‏إظهار الرسائل ذات التسميات كمال أوزتورك. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات كمال أوزتورك. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 31 أغسطس 2026

17 اختلافا فاصلا.. هذا ما تملكه تركيا وتفتقده إسرائيل

17 اختلافا فاصلا.. هذا ما تملكه تركيا وتفتقده إسرائيل
كاتب وصحفي تركي.


في خضم التوترات التي تتصاعد بين تركيا، وإسرائيل في الفترة الماضية، نرصد في هذا المقال أوجه الاختلاف الجوهرية بينهما في عدد من النقاط التالية:تتحرك تركيا بإستراتيجية طويلة الأمد، تراعي التوازنات الإقليمية والعلاقات والصداقات والتوترات. وحتى إن بدت وكأنها لا تحقق مكاسب على المدى القصير، فإنها تخرج رابحة على المدى الطويل.

1.تتحرك إسرائيل بشكل تكتيكي. وتكتيكاتها قصيرة الأمد، ولا تراعي التوازنات الإقليمية والعلاقات والصداقات والتوترات. وحتى إن حققت مكاسب على المدى القصير، فإنها تخسر على المدى الطويل.

2. تبني تركيا إستراتيجياتها واضعة في مركزها الحقائق الميدانية للجغرافيا السياسية وقواعد السياسة الواقعية. ولذلك يكون تنفيذ إستراتيجياتها وتحقيق النتائج من خلالها أكثر سهولة.

أما تكتيكات إسرائيل فبعيدة عن الواقع الميداني للجغرافيا السياسية، وتحاول تنفيذ هذه التكتيكات انطلاقا من تفكير ديني سياسي، لا من السياسة الواقعية. وبسبب انفصال أهداف دينية سياسية مثل أرض الميعاد عن واقع الحياة، فإن تحقيقها مستحيل.

3. تضع تركيا في الحسبان، في جميع تحركاتها وخطواتها وخططها، القانون الدولي والمبادئ العالمية والقيم الإنسانية والقواعد الأخلاقية.

أما إسرائيل فلا تراعي القانون الدولي في أي من خطواتها وتحركاتها، وتتجاهل المبادئ العالمية، ولا تكترث بهدم القيم الإنسانية وانتهاك القيم الأخلاقية.
لا تضع تركيا في حساباتها خلال الحروب المادة الخامسة من حلف الناتو أو تحالف الولايات المتحدة معها أو وجود دول أخرى، وتدرك أنها إذا دخلت حربا فعليها أن تخوضها بقوتها الذاتية وأن تكون قادرة على الصمود
4. أسس الأتراك عبر التاريخ 16 دولة وإمبراطورية وجمهورية، ولديهم دول منذ ألف عام بلا انقطاع، ويتحركون بخبرة هذه التقاليد الطويلة في إدارة الدولة ورزانتها وقوتها، ويهتمون بمكانتهم واحترامهم.

لكن إسرائيل ومنذ عام 1948 وهم يفتقرون إلى تقاليد الدولة ومكانتها، ويتحركون بدرجة أكبر بعقلية الأقلية والتنظيم السري.

5. لم تهاجم تركيا أيا من جيرانها أو أي دولة ذات سيادة، ولم تدخل في حرب، ولم تحتل أرض أحد، ولم تتسبب في مقتل أشخاص.

أما إسرائيل، فقد حاربت جميع الذين تشترك معهم في حدود، وهاجمت خلال العامين الماضيين 6 دول مستقلة، وتسببت في مقتل عشرات الآلاف وتهجير ملايين الأشخاص من أراضيهم.

6. تؤمن تركيا بأنه من أجل العيش في سلام ورفاه، يجب أن تكون الدول المجاورة لها مستقرة وآمنة ومزدهرة. ولذلك تنفذ مشروع ممر التنمية من أجل التنمية الاقتصادية للعراق. كما تدافع عن وحدة الأراضي السورية، وتقدم كل أشكال الدعم من أجل تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في سوريا.

أما إسرائيل، فتؤمن بأنه من أجل أمنها يجب أن تكون الدول المجاورة غير مستقرة وضعيفة وفي حالة من الفوضى. ولا تريد لأي مجاوريها أن يحقق الرفاه الاقتصادي أو الاستقرار السياسي أو يمتلك صناعة دفاعية قوية. ولهذا احتلت لبنان وسوريا، وبذلت جهودا من أجل سوريا مقسمة. ولم تسمح لسوريا، وهي دولة مستقلة، بإنشاء أنظمة دفاع جوي لحماية نفسها أو بتعزيز جيشها.

7. إذا كانت تركيا ستدخل حربا، فإنها تضع خططها اعتمادا على جيشها وصناعاتها الدفاعية وأسلحتها واقتصادها.

أما إسرائيل، فقد اعتمدت في جميع الحروب والصراعات التي خاضتها حتى اليوم إما على جيش بريطانيا أو جيش الولايات المتحدة، وعلى صناعاتهما الدفاعية ودعمهما المالي. ولم تخض أي حرب بإمكاناتها الذاتية.

8. لا تضع تركيا في حساباتها خلال الحروب المادة الخامسة من حلف الناتو أو تحالف الولايات المتحدة معها أو وجود دول أخرى، وتدرك أنها إذا دخلت حربا فعليها أن تخوضها بقوتها الذاتية وأن تكون قادرة على الصمود.

أما إسرائيل، فتضع في حساباتها، أيا كان الطرف الذي تهاجمه، أن الولايات المتحدة ستكون مضطرة إلى دخول الحرب إلى جانبها، وأن بريطانيا أو ألمانيا أو الهند ستساعدها.

إسرائيل، منذ احتلالها الأراضي الفلسطينية عام 1948، انتهجت سياسة التمييز والقمع والنفي والترهيب والقتل. وهُجّر مئات الآلاف من الفلسطينيين من ديارهم وأصبحوا لاجئين. ومنعت المسلمين بشكل تعسفي من ممارسة شعائرهم الدينية في القدس

9. تطبق تركيا عقيدة عسكرية تقوم على تلبية 85% من احتياجات صناعاتها الدفاعية بنفسها، والعمل ليلا ونهارا على زيادة إمكاناتها الذاتية، والسعي إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي.

أما إسرائيل، فتطبق خطة تقوم على استمداد كامل قوتها من الولايات المتحدة، وعدم قدرتها على تلبية احتياجاتها في الصناعات الدفاعية بنفسها، والسعي إلى جعل الولايات المتحدة أكثر ارتباطا بها.

10. تؤمن تركيا بأن الدبلوماسية والتواصل والحوار هي أهم الأدوات لحل المشكلات.

أما إسرائيل، فترى أن الاستخبارات والقوة العسكرية والقوات الجوية والهجوم والصراع هي أهم وسائل الحل.

11. تُعرف تركيا في العالم بأنها دولة تحظى بالاحترام والثقة، وتؤدي دور الوسيط والميسّر ومنتج الحلول في الحروب والأزمات التي يشهدها العالم.

أما إسرائيل، فتُعرف حاليا في جميع أنحاء العالم بأنها الدولة الأكثر كراهية، وبأنها دولة تبدأ الحروب، وتميل إلى الصراع، ولا يمكن الوثوق بها، وتقتل المدنيين.

12. تركيا حاليا دولة تسعى إلى تعزيز تحالفاتها، مثل اتفاق مكة، وصداقاتها، وتبذل جهودا مكثفة من أجل سيادة السلام والاستقرار في المنطقة.

أما إسرائيل، فهي دولة لا تستطيع إقامة تحالفات أو تكوين صداقات، ولا تطور علاقاتها إلا من خلال التهديد والتخويف.

13. تمتلك تركيا ثامن أكبر جيش في العالم وثاني أكبر جيش في حلف الناتو. كما تمتلك أكبر قوة بحرية في البحر المتوسط، وأكبر قوة برية، وأفضل الطائرات المسيّرة. وتنتج بنفسها 85% من احتياجات جيشها.

أما الجيش الإسرائيلي، فلا يمتلك- باستثناء قوته الجوية- قوة عسكرية قادرة على التأثير في التوازنات، ويحاول تعويض هذا النقص بقوته الاستخباراتية، ويعتمد الجيش الإسرائيلي بنسبة 70% على الولايات المتحدة، وبنسبة 30% على ألمانيا.


استقبلت تركيا في أراضيها آلاف اليهود الذين طُردوا من الأندلس عام 1492، وكذلك الذين فروا من أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية. ولا يزال آلاف اليهود في تركيا قادرين على أداء شعائرهم الدينية بحرية في معابدهم اليهودية وكنسهم
14. يبلغ عدد سكان تركيا 86 مليون نسمة، ويُعرف الأتراك بأنهم شعب عسكري، وبفضل حب الوطن والدفاع عن البلاد والانضباط، تجاوزوا عبر التاريخ العديد من الحروب والأزمات والمصاعب.

أما عدد سكان إسرائيل فيبلغ 10 ملايين نسمة.. وعندما سقطت الصواريخ الإيرانية الأولى على إسرائيل، كانت روابط عشرات الآلاف بوطنهم ضعيفة إلى درجة أنهم حاولوا الفرار من بلادهم. واضطرت السلطات إلى فرض حظر على المغادرة لمنع الفرار.

15. حكم العثمانيون القدس لمدة 400 عام. وخلال هذه الفترة، مارس اليهود والمسيحيون والمسلمون أديانهم كما أرادوا، واستخدموا الأماكن المقدسة بحرية، ولم يتعرض أي منهم للإقصاء أو النفي. وخلال هذه الفترة، لم يقع صراع في القدس، ولم ينشب نزاع بين الأديان.

أما إسرائيل، فمنذ احتلالها الأراضي الفلسطينية عام 1948، انتهجت في هذه الأراضي سياسة التمييز والقمع والنفي والترهيب والقتل. وهُجّر مئات الآلاف من الفلسطينيين من ديارهم وأصبحوا لاجئين. ومنعت المسلمين بشكل تعسفي من ممارسة شعائرهم الدينية في القدس، ونفذت مرارا اقتحامات عسكرية للمسجد الأقصى، وتسببت في اندلاع اشتباكات.

كما نال المسيحيون نصيبهم من هذا القمع، ولم يتمكنوا من أداء عباداتهم بحرية. ومنذ عام 1948، لم تتوقف الصراعات في الأراضي الفلسطينية بسبب إسرائيل.

16. استقبلت تركيا في أراضيها آلاف اليهود الذين طُردوا من الأندلس عام 1492، وكذلك الذين فروا من أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية. ولا يزال آلاف اليهود في تركيا قادرين على أداء شعائرهم الدينية بحرية في معابدهم اليهودية وكنسهم. وتتولى الشرطة التركية حماية هذه الأماكن الدينية والمراكز الثقافية.

أما في إسرائيل، فلا يستطيع الأتراك المسلمون، شأنهم شأن الشعوب المسلمة الأخرى، أداء عباداتهم بحرية. وبدلا من حماية أماكن عبادة المسلمين من جانب قوات الأمن، تُبذل جهود خاصة لهدمها. أما الأتراك الذين لم يتبق منهم حاليا سوى عدد قليل، فيتعرضون، إذا جرى التعرف عليهم، لقمع ومضايقات خاصة من جانب موظفي الدولة الإسرائيلية.

17. تمتلك تركيا تقاليد دولة متعددة الأديان والثقافات والأعراق. وفي جميع الإمبراطوريات والدول التي أُسست وفي الجمهورية، نُظر إلى هذا التركيب المجتمعي المختلط باعتباره مصدر ثراء وتم الحفاظ عليه. وعُيّن كثير من اليهود والمسيحيين في مناصب مهمة بالدولة في عهد الإمبراطورية العثمانية أو الجمهورية، واضطلعوا بأدوار مهمة في المجتمع.
إعلان


أما إسرائيل، فلم تكن في أي وقت دولة متعددة الأديان والثقافات والأعراق. ولم يُشهد في دولتها تعيين شخص من أتباع الديانة الإسلامية أو المسيحية، من غير اليهود، في منصب مهم. وهم يؤمنون بتفوقهم وينظرون باحتقار إلى الهويات العرقية الأخرى.

آمل أن يكون الفرق بين تركيا وإسرائيل قد اتضح جيدا.

السبت، 15 أغسطس 2026

مبادرتان أدارتا الرؤوس.. لماذا تفاجأنا في تركيا؟

مبادرتان أدارتا الرؤوس.. لماذا تفاجأنا في تركيا؟
كاتب وصحفي تركي.


 في تركيا بذلنا نحن الصحفيين خلال الأسبوع الماضي جهدا مكثفا للغاية لفهم تطورين مهمين والكتابة عنهما وشرحهما، حتى كادت رؤوسنا يصيبها الدوار. وهذان التطوران لا يعنيان تركيا وحدها، بل يعنيان المنطقة أي الشرق الأوسط من كثب.

جهود كبيرة لأربعة وزراء
سيتذكر قرائي الذين يتابعون هذا العمود، أو سيتضح لهم عند العودة إلى مقالاتي في الأرشيف، أنني أحاول باستمرار توضيح أننا في قلب تحول جيوسياسي كبير، وأن الوقت قد حان لتحالفات وتضامن وهياكل جديدة.

وكانت الحقيقة التي أفرزتها الزلازل الجيوسياسية التي بدأت في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 هي أن أي دولة مسلمة في المنطقة باتت تحت التهديد، وأنه أصبح من الضروري أن نفعل شيئا لحماية أنفسنا ومستقبل أطفالنا.

وهذا يعني تحالفا جديدا، واتفاقات أمنية جديدة، وأخرى للتعاون الاقتصادي، وبنية جديدة للشرق الأوسط. وعلى الدول المسلمة أن تبني ذلك بإرادتها ورغبتها وإمكاناتها الخاصة، وهذا ما أكتب عنه منذ عامين.

وكانت المحادثات التي بدأت على مستوى وزراء الخارجية بين تركيا والسعودية وباكستان ومصر اجتماعات نوقشت فيها هذه القضايا تحديدا. وقد مضى على ذلك أكثر من عامين. ومنذ ذلك اليوم، أؤمن بأهمية هذه الاجتماعات وأنها تمثل أملا للمستقبل وتشكل نواة قوية.

وعندما شهدت أحد هذه الاجتماعات في الرياض، أدركت مرة أخرى مدى أهمية المسار الذي تشكله.

التأثير النفسي لاتفاق مكة
عندما أعلن مكتب الاتصال في الرئاسة التركية أن الرئيس رجب طيب أردوغان سيتوجه فجأة إلى مكة وأنه سيعقد هناك اجتماعا مشتركا مع ولي العهد السعودي ورئيس الوزراء الباكستاني، أدركنا على الفور أن ذلك سيكون أول خطوة جدية في التحول الكبير الذي كنا ننتظره.

وكان من المقرر أن تُعلن للعالم أولى ثمار الاجتماعات التي واصلها الوزراء الأربعة على مدى عامين في صورة اتفاق بين قادة الدول الثلاث على أعلى مستوى.

وبدأت صور القادة الثلاثة وهم يقفون جنبا إلى جنب في صف واحد ويؤدون الصلاة في مكة، قبلة المسلمين، تُحدث تأثيرها في جميع أنحاء العالم حتى قبل الإعلان عن بنود الاتفاق. وكنا أمام اللحظة التي تحولت فيها للمرة الأولى أمنية أن يتحد المسلمون في مواجهة الظلم والاعتداء والجوع والبؤس إلى حقيقة تجسدت في صورة ملموسة. وانتشر التأثير النفسي الذي أحدثه ذلك على شكل موجات من مكة إلى جميع أنحاء العالم الإسلامي.

وحتى قبل مناقشة قضايا مثل كون الاتفاق حلفا دفاعيا، وكيفية تطبيقه، والصعوبات والإمكانات المرتبطة به، فإن هذه الحالة النفسية الإيجابية التي نشأت تمثل في حد ذاتها قيمة كبيرة. إذن يمكن أن يحدث ذلك، ويمكن لقادة الدول المسلمة أن يجتمعوا وأن ينسوا خلافاتهم. وهذه رياح نفسية قوية للغاية للمستقبل.

نحن جيل نشأ وهو يرى ويعيش آلام الظلم والاستغلال والإبادة الجماعية والغزو الذي مارسته دول ليست من هذه الجغرافيا وغريبة عنها. وقد أدركنا الآن، كحقيقة مؤلمة، أنه يتعين علينا أن نحدد مصيرنا بأنفسنا بإذن الله

نهر التاريخ فاض وسيجد مجراه
إن الجغرافيا التي نعيش فيها تشبه أنهار التاريخ. فمثل أنهار دجلة والفرات والعاصي والنيل والأردن، ظل التاريخ يجري ويتشكل دائما في جغرافيتنا. أما الآن فقد فاض نهر التاريخ، وهو يجري بحثا عن مجراه. ومن يواكبون التحول الجيوسياسي ويستفيدون من تيار النهر سيعودون إلى مسرح التاريخ، أما الذين لا يفهمون هذا التحول فسيجرفهم السيل ويمضون.

نحن جيل نشأ وهو يرى ويعيش آلام الظلم والاستغلال والإبادة الجماعية والغزو الذي مارسته دول ليست من هذه الجغرافيا وغريبة عنها. وقد أدركنا الآن، كحقيقة مؤلمة، أنه يتعين علينا أن نحدد مصيرنا بأنفسنا بإذن الله.

وهكذا فإن اتفاق مكة الذي يأتي في مرحلة يغير فيها نهر التاريخ مجراه هو خطوة من المسلمين للبقاء صامدين من دون أن يجرفهم السيل.

وأنا على يقين من أن هناك دولا عديدة أخرى ستنضم إلى هذا الاتفاق، فالتاريخ المشترك يدفعنا إلى الوحدة والتعاون من أجل مصلحتنا جميعا.

قانون إستراتيجي يحظى بدعم قياسي في البرلمان التركي
بعد يوم واحد من مراسم التوقيع التاريخية في مكة، بدأت هذه المرة أحداث يوم تاريخي في البرلمان التركي. فبعد مراحل شاقة للغاية، بدأت في البرلمان مناقشات تحويل المشروع الهادف لنزع سلاح حزب العمال الكردستاني، والمعروف باسم "مسار تركيا بلا إرهاب"، إلى قانون.

وكان الرئيس أردوغان، الذي أطلق المسار، وشريكه السياسي رئيس حزب الحركة القومية دولت بهتشلي يريدان أن يحظى القانون -الذي سيُسن لأعضاء حزب العمال الكردستاني، الذين سيلقون السلاح ويحلون التنظيم- بدعم أحزاب المعارضة أيضا.

وخلال المناقشات، كان من المتوقع أن يدعم القانون أكثر من 400 نائب في البرلمان المؤلف من 600 عضو. وباستثناء حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية وحزب المساواة وديمقراطية الشعوب، وهي الأحزاب التي تدير المسار بصورة مشتركة، أيدت غالبية أحزاب المعارضة المسار، وأُقر القانون بـ467 صوتا، أي بنسبة 83% من البرلمان.

والواقع أنه لم يكن متوقعا الحصول على هذا العدد المرتفع من الأصوات، كما لم تُقر أي مادة قانونية بهذه النسبة خلال السنوات الـ25 الماضية. ولذلك قدم البرلمان دعما تاريخيا لمسار نزع سلاح حزب العمال الكردستاني.

وهكذا لقيت دعوة الرئيس أردوغان إلى "تعزيز الجبهة الداخلية"، التي أطلقها بعد هجمات إسرائيل على جيرانها، استجابة. فقد وضعت الأحزاب في البرلمان التركي الأمن القومي في موقع فوق السياسة وقدمت دعمها للحكومة. وهذا يعني أيضا أن المعارضة والحكومة ستقيمان معا خط دفاع في مواجهة أي تهديد أمني قد يحدث مستقبلا.

إن إلقاء حزب العمال الكردستاني السلاح وانخراطه في الحياة الاجتماعية يمثلان بداية مسار يمكن أن يشكل نموذجا في سوريا والعراق وإيران. وإذا اكتمل هذا المسار بنجاح، فسيدخل الأدبيات باسم "التجربة التركية"

سيبدأ مسار منطقة بلا إرهاب
تكافح تركيا إرهاب حزب العمال الكردستاني منذ نحو 40 عاما، ولم تتمكن من الشعور بالارتياح إلا خلال السنوات الثلاث الأخيرة، إذ لم تنفجر قنابل في مدنها ولم يسقط لها شهداء. ولا ينشط حزب العمال الكردستاني في تركيا وحدها، بل هو تنظيم فاعل للغاية أيضا في سوريا والعراق وإيران. ولهذا كان من أكثر التنظيمات التي استخدمتها دول أجنبية وسلحتها وقدمت لها مساعدات مالية وجعلتها مصدر متاعب لدول أخرى.

وهو في الوقت نفسه من أطول التنظيمات بقاء في تاريخ التنظيمات الإرهابية، ومن أكثرها تأثيرا في نطاق جغرافي واسع. ولذلك فإن نزع سلاحه وحل نفسه سيكون نقطة تحول تاريخية، ليس لتركيا وحدها، بل للمنطقة بأكملها.

ولهذا يستخدم الرئيس أردوغان كثيرا مفهومي "تركيا بلا إرهاب" و"منطقة بلا إرهاب". إذ إن إلقاء حزب العمال الكردستاني السلاح وانخراطه في الحياة الاجتماعية يمثلان أيضا بداية مسار يمكن أن يشكل نموذجا في سوريا والعراق وإيران. وإذا اكتمل هذا المسار بنجاح، فسيدخل الأدبيات باسم "التجربة التركية" في تاريخ وقف الصراعات ومكافحة التنظيمات المسلحة.

أسماء ستدخل التاريخ
ستُذكر عدة أسماء بصورة خاصة في تاريخ هذا المسار الذي سيُكتب خلال السنوات المقبلة. وسيأتي الرئيس أردوغان وزعيم حزب الحركة القومية دولت بهتشلي بلا شك في المقدمة. وكان رئيس جهاز الاستخبارات الوطنية إبراهيم قالن اسما مهما آخر عمل خلف الكواليس في هذا المسار. فقد تولى جهاز الاستخبارات الوطنية بنجاح كامل التخطيط للمسار والتنسيق الميداني له، وأوصله إلى ما هو عليه اليوم.

وبالطبع سيُذكر أيضا زعيم التنظيم عبد الله أوجلان، الذي يتضح أنه -رغم وجوده في السجن منذ 27 عاما- لا يزال يقود حزب العمال الكردستاني ويتمتع بالنفوذ داخله.

لكن جميع الأحزاب السياسية التي تدعم الآن مسار التشريع في تركيا تتبنى المشروع. وستؤدي أيضا دورا مهما في مسار الاندماج وإعادة التأهيل الذي سيبدأ بعد ذلك، إذ قد تكون هناك حاجة إلى ترتيبات قانونية جديدة.

وكما يتضح فإننا نعيش أياما تاريخية سواء داخل تركيا أو في الشرق الأوسط. ولا ننسى أن غزة كانت العنصر المحفز لكل هذه التحولات الجيوسياسية. وآمل أن تؤدي جميع هذه المسارات يوما ما إلى إنهاء معاناة فلسطين وغزة أيضا.

السبت، 27 يونيو 2026

اجتماع الشرفة.. هل يتشكل تحالف جديد ضد أردوغان؟

اجتماع الشرفة.. هل يتشكل تحالف جديد ضد أردوغان؟


في 15 يونيو/حزيران 1997، كنت أقف في حديقة قصر تشيراغان، أحد أجمل المباني المطلة على المضيق في إسطنبول. يومها مر أمامي رئيس الوزراء آنذاك نجم الدين أربكان برفقة وفد كبير، متوجها إلى اجتماع بالغ الأهمية كان يعقد داخل القصر.

تحالف جديد يعلن للعالم
في قصر تشيراغان الذي يعود إلى الحقبة العثمانية ويستخدم اليوم فندقا، أُعلن تأسيس "منظمة الدول الثماني النامية للتعاون الاقتصادي"، التي ضمت الدول المؤسسة: تركيا، وبنغلاديش، وإندونيسيا، وإيران، وماليزيا، ومصر، ونيجيريا، وباكستان، ثم توسع التحالف بانضمام أذربيجان بعد قبولها من خلال تصويت جرى في 2024 بالقاهرة.

ومن خلال بيان حمل اسم "إعلان إسطنبول"، أعلنت الدول الثماني توحيد جهودها والعمل من أجل تحقيق التنمية. كما وقف قادة الدول في شرفة تطل على الحديقة الأمامية للقصر لالتقاط صورة جماعية أمام الصحفيين.

يعتبر هذا الاجتماع من أولى المحاولات الجادة للدول الإسلامية للاجتماع والتعاون فيما بينها، وحظي آنذاك باهتمام واسع، إذ انخرط الجميع في مناقشة مستقبل هذا التكتل الجديد المعروف باسم مجموعة الدول الثماني النامية  "D-8"

كنت شاهدا على الاجتماع في ذلك اليوم بصفتي صحفيا، وواصلت متابعة مساره لاحقا. وبعد يومين فقط من انعقاد الاجتماع، اضطر أربكان إلى الاستقالة من منصبه تحت ضغط العسكريين.

ومع استقالته بدأ هذا التكتل، الذي كان أربكان الأب الروحي لفكرته، يفقد زخمه وشعبيته تدريجيا. ثم تحول مع مرور الوقت إلى إطار رمزي وأصبحت تنظم اجتماعات سنوية لإحيائه من خلال فعاليات ثقافية. وأصبح من التقاليد المتبعة في هذه اللقاءات أن يلتقط المشاركون صورا تذكارية على الشرفة نفسها التي وقف عليها قادة الدول الثماني عام 1997.

لم تكن الظروف مواتية لمجموعة الدول الثماني النامية
بعد مرور 29 عاما، دعيت إلى اجتماع إحياء ذكرى المنظمة، وخلال متابعتي الفعاليات المنعقدة عادت إلى ذهني ذكريات يوم التأسيس الأول. وأثناء الكلمات التي ألقيت، جرى التأكيد على أن مجموعة الدول الثماني النامية (D-8) شكّلت أساسا بوصفها مماثلا لمجموعة السبع التي أسستها الدول الكبرى، وأنها تشكل أول خطوة مهمة اتخذتها الدول الإسلامية نحو التعاون والوحدة.

إعلان

كان جميع المشاركين من الوزراء والسفراء ورؤساء الحكومات ورؤساء الدول السابقين، فيما لم يحضر أي من المسؤولين الحاليين للدول المؤسسة. وتحدث الحاضرون جميعا عن أهمية هذا الكيان الذي يعود الفضل في تأسيسه إلى نجم الدين أربكان.

لقد كانت هذه المنظمة مبادرة مهمة تظهر مدى قوة رؤية أربكان وتصوره للمستقبل. لكن لا البنية السياسية في تركيا آنذاك، ولا الظروف الدولية السائدة، كانت مهيأة لتحويل هذا المشروع إلى واقع. كما أن الدول الغربية ونظيراتها في آسيا لم تكن ترغب بطبيعة الحال في ظهور تكتل مثل هذا ينافسها. بالإضافة لذلك، فإن القدرات الاقتصادية والسياسية والعسكرية لهذه الدول لم تكن كافية لفرض تأسيس كيان بديل في العالم رغم الدول الغربية.

تجدد الجدل حول تحالف جديد
ومنذ 29 عاما تنظم في تركيا فعاليات لإحياء ذكرى تأسيس مجموعة الدول الثماني النامية، إلا أن اجتماع هذا العام أثار جدالات من نوع مختلف، لأنه شهد مشاركة رؤساء أحزاب المعارضة المحافظة والرئيس التركي الحادي عشر عبد الله غول. وعندما اجتمع المشاركون- وفق التقليد المتبع- في شرفة القصر والتقطوا صورة جماعية، بدأت النقاشات بشأن ما إذا كانت تركيا تشهد تأسيس تحالف جديد في مواجهة الرئيس أردوغان.

كانت جميع الأحزاب السياسية المشاركة في الاجتماع هي أحزاب انبثقت عن الحركة التي أسسها نجم الدين أربكان التي تسمى "الرؤية الوطنية". وضمت الصورة كلا من مستضيف الاجتماع رئيس حزب السعادة محمود أريكان، ورئيس حزب "الرفاه الجديد" فاتح أربكان نجل نجم الدين أربكان، ورئيس حزب المستقبل ورئيس الوزراء السابق عن حزب العدالة والتنمية أحمد داود أوغلو، ورئيس حزب الديمقراطية والتقدم (ديفا) ونائب رئيس الوزراء السابق عن العدالة والتنمية علي باباجان، إضافة إلى الرئيس التركي السابق وأحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية عبد الله غول. وقد أسهمت الأجواء الودية التي عكستها الصورة في إثراء النقاشات التي ترجح تشكل تحالف جديد.

تحظى السياسة الخارجية والسياسات الأمنية ومبادرات الصناعات الدفاعية التي انتهجها أردوغان بتقدير كبير في ظل الاضطرابات الجيوسياسية. وفي هذا المناخ العالمي المضطرب، يعتقد الشعب أن لا أحد غير أردوغان قادر على إخراج تركيا من هذه الدوامة

هل يمكن تشكيل تحالف جديد؟
مارست جميع هذه الشخصيات العمل السياسي في الأحزاب التي أسسها أربكان وتلاميذه. ومع ذلك لم يستطيعوا في الانتخابات الأخيرة أن يجتمعوا على كلمة سواء أو يشكلوا تحالفا أو يتفقوا على مرشح مشترك. فعلى الرغم من تشابه أفكارهم وخلفياتهم السياسية المشتركة، بل وحتى علاقات الصداقة التي تجمع بينهم، فإنهم لم يتمكنوا من تأسيس حزب واحد، أو التحرك بشكل مشترك.

واليوم يوجد في تركيا خمسة أحزاب سياسية مختلفة- وُلدت من رحم الحركة التي أطلقها أربكان- تمارس السياسة بشكل نشط، ولا يمكن القول إنها متوافقة فيما بينها. ويعد حزب العدالة والتنمية الأكبر بينها، وهو الحزب الحاكم. وتدور الآن في تركيا نقاشات حول ما إذا كان تلاميذ أربكان سيشكلون تحالفا بديلا في مواجهة حزب العدالة والتنمية وأردوغان.

إعلان

ورغم عدم وجود شخصيات تقدم تحليلات سياسية بارزة من بين المشاركين، حول القضية موضع النقاش، فإن ما يجري تداوله على الساحة لاقى اهتماما واضحا. وربما أسهمت مشاركة عبد الله غول بشكل خاص في إعطاء المداخلات والحوار إثارة وعمقا. لكن ممثلي الأحزاب الذين تحدثت إليهم أثناء انعقاد  هناك لم يكونوا يعتقدون إطلاقا بإمكانية تشكيل هيكل تحالف هنا. مع اتساع وانتشار هذه التحليلات، تحدثت إليهم مجددا، فقالوا إن الأخبار والتعليقات كانت موجهة إلى حد ما، وأنها صادرة عن أشخاص لا يعرفون حقيقة ما يجري.

باختصار، لن يخرج من هنا مرشح ضد أردوغان، كما أن تشكيلهم تحالفا يبدو أمرا صعبا، ويعود ذلك إلى المواقف والرؤى التي تبناها هؤلاء السياسيون حتى اليوم.

معارضة أردوغان لا تحظى باهتمام شعبي
في الانتخابات الرئاسية عام 2023، اتخذ قادة الأحزاب الذين يقفون اليوم جنبا إلى جنب في الصورة مواقف مختلفة تماما. فقد دعم فاتح أربكان، الرئيس أردوغان. بينما أعلن عبد الله غول أنه لن يترشح على قائمة أي حزب. أما علي باباجان وأحمد داود أوغلو ومحمود أريكان فقد دعموا رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كليجدار أوغلو، الذي يعد أبرز خصومهم السياسيين.

ورغم كل المحاولات لم يتمكنوا من توحيد أحزابهم، بل إن أحزاب السعادة والمستقبل والديمقراطية والتقدم (ديفا) خاضت الانتخابات البرلمانية ضمن قوائم حزب الشعب الجمهوري. وكان ذلك أكبر خطأ سياسي ارتكبوه؛ لأن قواعد "الرؤية الوطنية" أبدت رد فعل قوي تجاه التحالف مع حزب الشعب الجمهوري ذي الجذور اليسارية. كما أن التحالفات التي تقوم على معارضة أردوغان لم تحظ باهتمام شعبي في أي وقت.

وفي الانتخابات البلدية التي أجريت لاحقا، لم يفز أي من هذه الأحزاب برئاسة أي بلدية باستثناء حزب الرفاه الجديد الذي يدعم أردوغان، وبقيت نسبة أصواتها في حدود 1%. وفي الواقع، تعرضت هذه الأحزاب لهزيمة سياسية كبيرة. ورغم أن نتائج الانتخابات أظهرت سوء تقدير السياسات التي اتبعتها، وارتكابها أخطاء جسيمة، فإن أيا منهم لم يتحمل المسؤولية أو يقدم استقالته. وعلى إثر ذلك استقال عدد كبير من الشخصيات السياسية من هذه الأحزاب.

وفي المحصلة، فإن مجموع أصوات الأحزاب السياسية الأربعة التي اجتمعت خلال ذكرى تأسيس مجموعة الثماني في شرفة قصر تشيراغان لا يصل اليوم إلى 4%.

المرشح المشترك لن يخرج من تلك الصورة
عندما سألت عما إذا كان ترشح عبد الله غول أو علي باباجان يمكن أن يوحد هذه الأحزاب، أبدى كثير من مسؤولي الأحزاب اعتراضهم على الفور. فبحكم سنه، لا يتوقع أحد أن يخوض عبد الله غول مغامرة جديدة. أما باباجان فيبدو أنه استنفد رصيده لدى المجتمع.

ومع ذلك لا أعتقد أن هذه الأحزاب- المنبثقة من حركة "الرؤية الوطنية" التي أسسها نجم الدين أربكان- ستدعم مرة أخرى مرشحا ينظر إليه على أنه خصم لأربكان، كما فعلت في الانتخابات السابقة. ويبدو أنها تعلمت من أخطائها. وبدلا من ذلك ستحاول الآن طرح مرشح محافظ مشترك.

وتبدو مهمتها في الانتخابات الرئاسية صعبة للغاية؛ لأن المناخ السياسي في تركيا والعالم تغير كثيرا. وتحظى السياسة الخارجية والسياسات الأمنية ومبادرات الصناعات الدفاعية التي انتهجها أردوغان بتقدير كبير في ظل الاضطرابات الجيوسياسية. وفي هذا المناخ العالمي المضطرب، يعتقد الشعب أن لا أحد غير أردوغان قادر على إخراج تركيا من هذه الدوامة. كما ينظر إلى أردوغان على أنه سيفوز بالانتخابات مع تحسن الأوضاع الاقتصادية في البلاد.

ولهذا السبب لا تبدو التعليقات التي تتحدث عن خروج تحالف جديد أو تحديد مرشح مشترك من فعالية إحياء ذكرى مجموعة الدول الثماني النامية ذات أهمية كبيرة؛ نظرا للأسباب التي تم شرحها في ثنايا هذا المقال.

الأحد، 14 يونيو 2026

أردوغان يهدد بقوة.. هل حان الصدام المؤجل مع إسرائيل؟

 أردوغان يهدد بقوة.. هل حان الصدام المؤجل مع إسرائيل؟

كاتب وصحفي تركي.

على مدى 106 أعوام من تاريخ الجمهورية التركية، لم يسبق لأي رئيس أن عبر عن رؤية الدولة للأمن بهذه الكلمات. 

ففي 10 يونيو/حزيران الجاري، ألقى الرئيس أردوغان خطابا خلال اجتماع الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية، أحدث صدى واسعا في العالم بأسره، قال فيه:

"إن سوريا ولبنان دولتان تقعان ضمن جغرافيا المحبة والأخوة التي تنتمي إليها تركيا، فدمشق وبيروت مدينتان شقيقتان لإسطنبول. وأمن تركيا لا يبدأ من هاتاي فحسب، بل يبدأ من حلب ومن دمشق، كما يبدأ من بيروت. ولن نسمح بفرض أي أمر واقع في بلدان أشقائنا، ولن نتغاضى عن أي اعتداء يستهدف إخواننا. والآن يخرج هؤلاء وأتباعهم المأجورون ليطلقوا تهديدات مزعومة ضد تركيا هنا وهناك.

لا حاجة لأن تتفوّهوا بذلك، فنحن نعرف نياتكم وأهدافكم جيدا، وندرك تماما ما الذي تسعون إليه. كما أننا على وعي كامل بالغاية النهائية لهذيان أرض الميعاد. وبإذن الله، لن نسمح بذلك أبدا… أقولها بوضوح، لا ينبغي لأحد أن ينجر وراء المغامرة، ولا أن يصطف خلف شبكة القتل الصهيونية. وإذا جرى المساس بحقوق تركيا أو القبارصة الأتراك في شرق البحر المتوسط، فليعلم الجميع أن ردنا سيكون واضحا وحازما للغاية".

لقد كان تأثير هذا التصريح كبيرا إلى درجة أن نتنياهو اضطر، بعد ساعة أو ساعتين فقط من الخطاب، إلى توجيه رد حاد جدا لأردوغان عبر حسابه على وسائل التواصل الاجتماعي. وفي اليوم نفسه، عندما سئل الرئيس الأمريكي عن التصريح قال ترمب: "لم أكن على علم بذلك"، مشيرا بعدها إلى متانة علاقته بأردوغان ومتجنبا الإجابة عن السؤال.

في الواقع، لم يكن تصريح أردوغان مجرد تعبير بلاغي، فقد كانت تركيا تعطي إشارات منذ فترة بأنها غيرت مفهومها للتهديدات، ونموذجها الأمني.

وعلى غرار تصريحات أردوغان، كان هناك أيضا تصريحان آخران مهمان لم يحظيا بالاهتمام:

إعلان

في 9 يونيو/حزيران، قبل يوم واحد من خطاب أردوغان، أدلى رئيس حزب الحركة القومية دولت بهتشلي، الشريك السياسي لحزب العدالة والتنمية، وأحد الفاعلين المؤثرين في رسم التوازنات السياسية في تركيا، بتصريحات مهمة في البرلمان حول الموضوع نفسه، قال فيها:

"إن هذه القضية تمثل معادلة أمنية واسعة تمتد من مضيق هرمز إلى شرق البحر المتوسط، ومن لبنان إلى سوريا، ومن شمال العراق إلى البحر الأحمر، ومن الخليج إلى قبرص. كما تمتد من طرق التجارة البحرية إلى حقول النفط والغاز الطبيعي، ومن أحواض الأمن المائي إلى مسارات نقل الطاقة، ولا تتردد في تأجيج الحساسيات التاريخية والثقافية والعرقية والمذهبية في المنطقة… إن قراءة هذه المعادلة من خلال التحركات العسكرية الراهنة وعناوين الأزمات الحالية فقط ستبقى قراءة ناقصة… فليست هذه هي المرة الأولى التي تتعرض فيها منطقتنا لحسابات ترسم على الطاولات، وخرائط تخط بالمسطرة، وأوضاع تفرض من الخارج، ونوايا إمبريالية.

بالأمس أريدَ قطع شرايين جغرافيتنا باتفاقية سايكس بيكو. وبالأمس زرعت بذرة سامة في قلب فلسطين بوعد بلفور، وفصل كفن للأمة التركية بمعاهدة "سيفر"، وكذلك وضعت الحسابات بشأن العديد من أجزاء الوطن، من الموصل إلى كركوك، ومن حلب إلى القدس، ومن قبرص إلى تراقيا الغربية. لكن أصحاب هذه الحسابات نسوا أمرا واحدا: الأمة التركية ليست أمة يمكن محاصرتها في الزاوية، وليست أمة يمكن محوها من مسرح التاريخ حتى لو اصطف العالم بأسره في مواجهتها…".

وعقب تصريحات بهتشلي، وبينما كانت أصداء كلمات أردوغان لا تزال تردد، قال المتحدث باسم وزارة الدفاع، الأميرال زكي أكتورك، خلال مؤتمر صحفي عقده على متن سفينة حربية:

"نحن نتابع من كثب الاستفزازات الرامية إلى زعزعة الاستقرار، ورفع مستوى التوتر في شرق البحر المتوسط. إن الاتفاق المبرم بين إدارة جنوب قبرص الرومية وفرنسا، التي لا تتمتع بصفة الدولة الضامنة في قبرص، والذي يهدف إلى تغيير التوازنات الحساسة في الجزيرة من جانب واحد، ويتجاهل إرادة القبارصة الأتراك وحقوقهم السيادية المتساوية، يتعارض مع اتفاقيات قبرص لعام 1960 ومع القانون الدولي… وبصفتنا دولة ضامنة، سنواصل اليوم كما فعلنا بالأمس حماية حقوق ومصالح جمهورية شمال قبرص التركية وضمان أمنها. وتمتلك القوات المسلحة التركية القدرة والإرادة اللازمتين لتوجيه أشد رد على أي مواقف عدائية تهدد أمن القبارصة الأتراك".

وعلى الرغم من حدة الانتقادات الموجهة إلى فرنسا، فإن الاتفاقات التي أبرمها الجانب الرومي واليونان وفرنسا لا تبدو بالعمق الكافي لإحداث تغيير في توازنات شرق المتوسط، إذ لم تعد القدرات العسكرية والاقتصادية لفرنسا بالحجم الذي يمكنها من تغيير موازين المنطقة، ولا يتجاوز الأمر استعراضات ماكرون المعتادة. غير أن الاتفاقات والتعاون الذي تقيمه إسرائيل مع الجانب الرومي واليونان تمثل مصدر تهديد بالنسبة إلى تركيا.

تركيا غيرت مفهومها للأمن
تشكلت السياسة الخارجية التركية لسنوات طويلة حول مقولة أتاتورك: "صلح في الوطن، صلح في العالم". ولهذا السبب تجنبت تركيا التدخل في التطورات التي كانت تشهدها المناطق المحيطة بها، بما في ذلك دول الجوار. غير أن الظروف المتغيرة أظهرت أن تركيا دفعت أثمانا باهظة وشهدت أزمات كبيرة نتيجة الأحداث التي وقعت في محيطها الحيوي. ومع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، بدأت تركيا تتابع من كثب التطورات في الشرق الأوسط والبلقان والقوقاز، وأصبحت أكثر انخراطا فيها، قبل أن يمتد هذا التوجه، في السياسة الخارجية والأمنية، إلى أفريقيا.

إعلان

وخلال السنوات الخمس الأخيرة، عززت أنقرة حضورها وتأثيرها في التوازنات وتطبيق السياسات الفعالة في المناطق التي ترتبط بها تاريخيا وجغرافيا ودينيا وثقافيا، مدفوعة بتغير نظرتها إلى الأمن والتهديدات. ومن خلال تحركاتها العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية في سوريا والعراق، نجحت في القضاء على الإرهاب داخل أراضيها.

كما أظهرت، عبر الاتفاق المبرم مع ليبيا، أنها لاعب مؤثر في شرق البحر المتوسط. وأسهم تدخلها غير المباشر في حرب ناغورني قره باغ في تغيير مسار الحرب وموازين المنطقة، فيما واصلت اتخاذ خطوات فاعلة في البلقان وأفريقيا ضمن حدود إمكاناتها.

وتعكس هذه التحركات مجتمعة تحولا جوهريا في نموذج تركيا للأمن والتعاون. غير أن التحولات الجيوسياسية التي شهدها الشرق الأوسط منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على غزة جعلت من بناء منظومة أمنية جديدة ضرورة ملحة لتركيا.

إسرائيل بات ينظر إليها بوصفها تهديدا
عندما تحولت المنطقة إلى بحر من النيران نتيجة العدوان الإسرائيلي الذي لا يعرف حدا، بدأ الجميع في تركيا يتحدثون عن أن إسرائيل ستهاجم تركيا يوما ما. وباتت تهيمن على الجميع قناعة مفادها أنه إذا كانت إسرائيل تهاجم دولة سلمية ومحايدة مثل قطر، فإنها يمكن أن تستهدف أي طرف.

بيد أن بواعث هذا الاعتقاد لم تكن نابعة من مجرد حدس؛ إذ إن احتلال إسرائيل للأراضي السورية وقصفها للبلاد، والاحتلال الفعلي للبنان، وأخيرا الاتفاقات التي أبرمتها مع اليونان والإدارة الرومية في جنوب قبرص، نظر إليها بوصفها تحركات لمحاصرة تركيا بحرا وبرا.

وعلى امتداد التاريخ، ارتبطت دمشق وبيروت والقدس ببعضها البعض. وينظر إلى احتلال لبنان على أنه يعني أيضا دخول دمشق دائرة الخطر. كما باتت تركيا تتعامل مع سوريا باعتبارها جزءا من نطاق أمنها الداخلي. ولذلك فإن تعمق حالة عدم الاستقرار في لبنان، واتساع نطاق الاحتلال الإسرائيلي يعدان وضعا خطيرا سيؤثر بشكل مباشر على سوريا ومن ثم تركيا.

ولهذا السبب، تبذل تركيا جهودا مكثفة لوقف التمدد الإسرائيلي عند هذا الحد، حيث تسعى لمنع التوسع الإسرائيلي عبر تفعيل القنوات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة، والهيمنة الميدانية عبر دول المنطقة. وقد ترد تركيا قريبا على إسرائيل واليونان والجانب الرومي وفرنسا من خلال اتخاذ قرار يغير وضع المياه الإقليمية في البحر الأبيض المتوسط.

الحدود الأمنية لتركيا تغيرت
بناء على كل ما تقدم، يمكننا القول إن مفهوم الأمن وحدود التهديدات بالنسبة لتركيا قد تغيرا بالفعل. فالجبهة اللبنانية في الشرق الأوسط، وجزيرة قبرص في البحر الأبيض المتوسط، وليبيا في منطقة المغرب العربي، وتلال قره باغ في القوقاز، والبوسنة وكوسوفو في البلقان، ومياه البحر الأسود في الشمال، وسواحل الصومال في أفريقيا باتت تشكل حدود مفهوم التهديدات.

ولذلك فإن أي تحرك في هذه المناطق من شأنه تغيير موازين القوى أو التأثير على التوازنات ستتعامل معه تركيا بوصفه خطوة تهدد أمنها ومصالحها، وتبدو أنقرة عازمة على استخدام أقصى حدود قوتها للرد على ذلك.

وهناك دول تقرأ هذه السياسات على أنها محاولات "توسع وتعزيز للنفوذ"، وتأتي إسرائيل على رأس هذه الدول؛ إذ بدأت وسائل الإعلام الإسرائيلية في الأيام القليلة الماضية بث تقارير تظهر تركيا على أنها "عدو محتمل". وفي أوروبا، تتبنى دول مثل فرنسا، والنمسا، واليونان، والجانب الرومي رؤى مشابهة. وفي المقابل، هناك دول أوروبية مثل إسبانيا، وإيطاليا، وبريطانيا، وكرواتيا، وأيرلندا، تعمل على تعزيز علاقاتها مع تركيا، ولا تتحرك وفق الخطوط الحمراء القديمة.

وفي المرحلة القادمة، ينبغي متابعة مسار التوتر التركي الإسرائيلي من كثب؛ إذ إن صراع القوى هذا لن ينتهي عند هذا الحد.

الجمعة، 22 مايو 2026

أمريكا متراجعة.. ولهذا السبب تتأخر الصين عن قيادة العالم

 أمريكا متراجعة.. ولهذا السبب تتأخر الصين عن قيادة العالم

كاتب وصحفي تركي.

ماذا حدث بعد زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والوفد الضخم المرافق له إلى الصين؟ وما الذي تغير في العالم عقب لقاء القوتين العظميين؟ 

الجواب باختصار: لم يتغير شيء.

فلم تنتهِ الحروب في أوكرانيا وإيران، التي تعد أخطر الأزمات العالمية، ولم تُطو أزمة الطاقة، ولم يعلن حتى عن أي جهود جدية في هذا الاتجاه.

كما لم يتم التوصل إلى أي اتفاق بشأن تايوان، التي تمثل بؤرة توتر، ولم نشهد كذلك أي جهود رامية إلى نظام عالمي أكثر عدالة، أو توزيع أكثر إنصافا للدخل، أو انفتاحٍ تجاه الدول الفقيرة، أو (مبادرات) لصالح المحتاجين.

بينما تنهار القوة القديمة، لا تولد قوة جديدة

إن عبارات المجاملة المبالغ فيها التي صدرت عن ترمب خلال الزيارة، وكلماته التي تمجد الصين ورئيسها شي جين بينغ، إضافة إلى التصريحات الصادرة، تعكس أن الولايات المتحدة هي الطرف الأضعف على الطاولة.

ويبدو أن واشنطن تدرك تراجع نفوذها المهيمن بالتوازي مع تناقص قوتها في الاقتصاد العالمي.

ولا شك أن الولايات المتحدة لا تزال القوة العسكرية العظمى في العالم، بيد أن ذلك لم يعد كافيا وحده لفرض كلمتها في النظام الدولي.

فما القيم التي تقدمها؟ وكيف توجه السياسة العالمية المتأزمة؟ وما هو البديل الذي تقدمه في مواجهة تآكل القيم الإنسانية؟ وأي رؤية اجتماعية أو ثقافية تطرحها؟

وعند المقارنة بين الولايات المتحدة اليوم وبين مكانتها قبل ثلاثين عاما، يتجلى الفارق بوضوح، ويمكن القول إن واشنطن تفقد قوتها وتتجه نحو التراجع.

ولهذا السبب تتبنى الإدارة الأمريكية سلوكا عدوانيا وهجوميا ومزعزعا للاستقرار وتبالغ في استعراض القوة، فلا توجد دولة تثق بإمكاناتها وتبلغ ذروة قوتها تتصرف بهذه الطريقة.

ومن الحديث عن شراء غرينلاند، إلى محاولة السيطرة على نفط فنزويلا، ومن السعي لإخضاع كوبا إلى تهديد أوروبا، تعكس هذه التحركات دولة تشعر بأن زمام القوة يفلت من يدها وتتصرف بردود فعل عشوائية.

وفي مقابل ذلك، (يبرز السؤال التالي): هل ستملأ الصين مكان الولايات المتحدة في النظام العالمي الجديد؟

الصين ليست قوة مهيمنة

ومثلما أن الجيش الأمريكي القوي لا يكفي وحده لضمان النظام العالمي، فإن القوة الاقتصادية الهائلة التي وصلت إليها الصين لا تكفي هي الأخرى لتأسيس نظام دولي.

وتاريخيا، لم تكن الصين راغبة يوما في دور صانع قواعد اللعبة في النظام العالمي، ولم تكن لديها أي نية لذلك. وفي الحقيقة إن سور الصين العظيم الذي أحاطت به نفسها يمكن أن يفسر لنا منهجية بكين وفلسفتها بعدم الرغبة في الانخراط في أي شكل من أشكال الصراعات.

لكن الصين سلكت طريقا آخر تمثل في الاندماج بالاقتصاد العالمي وتحقيق معدلات نمو سريعة وعالية تتماشى مع ارتفاع معدلات نمو السكان الضخم، لذا فإن بكين خرجت من محيطها لتتمدد اقتصاديا في أرجاء الكرة الأرضية، لتحقيق أهدافها الاقتصادية، لخدمة شعبها، ولذلك تركزت جميع تصريحات الرئيس شي على ضمان استمرار التجارة، وتجنب الدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة، لتأمين احتياجات هذا العدد الضخم من السكان.

وباستثناء ملف تايوان، لم نر في التصريحات الرسمية مواقف حادة، بينما كانت الأطروحات المدافعة عن نظام عالمي متعدد الأقطاب بدلا من نظام عالمي أحادي القطب حاضرة في كل الخطابات.

وكما التزمت الصين الصمت تجاه الاضطرابات الجيوسياسية التي دمرت أجزاء واسعة من الشرق الأوسط، فهي لم تقدم حتى اللحظة مقاربات سياسية أو جيوسياسية واضحة لمعالجة تلك الأزمات.

فالصين لم تسع لتقديم تصور جاد لإرساء نظام في المنطقة خارج حدود شراء النفط من دولها وبيع البضائع لها. وعلى نطاق أعم وأشمل، لا تقترح أي منظومة أو ثقافة بديلة لمعالجة التوزيع غير العادل للدخل.

ولهذا السبب تحديدا، لا يمكن للصين- إذا لم تغير نهجها- ضمان النظام العالمي. ولعلها بدافع سياسة "الصبر الإستراتيجي" الشهيرة التي تنتهجها قد تنتظر مئة عام أخرى من أجل تحقيق ذلك، لست أدري.

الدخول في عهد الفترة
أما أوروبا، فحالها يُرثى لها؛ إذ تعجز دول الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو) حتى عن التوافق فيما بينها بشأن الجهود الرامية إلى منع التفكك، أو صياغة عقل جمعي مشترك أو إيجاد أي مخرج لأزماتهم.

كما أنها تكاد تكون قد انسحبت من سباق التكنولوجيا، في حين تواصل اقتصاداتها التراجع، وأصبحت غير قادرة على حماية بلادها عسكريا دون دعم الولايات المتحدة.

وأجزم بأن الجميع أدرك أنه من غير الواقعي التعويل على دور أوروبي مؤثر في السياسة الدولية. وفي ظل تراجع القوة الأمريكية، وخروج أوروبا من اللعبة، وبقاء الصين بعيدة عن الاضطلاع بدور الضامن للنظام، كيف سينجو العالم من هذا الاضطراب الذي سقط في جوفه؟

ويبدو أن العالم قد دخل بالفعل في عهد الفترة تمهيدا لصياغة نظامه الجديد، ويمكن تسمية هذه المرحلة أيضا بعصر الغموض واللايقين.

فلا أحد يملك القدرة على التنبؤ، ولا أحد يجد مخرجا، ولا يمكن لأحد تخمين ما سيحدث بدقة، ولذلك سيمر العالم بما يسمى بعهد الاضطراب، وبعدها ستبني البشرية لنفسها نظاما جديدا.

ولعل الذكاء الاصطناعي سيهرع لنجدتنا حينها، لست أدري. وفي هذا السياق، فلنطرح سؤالا أخيرا على أنفسنا: ماذا ستفعل الدول المسلمة خلال هذه المرحلة؟

الجمعة، 8 مايو 2026

أخطار على مرمى حجر من تركيا

 أخطار على مرمى حجر من تركيا


يتجدد الجدل بشأن العلاقة الخطيرة بين إسرائيل واليونان، في أعقاب الهجوم الإسرائيلي على "أسطول الصمود" قبالة السواحل اليونانية واختطافها عشرات النشطاء وتركها سفنهم تنجرف في عرض البحر.

ويؤكد النشطاء الذين أنزِلوا في جزيرة كريت، التي تعد من المياه الإقليمية الأوروبية، أن اليونان ساعدت إسرائيل في هذا الهجوم، وقد ذكرت ذلك بعض وسائل الاعلام.

وأفاد النشطاء الذين تحدثتُ إليهم بأن السفن الإسرائيلية دخلت المياه الإقليمية اليونانية بينما كان العنف يمارس ضدهم على متن السفينة. وبالفعل نُشرت لاحقا صور تظهر آثار الضرب على وجوه وأجساد هؤلاء النشطاء.

ومن بين هؤلاء النشطاء، فصلت إسرائيل سيف أبو كشك وتياغو أفيلا عن الآخرين ونقلا إلى إسرائيل. ويتضح من الصور أنهما تعرضا أيضا للتعذيب.

فلماذا تقيم اليونان علاقات وثيقة مع إسرائيل، رغم إقرار المحكمة الدولية لحقوق الإنسان بارتكابها جريمة الإبادة الجماعية، وتصاعد ردود الفعل المنددة من العديد من دول الاتحاد الأوروبي؟ وما هي أبعاد هذه العلاقة؟

أبعاد العلاقات اليونانية الإسرائيلية

تعمقت أبعاد العلاقة بين هذين البلدين المطلين على البحر الأبيض المتوسط بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة.

وتأتي في مقدمة الخلافات ذات الجذور التاريخية بين اليونان وتركيا: جزيرة قبرص، والجرف القاري في مياه بحر إيجة، وتسليح الجزر، ومسألة الأقليات.

وتتفاقم هذه الخلافات أو تتراجع من حين لآخر بفعل السياسة الداخلية. وبسببها تتدخل أحيانا أطراف ثالثة في القضية، مما يجعلها تصل إلى طريق مسدود.

وغالبا ما تسعى اليونان للحصول على دعم من دول أخرى لموازنة تنافسها وخلافاتها مع تركيا، ولهذا السبب أسست علاقاتها مع إسرائيل وعززتها بمرور الوقت.

لقد أسفرت حادثة سفينة "مافي مرمرة" وواقعة "دقيقة واحدة" خلال المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس عن تدهور العلاقات الإسرائيلية التركية، وهو ما دفع اليونان لاتخاذ قرار بتعزيز علاقاتها مع إسرائيل في تلك الفترة تحديدا.


وفي عام 2012، أجرت إسرائيل واليونان لأول مرة مناورة عسكرية مشتركة في شرق المتوسط في مجالي الأمن والتنسيق البحري الجوي، لتشهد علاقاتهما بعد ذلك التاريخ تعزيزا في مجالات الطاقة والأمن والدفاع.

ولاحقا، انضمت "إدارة جنوب قبرص الرومية" (جمهورية قبرص اليونانية) إلى هذه الشراكة، ما وضع أسس تحالف ثلاثي.
وفي عام 2019، انضمت الولايات المتحدة إلى هذا التحالف الثلاثي في ملفات أمن الطاقة واستخراج موارد الهيدروكربون في شرق المتوسط، مما زاد المشهد تعقيدا.

التعاون العسكري بين إسرائيل واليونان

وفي السنوات اللاحقة، جرى توقيع برامج للتعاون الدفاعي بين اليونان وإسرائيل. وخلال الفترة بين عامي 2017 و2023، نظم ما مجموعه 58 نشاطا عسكريا مشتركا، من بينها 25 مناورة.

ورغم إبلاغ الجانبين اليوناني والأمريكي مرارا بالانزعاج من هذه التحركات العسكرية التي تتابعها تركيا من كثب، فإن اليونان واصلت هذه العلاقة.

وقد حصلت اليونان من إسرائيل على مسيرات من طراز هيرون، وبدأت في نشر منظومات مقلاع داود للدفاع الجوي الإسرائيلي في الجزر اليونانية ببحر إيجة.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أوكلت اليونان إلى إسرائيل مهمة تحديث مروحيات "أباتشي" لتصبح قادرة على إطلاق صواريخ سبايك.
وتواصل اليونان الحفاظ على علاقاتها العسكرية المكثفة مع إسرائيل، من خلال صفقات الصواريخ، ومعدات الحرب المتقدمة والتدريبات العسكرية.

ورغم أن اكتساب هذا التعاون العسكري بين اليونان- العضو في حلف الناتو- وإسرائيل عمقا إستراتيجيا أثار رد فعل تركي قوي، فإن تسلح هذين البلدين، بما يهدد أمن مياه المتوسط، بات يشكل خطرا أيضا على دول أخرى.

وفي هذا الصدد، أفاد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان- خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي- بأن دولا أخرى تتابع بقلق التعاون العسكري بين "إدارة جنوب قبرص الرومية" واليونان مع إسرائيل.

التعاون اليوناني الإسرائيلي خطر على المنطقة

وعلى الرغم من أن اليونان تهدف من تقاربها مع إسرائيل إلى موازنة القوة مع تركيا، فإن هذا التعاون العسكري، الذي اكتسب طابعا إستراتيجيا، يشكل في الواقع خطرا على المنطقة بأسرها.

إن تزايد النفوذ الإسرائيلي يوما بعد يوم في قبرص (اليونانية) يمكن أن يتحول في أي لحظة إلى تهديد عسكري لسوريا، ولبنان، ومصر، وغزة القريبة من الجزيرة.

كما أن اتفاقيات الطاقة المبرمة لاستخراج موارد الهيدروكربون في شرق المتوسط تعرض الحقوق الطبيعية لدول هذه المنطقة للخطر، وسوف تضع مواقف إسرائيل التوسعية والاحتلالية وغير القانونية اليونان في مأزق مستقبلا.

وفي هذا السياق، أعلنت منظمات المجتمع المدني، التي تعتزم رفع الهجوم القرصاني على أسطول الصمود إلى المحاكم الدولية، أنها ستدرج أيضا اليونان ضمن لائحة الدعوى كـ"شريك في الجريمة".

وقد ردّت تركيا على الاتفاقيات بين إسرائيل واليونان في البحر المتوسط باتفاقية "مناطق الصلاحية البحرية" مع ليبيا ضمن إطار عقيدة "الوطن الأزرق"، ثم واصلت تعزيز تأثيرها في المتوسط عبر تطوير علاقاتها مع مصر.

وبما أن مصر، وسوريا، ولبنان، وليبيا أقرب في المحصلة إلى تركيا منها إلى إسرائيل، فمن المحتمل أن تتخذ موقفا ضد اليونان إذا تعرض الأمن البحري في المتوسط للخطر، وهو ما يشكل تهديدا محتملا لها.

إن تسلح اليونان عبر إسرائيل وتحول المورة وكريت وجزر أخرى إلى نقاط تمركز ومراقبة عسكرية وتنصت ودخولها بشكل متزايد تحت السيطرة الإسرائيلية، يمثل خطرا على التجارة والطاقة والنقل المدني في البحر المتوسط.

وتظهر لنا الأزمة في مضيق هرمز أن البحر المتوسط، المتصل بالبحر الأحمر، سيكون ممر عبور أكثر أهمية في السنوات القادمة.

وفي هذه الحالة، فإن تزايد نفوذ إسرائيل في المتوسط سيشكل خطرا على جميع الدول، بما في ذلك إسبانيا، وفرنسا، وإيطاليا والدول الأوروبية الأخرى التي ستستخدم هذه المياه.

ونتيجة لذلك فإن وقوف اليونان- العضو في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو- في ظل هذه التطورات إلى جانب إسرائيل المتهمة بالإبادة الجماعية، بدلا من الوقوف مع جيرانها وحلفائها وأصدقائها، يعتبر أمرا غير منطقي وخطأ جيوسياسيا فادحا.



الخميس، 30 أبريل 2026

على الطاولة إما نهاية قريبة جدا أو صراع يأكل الجميع

على الطاولة إما نهاية قريبة جدا أو صراع يأكل الجميع
كاتب وصحفي تركي

يبدو أن الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل دخلت مرحلة من التردد وعدم اليقين. فلا يزال من غير الممكن التوصل إلى أي قرار في مفاوضات وقف إطلاق النار، أو مفاوضات السلام التي تقودها باكستان بدعم قوي من تركيا ودول المنطقة.

ويوضح دبلوماسي تركي يتابع هذه المباحثات أحد أسباب عدم القدرة على اتخاذ القرار، أو حالة عدم اليقين القائمة، على النحو التالي:

"في محادثات باكستان، تتحدث الأطراف على الطاولة، لكن كلا الطرفين يشعران أنهما مضطران للتشاور مع جهات أخرى بشأن هذه القرارات.

فإيران تناقش القرارات داخل مراكز القوى الداخلية، أما الولايات المتحدة فتشعر بأنها مضطرة للتشاور مع إسرائيل. وبذلك تتغير القرارات والموضوعات المطروحة على الطاولة، وتتحول إلى صيغ مختلفة، ولذلك لا يتم التوصل إلى أي قرار نهائي".

صراع القوى في إيران يسير ضد مصلحتها

لقد لوحظ أن إيران قد حققت تفوقا نفسيا وإعلاميا في حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وكان من المتوقع أصلا أن تكون في هذا الوضع باعتبارها الدولة التي تعرضت للاعتداء.

بيد أن إيران، منذ الـ 15 يوما الماضية، بدأت تفقد هذا التفوق في اعتقادي، ويعود ذلك إلى صراعات القوى المستمرة داخلها.

لقد أصبح هذا الصراع واضحا إلى درجة أن وسائل إعلامية تابعة للحرس الثوري نشرت انتقادات موجهة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي يشارك في المفاوضات. ولم تقتصر التصريحات الداخلية على ذلك فحسب، بل وصل الأمر إلى التشكيك حتى في الوساطة.

كل هذه الأمور لم تخفَ عن أنظار الرأي العام العالمي، ويمكن القول الآن إن إيران فقدت تفوقها النفسي؛ بسبب صراع القوى الداخلي. قد تكون لدى طهران نية لإطالة أمد المفاوضات؛ لزيادة التكلفة المالية على الولايات المتحدة والخليج، لكن الانسداد في مضيق هرمز يضعها هي أيضا في ضائقة كبيرة في الواقع.

إن إغلاق الخليج العربي بالحصار، الذي تمر عبره نحو 90% من صادراتها، يجر إيران نحو أزمة اقتصادية خطيرة جدا.

ومن ناحية أخرى، وبينما أسفرت الهجمات الانتقامية التي شنتها ضد جيرانها عن أثر عكسي، فقد تتسبب الآن في اختناق العديد من دول العالم في مجال الطاقة وانجرافها نحو أزمات حادة، وقد تُحمّل إيران مسؤولية ذلك.

ومع اقتراب الأمور من الانقلاب ضدها، يتعين على إيران إرسال مفاوضين إلى طاولة المفاوضات قادرين على اتخاذ قرارات حاسمة للخروج من هذه الحرب التي تنجرف نحو اللانهاية.

وعندما تنتهي الحرب، فإن أول ما يجب عليها فعله هو إبرام اتفاقيات دائمة قائمة على الثقة مع دول المنطقة. نعم، ربما لا تستطيع إبرام اتفاقيات سلام دائمة مع إسرائيل والولايات المتحدة، لكنها مضطرة لتحقيق ذلك مع جيرانها، بسبب العيش في الجغرافيا نفسها. ويجب ألا ننسى أنه كلما طال أمد الأزمة، أصبح إبرام هذا الاتفاق أكثر صعوبة.

صراع الولايات المتحدة وإسرائيل يمنع اتخاذ قرار

مثلما يعوق صراع القوى الداخلي في إيران اتخاذ قرارات وقف الحرب، فإن صراع القوى داخل الولايات المتحدة؛ يتسبب أيضا في مشاكل مماثلة.

إن الجدل حول ما إذا كان لبنان مشمولا ضمن بنود وقف إطلاق النار الأولى المتفق عليها، يُظهر في الواقع مدى تدخل إسرائيل في هذه العملية من الداخل، حتى إن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب اضطر في النهاية للقول: "لقد منعتُ الهجوم على لبنان".

وإسرائيل لا تؤثر على هذه العملية كدولة فحسب، بل تحاول أيضا التدخل في مسارات وقف إطلاق النار مع إيران عبر الأطراف الفاعلة في مجلس الشيوخ والكونغرس والبيروقراطية الحكومية.

وتريد إسرائيل أن تطول الحرب وأن تدخل إيران في أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية وأزمات طاقة، وأن تتردى أوضاعها لدرجة لا تستطيع معها النهوض مجددا.

ولا تكترث إسرائيل بحجم المعاناة التي يشهدها العالم، ولا بالصعوبات التي تواجهها دول الخليج، ولا بالتكلفة التي تدفعها الولايات المتحدة في هذه العملية. ومنذ أن تبيّن لها أن لبنان يمثل النقطة المحورية في مسار وقف إطلاق النار، واصلت استهدافه.

وحتى أثناء كتابة هذه السطور، كانت القنوات التلفزيونية تبث أنباء عاجلة عن تجدد القصف على لبنان.

تأثير الانتخابات في الولايات المتحدة وإسرائيل على الحرب

هذا العام تُجرى في إسرائيل انتخابات عامة، وفي الولايات المتحدة انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

محور اهتمام الانتخابات في كلا البلدين هو الحرب مع إيران. والمفارقة أنه بينما تمنح الحرب على إيران رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أصواتا انتخابية، تتسبب في خسائر انتخابية لترمب.

إن إعلان ترمب ونتنياهو خروجهما منتصرين من الحرب مع إيران سيكون له تأثير كبير في الانتخابات.

لكن إعلان هذا الانتصار ما زال عالقا عند مضيق هرمز. فقد أصبح الممر ذا أهمية بالغة لدرجة أن ملف البرنامج النووي وحده لم يعد كافيا لإعلان النصر في الوقت الراهن.

في المقابل، قررت المعارضة في إسرائيل التحالف ضد نتنياهو، وهذا سيؤثر بشكل كبير في الانتخابات. لكن استطلاعات الرأي العام تظهر زيادة أصوات نتنياهو بشكل كبير بعد الهجوم على إيران.

ولهذا السبب تحديدا لا يرغب نتنياهو في انتهاء الحرب، بل يريدها أن تستمر بوتيرة منخفضة وأن يلتف الشعب حول حزبه بدافع مخاوفه الأمنية. كما يحاول أيضا خلق تأثير عاطفي عبر إعلانه عن إصابته بالسرطان.

أما ترمب فهو في وضع متأزم للغاية في الداخل والخارج. ففي الخارج تطالب العديد من الدول- التي تعاني من أزمات طاقة واقتصادية خطيرة بسبب إغلاق المضيق- ترمب بالتوصل إلى اتفاق. وكلما طال أمد الحرب، فإن ذلك يدفع حلفاءه إلى البحث عن مسارات جديدة، فيما تتجه الولايات المتحدة تدريجيا نحو العزلة.

وبالفعل فإن صورته التي فقدت الكثير من المكانة؛ بسبب دعمه لإسرائيل في الإبادة الجماعية في غزة، تتعرض الآن لمزيد من التآكل، لأنه لم يتمكن من إنهاء الحرب مع إيران.

أما داخليا، فتُظهر جميع استطلاعات الرأي تراجعا متسارعا في الدعم لإسرائيل، ولذلك باتت السهام كلها مصوبة نحو ترمب. وبينما يُنظر بشكل شبه مؤكد إلى خسارته الأغلبية في مجلس الشيوخ في انتخابات التجديد النصفي، فإنني أرى أن محاولة الاغتيال الأخيرة لن تغيّر هذا الوضع.

لا توجد حرب بلا نهاية، لكنها قد تتحول إلى حرب واسعة النطاق.
لا أتفق كثيرا مع التحليلات التي تقول إن حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران ستستمر لسنوات مثل الحرب بين أوكرانيا وروسيا، لأن الصراع الروسي الأوكراني لم يؤثر بهذا الشكل الكبير على أزمة الطاقة.

لكن في حالة إيران، أصبح مضيق هرمز، الذي تتمحور حوله الأزمة، في قلب مشكلة الطاقة العالمية.

ومع دخول عشرات الدول في حالة اختناق حاد في مجال الطاقة بسبب هذه الحرب، فإن تحول ذلك إلى أزمة اقتصادية بات مسألة وقت فقط، إذ يؤكد الخبراء بإصرار أن استمرار الحرب التي تؤثر بشكل مباشر على هذا العدد الكبير من الدول سيقود الاقتصاد العالمي إلى الركود.
ولذلك لا أتوقع شخصيا أن تتحول هذه الحرب إلى حرب بلا نهاية مثل أفغانستان أو العراق.

لكن إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، وإذا أضيفت إلى المعادلة العمليات البرية والبحرية، فإنني أخشى من توسع نطاق الحرب. كما أن دخول دول أخرى على خط الحرب يعني تصاعدا أكبر في المواجهات الساخنة في المنطقة، وهو ما سيكون كارثيا على الجميع.