لا يمثل القيم الأميركية، هناك الآن احتمالان: إما أن أميركا ليست كما كانوا يعتقدون، أو أن ترامب لا يمثل تهديدًا كما يعتقدون".

الوهم الثاني الذي تبدده هذه الانتخابات، هو عن دور حرية الرأي والتعبير في فرز الغث من السمين. الحقيقة أن حفنة من رجال الأعمال المتحكمين في وسائل الإعلام والتواصل، أي في جلّ أدوات التأثير على العقول والقلوب، هم أكبر المنتفعين بهذه الحرية، وهم الذين يستطيعون أن يحملوا لسدة الحكم من يريدون. قلّ من ينتبه لخطورة شخص مثل إيلون ماسك في نتيجة الانتخابات الأميركية، والرجل له أكثر من مئتي مليون متابع جند الكثير منهم لصالح ترامب.

هذا عن الجزء الأول من خرافة "الانتخابات تعبر عن إرادة الشعب". أما عن الجزء الثاني للخرافة الكبرى، فإن نتيجة الانتخابات (كما رددت مرارًا منذ كتابي "عن أي ديمقراطية تتحدثون" الصادر سنة 2004) لا تعبر إلا عن إرادة خمسين في المئة زائد صوت من المصوّتين المسجلين في القوائم الانتخابية، مع إلغاء كل قيمة لإرادة تسعة وأربعين في المئة من "الشعب".

أضف الآن لمشكلة الشرعية مشكلة الخطورة. كم من مرة عبر التاريخ أدخلت الانتخابات الذئب إلى المدجنة؟

ربما مثلت نتائج الانتخابات الأميركية مفاجأة للكثير من الديمقراطيين الغربيين والعرب، لكنها كانت متوقعة بعد انتخابات مشابهة في الهند والمجر وتونس والأرجنتين، وانتظروا تواصل المسلسل في فرنسا بعد ثلاث سنوات، وكم من بلدان أخرى تنتظر دخول القائمة.

نحن أمام مفارقة رهيبة؛ فالديمقراطية لا تعيش إلا بأدوات الانتخاب وحرية التنظم وحرية التعبير، لكنها لا تمرض ولا تموت إلا بها عندما تحمل للسلطة بفضل المال والإعلام أشخاصًا يفرغون الديمقراطية من محتواها أو يقضون عليها القضاء المبرم، كما فعل رجل جاءت به الانتخابات هو أيضًا اسمه أدولف هتلر.

من حسن الحظّ – إن صح التعبير – أن الاستبداد يواجه نفس المعضلة. هو الآخر لا يعيش إلا بما يميته عاجلًا أو آجلًا. انظر كيف يذهب ضحية أدواته الفكرية والعملية. 

من الناحية الفكرية، بقدر ما تغالي الديمقراطية في تقديس "الشعب" بقدر ما يزدري الاستبداد هذا "الشعب". فالمستبد والعصابة التي حوله على قناعة تامة بأن العامة غير "ناضجة" للديمقراطية، وأن الحرية خطر منها وخطر عليها، وأنه لا بد لها من راعٍ قادر على أخذ القرارات الذي يعرف وحده أيها الأفضل للرعية وخاصة للراعي.

القاعدة هي أنه بقدر ما تخطئ الديمقراطية بالمبالغة في تقدير طيبة وذكاء البشر، بقدر ما يخطئ الاستبداد بالمبالغة في احتقار شجاعة البشر وتوقع استكانتهم للظلم.

لفرض الوضع ليس له إلا ثلاث وسائل هي التي ستقضي عليه: التضليل، وملء مراكز القرار بالأوفياء، والقمع.

فبالتضليل ينتهي المستبد بتصديق أكاذيبه وأكاذيب من حوله، فتتكاثر أخطاؤه إلى أن تقوده لحتفه، وبوضع الأوفياء في مراكز القرار على حساب الأكْفاء يساهم في الأداء الرديء لكل دواليب الدولة، وبالقمع تراه يشحن المجتمع بالنقمة التي تقود يومًا ما للانفجار، إضافة إلى كونه يصطفي الأشجع والأكثر عنادًا وتصميمًا على الإطاحة بوضع يزداد تأزمًا، لأنه ليس للاستبداد أي آليات للإصلاح الداخلي خلافًا للديمقراطية.

وفي الحالتين القاعدة أن النظام السياسي مواجه بتعقيد مجتمع فيه دومًا كمّ غير معروف من الأذكياء والشجعان والمثاليين، وبنفس الكيفية وبصفة دائمة كمّ آخر من الأغبياء والجبناء والانتهازيين.

هذا ما يجعل مشكلة النظام السياسي أكان ديمقراطيًا أم استبداديًا واحدة: خطورة المراهنة على جزء من المجتمع، وتجاهل النصف الآخر، مما يؤدي به طال الزمان أو قصر إلى استفاقة موجعة، والنصف المتجاهل يذكّره بصفة موجعة بأنه باقٍ ويتمدّد.

إن هذه الإشكالية هي التي تضع كل نظام سياسي أمام محاولة شبيهة بمحاولة تربيع الدائرة، وهي التي تفسر كيف ولماذا يمهّد فشل الاستبداد لطفرة ديمقراطية، ويمهد فشل الديمقراطية لطفرة من الاستبداد.

هل ثمة إمكانية للخروج من هذه الحلقة المفرغة التي نعايش اليوم مقطعًا منها، ونحن نرى حتى في أعرق الديمقراطيات بوادر انتصار الاستبداد، بعد أن رأينا في العقود الأربعة الأخيرة بوادر انتصار الديمقراطية في أعتى الدكتاتوريات ومنها العربية؟

بعبارة أخرى، هل ثمة إمكانية لحكم رشيد يوقف هذا التتابع حتى وإن ندرك أنه لا وجود لنظام حكم مثالي لا يعمل فيه الزمان أظافره وأنيابه؟

إذا عرّفنا الحكم الرشيد بأنه نظام الحكم الذي يضع القيم الجامعة فوق المصالح المفرّقة ويفرض بالقانون والقوة التوزيع الأكثر عدلًا للثروة والسلطة؛ لضمان الاستقرار والسلم والاعتبار داخل المجتمع، فإنه يمكن القول إن تجارب الحكم عبر التاريخ أظهرت أن الاستبداد هو الصفر على سلم الحكم الرشيد، والديمقراطية قفزة نوعية في الاتجاه السليم.

المشكلة أن هذا التطور الذي بدا يومًا غير قابل للتوقّف هو اليوم متوقف، بل متراجع حتى في أقدم معاقله لصالح جولة عبثية جديدة من الاستبداد.

يتحدد السؤال كالتالي: هل ثمة إمكانية لوقف هذا التدهور وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من ديمقراطية يتكالب عليها الأعداء من خارجها ومن داخلها؟

هذا السؤال هو الشغل الشاغل اليوم في كل الأماكن التي يطرح فيها موضوع مصير الديمقراطية من جامعات ومؤتمرات وكتب ومقالات لا تحصى ولا تعدّ.

في إطار هذا الحراك الفكري والسياسي غير المسبوق في تاريخ الديمقراطية، وفي وضع يتسم بتراجع الديمقراطية الغربية في كل العالم، وفي الغرب ذاته، ناهيك عن تجدد إغراءات الاستبداد خاصة في شكله الشعبوي الجديد، جمع "المجلس العربي" في سراييفو في الشهر الماضي نخبة من الديمقراطيين العرب من كل الأجيال والبلدان والاتجاهات الفكرية في الوطن العربي؛ لكتابة العهد الديمقراطي العربي المفترض والمأمول منه أن يشكل المرجع النظري المشترك لكل الحركات السياسية والمجتمعية العربية.

ثلاثة أفكار رئيسية تشكل أسس هذا العهد وتم التوافق عليها بالإجماع

أولًا: الديمقراطية في شكلها الغربي الحالي مرحلة تاريخية من تطور بحث المجتمعات عن أفضل أنواع الحكم الرشيد، وهي اليوم في وضع صعب لا في نزعها الأخير. وقد أثبتت التجارب منذ قرنين في أكثر من 150 بلدًا أن أخطر ما يهددها آليات تقادمت وبنيت على فرضيات فكرية خاطئة، وتم الاستيلاء عليها من طرف أعدائها من الداخل وإفراغها من كل فاعلية في تحقيق أهدافها المعلنة. مثل هذا الوضع يفرض علينا نحن العرب أن ننطلق من التجارب الغربية للتعلّم منها والتفكير في طرق تجاوزها؛ لنضمن لديمقراطيتنا التمكن والبقاء أطول وقت ممكن.

ثانيًا: لا بديل عن الخيار الديمقراطي؛ لأن الاستبداد هو سبب فقرنا وتخلّفنا وتشتتنا وفقدان سيادتنا الوطنية، وذروة جرائمه إبادة جماعية لشعب من شعوبنا، وجيوشنا لا تحرك ساكنًا إلا لحماية المستبدين.

لذلك، تشكل الديمقراطية الطريق الوحيد لبناء ما تحتاجه شعوبنا؛ أي دول قانون ومؤسسات، وشعوب من المواطنين لا من الرعايا، واتحاد شعوب عربية حرة ودول مستقلة على نموذج الاتحاد الأوروبي الذي لم يقم إلا على أشلاء الدكتاتورية النازية والفاشية والشيوعية.

ثالثًا: لكي تستقر وتثبت أطول وقت ممكن، على ديمقراطيتنا العربية أن تكون أكثر من نظام سياسي يضمن الحريات والتداول السلمي على السلطة وبناء المواطنة الفعلية المتجاوزة لكل تمييز جندري، أو جهوي، أو عرقي، أو ديني. عليها أن تجعل من أولى أولوياتها أيضًا خدمة العدالة الاجتماعية والتحرر من التبعية الخارجية، والعمل على بناء الفضاء السياسي العربي المشترك.

هكذا عرّف العهد ديمقراطيتنا المنشودة بأنها مواطنية، اجتماعية، سيادية، اتحادية، أي أنها مثل مربع لا يكون كاملًا متكاملًا إلا بأضلعه الأربعة التي تسند بعضها البعض.

نعم، يجب التمسك أكثر من أي وقت مضى بأهداف الديمقراطية، لكن ماذا عن أي إصلاحات للآليات المعطوبة والمستولى عليها والبشر هم البشر في أي مجتمع؟

من القائمة الطويلة للتحديات الفكرية والعملية

ماذا عن حرية الرأي والتعبير؟ هل يجب تقنينها، وآنذاك أين نضع الحدود بين المسموح به والمرفوض، ووفق أي سلم للقيم؟ كيف نحارب التضليل وطوفان الأكاذيب والإشاعات في ظل العولمة والذكاء الاصطناعي؟

ماذا عن حق التنظُّم وحرية تكوين الأحزاب؟ هل نضع قائمة بالأحزاب والتنظيمات والأشخاص المعادين للديمقراطية لنتغدى بهم قبل أن يتعشوا بنا؟ آنذاك، ألن نبني ديمقراطية استبدادية بحجة الدفاع عن الديمقراطية؟

ماذا عن الانتخابات لاختيار المسؤولين؟ كيف نتخلى عنها وهي البديل الرمزي للحرب، حيث يعوض الصراع بالكلمات الصراع باللكمات؟ لكن كيف نترك حق تقرير مصير شعب بأكمله لخمسين في المئة زائد صوت من مصوتين لا يتجاوز عددهم نصف المسجلين في القوائم الانتخابية، وأغلبهم يتحركون تحت طوفان التضليل الإعلامي؟

أي طرق لسحب البساط من المال الفاسد والإعلام الفاسد الذي لا يستطيع تمكين شعبوي تافه من جائزة نوبل أو رئاسة جامعة لمجرد قدرته على الصراخ وإثارة غرائز العدوانية والانتقام؟ هل يمكن قصر الانتخابات المباشرة على مستوى البلديات والبرلمانات ويُعهد لاختيار قضاة المحكمة الدستورية ورئيس الدولة بلجان كالتي تختار الفائزين بجائزة نوبل أو رئاسة الجامعات والمؤسسات الاقتصادية الكبرى؟

كم من مشاكل أخرى تكمن داخل تفاصيلها كل الشياطين، ومع هذا لا بدّ من مواجهتها.

إنها المشاكل الفكرية والسياسية التي سيعمل عليها طيلة هذه السنة المجلس العربي عبر حوارات افتراضية ستستغرق كل السنة، والأمل أن يبت فيها مؤتمر سراييفو الثالث في أكتوبر/ تشرين الأول 2025 لنقترح على التيار الديمقراطي العربي خارطة طريق مكتملة ليس فيها الأهداف فقط وإنما الوسائل، إذ لا أضيع للجهد والوقت من عدم فهم أن كل ما نعيش على كل المستويات تجارب مهمتنا التعلم من أخطائها لا تكرارها، حتى لا يكون مسارنا حلقة مفرغة، بل سهمًا لا وجهة له إلا الأمام والأعلى.

ولا بد لليل أن ينجلي.

الاثنين، 7 أكتوبر 2024

نهاية إسرائيل.. حل مانديلا أم متلازمة شمشون؟

نهاية إسرائيل.. حل مانديلا أم متلازمة شمشون؟



 بعد أحداث السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إن هذه الأحداث لم تظهر من فراغ. فكانت الحملة المسعورة ضده، والتي وصلت حد اتهامه بمعاداة السامية، حيث بدا للإسرائيليين، وكأن الرجل يبحث للفلسطينيين عن أسباب، ومن ثم عن مبررات وحتى عن أعذار.

لننطلق من ملاحظة السيد غوتيريش، ولماذا كان الرجل على حق عندما قال إنها لم تخرج من فراغ، علمًا بأن علينا توسيع مجال البحث لفهم عمق هذه الملاحظة.
إذن، قبل أحداث السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، حصلت معركة سيف القدس في 2021، وقبلها حروب: 2014 و2012 و2009 و2008 على غزة، وقبلها انتفاضتا 1987 و2000 في غزة، والضفة الغربية، وقبلها حروب: 2006 و1996 و1993 و1982 على لبنان، وقبلها حرب 1973 على مصر وسوريا، وقبلها حرب 1967 على مصر وسوريا والأردن، وقبلها حرب 1956 على مصر، وقبلها حروب: 1948 و1935-1936 على الفلسطينيين، وقبلها هجمات القسام على المستوطنات اليهودية سنة 1931، وقبلها انطلاق المقاومة الفلسطينية بقيادة عزالدين القسام سنة 1925.
بداهةً، السابع من أكتوبر/ تشرين الأول ليس بداية السلسلة ولا نهايتها، وإنما مجرد فصل أو منعطف في صراع يدوم منذ قرن.

أول استنتاج عندما تنظر للغابة، وليس لهذه الشجرة، هو إصرار الشعب الفلسطيني على الوجود، والفشل المريع للمشروع الصهيوني برمته. لنذكّر بأن هذا المشروع الذي انطلق بالمؤتمر الصهيوني في بازل سنة 1897، ودعّمه وعد بلفور سنة 1917، كان له هدف واحد: إيجاد وطن ليهود العالم في فلسطين يعيشون فيه بأمان من المذابح التي عرفوها في أوروبا الشرقية خاصة، وفي مأمن من الاضطهاد العنصري الذي يسمى معاداة السامية.

بالنظر لقائمة الحروب التي تشكل جلّ تاريخ المشروع الصهيوني في المنطقة من أول هجمات عزالدين القسام سنة 1931 وصولًا إلى هجمات القساميين في أكتوبر/تشرين الأول 2023، يمكن القول إن مشروع الوطن الآمن لم يتحقق، بل تحول إلى عكسه.
هل ثمة اليوم مكان أخطر على اليهود في العالم من إسرائيل؟ أي بلد فيه يهود يتعرضون لمثل ما يتعرض له اليهود في إسرائيل من قتل وجرح، كرد فعل على العنف الإسرائيلي، ناهيك عن العيش القلق الدائم في بلد السلام فيه دومًا مجرد هدنة بين حربين؟!
في علاقة بهذا الفشل الإستراتيجي الأول، ثمة هجرة معاكسة متزايدة لليهود من إسرائيل، حيث من المتوقع أن تنعكس الموجة لتكون أرض الميعاد هي الأرض التي يهرب منها اليهود، لا الأرض التي يهربون إليها.

أما بخصوص معاداة السامية، فإن مجازر إسرائيل – منذ دير ياسين سنة 1948 وصولًا إلى مجازر مستشفى المعمداني وجباليا ومخيم المغازي سنة 2024 – هي التي تغذّي اليوم مشاعر النفور من اليهود في العالمين: العربي والإسلامي، وكانا منها بريئَين. نفس الشيء يحدث في بقية العالم وإن بكيفية أقل، وهذا ما دفع باليهود العقلاء إلى التنصل من جرائم إسرائيل، إذ يدركون الضرر البالغ الذي تلحقه بيهود أبرياء قد يذهبون ضحية الخلط بين الصهيونية واليهودية.

الحصيلة إذن من الناحية الإستراتيجية، هي أن المشروع الصهيوني فشل حتى الآن في تحقيق أهدافه الرئيسية، وأن أزمته تتعمق يومًا بعد يوم. وكل المحاولات الترقيعية لإنقاذه تبوء بالفشل بعد الفشل. وأحسن دليل على ذلك، تواضع النتائج رغم ما بذل من مال ونفوذ ومكر وعنف وتحالفات.

  • كل فترات السلام المزعوم كانت مجرد هدن بين حربين.
  • لم تتوقف محاولات فرض الاستسلام على الفلسطينيين والعرب بالقوة، كما بشر بذلك نتنياهو في مذكراته، ومع ذلك تبين أن التطبيع، صفقة القرن، ومعاهدات أبراهام كانت فرقعات إعلامية لا أكثر.
  • تفاقم كره إسرائيل حتى في البلدان التي أقامت أنظمتها علاقات مع الدولة الصهيونية.
  • أهم من هذا كله، انتهت الحروب الخاطفة "الأنيقة" مثل حرب 1956 أو حرب 1967، إذ دشن طوفان الأقصى عصر الحرب الطويلة التي لا تستنزف فقط الآلة العسكرية، وإنما تستنزف اقتصاد إسرائيل وسمعتها وصورتها، ناهيك عن بداية ظاهرة اللاجئين الإسرائيليين، في حين تعودنا على أن كلمة لاجئين لا تقرن إلا بالفلسطينيين.

نهاية السلسلة

السؤال الآن: كيف ستتواصل السلسلة التي لا يعرف أحد كيف ستنتهي، والتي يمثل طوفان الأقصى نقطة تحول بالغة الخطورة فيها؟

إعلان

حاليًا، السيناريو الوحيد أمام إسرائيل هو بين الحرب الأزلية والحرب الأبدية، ومن ثم الخيار المفروض على الفلسطينيين والعرب، هو المقاومة أو المقاومة، وذلك لثلاثة أسباب.

  • السبب الأول: هو إمعان غلاة الصهاينة الذين يحكمون إسرائيل في نفس النهج الانتحاري؛ أي الوجود بالقوة ولا شيء غير القوة، والسلام في أذهانهم يعني استسلام الشعب الفلسطيني والأمة العربية لإرادتهم.

لقد وضع التاريخ المنطقة في بداية التسعينيات أمام خيارين: حل الدولتين أو الحرب للثلاثين سنة المقبلة، فاختار ضيقو الأفق الخطيرون في إسرائيل المسار الثاني؛ باعتبار إمكانية فرض الاستيطان في الضفة الغربية، والأبارتايد داخل الخط الأخضر، والحصار في غزة، ممكنًا إلى ما لا نهاية أو بدون تكلفة كبيرة.

ثم هم تدبروا أمرهم بالاستيطان ليجعلوا حل الدولتين مستحيلًا، وهو ما لا يريد الاعتراف به من ما زالوا يتحدثون عن هذا الموضوع، يريدون إقناعك وإقناع أنفسهم بأن طبق أرز طبخ منذ ثلاثين سنة ما زال صالحًا للأكل.
ورغم أن كل الأحداث أثبتت حماقة هذا الاختيار، فإن وصول اليمين المتطرف للحكم في إسرائيل ودخوله في معركة تهويد المسجد الأقصى المبارك وحديثه اليوم عن عودة الاستيطان في غزة، دلالات واضحة على أن سيناريو الحرب الأزلية هو الذي انزلقت فيه إسرائيل، مع بعض الوهم حول صفقة قرن أخرى واستسلام للمقاومة وملل الأجيال المقبلة، إلى آخر الأوهام التي يغذي بها المشروع الصهيوني نفسه منذ قرن.

  • السبب الثاني: هو وصول موجة الكراهية المتبادلة إلى مستويات غير مسبوقة.
    إذا كان طوفان الأقصى قد شكّل صدمة نفسية للإسرائيليين ورفع بصفة رهيبة من مستوى خوفهم وكرههم وإرادة الانتقام من الفلسطينيين والعرب، فإن ما ارتكبته إسرائيل من جرائم يندى لها الجبين رفع أكثر وأكثر منسوب الكره والرفض وإرادة الانتقام من المنتقمين عند كل الأجيال العربية، وخاصة الأجيال الجديدة التي ستنشأ بين الركام الذي خلفه "الجيش الأكثر أخلاقًا في العالم".
  • السبب الثالث: هو ما رصده المؤرخ البريطاني الكبير توينبي.
    فبالنسبة إليه، أهم عامل في ظهور الحضارة والدول والأنظمة هو التحدي، أي نزعة كل البشر لمواجهة الصعوبات والفوز في المحن والامتحانات التي تفرضها عليهم. إنها الآلية التي جعلت من يهود قيل عنهم لقرون إنهم لا يصلحون إلا للتجارة والربا، جنودًا يثيرون الرعب بقسوتهم.

هذه الآلية هي التي جعلت العرب بصفة عامة، والفلسطينيين بصفة خاصة، يرفعون تحديات القدرة الاستخباراتية والعسكرية الإسرائيلية، ويتغلبون عليها كما رأيناه واضحًا في حرب 1973، أو في طوفان الأقصى. بالطبع سنرى الإسرائيليين يرفعون تحدي تحديهم؛ لاسترجاع ما يسمونه الردع بالوسائل الوحشية التي شاهدها العالم أجمع مندهشًا وعاجزًا.

ولأن العرب سيرفعون التحديات التي واجهت تحدياتهم، فالمستقبل هو لحروب لا تتوقف؛ بحثًا عن الردع وردع الردع، ولسلطة الرعب ومزيد من التوحش في إدارة الصراع.
لم يكن من باب الصدفة أن يستشهد نتنياهو بما ورد في سفر صموئيل الأول 15: الآية 3:
"فَالآن اذهَب واضْربْ عَمَالِيقَ وَحَرِّمُوا كُلَّ مَا لَهُمْ وَلاَ تَعْفُ عَنْهُمْ، بَلِ اقْتُلْ رَجُلًا وَامْرَأَةً، طِفْلًا وَرَضِيعًا، بَقَرًا وَغَنَمًا، جَمَلًا وَحِمَارًا".
إلى أين سيقود مثل هذا الجنون؟ إلى ما أسميه متلازمة شمشون؛ أي خراب الشرق الأوسط كله فوق رأس الجميع.
أنصح كل أصحاب القرار في الوطن العربي بقراءة متمعنة للتوراة؛ لفهم جذور أفكار هؤلاء الراديكاليين الخطيرين الذين يدفعون بشعبهم وبشعوب المنطقة إلى حافة الهاوية.
ففي التوراة ثمة ما هو أكثر إثارة للقلق من سفر صموئيل، إذ تقول الآية 28 في سفر القضاة 16:
"ثمّ دعا شمشون الربّ قائلًا: ”يا ربّ، يا رب، يا الله، أعطني القوّة هذه المرّة فقط لأنتقم لنفسي من الفلسطينيين لفقدان عينيّ".
وتقول الآية 29: "ثم احتضن العمودين الأوسطين اللذين يقوم عليهما البناء ووضع يده اليمنى على أحدهما ويده اليسرى على الآخر".
وتقول الآية 30: "فصرخ قائلًا: ”لَيْتَنِي هَلَكْتُ مَعَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ!" ثم، وبجهد فائق، قذف المبنى على الأمراء وعلى جميع الناس المجتمعين معًا. وَبِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ قَتَلَ مِنَ الرِّجَالِ بِمَوْتِهِ أَكْثَرَ مِمَّا قَتَلَ فِي حَيَاتِهِ كُلِّهَا.
من يدري، قد يجد متطرفو الصهيونية في هذا المقطع من التوراة تبريرًا لسياسة "عليّ وعلى أعدائي يا رب" ليدمروا أنفسهم ومشروعهم، ويدمروا معهم كامل المنطقة.

إعلان

هل ثمة إمكانية أخرى تقينا جميعًا من هذه النهاية المرعبة؟

نعم، إنه ما أسميه حلّ مانديلا، أي توقف الإسرائيليين عن التعلق بوهم التفوق العرقي – كما فعل البيض في جنوب أفريقيا – والكفّ عن نفي حق الآخر في أرض آبائهم وأجدادهم – كما فعل البيض في جنوب أفريقيا – والتخلي عن الاعتقاد بقدرة السيطرة بالقوة إلى الأبد على شعب آخر – كما فعل البيض في جنوب أفريقيا – والقبول بالعيش المشترك في دولة ديمقراطية تحترم حقوق كل مكوناتها العرقية والدينية، – كما فعل البيض في جنوب أفريقيا – وقبل بذلك السود والهنود والخلاسيون.
ليس من باب الصدفة أن جنوب أفريقيا هي التي ساقت إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية؛ لأنها تمثل أمام نفس المشكلة العويصة – أي صراع شعبين على نفس الأرض – الخيار النقيض، الخيار الناجح ضد الخيار الفاشل، الخيار الإنساني ضد الخيار الهمجي.

لنلخص: في كل الحالات، إسرائيل الدولة اللاهوتية العنصرية العسكرية ستنتهي إما سلمًا بحلّ مانديلا، أو حربًا بمتلازمة شمشون.

رحم الله الشهداء، وأعان شعوبنا وأمتنا على مواصلة النضال ضد البعبعَين: بعبع الاستعمار الذي تمثله إسرائيل، وبعبع الاستبداد الذي هو نتاجها وحليفها. ولا بدّ لليل أن ينجلي.


*د. منصف المرزوقي

طبيب أعصاب، حصل على جائزة المغرب العربي في الطب لأبحاثه عن الإصابات الدماغية عند الأطفال المعاقين، وجائزة المؤتمر الطبي العربي لكتابه. "المدخل إلى الطب المندمج" وله اكثر من عشرين مؤلف. رئيس تونس السابق

السبت، 3 أغسطس 2024

معركة التحرر من الاستبداد .. كيف السبيل؟

 

معركة التحرر من الاستبداد .. كيف السبيل؟

اسأل حولك عن فحوى الديمقراطية وهدفها الأول ستسمع أنها نضال من أجل سيادة الشعب أو التمتع بالحريات الفردية والجماعية أو التداول السلمي على السلطة.

لكن الديمقراطية أكثر من مسألة حوكمة رشيدة وعادلة.

تفحص محرك الصراع الأزلي داخل أي مجتمع وستجد أنه رفض وضع اجتماعي أساسه ظلم توزيع الثروة والسلطة والاعتبار، كما يتجسد في النظام الاستبدادي.

الديمقراطية إذن وسيلة من بين الوسائل في معركة التحرر من الاستبداد شبيهة بمعارك التحرر من الاستعمار، علمًا بأن الاستبداد ليس إلا استعمارًا داخليًا كما أن الاستعمار -أو التبعية- ليس إلا استبدادًا خارجيًا.

هي حرب ضد المحتل الداخلي – أكان جيشًا نخر فيه الفساد، أم طائفة، أم عصابة حول مجرم حق عام قاتل وسارق الآلاف- هي أصعب وأشرس حروب الإنسان الفارس في صراعه ضد الإنسان المفترس لتحرير الإنسان الفريسة.

ما المحرك لكلّ هذه الصراعات؟ ما وراء المطالبة بتغيير الوضع الاستبدادي. المنطلق هو غياب جملة من القيم أهمها الحرية والكرامة والعدالة، والهدف هو تحقيق كل هذه القيم لكي تكفّ عن أن تكون مطالب لتصبح واقعًا معاشًا.

معنى هذا أن القيم هي التي يجب أن تكون بوضوح أعلى سلطة لإسناد شرعية أي نظام ديمقراطي، وليس إرادة الأغلبية الانتخابية.

أي قيمة لإرادة الشعب الإسرائيلي رفضه الاعتراف بدولة فلسطينية، ولو كانت نتيجة إجماع شامل كامل وهي ترفض لشعب حقوقه المشروعة.

إذا اعتبرنا أن الشرعية الأولى للنظام الديمقراطي هي القيم، فمعنى هذا أن القبول الطوعي به مرتبط أوثق الارتباط بمدى التزامه بهذه القيم، وافق ذلك أم لم يوافق أهواء أو إرادة الأغلبية.. والعكس بالعكس أي أنه كلما ابتعدت السلطة عبر ما تقول وما تفعل عن هذه القيم، قلّت شرعيتها إلى أن يسحب منها حق إدارة الشأن العام عندما تصبح مواقفها وتصرفاتها في تناقض تام مع القيم المعلنة والتي كانت أساس العقد المجتمعي بينها وبين المواطنين.

إذا جعلنا القيم المصدر الأول والوحيد للشرعية الديمقراطية التي يجب أن تستمد منها كل القوانين والمؤسسات والسياسات حقها في الوجود، فهناك سؤالان:

السؤال الأول: عن أي قيم نتحدث؟

وضعت الثقافة الغربية الحرية على رأس سلّم القيم. إلا أنه أتضح بالتجربة التاريخية في أكثر من بلد وعلى امتداد قرنين أن تأليه هذه الحرية في الشكل الليبرالي المتطرف هو الذي أعطانا الرأسمالية المتوحشة، وكانت وبالًا على قيمة لا تقل أهمية لسلامة أي مجتمع وبقاء أي نظام سياسي ألا وهي قيمة العدل.

أي كرامة لإنسان يتخبط في الفقر وإذلاله حتى ولو كان حرًا في شتم مستغليه أو التظاهر ضدهم. هكذا رأينا سيطرة الأقوى والأذكى والأكثر جرأة ومبادرة لينتهي الأمر بنوع من الحرية المطلقة عديمة المسؤولية لأقلية، وتقلص الحرية عند أغلبية تصارع من أجل البقاء.

هكذا رأينا باسم الحرية توسع الهوة بين من يملكون كل شيء ومن لا يملكون أي شيء حتى في أعرق البلدان الديمقراطية مثل أميركا وبريطانيا. من هذه الثغرة تسللت الأنظمة الاستبدادية خاصة في حضارتنا العربية الإسلامية لتتشدق بقيمة العدل كقيمة القيم، والنتيجة ما نعرف أي ضياع الحرية دون تحقق العدل.

ما أثبتته التجربة التاريخية أيضًا أن تغييب الحرية يؤدّي لتقلص العدل، وتغييب العدل يؤدي لاندثار الحرية. الاستنتاج الذي يفرضه المنطق هو أنه إذا أردنا التقدم بالمشروع الديمقراطي فلا خيار غير اعتبار الحرية والعدل وجهًا نفس قطعة النقد وجعل الحرية في خدمة العدل والعدل في خدمة الحرية.

السؤال الثاني: إذا كانت القيم أيًا كان ترتيبها مصدر شرعية السلطة الديمقراطية، فما هو مصدر هذا المصدر؟

ثمة اليوم مصدران لا أكثر: الخصوصية الدينية والثقافية لهذه الأمة الكبرى أو تلك القبيلة المعزولة في غابات الأمازون، والعالمية المتمثلة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومشتقاته المؤسسة لما يسمى القانون الدولي.

المشكلة ماذا نفعل عندما نريد تثبيت القيم المشرعة للنظام الديمقراطي المنشود في الدستور، ونحن نكتشف تناقضات بين المرجعيتين. إنه التحدي الذي اعترضنا عند كتابة دستور الثورة سنة 2014 وقبله في الثمانينيات عند كتابة ميثاق الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان.

سنة 1984 كادت الرابطة أن تنفجر وقد أصرّ العلمانيون على أن الإعلان هو وحده المرجعية وتصدى الإسلاميون بقوة لهذا الخيار مذكرين بأنه يتناقض في أربعة بنود مع قيم الإسلام: المساواة التامة بين المرأة والرجل (ترجم المساواة أيضًا في الإرث)، حرية المعتقد (ترجم الحق في الردة)، الحق المطلق في الحياة (ترجم إلغاء عقوبة الإعدام) ثم التساوي بين الأطفال (ترجم ولدوا من رباط شرعي أم لا إضافة إلى السماح بالتبني).

لوأد الفتنة قبل أن تتسبب في تدمير أكبر منظمة للمجتمع المدني الوليد وهي في حرب ضروس مع الاستبداد قلت في جلسة صاخبة للهيئة المديرة: عودوا للإعلان تجدوا أن فيه ثلاثين بندًا، أربعة فقط تطرح إشكالًا مع قيم تراثنا، لكنْ هناك ستة وعشرون بندًا لا خلاف عليها، هل نفضل ونحن تحت القصف المدفعي للاستبداد التجمع حول الستة والعشرين بندًا التي تجمعنا، أم نتقاتل ونتفارق على الأربعة التي تفرقنا؟.

لحسن الحظ تغلب صوت الحكمة واستطعنا تفادي الانشقاق بالاتفاق على ديباجة للميثاق تقول إن الرابطة تستمد مرجعيتها من القيم التحررية للتراث العربي الإسلامي، ومن الإعلان العالمي لحقوق الانسان.

هذا لم يمنع من انطلاق صراع بين الخصوصية والعالمية في ميدان القيم تمثل طيلة التسعينيات في طوفان من الإعلانات الإسلامية والعربية والأفريقية لحقوق الإنسان.

أذكر أنني وضعتها كلها على الطاولة وأضفت حتى الوثيقة الأوروبية وقارنت كل هذه النصوص مع نص الإعلان لأكتشف أنها كلها دون استثناء تقلص من الحقوق والحريات التي ينادي بها الإعلان. لا غرابة في الأمر وقد كان وراءها نظم محافظة أو استبدادية أو مرجعيات دينية متخلفة.

لذلك ناديت طول الوقت بضرورة اعتماد الإعلان كمرجع أساسي للقيم المعاصرة وهو النص الوحيد الذي استطاعت عبر التاريخ كل الخصوصيات الثقافية التوافق عليه سنة 1948 وخاصة لأنه النص الأكثر جذرية في الدفاع عن الحريات والحقوق.

نعم لا بد لنا في عالم معولم من مرجعية قيمية مشتركة بين كل البشر، وليس فقط نفس القوانين لتنظيم الملاحة الجوية أو حماية البحار. قد يكون أهم دليل على أننا لا نخطئ المرمى بهذا الرهان ما حدث مؤخرًا في الغرب من خروج مئات الآلاف من المتظاهرين منهم يهود؛ دعمًا لأهلنا في غزة.

أليس هذا أحسن دليلٍ على وجود قيم إنسانية في ضمائر الملايين من الغربيين خلافًا لما ادعاه طويلًا بعض القوميين والإسلاميين؟ ألا يتطلب منهم الأمر مراجعة أحكامهم المسبقة، وربما التخلي عنها تمامًا إن كانوا نزهاء؟

الحلقة الأخيرة: تحيين الوسائل لتحقيق الأهداف


الثلاثاء، 23 يوليو 2024

ما بعد الديمقراطية المعاصرة | المراجعات الضرورية

 ما بعد الديمقراطية المعاصرة  المراجعات الضرورية

د. منصف المرزوقي

لا أتعسَ من حال الحالم المنظّر المناضل سنين طويلة من أجل الديمقراطية إلا حال من تضعه الأقدار أخيرًا في موقع تحقيق الحلم فيرى الواقع يكذّب كل ما آمن به. كم خُيِّل لي أن الأقدار كانت تسخر مني إبان رئاستي 2011-2014 وأنا أرى حرية الرأي التي ناضلنا من أجلها، نحن الديمقراطيين السلميين، عقودًا يستغلها إعلام العار ليحقّر الثوريين، ويغرس في أذهان الشعب، أنَّ الثورة وليس الثورة المضادّة سبب كل مصائبه!

كم خُيِّل لي أن الأقدار تسخر مني، وأنا أرى حرية التنظيم التي دفعنا من أجلها ثمنًا باهظًا يستغلُّها رجال أعمال فاسدون لخلق شركات سياسية سموها أحزابًا حصلت في الانتخابات التشريعية سنة 2014 على مقاعد أكثر مما حصلت عليه الأحزاب التي ناضلت طويلًا من أجل الحريّة!

كم سخرت منّا الأقدار جميعًا، ونحن نرى الانتخابات الحرة والنزيهة تحمل لسدة الحكم سنة 2014 قائد الثورة المضادة ووزير داخلية سابقًا لبورقيبة بقي همه الأوحد طيلة رئاسته توريث ابنه، ونفس الانتخابات الحرة توصل للحكم سنة 2019 المنقلب الذي أغلق مجلس النواب بالدبابات، وألقى دستور الثورة في سلة المهملات، واستولى على كل السلطات، ولاحق وسجن كل المناضلين الذين فتحوا له ولأمثاله الباب الذي أغلقه!

ألم يحصل كل هذا بسبب الجهل بأبجديات الصراع ضد استبداد لم يهزمنا إلا بالأسلحة التي دفعنا لحيازتها ثمنًا باهظًا والتي وفّرناها له مجّانًا.

لكن إلى أي مدى كنت على حق في مثل هذا الحكم الصارم على أنفسنا؟

صيف 2022 طلبت مني جامعة هارفارد تدريس موضوع الربيع العربي، وكانت فرصة لألتقي – كما هي التقاليد الجامعية الراسخة هناك – حول فَطور صباح أو غداء مع هذا الأستاذ أو ذاك. كانت هذه اللقاءات – التي يطلبها باحث في العلوم السياسية أو أطلبها – فرصًا ثمينة تختزل على المرء قراءة عشرات الكتب، والشخص الذي تجلس معه ساعة يلخص لك إبانها أهم ما توصل إليه بعد حياة من البحث.

هكذا تعلّمت أنني ربما أسرفت على نفسي وعلى "النهضة"

ما خرجت به من معطيات ومن تحاليل مع كل من ناقشت أن ما حدث في تونس مجرد حالة كاريكاتيرية لوضع مزمن تعاني منه الديمقراطية في العالم أجمع، قد يؤدي إلى أفولها طال الزمان أو قصر حتى في أقدم معاقلها.. أي أن آليات الديمقراطيّة وأساسًا الانتخابات أصبحت أخطر الأدوات لتدمير الديمقراطيّة.

لكل من سيتهمني أنني أشكّك في هذا الركن المقدس للديمقراطية من باب الفشل الذي منيت به في الانتخابات الرئاسية أحيله لكتابي "عن أي ديمقراطيّة تتحدثون؟" الصادر.. سنة 2004.

لمن سيقول لماذا لم تتخذ الإجراءات اللازمة عندما كنت في الحكم، أردّ بأن إصلاح باخرة معطوبة يكون في الميناء وقت السلم لا وسط المحيط إبان العاصفة وهي بين أمواج الثورة وأمواج الثورة المضادة والربان محاصر بأصدقاء يعتبرونه منافسًا، وبأعداء يعتبرونه خطرًا داهمًا، والاتفاق بين الاثنين رميه خارج السفينة لعلّ المحيط يريحهم جميعًا منه.

يبقى بالعودة لما كتبت سنة 2004 عن خطر الانتخابات المباشرة على الديمقراطية، أنني كنت متعلقًا بوهم إمكانية حلول تقنية لتدارك نواقصها، مثل: مراقبة تمويل الأحزاب والإعلام، أو رفع العتبة الانتخابية في انتخاب مجلس النواب للحد من الفسيفسائية الحزبية التي جعلت من البرلمان التونسي ساحة معارك مضحكة تنفس التونسيون الصعداء لنهايتها بالانقلاب المشؤوم.

لكن قناعتي اليوم أن الخرق اتّسع على الراتق.

مشكلة الديمقراطية.. تقنية أم بنيوية؟

من يتصوّر إمكانية السيطرة على المال الفاسد والإعلام التضليلي وتقنيات الإشهار (الدعاية) المبنية أكثر فأكثر على الذكاء الاصطناعي يغالط نفسه. أكثر من أي وقت مضى من تاريخ المشروع الديمقراطي، من سيحدد مآل الانتخابات ليست "إرادة الشعب"، وإنما إرادة المال والإعلام والإشهار، والأمر بصدد الاستفحال؛ نتيجة تفاقم فاعلية أدوات التضليل والتلاعب هذه. لذلك أصبحنا نرى في سدة الحكم شعبويين ومجانين ومهرجين ومجرمي أميركا والأرجنتين والفلبين والهند، وتونس، وانتظروا ما ستتمخض عنه الانتخابات في أوروبا في العشر سنوات المقبلة.

صحيح أن كل المعارك لا تُخسَر بالضرورة، والدليل انتصار لولا في البرازيل على شعبوي تافه، لكن يجب ألا نغتر، فالشاذة لا تلغي القاعدة وإنما تؤكدها.

الأخطر من الظاهرة ما وراء الظاهرة. ماذا لو كان سقوط الانتخابات في قبضة المال والإعلام (وغدًا الذكاء الاصطناعي) ليست قضية تقنية يمكن معالجتها بحزمة من القوانين القمعية أو التعديلية، وإنما قضية رؤى فكرية تقادمت وخيارات أظهرت التجربة حدودها؟

حلّل ما وراء هذه الانتخابات، تجد أنها تحيل إلى ثلاثة مقدسات علمانية لم يعد مسموحًا لأحد التشكيك فيها، كما هو الحال مع المقدسات الدينية: الفرد والشعب وإرادة هذا الشعب الذي يفترض أن الانتخابات تنطق بها.

المشكلة أن الفرد الذي تقدسه الديانة الفردانية أي الشخص الحرّ القادر على حسن التصرف وحسن الاختيار في الانتخابات أو في اقتناء أحسن وأرخص بضاعة في السوق والذي يجب أن تخدمه السياسة والاقتصاد، هو كائن خيالي لا وجود له إلا في أذهان من خلقوه.

ليس من اختصاصي تتبع جذور العقيدة تاريخيًا وثقافيًا واجتماعيًا، لكن لي فرضية هي أن من وضعوها من فلاسفة وشعراء ومنظّرين كانوا يعانون من عقد نقص مستحكمة لعدم الاعتراف بقيمتهم من مجتمع طبقي؛ فجنحوا للتطرف جاعلين من الفرد – أي في الواقع من ذاتهم كرمز ونموذج كل فرد- مقياس المقاييس وانخرطت الكثير من الذوات المجروحة في هذا التيار لنفس الدوافع النفسية.

البحث عن الفاعل الحقيقي

يطرح هنا السؤال: من هو إذن الفاعل الحقيقي في المجال الاقتصادي والسياسي؟

موضوعيًا نحن أمام طيف واسع من الوضعيات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والنفسية تتجسد في مواقف وتصرفات لأفراد متباينين. للتصنيف – وكم نحبّ التصنيف – هؤلاء الأفراد ملائكة أفسدتهم الحضارة، حسب Rousseau أو ذئاب أفسدوا الحضارة حسب Hobbes. قسمهم عالم الاجتماع الإيطالي Carlo Cipolla إلى الأخيار الذين تنتج أفعالهم الخير لهم ولغيرهم، والأشرار الذين تنتج أفعالهم الخير لهم والأذى لغيرهم، والأغبياء الذين تنتج أفعالهم الخير لغيرهم والأذى لأنفسهم، والحمقى الذين تنتج أفعالهم الأذى لأنفسهم ولغيرهم.

قسمتهم شخصيًا إلى المفترس مرتكب كل المظالم، والفريسة ضحية هذه المظالم، والفارس الذي يهبّ لنصرة المظلوم.

أيًا كان التصنيف، الموجودُ دومًا أفراد يتجاور فيهم الجهل والعلم، الخير والشرّ، الذكاء والغباء، القدرة على حسن اختيار ما يصلحهم والآخرين، مثل القدرة على ارتكاب كل الأخطاء والخطايا عمدًا، أو عن غير قصد.

إنها نفس الإشكالية لكن على أوسع نطاق عندما نقفز إلى مستوى الشعب.

نحن هنا أيضًا أمام مفهوم لا شك أنه نبع في عقول وقلوب مفكّرين انتموا إما إلى أقلية طبقية، أو إثنية تصارع ضد التهميش، أو التحقير، أو الاحتلال الخارجي.

من هذه المنطلقات النفسيّة التي ستبقى غامضة، نشأ المفهوم المثالي لكتلة بشرية متجانسة متّحدة: الحق والخير، والأمل، وضمان مشروع حياتي مشترك. المشكلة أن هذا الشعب موجود فقط إبان اللحظة التاريخية التي تسعى فيها مجموعة بشرية لإيجاد دولة تحميها وتمثلها وتخدمها. كنموذج لذلك، الشعب الفلسطيني الذي تعركه وتشكله وتوحد كل مكوناته معاركه المسترسلة منذ سبعين سنة لبناء دولته، ذلك لأنه لا وجود لشعب بدون دولة، مثلما لا وجود لدولة بدون شعب.

ما عدا هذه الحالة العابرة أي عند تشكل الدولة المستقلة، الموجودُ في الواقع مجتمعٌ يتوارث اللامساواة جيلًا بعد جيل ومنخرط في صراع لا يتوقف تارة سلميًا وتارة دمويًا حول تقاسم السلطة والثروة والاعتبار.

هكذا ترى هذا الشعب الواحد ظاهريًا مقسّمًا إلى شعبٍ من الرعايا يعيش بصمت وخنوع تحت الاحتلال الداخلي لطبقة عسكرية أو طائفية أو أيديولوجية، استولت على جلّ السلطة والثروة والاعتبار، وشعبٍ من المواطنين في صراع لا يتوقف لإعادة توزيع أكثر عدلًا.

ويحدثونك عن الشعب كما لو كان نسيجًا مؤلفًا من خلايا لها نفس الخصائص، ونفس المصالح، ونفس التوجهات.

الأخطر من هذا الوهم أن الشعب المخيّل مؤلف من أفراد خيرين لا يريدون إلا الخير للآخرين ولأنفسهم، وأنك إذا تركت لهم حرية الخيار فإنهم سيختارون الأصلح والأكثر التزامًا بالقيم والمصلحة الجماعية.

انظر لما يحدث اليوم في أميركا. الأغلبية الساحقة التي صوتت وستصوت لترامب تعرف أنه زير نساء ومتحيّل ضرائبي وكاذب، لكنها لا تهتم بكل هذه الأوصاف؛ لأنها ترى فيه الرجل الناجح المثير للإعجاب، لا يهم وسائل نجاحه. إذا تذكرنا أن الناس يصوتون لمن يشبههم ولمن يرون أنفسهم فيه، فمعنى هذا أن هناك أغلبية من الناخبين الأميركيين الذين يشبهون ترامب، وأن آخر ما يهمهم القيم العليا التي تدعي النظرية الديمقراطية أنهم يمثّلونها.

عن هذا الوهم يتولد الوهم الأخير؛ أي أن لهذا الشعب الخيالي الكامل الأوصاف المؤلّف من أفراد خيرين واعين مسؤولين، إرادةً صالحة تعبر عنها الانتخابات.

إنه لضرب من التفكير السحري القول بأن هذه الإرادة هي قرار خمسين في المئة زائد صوت واحد من المنتخبين الذين هم جزء من القوائم الانتخابية .. التي هي جزء ممن يحق لهم قانونًا التصويت.. الذين هم أنفسهم جزء من مجموع السكان بمن فيهم من أطفال، ومرضى، وشيوخ، وأجانب.

انتبه أيضًا للتناقض الجذري بين أجزاء المنظومة الفكرية، فالفردانية النظرية تعطي لكل الأفراد نفس القيمة والحقوق، لكن الفردانية العملية تزري عبر الانتخابات بقيمة الذين فقدوا الأغلبية ولو بنسبة 49.9%. فهم سياسيًا والعدم سيّان، وإرادتهم لا تساوي قلامة ظفر.

أهم من هذا. افترض أن كل الشعب الإسرائيلي قرّر بكل حرية في انتخابات لم يلعب فيها المال الفاسد والإعلام الموجه أي دور، أنه لن يقبل أبدًا بقيام دولة فلسطينية، فهل هذه الإرادة مبتدأ الخبر ومنتهاه في قضية الحال؟ طبعًا لا، لأن هناك إرادة أقوى من إرادة الشعب الإسرائيلي ألا وهي إرادة شعب يناضل من أجل حقه في الوجود، وإرادة القانون الدولي المبني على مبادئ وقيم منها حق كل الشعوب في تقرير مصيرها.

نحو اجتهاد جديد

والآن تفحّص هذه "المقدسات" الثلاثة التي تسند آليات الديمقراطية وأساسًا الانتخابات.

كلها خيارات نسبية؛ لأنها لا تعكس إلا خيارات الثقافة الغربية في مرحلة من مراحل تاريخها.

هي لا تتقاطع إجباريًا مع خيارات ثقافية أخرى منها ثقافتنا التي لا تقدّس الفرد والتي ترى في الشريعة لا في إرادة عامة الناس أساس شرعية السلطة. أضف إلى هذا أن العدل بالنسبة إليها سيّد القيم لا الحرية، كما هو الخيار الغربي. ليُسمح لي هنا بالتأكيد على أنني غير منخرط بهذا الرأي في النقاش المبتذل حول نقد المركزية الغربية وإدانة "نفاق" قيمها إلى آخر ما يهرف به القوميون والمتدينون المتطرّفون.

ما أعنيه أن البحث عن حوكمة رشيدة الذي انطلق منذ آلاف السنين في أشكال بدائية – منها الحكم المجالسي للقبيلة أو القرية – اكتسب عبر الديمقراطية الغربية شكله الأكثر تقدمًا وتعقيدًا. لكن هذا الشكل ما زال مبوّبًا لكثير من التغييرات؛ لأنه يرتطم بتحديات غير مسبوقة أظهرت ما فيه من نواقص وعيوب، لا بد من تداركها حتى يتواصل هذا البحث.

لم لا يكون لنا نحن العرب دور في دفع المشروع الديمقراطي إلى أبعد مما أوصله إليه الغرب، وقد أصبحت التجربة ملكًا للعالم أجمع، وذلك في إطار تلاقح الحضارات وضرورة الأخذ بامتنان من كل مورد والعطاء بلا منّ؟

يصبح السؤال في هذه الحالة: على أي خيارات فكرية وقيمية أخرى تكون قاطعة للثقافات يمكن أن نبني آليات جديدة تعيد للمشروع الديمقراطي حيويته المتلاشية وتدفع به قدمًا في طريق سيبقى دومًا طريق الماشي نحو الأفق؟.

 

الحلقة المقبلة: الشرعية البديلة



ما بعد الديمقراطية المعاصرة.. هل هناك أمل؟

الخميس، 11 يناير 2024

لماذا شكوى جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل هي الأهم على الإطلاق؟

لماذا شكوى جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل هي الأهم على الإطلاق؟