‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمود صقر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمود صقر. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 26 أبريل 2023

“كاتالوج” تعامل الغرب مع العالم الإسلامي

 “كاتالوج” تعامل الغرب مع العالم الإسلامي


بقلم محمود صقر

" صمويل هنتنجتون" في كتابه "صدام الحضارات" يقول: "الإسلام هو الحضارة الوحيدة التي جعلت بقاء الغرب موضع شك".

قال ذلك تعليقاً على قول المستشرق برنارد لويس: "لمدة ما يقرب من ألف سنة، منذ أول رسو للمسلمين في إسبانيا وحتى الحصار التركي الثاني لفيينا، كانت أوروبا تحت تهديد مستمر من الإسلام".

هناك مدارس فكرية ومراكز بحوث في الغرب ترى أن عودة الإسلام كحضارة وثقافة هو تهديد وجودي للغرب.

ولذلك وضعوا خططاً وإستراتيجيات لمواجهة أي نهضة محتملة ولضمان بقاء علاقة تبعية العالم الإسلامي للغرب كما هي.

والمتابع لتلك الخطة يستطيع أن يقرأها كما يقرأ "كتالوج" يحدد كيفية التعامل مع الحالات المختلفة لمحاولة النهوض.

فأمام احتمال التغيير السلمي، ووصول الأحزاب ذات توجه إسلامي أو حتى وطني عبر صناديق الاقتراع، فالكتالوج يوضح طريقة التعامل مع الحالة:

إما بعدم إتاحة الفرصة لهم بانقلاب على نتائج الانتخابات والعودة بهم للمربع صفر وجرهم إلى طريق العنف.

وإما تركهم يتولون السلطة مؤقتاً ثم وضع العراقيل أمامهم لإثبات فشلهم في إدارة البلاد حتى لو أدى ذلك إلى العودة للانقلابات العسكرية أو حتى فرض الحصار.

أما إذا ضاقت بالشعوب سبل التغيير السلمي ولجأت إلى المقاومة المسلحة ضد أنظمتها الدكتاتورية فالكتالوج يَعتَبِر تلك الحالة فرصة ذهبية لتدخله العسكري المباشر، وتجريب أسلحته في لحومنا ودمائنا، والأخطر من ذلك ركوب موجة المقاومة المسلحة بجماعات تَدَّعي الجهاد في سبيل الله ويتم تزويدها بالمال والعتاد والمرتزقة، وتزويدها بأكثر الأفكار تطرفاً كي تقوم متطوعة بتقديم أكثر الصور تشويهاً للإسلام.

وأول ظهور لهذا البند في الكتالوج تم تطبيقه في أفغانستان، بنموذج "القاعدة" ثم "طالبان"، ثم ظهور النسخة الجديدة باسم "داعش"، وستتوالى الأسماء والشكل واحد بحسب ما حدده الكتالوج مسبقاً.

للوصول لهدف تشويه صورة الإسلام ذاته على مستوى العالم، وحتى تخلق صورة ذهنية عند الشعوب الإسلامية عن الإسلام ذاته تعوق إمكان تقديمه كنموذج لعشرات السنين القادمة.

بالطبع هذا الكتالوج ليس قَدَراً هابطاً من السماء، ولكنه سيظل فعّالاً ما دمنا لم نعِه جيداً، ولم نوعِّ به شعوبنا، وما دام عالمنا الإسلامي أسيراً لحكم الفرد، ومتفرقاً ومتناحراً أمام كتلة موحدة من الغرب وأمريكا.


المصدر

الأحد، 19 مارس 2023

أركان دولة الطغيان

أركان دولة الطغيان

المهندس محمود صقر

سورة القصص في القرآن تبدأ -على غير المتوقع- من النهاية السعيدة للقصة، تبدأ بالبشارة بزوال دولة الطغيان، ونجاة المستضعفين، وعودة الحقوق لأصحابها: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ} (القصص: 5، 6).

ثم تبدأ بعدها تفاصيل قصة الصراع ضد الطغيان ممثلا في شخصية فرعون، في تفصيل كامل لأركان دولة الطغيان: (فرعون – الجنود – السحرة – هامان – قارون – الملأ – قوم فرعون).

فرعون هو رأس النظام، وجنوده قوة البطش التي يرعب بها الشعب. وهامان وزيره أو الكاهن الأكبر الذي يزين للشعب عبادة فرعون. والسحرة هم طبقة الفنانين والإعلاميين الأكثر شعبية بين المواطنين، وهم مَنْ يملكون تحويل الحبال التافهة إلى ثعابين مرهوبة في أعين المشاهدين. وقارون هو الثروة وسلطة المال المتحالفة مع السلطة السياسية. والملأ هم النخبة والمثقفون وعِليَة القوم الذين ترتبط مصالحهم مع مصالح منظومة فرعون. وقوم فرعون هم أنصاره من الشعب الذين ظلوا على قناعتهم به حتى بعد فشل السحرة، وحتى لحظة غرقه أمام أعينهم.

صورة مكتملة الأركان لمعالم دولة الطغيان، لا يمكن أن تجدها قبل ألف وأربعمائة عام في أي كتاب بين يدي البشر، إلا في رسالة الله الخاتمة.

صراع الحق والباطل في رسالة الله الخاتمة، لم يكن صراع الإيمان ضد الكفر فحَسب؛ بل صراع الإنسان ضد الطغيان.
{فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ} (طه: 47).
الظلم والتمييز والاستعباد والاستغلال … باطل.
والعدل والمساواة والحرية والإنصاف … حق.

ولباب الرسالة القرآنية: أن قضية مقاومة الظلم والطغيان قضية محورية في تاريخ البشرية، وجزء أساس في تكوين عقيدة وشخصية المؤمن.
{وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لنَا مِن لدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لنَا مِن لدُنكَ نَصِيرًا} (النساء: 75).

وكما بدأت السورة بالبشارة بالنهاية السعيدة بنجاة المستضعفين من الطغيان، تنتهي بالبشارة السعيدة للنبي صلى الله عليه وسلم بالعودة المظفرة إلى بلده التي تم طرده منها:
{إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاءَ بِالْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} (القصص: 85).

الأحد، 13 فبراير 2022

لقد آلمتني وردتك يا “فلانتين”!

 لقد آلمتني وردتك يا “فلانتين”!


مهندس محمود صقر

13/02/2022

في عصر العولمة الذي تتسيده الرأسمالية، تحولت القيم الإنسانية إلى سلع تجارية؛ فالحب صار له عيد، والعيد تحول إلى فرصة تجارية تقودها دول وشركات عابرة للقارات تتقدمها آلة إعلامية ضخمة غطت أركان الأرض، وحولت القديس “فالانتين” الذي استشهد متمسكا بعقيدته المسيحية أمام بطش الرومان الوثنيين.. حولته إلى عيد للحب، ينفق فيه البشر حول العالم مليارات الدولارات لشراء الهدايا المصحوبة بالورود.

وكان من الممكن أن نعتبر عيد الحب ومليارات الدولارات التي تُنفق في يوم واحد للتعبير عنه عملا إنسانيا، لو لم يكن في العالم 800 مليون جائع يمثلون نسبة 10% من سكان الأرض، بحسب تقرير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة “الفاو” لعام 2021.

وكان من الممكن أن نعتبر الوردة الحمراء تعبيرًا عن شعور جميل، لولا أن زراعتها لتلبية المناسبات جعل الشركات الكبرى تستهلك ملايين الأفدنة لزراعتها.

ودولة مثل “كينيا” أكبر مصدر للورود إلى أوروبا تتركز زراعتها حول بحيرة “نيفاشا” في أراضٍ، كانت تستخدم لزراعة المحاصيل ورعي الحيوانات، ولأن زراعة الزهور تستهلك من المياه أربعة أضعاف ما تستهلكه في المتوسط الزراعات الغذائية؛ فإن بحيرة “نيفاشا” تتعرض للاستهلاك بمعدل خمسة عشر سنتيمترا سنويا من منسوبها؛ ما يعرضها للجفاف.

ودولة “كولومبيا” أكبر مورد للورود للولايات المتحدة الأمريكية، وفي سبيل الوفاء بمواعيد تصدير الورود في المناسبات؛ يتم تكثيف رش المبيدات؛ ما تسبب في حالات إجهاض للسيدات وحالات تشوه خلقي لمواليد النساء العاملات في المجال.

وجدير بالذكر أن ما ينافس زراعة الورود في كينيا هو زراعة التبغ، وما ينافس زراعة الورود في كولومبيا هو زراعة الكوكا التي جعلت كولومبيا أكبر دولة مصدرة للكوكايين.

ونظرا لهذا الخلل العولمي الذي صنعه الإنسان، يتضور جزء من العالم جوعا، ويضحون بالمياه والتربة الصالحة للزراعة، لكي يتهادى الناس بالورود، ويشربوا القهوة ويأكلوا الشوكولاتة، وتتكدس الأموال في أيدي حفنة من الشركات الكبرى المسيطرة على السوق.

الخلل بدأ مع النهضة الصناعية للغرب؛ حيث تحول جزء من الأرض التي كانت أمًا حنونة تمد الإنسان بالغذاء وتهديه سر الحياة، إلى مصدر لزراعة محاصيل لتلبية الحاجات الصناعية للغرب.
وبدأ المحتل الغربي يفرض على الدول المحتلة زراعة بعض المحاصيل التي تخدم أغراضه الصناعية؛ ففي مجال صناعة المنسوجات مثلا، تحولت الهند ومصر إلى مصدر أساس للقطن المُصدَّر لإنجلترا، وتحولت دول غرب أفريقيا إلى مُصَدر أساس للقطن المصدر إلى فرنسا.
ومارست سلطات الاحتلال وسائل قمعية لإجبار الفلاحين على زراعة محاصيل التصدير؛ ففرضت فرنسا على الفلاحين في بلاد غرب أفريقيا دفع الضرائب بالعملة الفرنسية، ولم يعد أمام الفلاح إلا أن يزرع مزروعات التصدير، وأصبحت دولة مثل “النيجر” -إحدى أفقر دول أفريقيا- مصدرًا أساسًا للقطن الوارد لفرنسا، بينما يعاني أهلها من نقص الغذاء والماء.

ورحل المحتل وأناب عنه حكومات محلية ترتبط مصالحها مع نفس المحتل القديم وشركاته عابرة القارات، وما زالوا يمارسون الدور نفسه؛ ففي أشد أوقات المجاعات في أفريقيا، لم تتوقف السفن والشاحنات عن تحميل محاصيل مثل القطن والقهوة والكاكاو والمطاط والتبغ نحو الغرب.

هذه المقاربات تجعلنا نشعر بالألم من وردة “فلانتين”، مثلما شعر “الحَلَّاج” بالألم من وردة “الجُنَيْد”؛ حيث يُروى أن “الحلاج” حين صلبوه بتهمة الزندقة، ظل العامة والصبيان يسبونه ويرمونه بالحجارة وهو ساكن، وبينما هو على هذه الحال إذا بالجنيد (القطب الصوفي المعروف) يشق الصفوف، ويرمُقُ “الحلاج” بنظرة عتاب على ما أباح به من أسرار العلاقة بينه وبين ربه، ثم رماه بوردة.


وهنا صرخ “الحلاج” وعلا نشيجه، ونظر إلى “الجنيد” بانكسار وقال: “آآآه، لقد آلمتني وردتك”.
وبرغم الاختلاق الظاهر في الرواية؛ حيث إن “الجنيد” مات قبل صلب “الحلاج”، فإن رمزية القصة تبقى ناصعة ناطقة.

الثلاثاء، 18 يناير 2022

الشُرب بظهر الملعقة!

 محمود صقر
Mahmoud Sakr
كان لي صديق ظريف لطيف، من أخف الناس دماً، وأسرعهم بديهةً، دخلت عليه يوماً فوجدته مهموماً على غير العادة، فسألته: ما بك؟
قال: “باشرب بضهر المعلقة”!

فاجأني الرد، وأبهرني التعبير، فتسَمرتُ في مكاني لحظة، ووصلني المعنى البديع، فانفجرتُ ضاحكا، ولكني أردت أن أسمع تفسير العبارة منه، فقلت له: ماذا تعني؟
قال: أسوأ الناس حظاً في الدنيا هم من يشربون بظهر الملعقة؛ لأن أمامهم وفرة من الطعام والخيرات، ولكن نصيبهم منه ما يعلق بظهر الملعقة، ويزيد من بلواهم تساقط أثر الطعام المنسكب من الملعقة المقلوبة على ثيابهم؛ فيبدون للناظر كأنهم أكلوا حتى الشبع وفاض الطعام على ثيابهم! فهم محرومون من الطعام، ومحسودون على وفرته في آن واحد!
صورة تخيلية بديعة تفتح زاوية النظر نحو أفراد وشعوب ودول، لديهم الكثير من الموارد والثروات لكنهم يمسكون الملعقة بالقلوب، ويشربون بظهر الملعقة.
دول تعوم على ثروات، ويعيش معظم سكانها تحت خط الفقر، وتقيم حكوماتها الأفراح والليالي الملاح ويستضيفون لها من الشرق والغرب شبابا يغدقون عليهم الأموال، ويتحدثون في معانٍ إنسانية بديعة يُصدِّرونها للخارج، ويطبقون عكسها على شعوبهم.
والجماهير التي بالكاد تتحصل على ما يسقط من ظهر الملعقة تتراءى لهم أمام الشاشات مظاهر البذخ والترف والاحتفالات الأسطورية، والشعارات الرنانة، والعواطف المتدفقة؛ فمنهم من يصدق أن الأمم تتقدم بالاحتفالات والشعارات، وأن الملعقة المقلوبة من سنين بدأت تعتَدِل، ومنهم من يتحسر على تبديد الثروات وإضاعة الطريق.

الجمعة، 25 يونيو 2021

هل تصنع “العِمَّة” شيخا ؟!

 هل تصنع “العِمَّة” شيخا ؟!


مهندس/ محمود صقر

24/06/2021
في بداية دراستنا الجامعية سألت زميلي الملتحي: لماذا تربي (تطلق) لحيتك؟
أجاب: لأنها هي التي تُربِّيني.!
إجابة غير عادية لسؤال عادي، استوعبتُها بسرعة رغم مفاجأتها، فهمت أن صديقي أراد أن يرسل لي رسالة بأن لحيته وما تحمله في نظر الناس من رمزية المحافظة على سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- تفرض عليه سلوكا يتناسب مع توقع الناس لصاحب المظهر المتدين.
برغم حداثة سنه كان يدرك ما يفرضه عليه ما اختاره هو من مظهر الالتزام الديني على سلوكه العملي.
فإذا كانت العِمَّة لا تصنع الشيخ، بمعنى أن العِمَّة لا تعطي لابسها دينًا وعلمًا وفضلا، فإنها تعطيه في نظر الناس صفة الشيخ عالم الدين؛ حيث إن هناك ربطًا غير إرادي مخزونًا في لا وعي الناس بين مظهر الإنسان ومخبره.
ومن هنا كان للزي أثر في المتلقي؛ فمن ناحية يحرص بعض من يعتبرون أنفسهم دعاة بالالتزام بمظهر معين، سواء كانوا صادقين في التزامهم أم متاجرين به. وعلى الوجه الآخر ومنذ عقود يتم استغلال وسائل الإعلام الرسمية في تشويه صورة الملتزمين بمظاهر التدين سواء باللحية أم النقاب أم الحجاب، لتوجيه المتلقي للربط بين تلك المظاهر وسوء السلوك أو التطرف، وحتى الزي الأزهري كان في مرمى سهام التشويه الإعلامي على الدوام، وقد تزداد وتيرته وتخِف وفقا لعلاقة الأزهر بالسلطة.
بل وجدنا في التاريخ الحديث “مصطفى كمال أتاتورك” في سبيل تغريب المجتمع التركي يصدر قانونا بلبس القبعة الغربية بدلا من الطربوش العثماني، وكأن القبعة تحمل تحتها أسرار التقدم الغربي!
ولارتباط رمزية الزي بمرتديه تُصدر العديد من الدول قوانين تمنع امتهان الزي العسكري، لما يمثله من رمزية لمهابة الدولة.

وتبقى المسألة الشائكة هي خروج المتلقي من أَسْر المظهر وما يمثله من رمزية، إلى الجوهر وما يمثله من قيمة حقيقية؛ فميزان الاعتدال يضع المسألة بين طرفيها؛
بين مجتمع ينبغي أن يدرك أن “العِمَّة” لا تصنع الشيخ، والقُبَّعة لا تصنع العصري، والكاب الميري لا يصنع البطل المحارب، وواجب عليه أن يفصل بين تصرف فردي لإنسان قد يصيب وقد يخطئ، ويتجنب الوقوع في آفة التعميم.
وبين أفراد التزموا بمظهر معين ينبغي عليهم أن يراعوا رمزيته في أعين المجتمع، بل ينبغي أن يكونوا سفراء لهذه الرمزية بدلا من أن يكونوا فتنة لغيرهم.


الأربعاء، 2 يونيو 2021

صفحة منزوعة من تاريخ مصر

 صفحة منزوعة من تاريخ مصر

 محمود صقر.

03/06/2021
صفحة منزوعة عمدا من كتب تاريخ مصر التي يتم تداولها في مناهج الدراسة أو منافذ الثقافة والإعلام، صفحة مصر في عهد “الخديو إسماعيل”.
كان هذا الرجل القادم من أصول ألبانية عثمانية يدرك تماما أن حدود الأمن القومي المصري تمتد حتى منابع النيل. وكان يدرك أن ازدهار مصر يرتبط بتأمين خطوط المواصلات والتجارة عبر تأمين الساحل الغربي للبحر الأحمر.
في عهده امتدت الحدود الجغرافية لمصر جنوباً حتي منابع النيل (بحيرة فيكتوريا)، وامتد سلطانها بطول الساحل الغربي للبحر الأحمر متجاوزًا باب المندب إلى ساحل المحيط الهندي في الجهة الأفريقية، وكانت حدود مصر تضم السودان كاملا ومعظم أوغندا وأجزاء واسعة من إثيوبيا وإريتريا والصومال وأجزاء من كينيا والكونغو.
كانت مصر تنافس إنجلترا وفرنسا وإيطاليا في مد نفوذها إلى عمقها الاستراتيجي سواء في منابع النيل أو في عمقها الأفريقي في ساحل البحر الأحمر، بل جعلت ساحل البحر الأحمر الغربي كله تحت سلطانها بشهادة الضابط “وود” إلى السير “إليوت” سفير إنجلترا في الأستانة عام 1875 :(إن تنازل الباب العالي عن “زيلع” إلى مصر واستيلاء مصر على”بربرة” يجعلان ساحل البحر الأحمر كله في قبضة مصر، ولا ريب أن تلك المناطق التي كانت مستوحشة لا يأنس بها أحد، نجح المصريون بوصلها بالعالم المتمدين.)
أعاد المصريون بناء مدينة “بربرة” -في الصومال- التي كانت قبل قدوم الحملة المصرية عبارة عن مجموعة من العشش يقطنها صيادو السمك إلى ميناء يفوق ميناء عدن -تحت حكم الإنجليز-، وقد اعترف بذلك “هنتر” قنصل إنجلترا في الصومال في رسالة عام 1884: (أنجز المصريون في بربرة من العمران ما يصح أن تفاخر به أية إدارة).


وأنشأوا مدينة “هرر” في قلب “إثيوبيا” والتي زارها الرحالة الإيطالي عام 1881 فكانت شهادته: (المصريون في هذه البلاد تبدو عليهم سيماء الفاتحين الرافعين لواء الحضارة، إذ يعلمون الأطفال القراءة والكتابة، ويعلمون الفتيان الصلاة وأحكام الشريعة…).
هذا فضلاً عن إدخال زراعات جديدة لم تكن معروفة في تلك البلاد مثل القطن والأرز والذرة، وبناء العديد من المدارس والمستشفيات والمساجد ومكاتب البريد والطرق …
ومن أراد المزيد من المعلومات فليرجع للوثائق التي جمعها الأمير “عمر طوسون” في كتابه الثمين (مديرية خط الاستواء) وكتاب تلميذه الدكتور محمد صبري “مصر في أفريقيا الشرقية – هرر وزيلع وبربرة“.
هذه هي مصر التي يجهلها أهلها عن عمد.
هذه هي مصر التي تم تبديدها جيلا بعد جيل؛ تم تهميش دور مصر في أفريقيا، تم تلويث مياه النيل وفرطنا في حقوقنا فيه، تم تجريف الأرض الزراعية الموروثة عن الأجداد، تم سرقة آثار الأجداد وتهريبها لمنازل الأثرياء ولمتاحف العالم، تم تحويل أجمل المدن إلي غابة عشوائية من العشش أو ناطحات سحاب وسط الحارات، تم تدمير التعليم …
كل هذا ونحن نردد بجرأة وبلاهة وسذاجة: “تحيا مصر”.
فهل نحن حقًا نعرف … “مصر”.؟!


الثلاثاء، 2 فبراير 2021

النظر من ثقب الإبرة


 مهندس محمود صقر

02/02/2021

أديب عالمي حاز على جائزة نوبل في الآداب، نشأ في مجتمع مسلم كان يرى فيه نموذجاً للتخلف، تعلَّمَ أن تراث قومه هو سبب تأخر بلاده عن ركب الحضارة، يروي عن عائلته الأرستقراطية أنها كانت تصور له المتدينين على أنهم جزء من الماضي الذي يعوق تقدم البلاد، وداخل نطاق العائلة كان يرى فقط الخدم والطهاة هم الذين يصلون ويصومون، وحين ساقه الفضول وهو صبي لدخول الجامع ووجد المصلين طيبين وودودين، حذرته العائلة من أن هناك تناقضاً بين الجانب الطيب والبريء الظاهر من هؤلاء الناس، وبين معتقداتهم التي تعوق مشروع الحداثة والتغريب والتنمية الذي تسير فيه بلاده بكل إصرار وسرعة.
وأكدوا أن عليه مشاركة العائلة في معارضة معتقدات هؤلاء الناس، وأن من حق طبقتهم العلمانية أن تحكم هؤلاء الجهلة، ليس فقط لأن عائلته ومن على شاكلتهم يملكون السلطة والمال، بل لأنهم تغربوا وصاروا متمدنين، وهذا الحق في حكم هؤلاء ليس نابعاً من مصلحة شخصية أو طبقية، بل هو في مصلحة الوطن.!
ويقول: تعلمت أيضا من وسائل الإعلام، والكاريكاتورات التي تتناول الشخصيات الرجعية كالنساء المحجبات والرجال ذوي اللحى أن المعتقد المحبب لهؤلاء المؤمنين يمكن أن يصل إلى أبعاد خطيرة تضر بنا وبالوطن، وبالتبعية كنت أشعر بأن وجودنا بوصفنا طبقة علمانية حاكمة وداعمة للعسكر حماة العلمانية على حق في كبت وقهر وحكم هؤلاء الجهلة.
كانت هذه اعترافات الأديب التركي العالمي “أورهان باموق” الذي ولد في إسطنبول أواسط القرن العشرين، والحائز على جائزة نوبل للآداب عام 2006، وكان ينتمي لعائلة أرستقراطية. وقد اقتبستُ اعترافاته من كتابه “إسطنبول.. الذكريات والمدينة”.
“أورهان” في كتابه يصف حال مدينة إسطنبول وقت نشأته وصفاً يدعو للرثاء والبكاء على التردي والقذارة والفقر الذي صارت إليه المدينة في القرن العشرين بعد أن كانت مركزا لحكم واحدة من أكبر إمبراطوريات التاريخ.
كان هذا حالها في الوقت الذي كان حكامها العسكريون -حماة العلمانية بنمطها “الأتاتوركي”– يرون أن طريقهم ليس هناك طريق غيره، وفي سبيل السير في الطريق الأوحد لا مانع من سحق من يقف في هذا الطريق المقدس نحو التقدم.!
الحالة الأتاتوركية وطبقتها العلمانية تم استنساخها بصور متعددة في الدول الإسلامية، بعضها بمعاداة صريحة للدين وبعضها بتعصب شديد للدين!


وكلتا هاتين الصورتين وما بينها من درجات تشترك جميعا في النظر من ثقب الإبرة، ورؤية طريق واحد ينبغي أن يسير فيه الناس طوعاً وكرهاً وترغيباً وترهيباً.
وبعد قرن كامل نستطيع تقييم تجربة القهر والتمييز والتهميش والإقصاء الذي تسبب فيه ضيق الأفق باختيار الطريق الأوحد، ومعرفة مدى ما سببه من دمار وتخلف في بلادنا الإسلامية.
ونكتشف بسهولة أن “العجلة” التي نجتهد في إعادة اختراعها، قد سبقتنا إليها الدول المتقدمة واخترعتها في طريق الحرية والعدالة والمساواة.

الأحد، 24 يناير 2021

منتبه في قطار النائمين

 منتبه في قطار النائمين


المهندس/ محمود صقر

24/01/2021
عجلات القطار تدور في حركة دائرية متشابهة على قضبان ممتدة في أفق يبدو بلا نهاية، ومع حركة الدوران يتكرر الصوت نفسه المزعج ذو النغمة المكررة الرتيبة، ومع تكرار الدوران، وتكرار النغمة الرتيبة، تسري عدوى النعاس بين ركاب القطار الجالسين على مقاعدهم.
النغمة الرتيبة والحركة الثابتة المكررة تستدعي النعاس، وتصيب العقل بالكسل، والجسم بالخدر والسكون.
صوت قاطع التذاكر (الكمسري) يقطع السكون بتكرار كلمة واحدة: تذاكر.. تذاكر..، صوته المكرر وعمله الرتيب هو جزء من مشهد الرتابة داخل القطار، يسير في مسار محدد ضيق بين صفي المقاعد، دفتر التذاكر في يده، وفي الأخرى قلم للتأشير على التذاكر، وخلف أذنه قلم احتياطي لتكملة الدور نفسه إذا فرغ حبر القلم في يده، يكرر مع كل راكب نفس الحركة، يقتطع تذكرة من دفتر التذاكر ثم يؤشر عليها بالقلم، يتغير الركاب وحركته ثابتة ذهابا وإيابا بين صفي المقاعد بحركة آلية، تتبدل الأيام وهو يقوم بالعمل نفسه كل يوم، التكرار والملل أصابا عقله بالخدر وفكره للاستسلام للحركة الرتيبة، يومه كأمسه، وغده كيومه، مبلغ آماله وأقصى طموحه أن يترقى إلى مفتش، ليحصل على حرية التنقل من قطار إلى قطار.!
سائق القطار يستكمل المشهد الرتيب داخل القطار؛ فهو محبوس في غرفة محدودة الأبعاد، وعلى نفس قضبان الأمس يسير اليوم وسيسير غدا، المشهد نفسه الذي تتركز فيه عيناه هو هو لا يتغير، تمر المناظر سريعا كأنها طيف في منام، وحتى لو شَغَلَ نفسه بِعدِّ أعمدة الإنارة أو أشجار الطريق، فسيدخل في دائرة التكرار اللانهائية العبثية.

فكرة “القطار والكمسري والسائق” فكرة التكرار الممل لحركة الإنسان الرتيبة في الحياة، فكرة العمر الذي يمر كالقطار والإنسان الساكن داخله، فكرة تشغلني منذ صباي.
كنت أشفق على قاطع التذاكر في المواصلات، وأنا أتخيل حركته الرتيبة في حلقة التكرار اليومي المفرغة، كنت أشفق على الجالسين على المقاهي العتيقة التي أسير أمامها كل يوم وأنا أرقب الوجوه نفسها الجالسة على المقاعد نفسها وبالعيون ذاتها الساهمة الناعسة الناظرة إلى لا شيء.
ومع شفقتي على هؤلاء تملكني الخوف والفزع من أن ألقى في الحياة المصير ذاته، وأن أسير في المسير ذاته؛ أن أكون ميتا على قيد الحياة، أن أكون ساكنا وقطار الحياة يسير، دائرا في حركة عبثية رتيبة بلا رؤية ولا غاية، بلا تقدم ولا طموح ولا تغيير.
الانتباه واليقظة لهذا المشهد هو بداية طريق الإنسان لعدم الاستسلام لعجلة التكرار والنغمة الرتيبة لقطار العمر، ولكل إنسان طريق يناسبه هو للخروج عن رتابة قضبان القطار، واليقظة وسط جمهور النائمين في قطار العمر.