‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات منصف المرزوقي الرئيس التونسي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات منصف المرزوقي الرئيس التونسي. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 7 أبريل 2025

احذروا.. الليبرالية الفاشية على الأبواب

 احذروا.. الليبرالية الفاشية على الأبواب


الجديد هو أن الفاشية الجديدة لم تعد تؤمن بالدولة كأداة ضرورية أو فعالة للتحكم في القطعان البشرية

قال نابليون عن تاليراند، الوزير الذي خدم كل الأنظمة المتتابعة وخانها كلها، وكان معروفًا بأناقته وظرفه وطراوة لسانه، إنه مثل النُفايات المخفية داخل جورب من الحرير الفاخر. جاءتني نفس الصورة وأنا أتفحص كتابات المدعو كرتيس يارفين، الذي يعتبره البعض المنظّر الأول للسياسة الأميركية الحالية، والرجل الذي يستقي منه حكامها بعض الأفكار و"القيم".
أما جورب الحرير الفاخر، فكلمات رنانة مثل "التنوير المظلم" (Dark Enlightenment)، أو "الكاتدرائية" التي ترمز لكبرى الجامعات ومراكز البحث والصحافة والتي يجب تدميرها؛ لأنها هي التي تنتج وتصدر الأفكار والقيم الهدامة للديمقراطية، وبقية ما يسمى حقوق الإنسان.

ثمة أيضًا مفهوم "الرجعية الجديدة" التي ستعيد للرجعية القديمة شبابها وسمعتها. يبقى أنك عندما تدقق النظر فيما يختفي وراء هذه الكلمات المثيرة لن تجد إلا جلّ النفايات الفكرية المتعفنة لفاشية بداية القرن العشرين في أوروبا.

على سبيل العد لا الحصر:

  • الأعراق البشرية ليست متساوية في الطاقات والقدرات، والعرق الأبيض هو العرق المتفوق.
  • الديمقراطية ليست الحل وإنما المشكل؛ لأنها تضع القرار بين يدي جهلة.
  • السلطة الفاعلة هي السلطة التنفيذية الممركزة كليًا بين يدي زعيم أوحد، أما السلطتان التشريعية والقضائية فمجرد هيئتين استشاريتين في أحسن الأحوال.

والآن الفكرة الوحيدة المضافة لسجل ثوابت الفكر الفاشي:

الدولة- الأمة تنظيم تقادم عهده ويجب التخلص منه لصالح تنظيم جديد يُساس فيه المجتمع كشركة اقتصادية خاصة، على رأسها مدير عام يتمتع بكل الصلاحيات. تحته مجلس إدارة يأتمر بأوامره، مكوَّن من نخبة النخبة، وهي بالطبع غير منتخبة ولا تدين بالولاء إلا للمدير العام.

أما ما يسمى الشعب، فيجب التعامل معه كما تتعامل الشركات مع مالكي أسهمها. هذا ما سيجبر المديرين العامين للأوطان على التنافس فيما بينهم لاكتساب أكبر عدد من الحُرفاء، ولا عزاء لكل الأوطان- الشركات المفلسة.

بطبيعة الحال، لا مجال في مثل هذا التنظيم لدولة خدمات مكلفة، ولبيروقراطية تتكفل بشحن المساعدات لمن لا يستأهلون البقاء في مجتمع عادَ لأوّل قوانين الطبيعة – كما يتصورها الفاشيون- أي غاب لا مكانَ فيها للتعاضد، وإنما للصراع الأزلي والبقاء فيها فقط للأقوى.

لقائل أن يقول: هراء في هراء. لكن، انظر لما يجري في أميركا اليوم. هناك رئيس يجمع بين يديه كل السلطات، يحل مؤسسة التعاون الدولي (USAID – الوكالة الأميركية للتنمية الدولية) التي سماها نائبه منظمة إجرامية دون إذن من الكونغرس، ناهيك عن تجاهل قرارات القضاء.

هو يتحدّث من الآن عن دورة ثالثة يمنعها الدستور الأميركي، إلا إذا انقلب على هذا الدستور وغيره، كما يحدث في العالم العربي وأفريقيا.

هناك أيضًا سياسة ممنهجة لإضعاف الدولة الفدرالية والحد من خِدماتها في كل المجالات الحيوية كالتعليم والضمان الاجتماعي. هناك هجوم منظم لتركيع الجامعات والإعلام وتدمير "الكاتدرائية" أي عش الدبابير الذي ينتج أفكار المساواة والعدالة ومناهضة العنصرية والحرب في غزة.

هناك التعامل مع الحرب في أوكرانيا لا كدعم دولة ديمقراطية لدولة ديمقراطية معرضة للغزو، وإنما كمقايضة تجارية، السؤال فيها: ماذا تجني أميركا من هذا الدعم؟ ولماذا مواصلته إن لم تدفع أوكرانيا الثمن بالتخلي لها عن معادنها النادرة؟
ألا يعني كل هذا أن ما كان يهرف به كورتيس يارفين في مكان قصي من الإنترنت المظلم، هو أيديولوجيا الطبقة السياسية المتحكمة في أقوى دولة في العالم اليوم؟

تفرض علينا هذه الظاهرة غير المسبوقة الانتباه لتحوّلَين جذريَين في الفكر والسياسة، سيكون لهما تأثير بالغ الخطورة على مستوى العالم، وخاصة على مستوانا نحن العرب.

التحول الأول: هو في مستوى الفكر الفاشي الكلاسيكي

حقًا ما زال يحتفظ بالثوابت القديمة من تأليه القوة، وعبادة الزعيم، واحتقار الأعراق الدونية، وتقسيم المجتمع لنخبة لها كل الحقوق، وأغلبية عليها كل الواجبات.

الجديد هو أن الفاشية الجديدة لم تعد تؤمن بالدولة كأداة ضرورية أو فعالة للتحكم في القطعان البشرية. هي تستخف بالدولة في حدودها الجغرافية الضيقة كتنظيم تقادم عهده ولا ضرورة لبقائه، بسبب التحولات الهائلة في التكنولوجيا وعولمة سيطرة رأس المال.
أي قيمة للسبع والخمسين دولة أفريقية التي لا تصل ميزانيتها لميزانية الشركات العشر الكبرى في العالم مثل: ميتا وغوغل وأمازون وسبيس إكس.. إلخ؟

أي سلطة حتى لدولة أوروبية خارج حدودها مثل التي تتمتع بها هذه الشركات، وهي تتحكم في العقول وفي القلوب، وتستطيع أن تضع في الحكم من تشاء وتمنعه عمن تشاء في أغلب مناطق العالم؟

يجب أن نتذكّر أن الفكرة ليست بالطرافة التي قد نتصور، فشركة الهند الشرقية البريطانية (British East India Company) التي أُنشئت سنة 1600 ولم تختفِ إلا سنة 1858 كانت تملك جيوشًا وتتحكم في التجارة العالمية، وكانت رأس حربة الاستعمار البريطاني في العالم.

هل سيعيد التاريخ نفسه ونشهد يومًا جيوشًا لشركات ميتا وغوغل للتحكم في إمبراطوريات لم تعد مرتبطة بحدود جغرافية أصبحت من مخلفات ماضي ما قبل الثورة المعلوماتية؟

التحول الجذري الثاني هو الذي تشهده النظرية الليبرالية بما هي أيديولوجيا الحرية كقيمة القيم

فمنذ ولادتها في بريطانيا في القرن الثامن عشر وانتشارها في العالم، كانت الركيزة الأساسية أنه لا تناقض، بل كل التكامل ما بين الليبرالية في تعبيرها الاقتصادي أي الرأسمالية، وبين تعبيرها السياسي أي الديمقراطية.

هذا التكامل بين غصنين نبتا من نفس الجذع هو الذي أصبح مشكوكًا فيه منذ ثمانينيات القرن الماضي، عندما تحرَّرت الليبرالية الاقتصادية من كل الضوابط لتعطينا رأسمالية متوحشة، آخرُ همّها مصالح الشعوب ومصلحة الطبيعة.

لذلك كتبت في التسعينيات؛ أنه إذا كانت الشيوعية هي ألد أعداء الديمقراطية في القرن العشرين، فإن ألد أعدائها في القرن الواحد والعشرين ستكون الرأسمالية المتوحشة.

هذا الصراع الذي كان آنذاك جنينيًا، هو الآن واضح وضوح الشمس في النهار.

ألا يقول كورتيس يارفين إن الديمقراطية هي المشكل وليس الحل؟ كيف لا تكون المشكل وهي التي تنتج حركات الاحتجاج ضد تدمير القطب الشمالي بحفريات البحث عن البترول والغاز، أو مواصلة تسميم الهواء والتسريع بكارثة التحول المناخي؟ كيف لا تكون المشكل وهي التي تحث شعب المواطنين في أميركا وأوروبا على التصدي لهيمنة الشركات الكبرى على الفضاء الافتراضي بلا حسيب أو رقيب؟

من الطبيعي أن تكره الأيديولوجيا الجديدة الدولة الديمقراطية، وهي التي تضع الحد الأدنى من القوانين الحامية لحقوق الطبيعة والعمال، أو للحفاظ على خصوصية الأشخاص وما تبقى لهم من حرية. إنها حجر العثرة الوحيد المتبقي أمام زحف الرأسمالية المتوحشة.

ما نشهده اليوم عبر الأيديولوجيا المتسيدة في أميركا، هو تحوّل الليبرالية الكلاسيكية إلى ليبرالية استبدادية، يتقدم فيها رجال الأعمال لإدارة شؤون العالم بدل سياسيين عالقين في منظومة ليبرالية ديمقراطية أصبحت عبئًا على الرأسمالية.

إنه الطلاق بالثلاث بين المكونين الأساسيين لليبرالية الغربية القديمة، وتمازج مكونها الاقتصادي مع العنصرية الفجة والنخبوية المتطرفة. أي أن ما نشهده اليوم في أميركا هو ولادة أيديولوجيا مستحدثة نتيجة التحولين، ويجوز تسميتها بـ"الليبرالية الفاشية".

ما تبعات ولادة هذه الأيديولوجيا المخيفة علينا نحن العرب؟

كلنا ندرك الترابط بين وحشية الآلة العسكرية الصهيونية والدعم الذي تتلقَّاه من الإدارة الأميركية الحالية. لكن ما لا ننتبه له أن الصهيونية، كما يجسدها اليوم نتنياهو، ليست إلا الصيغة الإسرائيلية للأيديولوجيا الشريرة.

  • هي تتغذى من نفس الأفكار العنصرية الفجّة.
  • هي أيضًا تسعى لتطويع القضاء.
  • هي أيضًا أدارت ظهرها للقيم الإنسانية التي حاولت النخب التقدمية طوال القرن العشرين تشريعها لبناء عالم تجمعه أفكار وقيم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بكل بنوده، وأساسًا البنود: 19، 20، 21 التي تضمن الحق في الديمقراطية.
  • هي أيضًا لا تؤمن إلا بشرعية القوة وتسخر من قوة الشرعية.
  • هي أيضًا لم تعد تعترف بحدود الدول وتريد الضم والتوسع، (كندا وغرينلاند "الجزيرة الدانماركية"، ناهيك عن إعادة احتلال قناة بنما).

ماذا عن الديمقراطية؟

هل يمكننا، نحن الذين أتينا للمشروع الديمقراطي وهو في أخطر الأوضاع، أن ننشد مع المتنبي:
أتى الزمانَ بنوه في شبيبته     فسرّهم وأتيناه على الهرم
أليس المستقبل للنظام الذي يقوم على الاستبداد السياسي والحرية المطلقة لرأس المال، أكان رأس المال الخاص أو رأس مال الدولة الاستبدادية؟
أليس المستقبل لعودة الاستعمار القديم، وفلسطين بداية المشروع؟ والسؤال: من سيكون المستعمر الآخر بخلاف إسرائيل؟

الأهم من كل هذا، ماذا أعددنا لمثل هذا العالم المجنون الذي يتشكل تحت أعيننا، ونحن فيه أكثر من أي وقت مضى كالأيتام على مأدبة اللئام؟
إذا أتتك كل هذه الأفكار السوداء، تذكّر أن مثل هذا النظام لن يتحرك في فراغ يدمر ويبني كما يشاء.

هو سيرتطم بمقاومة جبارة بدأت ملامحها تتشكل في أميركا منذ تسلم الإدارة الجديدة، وستتصاعد ما ستتصاعد في كل مكان.

إن قدر كل نظام سياسي الارتطام بنقيضه الذي لا يوجد بدونه، وأن يكون الصراع بينهما أزليًا، وذلك لسبب بسيط: كل نظام سياسي، أكان ديمقراطيًا أو استبداديًا، لا يعكس إلا جزءًا من الأبعاد الثلاثة للطبيعة البشرية التي سميتها: الإنسان المفترس، والإنسان الفريسة، والإنسان الفارس.
مما يعني أن كل انتصار للإنسان المفترس على الإنسان الفارس، أو للإنسان الفارس على الإنسان المفترس في صراعهما على استعباد أو تحرير الإنسان الفريسة، هو دومًا انتصار مؤقت.
لذلك محكوم على السياسة أن تتواصل صراعًا مريرًا إلى آخر يوم من تاريخ الإنسانية.
بدون وهْم، لكن بدون إحباط، علينا فقط أن نستعد لأصعب وأشرس المعارك لنقوم بدورنا كسدّ للهمجية الجديدة، وكقوى تعيد البناء على الخراب ألف مرة ومرة.


الأربعاء، 15 يناير 2025

كيف يوظف المستبدون الوطنية والخيانة؟

 

كيف يوظف المستبدون الوطنية والخيانة؟


ماشيًا على رصيف في باريس واجهتني سيارة آتية في الاتجاه المعاكس. فجأة فتح سائقها نافذتها ليصرخ فيّ: يا كلب، يا بيوّع.. و"البيوّع" في اللهجة التونسية هو بائع الوطن، أي الخائن في أفظع تجلياته.

لا شكّ أنه من أنصار المنقلب- المغتصب الذي لا يفتح فمه في أي مناسبة إلا لإدانة المتآمرين والخونة أمثالي، وأمثال نخبة من رجالات تونس القابعين في سجونه إلى اليوم. المسكين هو متأكد أنني "بيوع" لكنه متحيّر لا يدري لمن بعت الوطن، وكم قبضت، وأين خبّأت المال الحرام.

عبث مواجهة بيادق السلطة بحجج من نوع: وطنيتنا التضحية بأنفسنا من أجل قيم ومبادئ، ووطنيتكم التضحية بالآخرين من أجل امتيازات ومصالح. وطنيتنا نضال، ووطنيتكم تمثيل.. إلخ. فهذه الأبواق مجندة ليلَ نهار للادعاء بأن العكس هو الصحيح، ولها داخل شعب الرعايا من يصدّق ويصفق.

إنها الوطنيّة التي يمكن وصفها بالنظامية بما أنها تقرن آليًا بين الوفاء للوطن والوفاء للنظام السياسي، وهي بجانب الانتخابات التسعينية العلامة المسجلة لكلّ نظام استبدادي.

لقائل أن يقول إن مثل هذه الوطنية الزائفة لا تنطلي على أحد، وفي كل الحالات لا يجوز اعتبارها حجة على الوطنية "الحقيقية".

نعم، ولكن.

ماذا لو كان المفهوم نفسه ملغّمًا بخصائص تسهّل على الاستبداد الاستيلاء عليه وتفويضه في صراعاته الخسيسة ضدّ معارضيه؟

يقول المفكر الصيني لاو- تسو: لا وجود للأنثى كأنثى إلا بوجود الذكر.. من أين لك أن تعرف ما الجمال إن لم تعرف ما القبح.. أي معنى للخير دون وجود الشرّ؟

في هذا السياق، يمكن القول إننا لا نخلق لغويًا وشعوريًا وسياسيًا مفهوم الوطني، إلا وخلقنا معه آليًا نقيضه. إذ كيف نعرف من هو الوطني إن لم يكن بمقارنته بهذا العدو الداخلي الذي نسمّيه الخائن، والذي لا بد من مجابهته بالكره والاحتقار، وضرورة الإجهاز عليه.

هكذا تقاس الوطنية عند الوطنيين بدرجة السخط الذي يبدونه، وهم منتفخو الأوداج يستنكرون ويدينون ويلعنون ويهددون خونة يعرّفون برفضهم الولاء للنظام الساهر وحده على أقدس القضايا، وهي حماية الوطن.

العنصر الضروري الثاني لوجود الوطنية هو العدو الخارجي. قد يكون كرهه هو الآخر في محلّه عندما يتخذ شكل الغازي والمستعمر (إسرائيل نموذجًا بالنسبة للوطني الفلسطيني). لكن قد يكون العدوّ مصطنعًا أو مخيّلًا. إنه ما يحدث حاليًا في كثير من البلدان الغربية، حيث يقدم المهاجرون على أنهم طابور غزو خارجي، ودرجة الوطنية عند اليمينيين المتطرفين تقاس بمدى كرههم للأجانب، وما يقدرون عليه من أذى يلحقونه بهم.

المكوّن الخطير الثالث للوطنية وهو ما أسميه الهُوية الضدية. فالهوية كما يفهمها الوطني أكان معتدلًا أم متشدّدًا، مبنية دومًا على مضادة هوية الآخر. داخل هذا الفهم للهوية يكمن عنصر مخفيّ بخبث أو مكشوف بوقاحة، وهو عنصر المفاضلة والتميز والتفوق.

قد يبقى هذا العنصر متحكّمًا فيه مسيطرًا عليه لا يفضح وجوده الصامت إلا ببعض النكت البائخة عن عيوب الآخر المفترضة، أو الهتافات للفريق الوطني في ملاعب كرة القدم. لكنه قد يتطوّر إلى ملاسنات فظة على صفحات التخاصم الاجتماعي، إلى أن ينتهي بصراعات يسيل فيها دم الإخوة الذين جعلت منهم الوطنية ألد الأعداء.

لقائل أن يقول إن من الإجحاف اختزال الوطنية في كره عدو داخلي وخارجي أكان حقيقيًا، أم مخيّلًا، أو التبجح بتفوق حقيقي، أو خيالي على الآخرين. ماذا عن الوطنية كحبّ جارف لأرض الآباء والأجداد؟ أليس هذا الشعور، أيضًا، مكوّنًا لا مجال لإغفاله في أي تحليل موضوعي للمفهوم؟

مَن مني أكثر حبًا لأرض الآباء والأجداد، خاصة في هذه الأيام وأنا مضطر في خريف العمر لثالث نفي في حياتي بعد أحكام بالسجن في أكثر من قضية مفبركة؟ لا يمرّ يوم دون أن يشدني الحنين لنخيل الجنوب، لزيتون الساحل، لمزارع العنب والبرتقال في الوطن القبلي، لغابات البلوط في جبال الشمال الغربي عندما تغطيها ثلوج الشتاء. قد لا يشعر المرء بكل هذا الحب إلا عندما يحرم من أرض استولى عليها وطنيو الربع ساعة الأخيرة.

طيب، لكن أين يقودنا مثل هذا الكلام؟ بداهة لن نذهب به بعيدًا، فالطبيعي بين بشر كل زمان ومكان أن يحب كل إنسان الأرض التي نشأ فيها كما يحب الأم التي ولدته. قد نتجاوب مع محمود درويش في حنينه لخبز أمه وقهوتها، ومع فيروز وهي تغني لأمها الملاك.

لكن، تصور كم سيكون المشهد مضحكًا ونحن نغرق تحت سيل القصائد التي تمجد أمّنا وتضعها فوق كل الأمهات، وتؤكد استعدادنا للموت من أجلها. ثم أليس من خصائص الحب الحقيقي أنه بغير حاجة للصراخ وإلا كان هذا الصراخ دليل شبهة في صدق ما يدَّعى؟

ثمة أسئلة أخرى بخصوص هذه الوطنية، ولنسمِّها الجغرافية بما أنها مرتبطة بعلاقة مميزة مع فضاء معين له حدود واضحة.

ألا نعرف كلنا داخل حدود الوطن الواحد سموم الجهوية أو المناطقية، وهي توقّف حب البعض عند الرقعة الجغرافيّة الصغيرة لجهتهم أو منطقتهم، مع نفور، وحتى كره للجهات الأخرى. كم مضحكٍ تصور هؤلاء القوم المتقوقعين داخل قبَليّتهم وجهتهم ينشدون النشيد الرسمي الممجد لنفس الوطن، وهم داخل ذواتهم يكرهون بعضهم البعض، ويغارون من بعضهم البعض.

لنأخذ المفهوم في الاتجاه المعاكس.

تطلب مني الوطنية التونسية أن ينخفض "محرار" الحبّ الوطني من الدرجة العاشرة إلى الدرجة الواحدة أو الثانية حالما أتجاوز معبر "ببوش" على الحدود الجزائرية؛ لأن حبّ الأرض الواقعة بين "ببوش" و "زوج ابغال" على الحدود المغربية مسؤولية الجزائريين وحدهم.

نعم، ولكن ماذا أفعل وأنا العروبي (غير القومي والحمد لله) بحبي لأزقة خان الخليلي والحميدية وسوق واقف وساحة جامع الفنا، ولي في كل هذه الأماكن أجمل الذكريات، ويشدّني الحنين إليها أحيانًا بنفس قوة الحنين لأزقة القيروان وسوسة وتونس العاصمة؟

صحيح أنني شعرت بالقلق عندما اندلعت الحرائق في شرق الجزائر؛ خوفًا من انتقالها لشمال غرب تونس والقضاء على ما تبقى فيه من غطاء نباتي. لكنني شعرت بنفس القلق عندما اجتاحت الحرائق منذ سنوات غابات أستراليا وكندا؛ لعلمي أن الآثار الكارثية لهذه الحرائق لن يسلم منها شعب أو وطن في عالم لا حدود فيه إلا الوهمية التي نرسمها على الخرائط.

أذكر أنني ارتطمت يومًا بعنصريّ صرخ في وجهي: "أرجو يا سيدي أن تتذكر أنك في بلدي " فجاوبته ببرود: "وأرجو يا سيدي أن تتذكر أنك على كوكبي".

الخلاصة أنّ الوطنية إن بنيت على الكره فهي مصيبة؛ لأنها لا تخلق الخائن إلا وتخلق معه القاضي والجلاد وسجونًا من نوع برج الرومي، وأبو سليم، وتازمامارت، وأبو غريب، وصيدنايا. أما إذا بُنيت على حب جارف لقطعة من الفضاء مطوقة بحدود خيالية رسمتها ظروف تاريخية دون اعتبار لوحدة الأرض، فهي التي تجدها وراء جل الحروب العبثية التي جعلت تاريخ جنسنا البشري يكتب بمداد الدم.

لكل من نشؤُوا على أن التشكيك في قدسية الوطنية مثل التشكيك في وجود الله، لا تبقى إلا آخر حجة، وهي أن الوطنية بالرغم من انحرافاتها أقوى حافز للخلق والإبداع في تنافس ضروس مفروض على الشعوب والحضارات.

صحيح.. لكن انظر أيضًا الثمن.

إن أكبر قلب للحقائق يرتكبه وطنيو الاستبداد ليس جعل الوطنيين خونة والخونة وطنيين، وإنما تسمية رعاياهم مواطنين. هكذا تسمع في وسائل تضليل الأنظمة الاستبدادية أنه يرجى من المواطنين فعل كذا وكذا، وأن مواطني منطقة ما خصوا الرئيس باستقبال حافل، وأن المواطنين مدعوّون للانتخابات يوم كذا.. إلخ.

ابحث عن الحقيقة المقلوبة تجد شعبًا من الرعايا يخضع لكل مقاييس ومؤشرات الرعوية. فالنظام الاستبدادي له مطلق الحق في التصرف في الأجساد تعذيبًا وحبسًا ومنعًا من التنقل متى يشاء. له الحق أيضًا في التصرف في كرامة البشر وحرياتهم. حدث ولا حرج عن حقه غير القابل للتصرف في التصرف في أموالهم بكل أنواع الفساد.

مما لا جدال فيه أن الاستبداد حتى باعتبار كل ما فيه من "إيجابيات"، مثل؛ الاستقرار والأمن، وحتى التقدم الاجتماعي والاقتصادي، كما الحال في الصين هو ماكينة لصنع شعب من الرعايا؛ أي شعب من البشر الخائفين الذليلين الخانعين المنتقمين ممن صادروا حريتهم وكرامتهم بالمقاومة السلبية إلى لحظة الانفجار الثوري.

كذلك لا جدال أن الديمقراطية بمؤسساتها وقوانينها (على ما فيها من سلبيات مثل الإضرابات والأزمات السياسية)، هي ماكينة صانعة لشعب من المواطنين، ومصنوعة منه. ما يحرك ويتعهد ويحافظ ويصلح هذه الماكينة هي المواطنية لا غير.

للاقتراب من النواة الصلبة للمفهوم، يجب تفحص أين تقطع المواطنية بصفة جذرية مع الوطنية، وكيف تعيد رسم صورة الوطن الذي يشكل نقطة التواصل، ونقطة الخلاف بين المفهومين.

  • القطيعة الأولى: الوطن ليس قطعة من الجغرافيا مطوقة بحدود. هو جملة البشر الذين يسكنون هذه القطعة من الجغرافيا؛ أي أن الوطن هو المواطنون لا غير.
  • القطيعة الثانية: خريطة الوطن مرسومة على جسد كل مواطن وكل مواطن هو الممثل الشرعي للوطن، ومن ثم فالقول بشرعية التنكيل به رفعة للوطن مقولة بغباء وإجرام مقولة أنه يجوز قطع أصابع اليدين وعور عين وكسر عظم الترقوة حفاظًا على صحة البدن.
  • القطيعة الثالثة: المواطنون هم الذين يملكون الدولة التي تملك الأرض المسماة وطنًا، وليست الدولة هي التي تملكهم، أي أنهم هم من يملكون الوطن وليس الوطن من يملكهم. من تبعات الموقف أنه لا حق لأحد في الاستئثار بالوطن ولا ادعاء تمثيله إلا بتفويض ديمقراطي مؤقت من قبل شعب حرّ، وفي إطار شروط المواطنية.

لاحظ هنا أنه باختفاء "الخائن العميل المتآمر" من منظومة المواطنية، يتبخّر البوليس السياسي والجلادون والقضاة الفاسدون والسجون المخيفة. تقول: لكن كيف تحل ّالخلافات والتصرفات "اللامواطنية" مثل انتهاك حقوق الآخرين، وعدم الاضطلاع بالواجبات التي يفرضها العقد الاجتماعي؟

طبعًا ستكون هناك صراعات نرجسيات ومصالح وقيم، لكنها تحلّ بالاحتكام للصندوق أو لقضاء مواطني، أي مستقل وعادل قولًا وفعلًا. تصور لحظة الكم الهائل من الآلام التي توفرها المواطنية، مقارنة بالكم الهائل من الآلام التي تتسبب فيها الوطنية.

يمكننا الآن بعد مرحلة فشّ الغيظ في الوطنية والوطنيين البحث عن شروط ومواصفات المفهوم:

  1. المواطنية هي جملة المواقف والتصرفات الفردية والجماعية المتفق عليها بين أفراد نفس المجتمع، والمبنية على قبولهم بأن لهم جميعًا نفس الحقوق الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وعلى رأسها الحق في الحرية والكرامة والمساواة، ولهم نفس الواجبات، أي احترام حقوق الآخرين المنصوص عليها في هذا الإعلان، مع رفض التخلي عن أي من هذه الحقوق مهما كانت قوة الضغط، والاضطلاع بكل الواجبات التي تنجرّ عن هذه الحقوق دون حاجة لأي إكراه.
  2. المواطنية هي أساس العقد السياسي، الذي يربط بين المواطنين ودولة قانون ومؤسسات تستمد شرعيتها من إرادتهم الحرة، ولا وظيفة لها غير تمكينهم من كل حقوقهم، وتسهيل الاضطلاع بواجباتهم.
  3. المواطنية هي التزام أخلاقي وسياسي لا يتوقف عند الحدود الوهمية للوطن الجغرافي، وإنما يتعداه إلى كل البشر أكانوا من بني جلدته أم لا؛ لأن المواطن لا يبني هويته على كل ما يفرق بين البشر، وإنما على أهم ما يجمعهم أي إنسانيتهم المشتركة وشعاره الذي رفعه العظيم مانديلا: الإنسان الحر ليس الذي يدافع عن حريته وإنما الذي يدافع عن حرية الآخرين.

فرق جذري أخير بين الوطنية والمواطنية. الأولى موجودة في الواقع أكان في شكلها الصادق أم في شكلها الوظيفي. لكن المواطنية غير موجودة في أغلب المجتمعات، أو بصفة ناقصة ومهددة حتى في الديمقراطية التمثيلية التي تضمن بعض شروطها كالحرية، وتعجز عن توفير أخرى كالمساواة.

المواطنية، إذن، مشروع لا معطى، وهذا المشروع لن يتوسع ويتعمق إلا بتطوير الديمقراطية نفسها. المواطنية نضال ما زال في بدايته ويجب أن يتواصل حتى يصبح الوطن الأرض التي نهرب إليها بعد أن جعلتها الوطنية الأرض التي نهرب منها.


الجمعة، 13 ديسمبر 2024

(حين نصنع الثورة المضادة بأيدينا)

 

 (حين نصنع الثورة المضادة بأيدينا)


المنصف المرزوقي 


بعد أن سقط بن علي واعتلى حزب النهضة السلطة في انتخابات تونس، فوجئ الناس صباح اليوم التالي بدوائر الدولة يقف أمامها الناس طوابير بالمئات ..! 
كل من لديه مشكلة أو قضية أو معاملة، لم تُحل على عهد النظام السابق، جاء إلى دوائر الحكومة الجديدة يطلب حلّها، وفوراً، بعض القضايا حسب ما قال الدكتور المنصف المرزوقي كان عمرها 25 سنة، وجاء يريد حلها صباح استلام النهضة الحكومة..!!

قضايا قديمة أكل عليها الدهر وشرب، وملفات ماتت بالتقادم، دبت فيها الروح فجأة، وجاء الناس يحملونها ويطلبوا من حزب النهضة أن يحلّها لهم بضربة عصا سحرية.

بدا واضحا أنها أيادي أرادت إفشال تجربة الحزب ذي الخلفيّة الإسلاميّة، بتحميله من الأعباء ما لا يطيق، ورمي تركة أربعين سنة من الاستبداد والفساد على ظهره لجره للفشل.

وبالمقابل كانت هنالك جماهير غافلة ، تتحرك وفق ملذاتها وهواها، تريد ألا تصبر ولا تتحمل ساعة واحدة، وهي التي صبرت وتحملت وتغافلت عن الفساد والطغيان أربعين سنة.

فكانت التجربة شكلاً وظاهرياً توحي بالفشل، والتركة أكبر من أن ينجزها أحد في أيام، أو حتى في فترة انتخابية كاملة.

ترافق مع ذلك إعلام مسعور يهاجم الحزب الحاكم بعبارات:
– لا تقم بأسلمة الدولة، استعن بالعلمانيين، لا تحتكر السلطة، لا تلفظ اسم الله في البرلمان، لا تطلق لحيتك، لم تنزل الأسعار، لم تتحسن قيمة العملة، لم يزدهر الاقتصاد … إلى آخر ذلك..

ولم يطل الوقت حتى تخلَّص الناس (الذين لم يقضِ لهم حزب النهضة حوائجهم) تخلصوا من حكم الإسلاميين، وتم رميهم في السجون، والحمد لله عاد الاستبداد والطغيان من جديد، وعادت دوائر الدولة تعمل كما كانت قبل الثورة، ومعها عاد الطغيان وتكميم الأفواه وفتح السجون من جديد.
..
نفس المسألة حصلت في مصر، بتفاصيلها، 
أضف عليها أن الإخوان في مصر كانت المعركة أمامهم أكثر شراسة وقسوة، وانتهت بمذبحة من الثورة المضادة التي سحقت شباب مصر في رابعة، تهمتهم كانت أنهم تصدوا بأنفسهم لتنظيف تركة الفساد التي أنهكت مصر سبعين سنة، فأكلهم الناس، لأن الفساد لم ينته في المئة يوم الأولى.

في كلا الحالتين، الثورة المضادة استغلت إخلاص وشجاعة المبادرين في البداية، واستدرجتهم حتى برزوا للناس وعرفهم الجميع، مثل (وزير الغلابة باسم عودة) ثم أفلتوهم مسعورين يطلبون منهم بضربة عصا سحرية أن يجعلوا بلادهم الأندلس في الحضارة، والمدينة المنورة في العدل، وأن يصبح مرسي هو عمر بن عبد العزيز ليحكم ويملأ الأرض عدلاً ورخاءاً وثراءاً كما فعل في دمشق.

وكما في تونس، تنفس الناس الصعداء حين زال حكم الإخوان، وانتهت الثورة على خير، وتمَّ سحق أولئك الفاشلين الذين لم يحسِّنوا من الظروف شيئاً يُذكر، ولا بأس بقتلهم وحرقهم، والآن عاد الحكم الأول، حكم العسكر، بوجه جديد، أعاد للدولة استقرارها المزعوم، بطغيان واستبداد وقبضة من حديد. 
ولم يقم الاستبداد الجديد بتحسين الأحوال، ولا حتى إبقائها على ما هي عليه، وإنما أعاد البلاد سنين ضوئية للخلف.
..
في حلب، بدأت اليوم دعوات للجهات التي تتبنّى الثورة، بأن تأتي وتحمي وتسيّر وتصلّح وتعدل وتنظِّم … إلخ
وبدأت الدعوات تلقى صدى عاطفي وبدأ الجميع يتناقل الدعوة لحماية حلب وتأمينها ورعايتها، فتشعر وكأن التتار دخلوا حلب لا أهلها ..!
بدأ الأمر برغيف الخبز، وسط دعوات محمومة لتأمين الخبز ((مجاناً)) لدرجة أن أفران اللاجئين في إدلب صارت تخبز لمدينة لم تعاني من حصار ولا حرب ولا لجوء ولا مخيمات، ولم يحدث فيها حظر تجوال، ولا شيء يدعو إطلاقاً لصرخات: جوعانين جيبولنا خبز، التي ردّ عليها الفاعلون بالثورة بكل سذاجة: نحن لها، والخبز سيأتيكم مجاناً ..! وكأنهم قبل أيام، أيام النظام، كانوا يأكلون ورق الشجر.
توزيع الخبز في اليوم الأول كان منطقياً ليس للحاجة، ولا لأن هنالك نقص، ولا خوفاً من انقطاعه، كان بادرة حسن نية تُظهر أن الذين حرَّروا حلب هم أهلها، وهم أهل كلّ سوريا، والتحرير ليس فيه مظاهر انتقام أو استبداد محل استبداد، إنما فيه الخير للجميع.. وكانت المبادرات التطوعية لطيفة ومقبولة.
المسألة ظاهرها الخبز، ولكن سيتبعها أمور كثيرة، يثقل فيها البسطاء على المتحمسين المتهورين الذين ضربوا بيدهم على صدورهم وقالوا: أنا لها .. وستبدأ المطالبة بالمدينة الفاضلة في يوم وليلة، ووراء ذلك تستغل الثورة المضادة، وفلول النظام، هذه الحماسة والتهوّر، وترتفع شهية البسطاء، لتزيد من الأعباء وتُكثر من الأحمال، وبالتالي تكثر الأخطاء، ثم تخرج الثورة المضادة إلى السطح بذريعة فشل الثورة الحالية.
ويخرج فلول الفاسدين ثم ندخل في دوامة مرعبة ستنتهي إما بانقلاب عسكري من النظام السابق، أو بفوضى على نسق الثورة الفرنسية حيث المحاكمات والمقاصل التي طالت رؤوس الثائرين قبل الفاسدين ..!! هذه نتيجة أكيدة وحتمية.. لا تُغيّر فيها المعادلة الكثرة ولا العدد ولا الظروف ..
ولو كانت سوريا غير، غير مصر وغير تونس وغير ليبيا وغير اليمن ، لكان الأصدق هو بشار الأسد ، حين خرجت الثورة بتونس ومصر فقال: سوريا غير ..!
إن الخطاب الثوري والحماسة الشبابية يجب أن يكون متوازناً ومتوائماً بين واقع معقد لا يمكن البحث فيه قبل فهمه، وما بين مستقبل مجهول، وما بين ظروف استثنائية.
حركة الجماهير يجب إعادة دراستها لتلافي تحوّلها إلى تيار هادر، نعم لسنا بشار الأسد ولسنا بالمقابل عمر بن عبد العزيز.
الثورة لن تجعل من سوريا سويسرا، ولن تعيد أمجاد الأندلس، وليس من أهدافها ذلك.
التركيز على الوضع الوردي والحالة الملائكية ضريبته باهظة، ولنا في تونس ومصر مثال.
الثورة هي فكرة تُزرع في العقول والنفوس، لتبني جيلاً يحسّن الأحوال بعد عقود طويلة من الزمن، وهي ليست ثورة لإلغاء الطوابير على الأفران، ولا لتحسين قيمة العملة، ولا لتوزيع الخبز مجاناً .. قيمة الثورة أكبر من ذلك بكثير 

الثلاثاء، 10 ديسمبر 2024

سوريا زهرة الربيع العربي ودروس المرحلة

سوريا زهرة الربيع العربي ودروس المرحلة


 لم يكلفني سوري واحد بتوجيه أي رسالة باسمه، ولست الناطق الرسمي باسم الأمة. كل ما في الأمر أننا أمام أحداث هائلة حبلى بالدروس المبطنة والواضحة، أردت أن أضعها في هذا القالب الصحفي الأدبي، وكل أملي أن يجد فيها الكثير من العرب والسوريين بعضًا من هواجسهم وأفكارهم وأحلامهم.

أولًا: رسائل السوريين للشعوب العربية

لم يتعرض شعب عربي وغير عربي ابتلي بالاستبداد لما تعرضنا له نحن. رمينا بالقنابل والبراميل المتفجرة، قتلنا بمئات الآلاف، هجرنا بالملايين في كل أصقاع الأرض، ولدت لنا أجيال من الأطفال في السجون.

ذروة معاناتنا وأبلغ مثال لها مأساة القديسة الطاهرة العفيفة الشريفة التي دخلت السجن عذراء في التاسعة عشرة من عمرها وخرجت في الثانية والثلاثين بعدد من الأطفال لا تعرف آباءهم.. ومع ذلك لم نرضخ، لم نستسلم، لم نيأس.

ها نحن نستأنف ثورتنا المجيدة أجمل زهرات الربيع العربي التي تصوَّر الهمج القدرة على إجهاضها إلى الأبد. لسنا أوصياء عليكم، وليست مهمتنا إعطاء الدروس، لكن ثوراتنا واحدة وغرفة العمليات التي أجهضتها في الماضي واحدة، ومستقبلنا واحد. ماذا تنتظرون لإتمام ما لم يكتمل، لتحقيق ما يجب تحقيقه، حتى يكون للأجيال العربية المقبلة مستقبل؟

لكل الطغاة

إعلان

ثلاثية حكم: (عنف الأجهزة، فساد الأقارب والمقربين، والتضليل الإعلامي) هي الوصفة التي ذهب سفاح دمشق إلى أبعد شوط فيها، في مستوى العنف والهمجية والوحشية والسادية؛ لإرهاب المجتمع.

ومع ذلك هشمنا تماثيله، وتجولنا في قصره، وأجبرناه على الفرار مستجيرًا بسادته.

أقصى العنف لا يفعل سوى تأخير النهاية البائسة للاستبداد، وأنه عليكم عوض ممارسة الإنكار وسياسة الهروب إلى الإمام قبل فوات الأوان، لجمَ شراسة الأجهزة القمعية، وإطلاق سراح المساجين السياسيين، والسعي لمصالحة حقيقية مع الشعوب، والقبول بالإصلاحات الموجعة، والاستعداد لرحيل منظم وسلمي يقي المجتمعات من كوارث لا سبب لها.

لأنصار المقاومة والممانعة

رفضتم لنا الحق في الحرية وفي الكرامة؛ بحجة أن الدكتاتورية السورية حالة خاصة. قلتم إن ثورتنا المجيدة في 2011 مؤامرة كونية هدفها ضرب محور المقاومة والممانعة والنضال ضد الإمبريالية والصهيونية.

الآن وبغض النظر عن الثمن الرهيب لحكم الأسد الذي لا تولونه أدنى قيمة. الآن وقد اتضح للجميع أن بطل الممانعة قتل الآلاف من الفلسطينيين، ومئات الآلاف من السوريين، ولم يطلق رصاصة واحدة على إسرائيل. والآن وقد رأيتم أنه لم يحرك إصبعًا لنصرة غزة وهي تباد.

والآن وقد رأيتم أنه غدر حتى بحليفه حزب الله، حيث لم يطلق ولو تصريحًا ناريًا للدفاع عنه. والآن وقد فرّ كالجبان من ساحة المعركة تاركًا وراءه شبيحته للمحاسبة. والآن وقد تجندت إسرائيل لاحتلال كل المناطق التي كان حارسها الوفي المكلف بأمنها. ماذا تقولون؟ أننا لا نفهم شيئًا في السياسة، وأن كل هذه التحركات مؤامرة تركية صهيونية أميركية مريخية عطاردية للتخلص من المقاوم الأكبر الذي كان يحتفظ بحق الرد، وتحرير فلسطين في الوقت المناسب، بل وأننا شعب ناكر للجميل خائن وعميل لا نستأهل أن يحكمنا حافظ الثاني.

إعلان

للقوى الإقليمية

تعودتم الجلوس حول الطاولة وسوريا هي التي دومًا على قائمة الطعام. إلى عشية رحيل الطاغية وأنتم تقررون مصيرنا في غياب أي سوري. لكن يبدو أننا فاجأناكم جميعًا بسرعة تحركنا وانتفاضة شعبنا.

ما زلتم في بداية المفاجآت. غرّكم منا ومن أمتنا لحظات الضعف التي نمرّ بها ونسيتم من نحن عبر التاريخ وأي مكانة سنحتل عندما ننتهي من ثوراتنا الداخلية، وإعادة ترتيب أوضاعنا، والخاصية الكبرى الأولى للقوة التي لا تؤمنون إلا بها أن ميزانها لا يثبت أبدًا على حال.

ثانيًا: رسائل العرب إلى السوريين

كم نتألم ونحزن ونتأسف لكل ما عانيتم من تقتيل وتهجير وتعذيب. كم نشعر بالعار، نحن الرجال كل الرجال، لما لحق حرائركم اللواتي تعرضن لصنوف التنكيل والتعذيب بالآلاف في سجون الطاغية. نقبل أرجلهن ونعتذر لهن ونطلب منهن العفو والمعذرة..

كم نخجل من حكوماتنا التي أغلقت أبواب بلداننا في وجوهكم أنتم أكثر شعوبنا حفاوة وكرمًا مع الغرباء. كم نفخر بكم، كم نعتزّ بانتصاركم، كم نحبكم. وأيضًا كم نخشى عليكم من تجدد الكابوس في شكل آخر.

خشيتنا هذه، وكل القوى الإقليمية، تحضر السكاكين لكم، هي التي تدفع بنا لتقديم هذه النصائح تفاديًا لأخطاء ارتكبناها عن حسن نية بعد انطلاق ثورات الربيع ودفعنا ثمنها باهظًا ولا نريدكم أن تدفعوه مرة أخرى.

للانتصار على كل المتربصين بثورتكم العظيمة، استثمروا الغلطات التي وقعنا فيها لتتعلموا منها حتى تسرعوا بالنصر وتكونوا الشرارة التي سيتجدد منها اللهب الذي سيحرق أنظمة الفساد والقمع والتضليل في وطننا العربي المنكوب.

غلطة ثورتي تونس والسودان

إنها قاعدة في السياسة تكاد تكون بمثابة القانون الذي يتحكم في حركة الشمس والقمر، ويمكن سنها كالتالي: كلما طالت المرحلة الانتقالية، من انتصار الثورة إلى تثبيت النظام السياسي الجديد – أيًا كانت الحجج والمعاذير-، أُعطي الوقت لقوى الثورة المضادة لتنظيم صفوفها.

إعلان

كلما زاد تدهور الاقتصاد، تفاقمت معاناة الناس وتزايد إحباطهم وفقدهم الآمال في الثورة، وضعفت حظوظ الثورة في التمكن والاستقرار. معنى هذا أن الخيار بين مصلحة السياسيين في أخذ كل وقت العراك والصفقات، ومصلحة الوطن في تثبيت الاستقرار بمنتهى السرعة.

اعترف بأنني أُصبت بالفزع عندما سمعت من الإخوة السوريين من يتحدث عن فترة انتقالية بثمانية عشر شهرًا. وكنت قد نبهت الإخوة السودانيين بعد نهاية حكم البشير إلى خطورة المرحلة الانتقالية الطويلة وتمّ ما كنت أخشاه. رجاءً، إخوتنا، دستور توافقي وانتخابات رئاسية وتشريعية وإقليمية وحكومة كفاءات سياسية تقنية لاستقرار كفيل بعودة العجلة الاقتصادية بأسرع ما يمكن، وإلا فستقدمون بإطالة فترة النقاشات البيزنطية سوريا مجددًا على قائمة طعام القوى الإقليميّة.

غلطة الثورة التونسية

نعم وألف نعم لكل مبادرات التهدئة والطمأنة لكل مكونات الشعب السوري وخاصة إخوتنا العلويين، وتهانينا الحارة لما أبدت قوات الثورة من حرص على ألا يحدث أي انتقام. كل هذا مشرف ونبيل ومطمئن، لكن إياكم من متلازمة " بوس خوك " التي انتهجناها في تونس؛ أي طيّ صفحة الإجرام في حق شعبنا، وخاصة التعذيب بحجة المحافظة على الوحدة الوطنية.

هذا خطأ كبير أدى تحت اسم العدالة الانتقالية (التي اعترف بأنني كنت أول مسؤول عن انتصابها وعملها) إلى إفلات المجرمين من كل عقاب وانخراطهم في تدمير الثورة، وإلى عدم تعويض الضحايا، وأخيرًا إلى انتهاء رئيسة مؤسسة العدالة الانتقالية في السجن بعد انتصار الثورة المضادة والانقلاب على الدستور والشرعيّة.

ليكن شعاركم " لا عدالة انتقامية ولا عدالة انتقالية.. العدالة وبس"؛ أي عدالة تشمل رؤوس النظام وكبار المسؤولين عن القمع والسجن واغتصاب الحرائر، وألا تكون كمحاكم المهداوي في العراق والعشماوي في مصر؛ أي تمثيليات سخيفة وحبل الجلاد جاهز قبل الحكم. يجب أن تكون محاكمات عادلة شفافة بحضور مراقبين دوليين موثقة بالحجج والبراهين، وتأخذ كل الوقت الضروري. هكذا لن يتم فقط توثيق التاريخ وإنصاف الضحايا وإنما بناء أولى أسس دولة القانون.

إعلان

غلطة الثورة الليبية

تركت الثورة نفسها تحت رحمة قوى عسكرية متصارعة وحد بينها هدف الإطاحة بالدكتاتور، وفرق بينها تباين المطامح السياسية والشخصية، فانتهى الأمر بتقسيم فعلي للبلاد حسب مناطق نفوذ هذه القوة أو تلك. وها هي ليبيا الحبيبة مقسمة فعليًا إلى دولتين على الأقلّ.

إن ذلك ما يجب تفاديه بكل وسائل الدبلوماسية والتفاوض والتنازل، لكن يجب عدم رفض استعمال القوة لفرض سلطة عسكرية واحدة، لأن كل تساهل في مبدأ وحدة القيادة العسكرية يعني تعبيد الطريق للحرب الأهلية والفوضى المدمرة، وعودة التدخل الخارجي بكل وقاحة.

أخيرًا وليس آخرًا ليسمح لي برسالة خاصة إلى الجيل الجديد من القادة العرب عمومًا والسوريين خصوصًا:

حتى لا تتواصل ولا تتكرر المآسي التي عرفتها شعوبنا، ثمة ثورة ذهنية يجب أن تحصل داخل العقل السياسي العربي مستقبلًا. يكفي ما أضعنا من زمن التاريخ، ويكفي ما دفعت شعوبنا من دماء ودموع ثمنًا لخيارات سياسية خاطئة، وأيدولوجيات غبية وشخصيات مريضة.

تجاوزت الأحداث والتجارب التقسيمات والثنائيات التي عشنا عليها عقودًا: رجعي/ تقدمي، قومي/ انفصالي، إسلامي/ علماني، الخطّ الفاصل اليوم هو بين الاستبداد والديمقراطية ولا شيء آخر. أي بين الاستبداديين أكانوا علمانيين أو إسلاميين، وبين الديمقراطيين لا يهم أن يكونوا علمانيين أو إسلاميين.

الديمقراطية التي يجب أن تحكم الوطن العربي ليست نسخة طبق الأصل من الديمقراطية الغربية. هي ديمقراطية سيادية – غير تابعة للغرب – اجتماعية – الحرية والعدالة الاجتماعية بالنسبة لها وجها نفس قطعة النقد، مواطنية أي مبنية على الحريات الفردية والجماعية والمساواة بين كل مكونات المجتمع، وهو ما يعطي للمواطنة فحواها الحقيقي وليس التضليلي.

أخيرًا لا آخرًا هي ديمقراطية اتحادية، هدفها الأخير بناء اتحاد بين الشعوب العربية الحرة ودولها المستقلة، كما نجحت في ذلك أوروبا بعد القضاء على النازية والفاشية والشيوعية.

إعلان

البعد الأعمق تخلص العقل السياسي العربي من السم الزعاف الذي يمثله البحث عن الرجل القوي؛ أي الرجل العنيف، والحزب القوي والأيديولوجيا التي لا يأتيها الباطل من خلفها وأمامها. كل هذه الأوهام هي سبب خراب دولنا وشعوبنا.

لن نتحرر ولن نحقق شيئًا ولن نستعيد مكانتنا بين الأمم إلا عندما يصبح بديهيًا لكل عربي، أن قوة الشعوب في قوة المبادئ والقوانين والمؤسسات الديمقراطية التي تستخدم الأشخاص الأكفاء، لا التي يستولي عليها ويستخدمها الأشخاص الخبثاء.

يوم تصبح هذه البديهيات التي علمتنا إياها التجربة، الزاد الفكري المشترك لكل التيارات السياسية، أيًا كانت خياراتها التكتيكية، فإن الحلقة المفرغة البائسة التي ندور فيها منذ قرن ستكسر، وسنكون فعلًا قد أصبحنا نمشي على طريق مستقيم سيؤدي بنا إلى حيث نحلم بالوصول.

ولا بد لليل أن ينجلي

الأحد، 10 نوفمبر 2024

أوهام نحيا فيها ويكشفها لنا فوز ترامب


أوهام نحيا فيها ويكشفها لنا فوز ترامب

لكلّ الديمقراطيين – وما زلت واحدًا منهم – تبعث الانتخابات الأميركية الأخيرة بثلاث رسائل تعرّي مرة أخرى الأوهام الثلاثة التي بنينا عليها جميعًا نظريتنا وممارستنا للديمقراطية.

الرسالة الأولى؛ هي أن هناك أكثر من سبعين مليون أميركي لا يرون مانعًا أن يكون رئيسهم بالصفات المعروفة للجميع، بل وشخصًا ملاحقًا من قبل العدالة في أكثر من قضية. ما نتغافل عنه دومًا هو أن الناس تصوّت لمن يشبهها ويعبّر عن قناعاتها وخياراتها، ولمن يثير إعجابها وتحاول التشبّه به.

لذلك، علينا القبول بأن الفكرة التي تَبني عليها الديمقراطية أسسها خاطئة، أي وجود كائن عاقل أخلاقي يختار كل ما يخدم المصلحة العامة إذا ما توفرت له الحرية.. والحال أننا أمام طيف من البشر فيهم جزء كبير لا علاقة له بهذا التصور المثالي، والدليل على ذلك انتصار ترامب وأمثاله.

وفي هذا الصدد كتب في جريدة "نيويورك تايمز" (The New York Times) لهذا اليوم 6 أكتوبر/ تشرين الأول الصحفي والكاتب الأميركي كارلوس لوزادا: "بالنسبة لأولئك الذين أصرّوا منذ فترة طويلة على أن ترامب "ليس ما نحن عليه"، وأنه لا يمثل القيم الأميركية، هناك الآن احتمالان: إما أن أميركا ليست كما كانوا يعتقدون، أو أن ترامب لا يمثل تهديدًا كما يعتقدون".

الوهم الثاني الذي تبدده هذه الانتخابات، هو عن دور حرية الرأي والتعبير في فرز الغث من السمين. الحقيقة أن حفنة من رجال الأعمال المتحكمين في وسائل الإعلام والتواصل، أي في جلّ أدوات التأثير على العقول والقلوب، هم أكبر المنتفعين بهذه الحرية، وهم الذين يستطيعون أن يحملوا لسدة الحكم من يريدون. قلّ من ينتبه لخطورة شخص مثل إيلون ماسك في نتيجة الانتخابات الأميركية، والرجل له أكثر من مئتي مليون متابع جند الكثير منهم لصالح ترامب.

هذا عن الجزء الأول من خرافة "الانتخابات تعبر عن إرادة الشعب". أما عن الجزء الثاني للخرافة الكبرى، فإن نتيجة الانتخابات (كما رددت مرارًا منذ كتابي "عن أي ديمقراطية تتحدثون" الصادر سنة 2004) لا تعبر إلا عن إرادة خمسين في المئة زائد صوت من المصوّتين المسجلين في القوائم الانتخابية، مع إلغاء كل قيمة لإرادة تسعة وأربعين في المئة من "الشعب".

أضف الآن لمشكلة الشرعية مشكلة الخطورة. كم من مرة عبر التاريخ أدخلت الانتخابات الذئب إلى المدجنة؟

ربما مثلت نتائج الانتخابات الأميركية مفاجأة للكثير من الديمقراطيين الغربيين والعرب، لكنها كانت متوقعة بعد انتخابات مشابهة في الهند والمجر وتونس والأرجنتين، وانتظروا تواصل المسلسل في فرنسا بعد ثلاث سنوات، وكم من بلدان أخرى تنتظر دخول القائمة.

نحن أمام مفارقة رهيبة؛ فالديمقراطية لا تعيش إلا بأدوات الانتخاب وحرية التنظم وحرية التعبير، لكنها لا تمرض ولا تموت إلا بها عندما تحمل للسلطة بفضل المال والإعلام أشخاصًا يفرغون الديمقراطية من محتواها أو يقضون عليها القضاء المبرم، كما فعل رجل جاءت به الانتخابات هو أيضًا اسمه أدولف هتلر.

من حسن الحظّ – إن صح التعبير – أن الاستبداد يواجه نفس المعضلة. هو الآخر لا يعيش إلا بما يميته عاجلًا أو آجلًا. انظر كيف يذهب ضحية أدواته الفكرية والعملية. 

من الناحية الفكرية، بقدر ما تغالي الديمقراطية في تقديس "الشعب" بقدر ما يزدري الاستبداد هذا "الشعب". فالمستبد والعصابة التي حوله على قناعة تامة بأن العامة غير "ناضجة" للديمقراطية، وأن الحرية خطر منها وخطر عليها، وأنه لا بد لها من راعٍ قادر على أخذ القرارات الذي يعرف وحده أيها الأفضل للرعية وخاصة للراعي.

القاعدة هي أنه بقدر ما تخطئ الديمقراطية بالمبالغة في تقدير طيبة وذكاء البشر، بقدر ما يخطئ الاستبداد بالمبالغة في احتقار شجاعة البشر وتوقع استكانتهم للظلم.

لفرض الوضع ليس له إلا ثلاث وسائل هي التي ستقضي عليه: التضليل، وملء مراكز القرار بالأوفياء، والقمع.

فبالتضليل ينتهي المستبد بتصديق أكاذيبه وأكاذيب من حوله، فتتكاثر أخطاؤه إلى أن تقوده لحتفه، وبوضع الأوفياء في مراكز القرار على حساب الأكْفاء يساهم في الأداء الرديء لكل دواليب الدولة، وبالقمع تراه يشحن المجتمع بالنقمة التي تقود يومًا ما للانفجار، إضافة إلى كونه يصطفي الأشجع والأكثر عنادًا وتصميمًا على الإطاحة بوضع يزداد تأزمًا، لأنه ليس للاستبداد أي آليات للإصلاح الداخلي خلافًا للديمقراطية.

وفي الحالتين القاعدة أن النظام السياسي مواجه بتعقيد مجتمع فيه دومًا كمّ غير معروف من الأذكياء والشجعان والمثاليين، وبنفس الكيفية وبصفة دائمة كمّ آخر من الأغبياء والجبناء والانتهازيين.

هذا ما يجعل مشكلة النظام السياسي أكان ديمقراطيًا أم استبداديًا واحدة: خطورة المراهنة على جزء من المجتمع، وتجاهل النصف الآخر، مما يؤدي به طال الزمان أو قصر إلى استفاقة موجعة، والنصف المتجاهل يذكّره بصفة موجعة بأنه باقٍ ويتمدّد.

إن هذه الإشكالية هي التي تضع كل نظام سياسي أمام محاولة شبيهة بمحاولة تربيع الدائرة، وهي التي تفسر كيف ولماذا يمهّد فشل الاستبداد لطفرة ديمقراطية، ويمهد فشل الديمقراطية لطفرة من الاستبداد.

هل ثمة إمكانية للخروج من هذه الحلقة المفرغة التي نعايش اليوم مقطعًا منها، ونحن نرى حتى في أعرق الديمقراطيات بوادر انتصار الاستبداد، بعد أن رأينا في العقود الأربعة الأخيرة بوادر انتصار الديمقراطية في أعتى الدكتاتوريات ومنها العربية؟

بعبارة أخرى، هل ثمة إمكانية لحكم رشيد يوقف هذا التتابع حتى وإن ندرك أنه لا وجود لنظام حكم مثالي لا يعمل فيه الزمان أظافره وأنيابه؟

إذا عرّفنا الحكم الرشيد بأنه نظام الحكم الذي يضع القيم الجامعة فوق المصالح المفرّقة ويفرض بالقانون والقوة التوزيع الأكثر عدلًا للثروة والسلطة؛ لضمان الاستقرار والسلم والاعتبار داخل المجتمع، فإنه يمكن القول إن تجارب الحكم عبر التاريخ أظهرت أن الاستبداد هو الصفر على سلم الحكم الرشيد، والديمقراطية قفزة نوعية في الاتجاه السليم.

المشكلة أن هذا التطور الذي بدا يومًا غير قابل للتوقّف هو اليوم متوقف، بل متراجع حتى في أقدم معاقله لصالح جولة عبثية جديدة من الاستبداد.

يتحدد السؤال كالتالي: هل ثمة إمكانية لوقف هذا التدهور وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من ديمقراطية يتكالب عليها الأعداء من خارجها ومن داخلها؟

هذا السؤال هو الشغل الشاغل اليوم في كل الأماكن التي يطرح فيها موضوع مصير الديمقراطية من جامعات ومؤتمرات وكتب ومقالات لا تحصى ولا تعدّ.

في إطار هذا الحراك الفكري والسياسي غير المسبوق في تاريخ الديمقراطية، وفي وضع يتسم بتراجع الديمقراطية الغربية في كل العالم، وفي الغرب ذاته، ناهيك عن تجدد إغراءات الاستبداد خاصة في شكله الشعبوي الجديد، جمع "المجلس العربي" في سراييفو في الشهر الماضي نخبة من الديمقراطيين العرب من كل الأجيال والبلدان والاتجاهات الفكرية في الوطن العربي؛ لكتابة العهد الديمقراطي العربي المفترض والمأمول منه أن يشكل المرجع النظري المشترك لكل الحركات السياسية والمجتمعية العربية.

ثلاثة أفكار رئيسية تشكل أسس هذا العهد وتم التوافق عليها بالإجماع

أولًا: الديمقراطية في شكلها الغربي الحالي مرحلة تاريخية من تطور بحث المجتمعات عن أفضل أنواع الحكم الرشيد، وهي اليوم في وضع صعب لا في نزعها الأخير. وقد أثبتت التجارب منذ قرنين في أكثر من 150 بلدًا أن أخطر ما يهددها آليات تقادمت وبنيت على فرضيات فكرية خاطئة، وتم الاستيلاء عليها من طرف أعدائها من الداخل وإفراغها من كل فاعلية في تحقيق أهدافها المعلنة. مثل هذا الوضع يفرض علينا نحن العرب أن ننطلق من التجارب الغربية للتعلّم منها والتفكير في طرق تجاوزها؛ لنضمن لديمقراطيتنا التمكن والبقاء أطول وقت ممكن.

ثانيًا: لا بديل عن الخيار الديمقراطي؛ لأن الاستبداد هو سبب فقرنا وتخلّفنا وتشتتنا وفقدان سيادتنا الوطنية، وذروة جرائمه إبادة جماعية لشعب من شعوبنا، وجيوشنا لا تحرك ساكنًا إلا لحماية المستبدين.

لذلك، تشكل الديمقراطية الطريق الوحيد لبناء ما تحتاجه شعوبنا؛ أي دول قانون ومؤسسات، وشعوب من المواطنين لا من الرعايا، واتحاد شعوب عربية حرة ودول مستقلة على نموذج الاتحاد الأوروبي الذي لم يقم إلا على أشلاء الدكتاتورية النازية والفاشية والشيوعية.

ثالثًا: لكي تستقر وتثبت أطول وقت ممكن، على ديمقراطيتنا العربية أن تكون أكثر من نظام سياسي يضمن الحريات والتداول السلمي على السلطة وبناء المواطنة الفعلية المتجاوزة لكل تمييز جندري، أو جهوي، أو عرقي، أو ديني. عليها أن تجعل من أولى أولوياتها أيضًا خدمة العدالة الاجتماعية والتحرر من التبعية الخارجية، والعمل على بناء الفضاء السياسي العربي المشترك.

هكذا عرّف العهد ديمقراطيتنا المنشودة بأنها مواطنية، اجتماعية، سيادية، اتحادية، أي أنها مثل مربع لا يكون كاملًا متكاملًا إلا بأضلعه الأربعة التي تسند بعضها البعض.

نعم، يجب التمسك أكثر من أي وقت مضى بأهداف الديمقراطية، لكن ماذا عن أي إصلاحات للآليات المعطوبة والمستولى عليها والبشر هم البشر في أي مجتمع؟

من القائمة الطويلة للتحديات الفكرية والعملية

ماذا عن حرية الرأي والتعبير؟ هل يجب تقنينها، وآنذاك أين نضع الحدود بين المسموح به والمرفوض، ووفق أي سلم للقيم؟ كيف نحارب التضليل وطوفان الأكاذيب والإشاعات في ظل العولمة والذكاء الاصطناعي؟

ماذا عن حق التنظُّم وحرية تكوين الأحزاب؟ هل نضع قائمة بالأحزاب والتنظيمات والأشخاص المعادين للديمقراطية لنتغدى بهم قبل أن يتعشوا بنا؟ آنذاك، ألن نبني ديمقراطية استبدادية بحجة الدفاع عن الديمقراطية؟

ماذا عن الانتخابات لاختيار المسؤولين؟ كيف نتخلى عنها وهي البديل الرمزي للحرب، حيث يعوض الصراع بالكلمات الصراع باللكمات؟ لكن كيف نترك حق تقرير مصير شعب بأكمله لخمسين في المئة زائد صوت من مصوتين لا يتجاوز عددهم نصف المسجلين في القوائم الانتخابية، وأغلبهم يتحركون تحت طوفان التضليل الإعلامي؟

أي طرق لسحب البساط من المال الفاسد والإعلام الفاسد الذي لا يستطيع تمكين شعبوي تافه من جائزة نوبل أو رئاسة جامعة لمجرد قدرته على الصراخ وإثارة غرائز العدوانية والانتقام؟ هل يمكن قصر الانتخابات المباشرة على مستوى البلديات والبرلمانات ويُعهد لاختيار قضاة المحكمة الدستورية ورئيس الدولة بلجان كالتي تختار الفائزين بجائزة نوبل أو رئاسة الجامعات والمؤسسات الاقتصادية الكبرى؟

كم من مشاكل أخرى تكمن داخل تفاصيلها كل الشياطين، ومع هذا لا بدّ من مواجهتها.

إنها المشاكل الفكرية والسياسية التي سيعمل عليها طيلة هذه السنة المجلس العربي عبر حوارات افتراضية ستستغرق كل السنة، والأمل أن يبت فيها مؤتمر سراييفو الثالث في أكتوبر/ تشرين الأول 2025 لنقترح على التيار الديمقراطي العربي خارطة طريق مكتملة ليس فيها الأهداف فقط وإنما الوسائل، إذ لا أضيع للجهد والوقت من عدم فهم أن كل ما نعيش على كل المستويات تجارب مهمتنا التعلم من أخطائها لا تكرارها، حتى لا يكون مسارنا حلقة مفرغة، بل سهمًا لا وجهة له إلا الأمام والأعلى.

ولا بد لليل أن ينجلي.