‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات د. أيمن العتوم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات د. أيمن العتوم. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 29 أبريل 2026

في مَدِيح القِراءة

 بيني وبينك .. 

في مَدِيح القِراءة

د. أيمن العتوم

أوّلُ كلمةٍ في أَقْدسِ كتابٍ على آخِر نبيّ. ما من دينٍ من قبلُ افتتح بها وابتدأ. بها انكتَب التّاريخ، وبها ثبتَ في النّفس اليقين، وبها انتصرتِ الأُمم، وارتفعَ شأنُ الدُّول، وفي حروفها تلخّصتِ الحضارة، وعلى نُورِها استبانت الدّروب، وصَلُحَ أمرُ النّاس، واستقامتِ السّبيل. إنّها كلمة (اقرأ).

مَنْ عَمِل بمقتضاها اهتدَى، ومَنْ تَنَسَّم رُوحَها ارتقَى، ومَنْ تحصَّنَ بها احتمى، ومَنْ أوى إلى ما تُرشِدُ إليه فكأنّما أوى إلى ركنٍ شديد.
استعرضِ التّاريخَ أمامكَ كلّه، فإنّكَ لن تجدَ العُلماء والعُظماء والقادة إلا وهم أهلُها، ولن تجدَ الشّعراء والفُصَحاء والبُلغَاء إلاّ وهم بَنُوها، ولن تجدَ الأنبياء والقدّيسين والصّدّيقين إلاّ نبتٌ طيّبٌ من رِياضِها. اقرأ أيّها الإنسان؛ لأنّه لا يُمكن أنْ تصلَ إلى ما تتوقُ إلاّ بها. اقرأ لأنّكَ لن تعرفَ ما تريدُ إلاّ إذا تمثَّلْتَها؛ بها تتحقّق الغايات، وتُدرك الأمنيات. اقرأ لأنّه إنْ لم تقرأ فإنّكَ آثِم، وإنّ أعظمَ الإثم أنْ يتوجّه إليكَ الحقُّ سبحانه في أوّل أوامره الإلهيّة بها، ثُمّ تضربَ بهذا الأمر عُرضَ الحائط، وتُلقِي به دُبُرَ أُذُنَيك، والله يدعوكَ إليه بهذا الوضوح وهذا الاقتِضاب!
القراءة تُعيدُ إلى الإنسانِ إنسانيّتَه، إنّ المُتوحّشين والطُّغاة والجبابرة وأهل الفُجُور منها على أمرَين: إمّا أنّهم لم يقرؤوا، وإمّا قرؤوا دونَ فَهْمِ المُرادِ مِمّا به أُمِروا، إنّهم قرؤوا على عمًى من الشّيطان لا على هُدًى من الرّحمن، فإنّ الله وهو أصدقُ القائلين، قال مِنْ بعَدِها دونَ فاصلٍ: (اقرأ باسم ربّك). ثُمّ أتبعَها (الّذي خَلَق)، فباسمه، أي: بِهُداه. والّذي خلق؛ أي: بتفكّر في ملكوته «أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ» ؛ وتلك كانتْ قراءةَ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الغار، وهو بعيدٌ عن ضوضاء النّاس، وضجيج الأنام، وصَفْقِ الأسواق. القراءةُ حياة، وإنّ الحياةَ خارجَها مَوْت، فلا يغرّنّك مَنْ تأوّل في الأمر وتَفَكَّه، فإنّ مَنْ تراهم يمشون ويأكلون وينامون ليسوا أحياءً بالمعنى الحقيقيّ للحياة ما لم يكونوا قارئِين.
اقرأ أيّها البَشَريّ المُكوّن من أخطاء وآثام واجتِراحات وعواطف، فإنّ القراءة هي الّتي تُقلّصُ تلك الأخطاء إلى أدنى حدّ بحسب مساحة القراءة الواعية. وإنّها الّتي تَقُودُكَ إلى التّجافي عن الآثام؛ فإنّ مَنْ عَلِمَ لا يستوي معَ مَنْ لا يعلم. وإنّها الّتي تجعلك لا تجترحُ إلاّ ما كان خيرًا، فتأتي الحَسَنَ وتتركُ القبيح. وإنّها تَزِنَ عواطفك بميزانٍ لا يطغَى فيه قلبُكَ على عقلِكَ فيُورِدُكَ المهالك.
اقرأ؛ فلستَ من حجرٍ، ولا كُوّنْتَ من جَهْل، ولا أنَت كائنٌ يريدُ عُبورَ قنطرة الحياة دون أنْ يعرفَ سِرّها أو بعضَه، ولا حَيٌّ يعيشُ دون أنْ يُدركَ كُنه حياته، ولولا القراءة لَكُنْتَ هَمَلاً:
قد رَشَّحُوكَ لأمرٍ لو فِطْنَتَ له
فارْبأ بنفسَكَ أنْ ترعَى مَعَ الهَمَلِ
د. أيمن العتوم
otoom72_poet@yahoo.com
AymanOtoom@

الجمعة، 20 مارس 2026

بيني وبينك .. في مديح اللاحرب

بيني وبينك .. في مديح اللاحرب


د. أيمن العتوم


 = سُمّيت بالكريهة لأنّه لا أحدَ يُحبّها حتّى ذلك الّذي أشعلها، وسُمّيت بالسَّلَب والنّهاب؛ لأنّها تسلبُ وتنهب كرامة الإنسان قبل أنْ تسلب وتنهبَ روحه أو طعامه أو وطنه. 

أولئك الّذين تغنّوا بها من الشّعراء كانوا يدفعون رُعبَها من خلال تفريغه في موسيقى الأبيات، الأبيات التي تضجّ بالذّات المُتضخّمة على هَواءٍ في أكثر الأحايين.

مَنْ ينتصر في الحرب؟ لا أحد. 
مَنْ ينهزمُ فيها؟ كلّ أحد. 
إذا كان العُبور إلى ضفّة النّصر الموهوم يكونُ بالأشلاء والضّحايا وأنّات المحرومين والمفقودين فأيّ نصرٍ هذا؟ 
إذا كان من أجلِ فكرةٍ جنونيّة نبتتْ في عقلٍ مريضِ أُسِّس على أساطير وخُرافات من أجل التّوسّع أو السّيطرة، فأيّ نصرٍ هذا؟
العالَم اليوم يسير إلى الجنون، إلى الفوضى وإلى العبثيّة. 
إنّ الّذين يفقدون حياتهم ليسوا أولئك الّذين أَمَرُوا بالحرب، بل مَنْ أُمِروا بها. 
إنّ الحرب غُولٌ ساحق، ووحشٌ كاسر، وحينَ يدفعه مجنون من ظهرِه إلى أَتُون الموت، فإنّه لن يأكلَ دافِعَه الذي ملأه بأحلام زائفة، بل يأكل الضعاف والمساكين، وينهشُ في جسد البُسطاء والآمنين، ويترك وراءه صيحات الخائفين، ويُخلّف الأيتام والأرامل والثّكالى والمذبوحين. 
كما قال شوقي:
والحربُ يبعثُها القويّ تجبُّرًا
ويَنوءُ تحتَ بلائِها الضُّعفاءُ
لماذا تنشَبُ الحروب؟ مَنْ يأمرُ بها؟ لأيّ غاية؟ أما على وجه هذه الأرض ما يكفينا جميعًا من ضوء الشّمس في النّهار، ومن نور القمر في اللّيل؟! 
أما عليها ما يكفينا من طعامٍ وشراب؟ 
أليسَ فوقَها ما يكفي لأنْ نعيشَ جميعًا في سلام؟ 
لِمَ يأتيني صاروخٌ قادمٌ من وراء البحار قاطِعًا عشرات الآلاف من الأميال ليستقر في قلبي؟ 
لِمَ علَيّ أنْ أتلقَى بصدري هذا الموتَ المختبِئ في الآلاف المُؤلّفة من الطّائرات والمُسيّرات، التي لا تكفّ عن الزّعيق والأزيز حتّى تراني أشلاءً مُبعثَرة؟ 
هل ضاقتْ بنا الأرضُ بِما رَحُبَت؟
otoom72_poet@yahoo.com
AymanOtoom@

الجمعة، 27 فبراير 2026

بيني وبينك .. في مديح الصّوم

 بيني وبينك .. في مديح الصّوم

د. أيمن العتوم


فجأةً تتوقّف حرّيّتُك في أنْ تأكلَ وتشربَ كما تشاء. هذا القيدُ حُرّية من نوعٍ آخر، لقد حبست الجسد وأطلقتِ الرّوح، هذه العبوديّة المحضة لله في امتثال أوامره هي أسمى أنواع التّحرّر، تأخذ شرائعُ الله بيدك لتُساعِدَك على الإفلات من براثن الشّهوات، ومن أنياب الغرائز، حينَها يُدرك المرء أنّه كان عبدًا وهو يظنّ نفسَه حُرًّا، وأنّه بها الذي يبدو قيدًا - وهو الصّوم - صارَ حُرًّا، وعرفَ الحرّيّة كما لم يعرفْها من قبلُ.

الصيام عند أبي حامد الغزاليّ على مراتب ثلاث: (صومِ العموم، «وهو كَفُّ البطن والفرج عن قضاء الشهوة». 

وصومِ الخصوص؛ «وهو كَفُّ السَّمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام». 

وصومِ خُصوص الخصوص، وهو «صوم القلب عن الصفات الدَنِّيَة، والأفكار الدنيويّة، وكفّه عما سوى الله عز وجل بالكلية). 

وإذا ارتبط المرء بالخالق الذي بيده كلّ شيء فأيّ حُرّية منشودةٍ أسمى من تلك الحُرّيّة؟!

إنّ للجوعِ ألمًا، ألم مفارقة العادة، وإنّ الرّحمة لتنشأ من هذا الألم، يرقّ القلب، وتصفو النّفس، وتطيبُ الجوارح، ويُصبِح منظر طفلٍ يلبسُ ثيابًا بالية، أو ينظر نظراتٍ ساهمةً من الفقر تُحرّك ذلك الشّعور بالرّحمة تجاهه، إنّه تدريبٌ إلهيّ على النّقاء والصّفاء والألفة والتّواضع.

إنّ هذا الشّعور الجمعيّ، الرّجال والنّساء، الكبار والصّغار، المشرق والمغرب، المُسلِمون كُلُّهم في بلاد الله الواسعة يصومون معًا، يُؤدُّون هذه الشّعائر التّعبّديّة معًا، لهو أسمى تجلٍّ للوَحدة، وأعظم تحقُّق لمعنى الجسد الواحد، الجسد الذي يقفُ بعضُه إلى بعض، ويسندُ عضوٌ منه أخاه، وإذا توزّع الألم خَفّ، وإذا توزّعَ الفرحُ عَمّ.

إنّ هذا التّعايشَ مع الحرمان، يُعوّد المرء على فلسفة التّخلّي إذا هو أحسنَ إدارته، فلا شيَ يملكُه، بل هو يملكُ كلّ ما يتّصل به، فإذا قلّ طعامُه لم يُوقِظه نهمُه، بل دعاهُ إلى الإعراضِ عن نداءات الجوع صبرُه فتسامَى، وإذا حُرِمَ شهوتَه لم يأسِرْه تعدّيه، بل تخفّفَ من طينيّته، وردّها إلى قليلٍ فقنعت، وإلى مأمولٍ فصبرتْ.

إنّ الصّوم على تطهيره لجسد صاحبه من المُخبِّثات، وعلى ارتقائِه بروح صاحبه إلى أفلاك السّماوات فيهون عنده كلّ صعب، هو إلى ذلك سِرٌّ من أسرار الله يَهَبُ فُيُوضَه لمن شاء من خلقه.

otoom72_poet@yahoo.com


AymanOtoom@

د. أيمن العتوم

24 فبراير, 2026

الثلاثاء، 13 مايو 2025

بيني وبينك.. الجوعُ كافرٌ

 بيني وبينك.. الجوعُ كافرٌ

د. أيمن العتوم

كانت العرب تقول: «الجوع كافر».وكانوا يقصدون أنّه كافرٌ في قسوته، فلا يعرفُ الرّحمة، قسوة القلب ليستْ لأخيك ولا لمن تعرفه، فوُصِفَ بالكفر لغرابة الصّفة التي لا تلتصقُ إلا بِمن كان كافِرًا، وفي شِدّته؛ فإنّ الكافر شديدٌ على سِواه، شديدٌ في مُعتقده وفيما يتبع هذا المُعتقد من إلحاق الضّرر بالآخرين، وإنزال الأذى فيهم. 

وكافرٌ في جحوده النّعمة، فإنّه إذا حَلَّ بالإنسان كأنّما أذهبَ عنه نِعمة الشِّبَع، أو نِعمةَ إقامة الأود بما تتبلّغ به النّفس، وتصلحُ معه الحياة.

وفي العبارة دلالةٌ على تأثيرها على النّفس من جهةٍ أخرى، فكأنّ الجوع إذا استحرّ في جسد الجائع فقد يدعوه إلى الكُفر، فلا يعرفُ خالِقه، بل لربّما يسأل كيفَ يحدثُ لي ما يحدث وأنا على هذه الحالة من الحاجة والهَوان، أليسَ لي رَبّ خلقَ هذا الجسد ونفخَ فيه الرّوح وتكّفل برزقهما؟!
وهي عبارة مُوجزة ذات أسلوبٍ خبريّ، يتكوّن من المبتدأ والخبر في أقصر صُوره. 
كلمتان فحسب، والجملة الخبريّة تُشير في لغة العرب إلى الثّبوت، فكأنّهم أرادوا القول: 
إنّه ما ظهر الجوع إلا لازمه الكُفر، وفي العبارة إيحاء يتضمّن دُعاءً يتوجّه فيه المرء إلى الله: تعلمُ يا ربّ أنّ الجوع يلازمه الكُفر، فبحقّ نعمتك التي حفظْتَ بها عَلَيّ ديني ألا تبتليني به.
لربّما كانتْ هذه الدّلالات أو سِواها في ذهن العرب حينَ أطلقوا هذه العبارة أو المثل، لكنّهم ما كانوا - على الأغلب - يتوقّعون أوان التّلفُّظ به أنْ يُصاحِبَ هذا الجوع حِصار، فإذا ضَرَب الإنسانُ الجائعُ في الأرض يبحثُ عن رزقه، ويبتغي من فضل ربّه، فستزول صفةُ الجوع عنه، ويعودُ إليه إيمانه، ولكنْ أنْ يكونَ جوعٌ وحِصارٌ، فيُحبَس الجائع من البرّ والبحر والفَضاء، فلا يجدُ مهما بحثَ لقمة خُبزٍ واحدة يدفعُ بها عن نفسه شبَح الموت، أو حَفنةَ طحينٍ يُعيدُ بها الرّوح الهاربة إلى الجسد، فهذا ما لم يكنْ في حسبان العرب الأوائل أصحاب هذه المقولة.
والجوعُ والحصار لا يقودان إلى غير الموت، فكأنّ العبارة اليوم التي تصدقُ في أهل غزّة (الجوع قاتلٌ)، بدلًا من (الجوع كافر)، لأنّهم كانوا سيقبلون بالجوع الكافر بدلًا من الجوع القاتل. 
ليكنِ الجوع ما يريد، ليكنْ كافرًا، ومُنافِقًا، وقاسِيًا، وطويلًا أو قصيرًا، وعامًّا أو خاصًّا، ولصيقًا أو يأتي مرّة ومرّة، إنّه سيكون مُحتَملًا، لكنْ كيفَ يُمكن أنْ تحتملَ جوعًا قاتِلًا، جوعًا تلمعُ شَباةُ سكّينه في وجهكَ كلّ يومٍ، ويسخر من بقائِكَ حَيًّا، ويتهدّدك بالفناء؟! كيفَ يُحتمل جوعٌ لا يكون معه أملٌ مهما كان ضئيلًا بأنّ له نهاية؟ 
كيفَ يُحتمل جوعٌ تُعدّ معه أضلاع القفص الصدري، وتُرى فيه فقراتُ الظّهر، فقرة فقرة، ويتحوّل فيه الجائع إلى كيسٍ رقيقٍ من الجلد يحملُ كومةً من العِظام؟!
otoom72_poet@yahoo.com
AymanOtoom@

الثلاثاء، 15 أبريل 2025

لكِ الله يا غزّة !

 بيني وبينك.. 

لكِ الله يا غزّة !

     د. أيمن العتوم

أيّتها المُتدثّرة بثوب الدّم، المغروسة في تربة الألم، المصبوب عليها طُوفان من النِّقَم، المُرادُ لها الفَناء والعَدم، أيّتها المسكونة بالوجع من رأسِها حتّى أخمصِ قدمَيها، أيّتها الطّاهرة النّقيّة، يا مَنْ تُرِكَ جسدُها مُشرعًا تنهشه أنيابُ الذّئاب، وتلتفّ عليه بطونُ الأراقم والأساود، وتنبحُها العاويات، وتجوسها العادِيات، وتخترمُها النّائِبات، أيّتها المفجوعة المُلتاعة، المثقوبة الفؤاد، المروّعة الجَنان، المُلقاة في وادي الجنون تُغيّبها ظِلال الموتِ السّوداء، أشهدُ أنّنا تركْناكِ وحيدة، وإنّ عُذرنا مهما زّيّنّاه لَكِ أو زيَنّه لنا الشّيطان لَقاصر. وإنّه: واحسرتاه!
أنتِ يوسُف الّذي أُلقِي في الجُبّ من إخوته، وأيّوب الّذي اعتزله النّاس بدعوى أنّ آلام الكون كلّها تنخر جسده، ويعقوب الّذي بَكَى أربعين عامًا على فَقْد الحبيب والنّصير، وآدَم الّذي ذاقَ ثُكْلَ ابْنِه ستّين عامًا، وإنّه قيلَ لآدمَ: أضحكَ الله سِنّك بعدَ عقود الفقد والبُكاء، وإنّه لا أحدَ يقول لكِ مثلَ ما قيلَ له!
إنّه لا جَواب لسُؤال: ما الّذي حدث؟ ما حدَثَ أنّ العائلة كلّها قد أبيدَتْ. 
كيفَ يُمكن أنْ يُجيبَ مَنْ فقدَ كلّ مَنْ يربطه بالحياة على سؤال كهذا: ما الّذي حدَث؟ 
إنّ السّؤال المشروع في غزّة: 
ما الّذي لم يحدث؟ 
ما الفَظاعاتُ الّتي لم تُرتَكب؟ 
ما أشكال الموتِ الّتي لم تُجرَّب؟ 
ما أنواع القَتْل التي لم تُمارَس؟ 
كلّ شيءٍ في غزّة منذورٌ للفناء، أطفالها، نساؤُها، رجالها، كبارها، صِغارُها، شوارِعُها، أبنيتُها، قِططُها، حيواناتُها، ورودُ حدائقها، مِظلاّتُ الّذين كانوا يجلسون ينتظرون حافِلاتها، مواقِعُها، زروعُها، كرومُها، نخلُها، بُرتُقالُها.. كلّ شيءٍ... كلّ شيءٍ مدّتْ إليه ذراع الموت كَفّها العملاقة فخنَقَتْه، حتّى أصوات البلابل، وَضحِكات الأطفال، وبُكاء الضّارعين، كلّ شيءٍ، يعني كلّ شيء!
لَكِ الله يا غزّة، أيّتها الثّكلى الّتي لا عَزاء لها، يا من ابتُلِيت بظلم الأقارب والأباعد، وبِجَوْر الأدنَين والأقصَيْن.. لم يبقَ إلا الله يحمي، وإلا قَدَرُه العادل، وإنّنا لنعلمُ أنّكِ نفضْتِ مِنّا اليدَين، وأدرْت لرجائِك منّا الظَّهْرَين، وصرخْت في الفضاء صرخة مُبتلى يرفع ضراعته إلى الله: يا الله.. يا الله.. يا الله..!
otoom72_poet@yahoo.com
AymanOtoom@

الثلاثاء، 8 أبريل 2025

بيني وبينك.. عادت الحرب!

 بيني وبينك.. عادت الحرب!


 د. أيمن العتوم

إنّه الجنونُ الكاملُ الّذي انداحَ في دوائر قد تتّسع بلا نهاية. تدوسُ اليومَ غِيلانُ الحرب الّتي أيقظها (نتنياهو) من جديد كلَّ شيءٍ في غَزّة، تسحق ما تبقّى من رَدْم، تركضُ بأرجلها العملاقة فوقَ مَنْ ظلّ مِنَ الأحياء، تصعدُ الجُثث أعلى من البنايات بقذيفة عمياء ثُمّ تتفتّت وتتبعثر في كلّ اتّجاه، قبل أنْ تجدَ لها أرضًا تستقرّ فوقَها، كلّ رَدْمٍ هو خليطٌ من الحديد والحجارة والأشلاء واللّحم والدّم.
تُحوّل الحرائقُ النّاتجة عن القصف كلَّ شيءٍ إلى رمادٍ دون أنْ تستثنيَ من ذلك الحجارة. إنّه السُّعار الّذي بلغَ منتهاه؟ لماذا يفعلون ذلك؟ لماذا كلُّ هذا التّوحُّش غير المسبوق؟ أهو الاغترار بالقُوّة والجبروت؟!
أهو الشّعور بأنّه لا يُمكن الانتِصارُ إلاّ بمزيدٍ من الدّمار؟! وهل كان الدّمارُ المِعيار الحقيقيّ للنّصر؟
كم من مَيْنةٍ عبر التّاريخ دُمّرَتْ وتحوّلَتْ إلى رمادٍ، ثُمّ خرجتْ من رمادها قويّة كما تخرج العنقاء.

أم أنّه الإيقان بأنّ النّصر غيرُ مُتحقِّق، وقبلَ أنْ تخرجَ من المعركة عليكَ أنْ تُوقِعَ أكبر عددٍ ممكنٍ من القتلى والضّحايا انتِقامًا وحشيًّا، وحِقدًا أسود؟ 
أمْ أنّ القويّ إذا شَعَر أنّ قُوّته لا تُبلّغه مواطن النّصر، قضَى على كلّ شيء؟ أهو القويّ الّذي رأى أنّه سيُهزَم فسحبَ على هزيمته ثوبًا ليسترها، وما هذا الثّوب إلاّ القنابل والصّواريخ والقذائف والموت، أم أنّها رقصةُ الدّيكِ المذبوح كما قال إبراهيم طوقان:
قالوا: حلاوةُ رُوحِهِ رَقَصَتْ بِهِ
                       فأَجَبْتُهم: ما كُلُّ رَقْصٍ يُطرِبُ
إنّ العدوّ الإسرائيلي يُشبِه هذا الدّيك المذبوح في وجهٍ من الوجوه. 
وماذا يفعل المذبوح قبل أنْ يُسلِمَ الرُّوح؟ يركضُ في كلّ اتّجاه، يدوسُ على كلّ شيءٍ، ويصرخ بأعلى قُوّة، ثُمّ في لحظةٍ غيرِ مُتوقّعة يخِرّ مُنهارًا، ويسقطُ هامِدًا؟ أهكذا هي دولة الاحتِلال؟ في الله الأمل.
غير أنّ الحربَ لا ترحم. والقذائفُ لا تَرى، ونتائِجُها على المدى البعيدِ شُؤم، المدنُ روحُ البشر، ومتّى قُتِلَتْ قُتِلُوا. لا يُشوّه البشر، ولا المبادئ، ولا الحياة، ولا الأمكنة مثل الحرب، فهل مِنْ عاقلٍ ذي قُوّة يُدرِك حجم الكارثة الّتي تحلّ بغزّة، وفي يده ورقةٌ ما يُنقِذ مَنْ تبقّى قبل أنْ ينتهي كلّ شيء. كلّ شيءٍ على الحقيقة، الحرب لا تقتلُ مَنْ تقعُ عليه، بل هِيَ ضرامٌ يُصيبُ الجميع، ونارٌ أوّل ما تَشِبّ تَشِبّ في بيتِ مُضْرِمِها، لا أحدَ بمنأى عن النّار، ولا أحدَ يُمكن أنْ يقول إنّها تلتهبُ في البيت المُجاور لنا، لا بيتَ آمن، وما أصدقَ ما قال زُهيرٌ في هذا:
وَما الحَربُ إِلّا ما عَلِمتُم وَذُقتُمُ
                   وَما هُوَ عَنها بِالحَديثِ المُرَجَّمِ
مَتى تَبعَثوها تَبعَثوها ذَميمَةً
                  وَتَضْرَ إِذا ضَرَّيتُموها فَتَضْرَمِ
AymanOtoom@
otoom72_poet@yahoo.com

الأربعاء، 2 أبريل 2025

بيني وبينك.. رُحماك يا ربّ

 بيني وبينك.. رُحماك يا ربّ



كيفَ يُمكن أنْ يكون العيدُ في غزّة؟ يُصلّون على الرّكام، ويسجدون على الحُطام، وينظرون إلى الهَدْم، ويقفون على الرَّدْم، ويرفعون أكفًّا قد رفعتْ أمسِ شهيدًا، ويمسحون على وجوهٍ قد أغاضَ الوجع بهاءَها، وصدورٍ قد ملأتِ الدّماءُ ثيابَها، وقد مرّ على الحرب الّتي سحقتْ كلّ شيءٍ عامٌ ونصف عام، لم يلتقطوا فيها أنفاسَهم، ولا شَبِعوا من خُبزٍ، وأينَ الخُبز؟ ولا ارتَوَوا من ماء، وأين الماء؟ ولا مسحوا دُموع الفَقد، وأينَ الدُّموع؟

في صبيحة العيد يُكفّن الآباء أطفالَهم بدلَ أنْ يُلبِسوهم الثّياب الجديدة، أكانَ بَياضُ الكفنِ قدرًا محتومًا على أهلِ غزّة؟! إنّهم يسيرون بأطفالهم إلى المقابر بدلًا من أنْ يسيروا بهم إلى المُصلَّيات، ويزورون بهم الدّيار المُقفرة بدلًا من البيوت العامرة، ويُودِعونهم في الحُفر والطّوامِي بدل أنْ يرفعوهم على الرّؤوس ويُلاعبونهم ويُلاطِفونهم.

غيرَ أنّ الله يَرى، وهو أرأفُ بهم منّا، وأرحمُ بضعيفهم من أرحمنا، ولا بُدّ أنْ يجبر كَسرَهم، وهذا ظَنُّهم بالله وظَنُّنا، وأنْ يُقيل عثرتهم، وأنْ يرفَع البلاء عنهم، وأنْ يمسحَ على جِراحهم فتعود بلسمًا، وتُزهر من طيبٍ، وتُثمر من رِضًا.

إنّ حالَ أهل غزّة دَرْسٌ، وعِظةٌ وعِبرة، وآيةٌ كُبرَى، يقفُ خطيبهم صبيحة العيد في العراء تُحيطُ به البنايات المُهدّمة من كلّ جهة، ويفترشُ المُصلّون التّراب، ولا يجدون حتّى سِجّادة صغيرة تحول بين جِباههم والرَّغام حينَ يسجدون، وتسمعُ خطيبهم يهتف: رغم الجِراح سنفرح، رغم الشّهداء سنستمرّ، رغم الخُطوب وصُروف الزّمان سنُكبّر، ورَغم أنفِ أعدائِنا سنعيش، إنّنا نُحبّ الحياة لله، الحياة الّتي يكونُ كلّ شيءٍ فيها له، الجِدّ واللّهو، الشُّغل والفراغ، الصِحّة والسَّقَم.

تقتلُ إسرائيل أكثر من مئة شهيدٍ في غزّة كلّ يومٍ منذُ أكثر من عشرة أيّام، بعدَ أنْ كانتْ قد توصّلتْ مع المقاومة إلى اتّفاق تهدئة قبل شهرين ونصف الشّهر، إنّ أهل غزّة يرون أنّ الهروب لا يكون إلاّ إلى الأمام، وأنّه إذا لم يكن من الموت بُدّ كما قال المتنبّي، فلا موتَ إلاّ موتَ الشُّجعان، موتَ الإقبال لا الإدبار.

إنّ شَجاعةَ أهل غَزّة نموذجٌ عزيز، وإنّه يقفُ في الصّفوف الأولى من شجاعة الشّعوب عبر التّاريخ، ولكنّهم إلى ذلك بشر، لهم حاجاتهم وآمالُهم وآلامُهم وتطلُّعاتهم، ولهم غَدُهم الّذي ينتظرونه كما تنتظره الشُّعوب الحُرّة، ولهم شمسُهم الّتي ينتظرون أنْ تُشرِق بعدَ أنْ طال اللّيل وطَمّ وَعَمّ.

فيا ربّ غَزّةَ ارحم أهلَ غَزّةَ، وانظر إليهم بعين عنايتك، فإنّهم والله مكلومون كَلْمًا يسيلُ نزيفُه إلى البحر فيكادُ أنْ يملأه، وإنّهم لا نصير أعزّ منك، ولا ملجأ آمَن من ملجَئِك، ولا ملاذَ أحنّ من ملاذك. فاستجبْ يا مَلِكَ كلّ شيءٍ.

AymanOtoom@

otoom72_poet@yahoo.com

الجمعة، 24 يناير 2025

بيني وبينك.. حتّى تضعَ الحربُ أوزارَها

بيني وبينك.. حتّى تضعَ الحربُ أوزارَها


د. أيمن العتوم


نشهدُ أنّكم ثَبَتُّم حتّى آخر لحظةٍ، وقاتلتُم حتّى النّهاية، وناضلتُم حتّى وضعت الحربُ أوزارَها. 
قاتلَ فيكم يا أهلَ غزّة الجنديُّ والرّجلُ والمرأة والطّفلُ والشّجرُ والحجرُ، والأبوابُ والنّوافذ، وأعمدةُ الطُّرقات، وكلّ ذرّة رملٍ.. 
قاتَلْتُم أشرفَ قِتالٍ، وصمدتُم أروعَ صمودٍ، وسطّرتم الآيات الباهرة في معركةٍ غيرِ متكافِئةٍ، دخلوها بالدّبّابات والرّاجِمات لكنْ دون عقيدة، ودخلتُموها مع العتاد بالإيمان والعقيدة النّقيّة، وشَتّان مَنْ يُقاتِلُ من الصّهاينة بالوكالة، ومَنْ يقاتِلُ منكم بالأصالة، هم قاتلوا عن أرضٍ ليستْ لهم، أرضٍ اغتصبوها اغتِصابًا بتواطؤ عالَمي، وقاتلتُم أنت عن أرضكم عن كلّ شبرٍ فيها، عن حقّكم لكي تنتزعوه من بين أنياب الأفاعي، وشتَّانَ شَتّانَ بينَ القِتالَين!

نعم، ألقت الحربُ أوزارَها، وآثامَها، وآلامَها، ورحلتْ بكلّ ما فيها من فواجعَ ومصائبَ، وألْبَسَت المُعتدين سِربالَ الفقدِ والثُّكل، وبسطَتْ أمامكم على انبِساطِ الأسى صفحةَ المجدِ المُؤثّل، ومدّتْ لكمْ كِتابَ التّاريخ من أجل أنْ تُسطِّروا فيه بطولاتِكم الّتي لو لم نكنْ شاهِدِين عليها لَظَنَنَّا أنّها من الخيال، أو من أفكار صُنّاع السّينما، ولكنّها كانتْ بطولاتٍ حقيقيّةً في عالمٍ من الزّيف، بطولات يتيمة في عالَمٍ من تكالُبِ القريب عليكم قبلَ البعيد، بطولاتٍ صنعتموها بسواعدكم وحدَكم، وملأتُم دواةَ حِبرها المرقوم بدمائكم وحدكم، فهنيئًا، هنيئًا لكم. وماذا بعدُ؟ 

كلّ ليلٍ إلى فجر. وكلّ بعيدٍ مُنتَظرٍ آتٍ، وإنْ طال ارتِقابُه. 

لم تهونوا ولم تَهِنوا، ولم تتباكَوا على أبواب الأمم المُتّحدة، ولا ناشَدتُم المُنظّمات الدّوليّة، ولا رفعتُم شكاواكم إلى مجلس الأمن الدّولي، ولا آمنتم بعدِ الله إلا بأنفُسكم، وقد عرفتُم وعرّفتمونا معكم بأنّ طريق التّحرير تمرّ عبرَ الأشلاء والتّضحيات، وأنّ الوصول إلى نهاية طريق العِزّة لا بُدّ للماضِي فيه أنْ يخوضَ في بِرَكٍ من الدّماء، وأنهارٍ من الأحزان. عرّفتمونا أنّ الحُقُوقَ لا تُستَجدَى ولكنّها تُنتَزعُ انتِزاعًا، وأنّ نفقَ البندقيّة المُظلِمَ في آخره رصاصة التّحرير الّتي تُضيءُ ما أظلم، وتُمهِّد الدّربَ للسّالِكين.
نعم قاتلتُم حتّى وضعت الحربُ أوزارَها، وقد عضَّ العدّو على أصابعكم، وعَضَضْتُم على أصابِعه، وتألَّمْتُم وتأَلَّم، ولكنّه هو الّذي صَرَخ في النّهاية، واستسلَم لكم، ورضَخَ لشروطكم، وجَثَا على رُكبتَيه مُطامِنًا أمامَ عِزّتكم.
النّصر لكم أيّها الغَزّيون، والفرحةُ لكم بعد أنْ ألقى كلّ ذي دَيْنٍ دَيْنَه ولاقَى غريمَه، وأعطاه الغريم ما كان به مُطالَبًا. نعم؛ النّصر لكم، والمُستقبَل للفكرة الّتي تؤصّلونها في وِجدان المُجتمعات وقلوب الأجيال القادمة: إنّ الطّريق الّذي لا يمرُّ بالبندقيّةِ لا يُوصِل إلى الحَقّ والحقيقة.
هنيئًا لكم هذا النّصر، وهذه النّهاية المُشرّفة، كلُّ مُحتلٍّ إلى ارتِحال، وكلّ ظالِمٍ إلى اجتِثاث، وكلّ كِيانٍ غاصبٍ إلى زَوال. والحمدُ لله الّذي بنعمته تتمّ الصّالِحات، والرّحمة للشّهداء الأبرار، وللرّجال الأطهار، وللأوفياء الأخيار، مَنْ قضى مِنهم نحبه ومَن ينتظر، والعاقبةُ للمُتّقين

AymanOtoom@

otoom72_poet@yahoo.com

الثلاثاء، 14 يناير 2025

بيني وبينك.. ماذا ظَلّ؟

بيني وبينك.. ماذا ظَلّ؟






ماذا ظلّ من أسًى حتّى يُجرّبه أهل غَزّة وما جرّبوه؟ ماذا ظلّ من نكبةٍ لم يعيشوها؟ ماذا ظلّ من كأسٍ مُرّةٍ لم يشربوها؟ ماذا ظلّ من وجعٍ لم يكونوا عنوانًا له؟ وماذا ظلّ من لوعةٍ لم يَكْتَوُوا بنارها؟

المُستشفيات الّتي حماها القانون الدّولي من أنْ تُمَسّ قُصِفَتْ، واعتُقلِ كادرها الطّبّيّ، وأُسِرَ مديروها، ونُكِّل بالمرضى والجرحى فيها. وهُدِّمتْ، ورُدِّمتْ، ثُمّ أُحرقتْ، فأكلتْ منها النّيران ما أكلتْ.

الجُثَث الّتي لم يجدْ عامّة النّاس وقتًا ليدفنوها، أو لم يبقَ من أحدٍ ليدفنها، نُهِشَتْ من قِبَل الكلابِ الضّالّة، ولم تحظَ بعدُ بِمَنْ يُصلّي عليها، ولا مَنْ يعثر على مترَين من القِماشِ لِيُكَفِّنها.

الخِيامُ الّتي لا تُؤوي مِنْ حَرّ ولا من بردٍ، ولا تقي لا من صَحوٍ ولا مَطَرٍ، ولا تكون ملجَأً ولا منجًى قُصِفَتْ وأُحرِقتْ بِمَنْ فيها، وارتفعتْ أيدٍ من لهب، وأشرعةٌ من شُواظ تستغيثُ دون جدوى.

الأطفال الرُّضَع -أولئك الّذين مرّ على ولادة بعضهم أشهرٌ بل أيّامٌ- نخرَ البردُ عِظامهم، وحَزّ رِئاتِهم، وأخمدَ أنفاسهم، فماتوا في الصّقيع، وذَوَوْا في الزّمهرير، وما سُمِعَتْ لهم نأمة.

الأواني الّتي كانتْ تُمَدّ بأيدٍ مرتجفةٍ، وعيونٍ دامعة، وأفئدةٍ مثقوبة إلى قدور الإطعام، من أجل لُقمةٍ أو اثنتَين، لم تجدْ من بعدُ لا هاته اللّقمةَ، ولا تلك القُدُور، خوتْ من كلّ ما يسدّ رمقَ الجوع قبلَ الموت، وشحَّ في الرُّوح كلّ شيءٍ فمالتْ ذُبالتُها إلى أنْ تنطفِئ مع جملة ما انطفأ من كلّ شيءٍ في هذه المدينة الجريحة الذّبيحة.

العيونُ الّتي كانتْ ترى النّور غَرِقتْ في الظّلام، الأرجل الّتي كانتْ تمشي إلى البحثِ عن قدرٍ عاجَلَها القدرُ بقصفٍ أو بِلُغمٍ أو برصاصةٍ قنَاصٍ فبُتِرَت. الأمل الّذي كان يبدو تارةً ويخفى أخرى من قبلُ لم يعدْ يبدو، لقدج هاجرَ هذه المرّة وهَجَر. اليأسُ عَمّ، والحُزن طَمّ، والبُؤسُ غَطّى الشّوارع، والأسى ملأ المحاجر، والخوفُ رَجَّفَ الأنفاس، والهلعُ ارتسمَ على عيونِ الّذين وُلِدوا في المأساة، أو نشؤوا فيها ومعها، وما دَرَوا لِماذا يحدث كلّ هذا؟!

لكمُ الله أيّها المفؤودون؛ إنّ كلّ خوفٍ لا بُدّ له من طمأنينة، وإنّ كُلَّ أَلَمٍ لا بُدّ له من أمل، وإنّه لا بُدّ للّيل أنْ ينجلي وإنْ طال، ولا بُدّ للفجر أنْ يولَد وإنْ امتدّتْ شهورُ تَخَلُّقِه في رَحِم المعاناة.

هِيَ أيّام لا كالأيّام، مرّتْ كأنَّ سنينَ القحط والجدب كلّها تجلَّتْ فيها، وإنّ أهل غزّة لموعودون بالفرج، وإنّنا لنأمل أنْ تكونَ الصّفقةُ قريبة، وتمسحُ ولو قليلاً على الجراح الطّويلة القديمة، وتُوقِفُ النّزيف، وتُفرِّجُ عن المَكرُوبين، وتليقُ ولو بجزءٍ قليلٍ من التّضحيات الجِسام العِظام.

 otoom72_poet@yahoo.com

AymanOtoom@



الأربعاء، 18 ديسمبر 2024

بيني وبينك.. سنبكي فرحًا

 

بيني وبينك.. سنبكي فرحًا

لا يجمع الله علينا حُزنَين في دارَين، ولا خوفَين في مَقامَين، فالحُزن اليوم، والفرح غدًا بإذنه تعالى، والخوفُ في ما مضى من مقام، والأمن في المقام الآتي برحمته، إنّ ما يزيد على أربعة عشر شهرًا من الحُزن لجديرةٌ بفرح، وإنّ ما يقرب من أربعمئةٍ وخمسين يومًا من الخوف لحقيقةٌ أنْ تكونَ مِهادَ الأمن والطُمأنينة والسّكينة والرِّضَا.
سيقولون تعبنا من البُكاء؛ أما لهذه الدّموع من راقٍ؟ وسيقولون نهشَ الجوع كلّ شيءٍ فينا حتّى مَسّ أرواحَنا؛ أما لهذا الجوع من مُطعِم؟ وسيقولون حَزّ البردُ عِظامنا؛ أما آنَ لهذه الرّيح التي تعوي أنْ تسكت، ولتلك الشّمسِ الغائبة أنْ تعود؟! وسيقولون نحنُ في العَراء، فأينَ المأوى؟ ونحنُ جيرانٌ فأين الهَمّ؟ ونحنُ إخوةٌ فأين الحَقّ؟ ونحنُ عربٌ فأينَ العِرق؟ ونحنُ مُسلِمون فأين الدّين؟ ونحن مؤمنون فأين الأُخُوّة؟ ونحنُ بشرٌ فأين الإنسانيّة؟!
أعلمُ؛ أنّ هذا كلّه دَيْنٌ، ولكنّ سدادَه ثقيلٌ على من استطاع، صعبٌ على مَنْ كان عاجِزًا، وإنّنا لَنَشْهدُ أنّنا عَجَزة. وأنَّ دَيْنَكم في رِقابِنا إلا أنْ تُحِلُّونا منه، أو أنْ يجعلَ الله لنا منه مخرجًا. وإنّ العُذْرَ لكم، فإنْ عذرتُم فهذا كرمٌ منكم، وإنْ لم تعذروا فإنّ هذا لا يمحو من حقّكم شيئًا، وإنّ الله بِنا وبِكم لَرَحيم.
وحُسْنُ الظّنّ بالله دِين، فإنّ أقدارَنا تأتي على مقدار ما أحسنَّا الظّنّ به تعالى، فإنْ أيقنّا بالفرج كان، وإنْ يَئِسْنا منه كان. وإنّ اليأسَ رُوحُ المَوتى، وإنّ القنوط من رحمته كُفر: «إنّه لا يَيْأسُ من رَوْح الله إلاّ القومُ الكافرون»، وإنّ وَعْدَه حَقّ، وإنّه قالَه في غير موضعٍ من كتابه العزيز: «وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا». وإنّه كَتَبَ في لَوحه ما لا يشكّ فيه إلا جاحد: «كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ الله قَوِيٌّ عَزِيزٌ».
وإنّه لَيَبْتلي مَنْ أحبّ، ويُعطي فُيوضَه على قَدْر بلائِه، وإنّنا لنَشهدُ أنّ أهل غزّة قد صدق فيهم قولُه الحكيم: «هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا»، وإنّه والله لننتظر من حُسن ظنّنا به تعالى أنْ تقرّ النُّفوس، وأنْ تطمئن الأفئدة، وأنْ تجفّ الدّموع، وأنْ تُروى العُروق الظّامِئة، وأنْ تَشبعَ المِعَدُ الجائعة، وأنّ تسكنَ القلوب الواجفة، وأنْ يملأ النّور تلك الأبصارَ الخاشِعة، وأنْ يكونَ فَرَجُه أعظمَ مِمّا نأملُ أو نتخيّل، وأنْ يكون عِوَضُه أكبرَ من كلّ فقدٍ أو حرمانٍ، وأنْ يكونَ ذلك قريبًا.
وإنّ نَصرَه – لا شكّ – مُتحقِّق، وإنّ النّصر مع الصّبر، وإنّ الفرح مع النّصر: «وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ».

 

AymanOtoom@


الاثنين، 11 نوفمبر 2024

400 يوم من الحرب

 400 يوم من الحرب

د.أيمن العتوم




كيفَ تطحنُ الآلة العسكريّة في شعبٍ أعزلَ على مدى أربعمئة يومٍ ويبقى أهلُها على قيد الوجود؟ إنّ حريقًا واحِدًا شَبّ في روما أيّام نيرون قضى على أكثر من عشرة أحياء في روما من أصلِ أربعةَ عشرَ حَيًّا ودمّر كلّ ما فيها ومَنْ فيها.

ليسَ صمودًا اختِيارًا وإنْ كان في بعضِه كلك عندَ المُؤمنين بالأقدار السّماويّة، ولكنّه صمودٌ اضطراريّ، وخطبٌ أُلجِئ إليه أهل غَزّة، ونازِلة هبطتْ عليهم صاعقةً لو هبطتْ بسِواهم لجعلتْ أمر وجودِ مُخبِّر واحدٍ منهم ضَربًا من الخَيال.

أربعمئة يوم من التّجويع الّذي نَدَر أمثالُه في التّاريخ، التّجويع المُمنهَج الّذي يُبقي على خيطِ الحياة الرّفيع من أجل مزيدٍ من الحسرة على الحال، ولعلّ بعضَ الّذين رَقّتْ جلُودهم وضمرتْ بُطونهم ووهنتْ عِظامهم يتمنّون لو أنّهم غادروا هذه الحياة إلى الحياة الأخرى لكان وطءُ المُصيبة أقلّ، ولَكان في ذلك راحةٌ من نوعٍ ما. 
الجوع الّذي يأكل العيون، ويُطفِئ نورَها، ويمتصّ رحيقَ الحياة من الورود اليابِسة حتّى يذوي الطّفل بين يدَي أبيه، وهما يَرَيَان شُعاع الحياة ينسحبُ عميقًا في غَوْر تلك العينين، ولا يستطيعان فِعْلَ شيء.

أربعمئة يومٍ من الذّبح ولا أقول القتل، فالقتل يكونُ هيِّنًا أمام صورةِ الدّم الّذي تضجُّ به الطّرقات، والأشلاء الّتي تتناثَرُ فوقَ الأشجار وتتدلّى من تحتِ أعمدة الكهرباء، وتسقطُ من فوقِ الشّرفات، ويغرقُ كلّ شيءٍ في ظلامٍ سديميّ مُخيف، وكأنّ وحشًا هائِلاً يفوقُ حجمُهُ حجمَ الكرة الأرضية من أطرافها السّتّ قد سَحَقَ بأقدامه العملاقة هذا الجزءَ الصّغير المنزوي من الكُرة المُسمّى (غَزّةَ) فخلطَ شجرَها بحجرها ببشرها وعادوا عجينًا واحِدًا لا يُدرَى فيه شيءٌ ولا يُتَبَيَّن من كتلته جزء.

أربعمئة يومٍ من الخُذلان والتّثبيط والتّخوين، ولا أقول تُركِتْ غزّةُ وحدَها، فلو تُرِكتَ وحدَها لَكانتِ النّازلةُ أهونَ وإنْ كانت النّوازل لا يُتفاضَل بينها فهي صورة الموت الّذي لا يرحم، ولكنْ أقول إنّها أضافتْ إلى صحيفةِ مأساتِها مِنْ تركِها وحيدةً أنْ ولغَتْ كلابٌ من الجيران في دِمائِها، ونهشتْ مع النّاهِشين من لُحومها، وسَمَحتْ للبارِجات المُحمّلة بالرّاجِمات أنْ تمرّ عبرَها، وموّلَتْ قتَلَة غزّة، وأمدَّتْهم بالمال والسّلاح والطّعام، وكانتْ عونًا لكلّ بطّاش جَبّار حتّى يُثخِنَ في أهل غزّة ما استَطاع، وإنّها والله لَبلوَى لا تُطاق، وخطبٌ لا تُحتَمل فَدَاحتُه، وإنّنا وإيّاهم كما قال القائل:

لَقَدْ مُدَّتْ يَدٌ نحوي لِقَتْلي

وَوَحشُ يدَيكَ ينهشُ في رِقابي

ولكنْ.. كيفَ تقول هي غزّةُ اليوم؟ كيفَ تصفُ ما ترى؟ 
إنّها صامِدة، وإنّها رُمحٌ في العيون، وإنّها ثورةٌ لا تُفَهم كأنّها سِرٌّ من أسرار الله، ولفظةٌ في الوحي السّماويّ لم يلفظْه سِواه لَها، كأنّ أهلها أُعِدّوا في الدُّنيا لِغَير ما تُعَدّ الشّعوب فوق الأرض من سِواها، وأُعدِّوا في الآخرة لغير ما أُعِدّ أحدٌ من البشر مثلهم؛ ابتِلاءٌ في الدّنيا وأجر عميمٌ في الآخرة، خوفٌ في الدُّنيا وطمأنينة في الآخرة، وإنّ لحظةَ طمأنينة واحدةٍ في الآخرة لتُنِسي أهلَ غزّة مجُتمِعين خوفَهم المُعتَّق المُخثّر كُلَّه في الدُّنيا، وإنَّ الله أرحمُ بهم من أنْ يجمعَ عليهم خوفَين، وإنّنا لا ندري ماذا يُرادُ بنا نحن الّذين نقفُ مُتفرِّجِين في الدُّنيا؛ أَأَمانُنا فيها هو أمانٌ هناك؟! 
وإنّ الله لا يجمع الشّيء على المرء مرّتين في عالَمَين، فإمّا خوفٌ هنا وأمانٌ هناك. وإمّا أمانٌ موهومٌ هنا وخوفٌ حقيقيٌّ هناك، ووالله إنْ لم يتدراَكْنا الله برحمته لنَهلَكَنّ!

عمّان9-11-2024م  

الجمعة، 8 نوفمبر 2024

بيني وبينك شَلّالُ الدَّم

بيني وبينك شَلّالُ الدَّم


 

كم تُريدون من دمائنا حتّى تتوقّف هذه الحربُ؟! كم تريدون من أشلائنا حتّى تسكت أصواتُ الرّاجِمات؟! كم تريدون من أصواتِ هَلَعِنا ورُعبنا حتّى تخمد أصواتُ الطّائرات والانفِجارات؟!

شلاّلُ الدّمِ المُتفجِّرُ منذُ ثلاثة عشر شهرًا لم يُقنِعكم؟ 

جُثَث خمسين ألفَ شهيد لم تُشبِعْ نَهَمَكم؟ تدمير تسعة أعشار أبنية غزّة لم يُرضِ سَادِيّتكم؟ أيّ شيءٍ سوف يُوقِف همجيّتكم أيّها المحتلّون القَتَلة الفَجَرة؟!

إنّ مجزرة مستشفى المعمداني في بداية الحرب تلَتْها عشرات المجازر في المستشفيات بعدَها، وإنّ مَسْحَ مُربّعٍ سكنيّ في جباليا تلاه مسحٌ لمئات المربّعات السّكنيّة بعدَها، وهكذا… إنّه نهجُ قتلٍ لا يحيدُ حتّى يقضي على كلّ شيءٍ، أهذه تُسمّى في عُرفكم حربًا؟! أهذه بطولةٌ أنْ تستقووا على الأطفال والنّساء؟! أهذه أخلاقُكم وأخلاقُ جيشكم وأخلاقُ نَسْلكم وأخلاق تاريخكم؟!

كان اسمُها أمل، كانتْ تقفُ في المطبخ لِتُعِدّ الشّاي والخُبز لأكثر من خمسين فردًا من عائلتها ومن أقارِبها الّذين نزحوا إلى بيتهم، لم يكنْ بيتُهم إلاّ شُقّة في عمارة، ولم يكنِ الشّمال آنئذٍ إلاّ صورة الجوع في بشر، وليسَ في الجنوب طعام يُهرَع إليه، ولكنّه الأمل، وإنَّ بيتًا لم تَمَسَّهُ يدُ القتل فيه أملٌ من حياة، وعلى بصيص هذا الأمل تجمّعَ الأقرباءُ في هذه الشُّقّة الصّغيرة بهذا العدد الكثيف.

غَلَى الشّايُ، إنّها لَحَظاتُ سعادةٍ، سوفَ تُسقَى هذه الشّفاه العطشى، وسوفَ تخبو أصواتُ هذه المِعَد الجوعى، حتّى لو كان الشّرابُ شايًا والطّعامُ خبزًا، فإنّه يحمي من الموت الفاغِر فاه في كلّ حين.

غيرَ أنّ الموتَ ليسَ له شكلٌ واحدٌ، الموتُ جوعًا واحدٌ من كثير، هناكَ موتٌ بالفقد، موتٌ بالعيشِ مع صُور الرّاحلين، موتٌ بتذكّر الماضِين باستِدعاء طُيُوفِهم، موتٌ بالحنين إلى لمسةِ يدٍ حانية غُيِّبتْ في الثّرى.

آخر شيءٍ يُمكن أنْ تراه الضّوء الأحمر أو ألسنة النّيران، وآخر شيءٍ يُمكن أنْ تسمعه هو صوتُ أزيز الصّاروخ المُرعب، وإذا كان لكَ دقائقُ أخرى من الحياة مقدورةٌ في علم الغيب، فستسمع آهات الثّكلى، وأنّات الجرحى، وأصوات أخرى يتداخل فيها الدّم بالدّخان والسّخام، فيصطبغ الأحمر بالأسود، فيُنتِج لونًا جديدًا هو لون الموت الوشيك، لا يستأذن ولا يتأخّر.

سقطَ الصّاروخ، وتبعه صاروخان آخَران، خرّتِ البناية، انهدمَ كلّ شيءٍ، اندفنَ تحت الرّكام أكثر من ثلاثمئة شهيد، من عائلة أمل الخمسين لم يخرجْ سِواها، كانتْ محظوظةً؛ لأنّها في لحظة إعداد الشّاي كانتْ أقربَ إلى النّافذة، النّافذة الّتي قذفَ ارتجاجُ الصّاروخ الأوّل بها عَبْرَها، فنجتْ!

كيفَ تعيشُ أمل اليوم؟ بالأمل. لولا الأمل لأصابَها الجنون، ولأصابَ الكثيرين في غَزّة، أكثرُ ما يُوجِعها أنّ أمّها قد رحلتْ دون أنْ ترتشفَ رشفةً أخيرةً من الشّاي، أو تقضم لُقمة واحدةً من الخُبز.

AymanOtoom@

otoom72_poet@yahoo.com


الاثنين، 4 نوفمبر 2024

نموذج البطل

نموذج البطل

أيمن العتوم

 

بعضُ الحوادث لا يُمكن أنْ تجتازَها بسهولة، تظلّ طعنةً في القلب، وحربةً نافِذةً في الرّوح، ومع أنّ الدّموع قد تجفّ، والأيّام قد تمرّ، والعهود تتقادَم، إلاّ أنّ جرحًا ما يظلّ طريًّا نديًّا مهما غَبَرَتْ عليه السّنون. كيفَ تُنسَى وتلك الصُّورة الأُسطوريّة لرحيلك عصيّةٌ على النّسيان؟! 

كأنّي أستذكر ما قال مُتمِّم بن نُويرة في رثاء أخيه مالكٍ:

ذَرِينِي فَإِلاَّ أَبْكِ لَمْ أَنْسَ ذِكْرَهُ

وَإِنْ أمَرَتْنِي بِالعَزَاءِ عَوَائِدِي

بِوُدِّيَ لَوْ أَنِّي تَمَلَّيْتُ عُمْرَهُ

بِمَالِيَ مِنْ مَالٍ طَرِيفٍ وَتَالدٍ

وَبِالكَفَّ مِنْ يُمْنَى يَدَيَّ حَيَاتَهُ

فَفَارَقَنِي مِنْهَا بَنَانِي وَسَاعِدِي


كان وجهُكَ وجهَ شعبٍ مَكلُوم، وجهَ أُمّةٍ نازِفة، وجه أمّة تريدُ أنْ تُبصِر الطّريق ولكنّها لا تجد مَنْ يدلّها ولا مَنْ يُزيل عنها العَتَمات المُتراكِمة، وجهكَ كان بسيطًا ولكنّه كان نبويًّا، فيه من النّبُوّة الصّدق والقُوّة والجِدّية. وجهُكَ يا يحيى كان فيه من الغضون ما يكفي لأنْ تُروى حكايات صمودٍ ومقاومة لعقودٍ قادمةٍ من الزّمن لجيلٍ لم يعرفْك ولم يَرَك ولم يُولَدْ في حياتك.


وعيناكَ؟! كانتا عينَين اختزلتا حالةَ الشّعوب المقهورة، حُزنٌ عميقٌ وإيمان أعمق. ظلالٌ شفيفةٌ من الشّجن وتوقٌ إلى يوم الثّأر. بساطةٌ وإصرار معًا، حنوّ وعنفوان في آنٍ واحدٍ. في غورَيهما تسكنُ الآلام والآمال، وفي بحرٍ صافٍ منهما تثور بواطنه ببراكين لا تحتمل التأجيل.


أكانَ استشهادُكَ هو الآخر لا يحتمل التّأجيل؟! لربّما، مَنْ يدري؟! ذلك قَدَرُ الله، لكنّني أراكَ استعجَلْتَه، أردْتَ أنْ تموت واقِفًا، أردتْ أنْ تأتيكَ تلك الرّصاصة في اللّبّة لا في العَقِب، وفي الصّدر لا في الظَّهر كما اعتدْتَ وكما كنتَ تقول دائِمًا، أردْتَ أنْ ترسمَ صورةً صادِقةً لِصوتِكَ الّذي ملأ أسماع الأجيال التّائقة إلى الحرّيّة عن قوّة الكلمة حينَ ترتبطُ بالفِعل دون زيادة، حرفٌ برصاصة، وجملةٌ بقذيقة، وخطوةٌ بدبّابة، وحياةٌ بموت، ثُمّ حياةٌ لا تنتهي هناكَ حيثُ كنتَ تشتهي وتتمنّى!


كيفَ رسمْتَ صورة البطل في عيون هذا الجيل؟! أولئك الّذين لم يروا نور الحياة أيّام كنتَ تغرقُ في ظلمات الجُبّ، كانوا نُطفًا لم تُخلَق، وأجِنّةً لم يتشكّل في الأرحام بعدُ، وجاؤوا في عصر الاستكبار العالَمي، والاستبداد والظّلم، من القريب ومن البعيد، من الجار ومن العدوّ، من الشّرق والغرب، جاؤوا يبحثون عن مُلهِم، يبحثون عن بطل، لربّما استمالَهم أبطال السّينما، وأبطال الأفلام في هوليود وغيرها، فُتِنوا بالعضلات المفتولة، وبالأجساد المَمْشُوقة، وبالرّصاصات الّتي تنطلق دون حساب، ثُمّ لَمّا كَبُروا قليلاً أدركوا أنّ كلّ هذه البطولات زائفة، وأنّها تُقدَّم من وراء شاشاتٍ فِضّية وزرقاء في عالَم الخَيال والصّورة، وأنّ هذا الّذي يتمتّع بهذه القوّة الخارقة أمام الكاميرا لو صار خلفَها لَسقط، ولانهار المجد الّذي صَنَعتْهُ له الأضواء في لمح البصر، وأنّ هذا الّذي كان يُقاتِل بضراوة أمام الكاميرا لا يستطيع أنْ يُصيبَ هدفًا على بعدِ عشرة أمتار، وأنّ هذا الّذي يتمتّع بهذه القُوّة العضليّة الخارقة لو خرجتْ له قِطّة في الطّريق فجأةً لذُعِر وَوَلْوَل، وأنّه لو خرج من ميدان القتال الوهميّ إلى الميدان الحقيقيّ فإنّه لن يصمدَ أمام غزّيّ يلبس بنطالاً رَثًّا، وينتعل حِذاء مهترِئًا دقائق!! لقد جِئتَ أنتَ يا يحيى من أجل أنْ تُحطّم الصّورة الزّائفة للبطولة، وتصنع الصورة الحقيقيّة لها. فكيفَ كانتْ هذه الصّورة؟


كانتْ فيك، وفيك نموذجك؛ فردٌ يُواجِهُ فوجًا من الجنود والدّبّابات وحده، فردٌ يُقاتِل حتّى آخر قطرةٍ من دمه، فردٌ فيه من جعفر الطّيّار رضي الله عنه َمشابِه، وكأنّه كان حاضِرًا في ذهنك وأنتَ تواجه هذه الأرتال من عساكر العدوّ، تُصاب يدُك فتربطها، وحينَ لا تبقى إلاّ يدٌ واحدة، وتنفد الذّخيرة، تكون عصا خشبيّة لا يُمكن أنْ تقتل أحدًا، ولكنّها جُهدُ المستطيع، فتقاتِل بها لأنّكَ لا تريدُ أنْ تتركَ وسيلة قتالٍ مُمكِنةً مهما ضَؤُلت حتّى تستخدمها، ثُمّ ترتقي شهيدًا.


إنّه نموذجٌ بطولةٍ فريد، وسيعيشُ طويلاً وطويلاً في أذهاننا، وأذهان الأجيال القادِمة، وشكرًا من ألفِ شكرٍ على أنْ رسمْتَ لنا هذا النّموذج الحقيقيَّ للبطولة والفِداء، وشكرًا من ألفِ شكر على أنَّك ببطولتك الفريدة هذه حطّمْتَ صورةَ البطولة الزّائقة، وأسكتّ أصواتَ العنتريّات الكاذبة، وأضفْتَ معنًى جديدًا، ولفظًا مُبتَكَرًا إلى معجم اللّغة العربيّة.


عمّان 3-11-2024م

الاثنين، 21 أكتوبر 2024

علوٌّ في الحياة وفي الممات

علوٌّ في الحياة وفي الممات
 أيمن العتوم


 لقد وُهب عمرا طويلا، خالدا بالذكر الحسن، ولئن كان عمره المعدود قصيرا على هذه الفانية، فإنه طويل ممتد في الخالدين، والأعمار ليس ما لم تعده بالسنوات والأيام، ولكن ما تعده بالأفعال، ولو كان بالأيام لكان أطولنا عمرا ذاك الذي يرده الله أسفل سافلين، ولكن “من الأعمار ما ليس يوهب”، ولقد كان عمره من الأعمار التي لا توهب إلا للذين لا يموتون، لأنهم سيبقون في ذاكرة هذا الجيل المثخن بالجراح والبلايا وفي ذاكرة الأجيال القادمة، الأجيال التي سترويه نشيدا عذبا في الفم:


غدا تجيء من الأجيال من حلمتْ


بـأن تــراه وشاقتْــها الـبـطــولات


تــود لــو أنــهــا فـي بنــدقـيـــتــه


مقـابض، أو زناد أو رصـاصـات


مضى طاهر الأثواب، صادق الكلمة، ثابت الرأي، جلْدا، صبورا، لم يقل كلمة أعظم مما قاله في السابع من أكتوبر من العام الفائت، وفي السابع عشر من أكتوبر الحالي، وبين أكتوبرين صنع عبوره الخاص، وقال كلمته الفريدة، الكلمة التي يعجز رؤساء وزعماء طارئون فانون أن يقولوها ولو من وراء ستار الخوف والتبعية والتخاذل.


لم تكن الحكايا التي وردت عن خالد بن الوليد وعن جعفر بن أبي طالب وعن عكرمة بن أبي جهل وعن نهر ممتد من الشهداء أساطير، ولا خرافات، ولكنْ لأنها أعظم من أن يتخيلها العقل البشري ستصبح أساطير، أساطير في البطولة والفداء، وستكون مادة غنية لترويها الأمهات الحالمات لأبنائهن، والآباء الطامحون لأولادهم:


لقد كان فوت الموت سهلا فرده


إليه الحفاظ المر والخلق الوعـر


إنه الخلق الوعر الذي لا يتقنه إلا هذا الصنف من الأبطال النادرين في كل عصر!. يوما ما سنقول إننا عشنا في زمن يحيى مرتين، مرة حين هندس العمليات الاستشهادية ضد العدو الصهيوني على يد العياش، ومرة حين حول مجرى التاريخ، وصنع تاريخا خاصا به على يد السنوار، وبين اليحيين تتماثل أمامنا دماء يحيى النبي الذي سالت دماؤه كما سالت دماء يحيينا من أجل فكرة نقية، من أجل مبدأ صالح، ومن أجل نور سيظل يهدي السارين في الظلمات المدلهمة التي لا يكاد المرء فيها إذا أخرج يده أن يراها.


لقد ولد عاليا في صباه، وعاش عاليا في حياته، وعاش عاليا في مماته، كأنه كان لا يرى للقاع وجودا، ولا للسفح مكانا، يحلّق كالنسر فوق القمم، ويخفق بجناحيه للجموع أن من هنا الطريق، وإن طريقا لا يقود إلى القدس وينتهي عند المسجد الأقصى المبارك طريق غير راشدة:


علـوٌّ في الـحـياة وفي الممات


لعمرك تلك إحدى المعجزات


لقد ولد منذورا للسماء، منذورا لتلك الأرواح التي تحلق تحت ظل العرش، وهي تنعم بالرَّوْح والريحان، وإن قبره لن يكون في الأرض، لأن الذين ولدوا للسماء لن ينتهوا إلا إليها، وإن الذين ثأروا من عدو قاتل سفاك همجي سيكون ثأرهم معه طويلا:


أصاروا الجو قبرك واستعاضوا


عـن الأكـفـان ثـوب السـافـيــات


أسـأت إلى الـنـوائب فاسـتثـارت


فـأنـت قـتـيـــل ثــأر الـنـائـبــات