‏إظهار الرسائل ذات التسميات ساري عرابي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ساري عرابي. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 13 يناير 2026

"ساري عرابي".. أفكار لا يحبسها الاحتلال

 "ساري عرابي"..أفكار لا يحبسهاالاحتلال


ساري عرابي

تم تحويل عرابي للاعتقال الإداري بسبب كتاباته

تستمر قوات الاحتلال "الإسرائيلي" باعتقال الزميل ساري عرابي، الكاتب في "عربي21"، منذ أكثر من ثلاثة أسابيع، بعد أن حولته إدارة السجون إلى ما يسمى "الاعتقال الإداري" لمدة ستة شهور، وهو قرار بالسجن قابل للتمديد بدون تهمة أو محاكمة أو محامين.

ولأن ساري عرابي يُعتقل في سجون الاحتلال بتهمة الكتابة والفكر والضمير، تعيد صحيفة "عربي21" نشر عدد من مقالاته الأخيرة التي تنشر عادة كل يوم ثلاثاء، للتأكيد على أن الأجساد يمكن أن تحبس بسطوة الاحتلال، أما الأفكار والكلمات فلا يمكن تقييدها.





حين يصبح كل خيار ذريعة: في أخلاق النقد تحت الإبادة

مِن العدوّ إلى الحاجة: التحوّل البنيوي في موقع "إسرائيل" داخل النظام العربي

وصاية دولية على المقاس الإسرائيلي.. قراءة في القرار الأمريكي/ الدولي لتصفية فلسطين

الحرب من الإبادة إلى إعادة الإنتاج: شراكة أمريكية- إسرائيلية بلا خلافات!

الإبادة باسم السلام: كيف صارت خطة نتنياهو خطة العرب والمسلمين؟!

أفيون الشعب في زمن الإبادة.. كيف يوظف إسلاميون الدين لإضعاف فلسطين

من إنكار الوجود إلى قتل الشهود.. لماذا تقتل إسرائيل الصحفيين الفلسطينيين؟!


الجمعة، 26 ديسمبر 2025

ساري عرابي: وجه فلسطين وصوتها الأوضح

 ساري عرابي: وجه فلسطين وصوتها الأوضح                                                                                                وائل قنديل

ساري عرابي: الذين يواجهون القصف والموت والفقد ليسوا عناصر في معادلة


على مدار أكثر من عامين، كان الباحث والكاتب الفلسطيني المثقف، ساري عرابي، الأكثر تعبيراً عن فلسطين، وجهها الحقيقي، حزنها المقاوم للانكسار، وصوتها الأصدق في كل مداخلاته الإعلامية منذ اليوم الأول للطوفان، وحتى اعتقاله أمس من قوات الاحتلال الصهيوني في توغّلاتها في مدن الضفة الغربية وبلداتها.

صار الكاتب والباحث السياسي الفلسطيني والأسير المحرّر، ساري عرابي، خبراً يضاف إلى شريط الأخبار التي تمرّ سريعاً على الشاشات، بعد أن اعتقلته قوات الاحتلال فجراً، عقب مداهمة منزله في بلدة رافات شمال القدس المحتلة. 

هو اعتقالٌ يصادف أهله تماماً، ذلك أن هذا الرجل بقي من القلائل الذين يقاومون خيانة المصطلحات والتعريفات، حين يعلق على الوضع الراهن أو يحلّله أو يدلي بدلوه في جدلية الاحتلال والمقاومة المشروعة، فلا يستسلم لغواية تصنيف مجتمع الاحتلال بين أشرار وطيبين، ولا يلهو على شواطئ الثرثرة الفارغة التي كانت تهذي بأن المجتمع الإسرائيلي شيء ونتنياهو شيئ آخر، ثم تطور الهذيان إلى الفصل بين نتنياهو وغلاة الصهاينة الدينيين، أمثال بن غفير وسموترتش، على أسس ساذجة افترضت في البدايات أن نتنياهو وفريقه الحكومي العقبة الوحيدة في طريق وقف العدوان، ثم راحت تسفسط بأن نتنياهو يريد التهدئة لكن الصهيونية الدينية هي العقبة.

لم يهتز ساري عرابي أو يتلعثم أو يخبئ آراءه في أغلفة لامعة من الهراء الذي لا يقول شيئاً، بل يتحدّث بعبارات شديدة الوضوح تسمّي الأشياء بأسمائها، وتعرّف العدو بالعدو، ولا تروّج سلاماً زائفاً كما يفعل الذين يسيرون مع اتجاه الريح. 

ولذلك من الطبيعي أن يكون الهدف المناسب للاحتلال في عمله على حرق رواية أولاد الأرض الحقيقيين، بعد أن أحرق الأرض والشجر والحجر والإنسان.

في دراسة بديعة عن فلسفة المقاومة تحت عنوان "مقالةٌ في نقد التحليل السياسي المغلق والتصوّر الإيماني الرغائبي"، يحفر ساري عرابي عند الجذور، لينطلق من دروس معركة عين جالوت الخالدة، ويصل إلى اللحظة الراهنة، الطوفان وما بعد الطوفان، وتحت عنوان فرعي" المقاومة وظيفة": حفظ الإمكان في عالم قابل للانغلاق" يقول ساري عرابي: "ومن هنا، تتولّد فكرة "المقاومة وظيفة". ليست المقاومة "وسيلةً" لتحقيق غلبةٍ دنيويةٍ في تقويمٍ عاجل فحسب، بل "وظيفة" لحراسة شرطٍ أخلاقيٍّ للوجود؛ لولاها لتمدّد الباطل حتى يطبق على العالم؛ ﴿وَلَولا دَفعُ اللَّهِ النّاسَ بَعضَهُم بِبَعضٍ لَفَسَدَتِ الأَرضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذو فَضلٍ عَلَى العالَمينَ﴾.[13] هذه ليست صيغة وعظ، بل توصيف لنظام العالم، فالظلم قابلٌ للرسوخ إن تُرك بلا مدافعة، والحقّ لا يقوم بذاته دون فاعل بشريّ ينهض به، ولو لم تَعِد المدافعةُ بنتيجةٍ محددة. إنّ الامتناع التام عن المدافعة ليس حياداً، بل تسليم للباطل بشرعية الرسوخ. لذلك يصبح القيام بالفعل، حتى حين تُخطئ الحسابات أو تتعقّد النتائج، شرطًا لمنع انغلاق العالم في قبضةٍ واحدة. "ومع ذلك، فإنّ تأطير المقاومة بوصفها وظيفة؛ لا ينبغي أن يُفهم على نحوٍ يُضفي على معاناةِ شعبٍ ما، كأهل غزّة أو غيرهم ممن يقفون في خط المواجهة، معنىً تجريديّاً يجعل آلامهم مجرّد ثمنٍ مقبولٍ لحفظ توازنٍ عالميّ أوسع. فالمقاومة ليست تكليفًا تُحمّله فلسفة التاريخ لضيفٍ دائمٍ في جغرافيا واحدة، ولا تصنيفًا يُجزّئ البشر إلى "من يقوم بالوظيفة" و"من يجني ثمارها". إنما هي توصيفٌ بنيويّ لطبيعة العالم من حيث قابليةُ الظلم للتمدد، وقابليةُ الحقّ للاضمحلال إن لم يجد من يقيمه.

ويخلص إلى أن"الذين يواجهون القصف والموت والفقد ليسوا عناصر في معادلة، بل ذوات كاملة وحقوق كاملة، ولا يملك أحدٌ، لا نظريّاً ولا أخلاقيّاً، أن ينقل تبعة العالم إلى أكتافهم. وظيفة المقاومة، بهذا المعنى، لا تُشرعن دوام الألم، ولا تُحوّل تضحيات الناس إلى مادة في تفسير كونيّ، بل تُذكّر بأن الواجب موزّع على البشر بقدرهم وسعتهم، وأن دور المجتمعات والدول والعالم كلّه تخفيفُ الكلفة عن الذين يُضطرون إلى حمل النصيب الأكبر من المواجهة، لا تبرير تحمّلهم لها. هنا يصبح مفهوم الوظيفة جزءًا من نقد الحتميّات، لا صيغةً تُخفّف من ثقل الدم والدمار، لأن الاعتراف بتركيب العالم لا يلغي حق البشر في الحياة الكريمة ولا يجوز أن يُعطّل الالتزام الأخلاقي والسياسي بمساندة المقهورين وتخفيف المعاناة عنهم. الحرّية لساري عرابي..الحرية لفلسطين.

الأربعاء، 24 ديسمبر 2025

حين يصبح كل خيار ذريعة: في أخلاق النقد تحت الإبادة

 حين يصبح كل خيار ذريعة: في أخلاق النقد تحت الإبادة

ساري عرابي

"الاحتلال، بحكم طبيعته وبفائض قوته، يملك القدرة البنيوية على جعل كل حساب خاطئا، وكل توقيت غير مناسب، وكل فعل ذريعة"-

يطفو في النقاش العام خطابٌ نقديٌّ يلحّ، كلما بلغت المأساة الفلسطينية ذروة جديدة، على أن المقاومة لم تُنتقد بما يكفي. غير أن هذا الخطاب لا يكتفي بالمطالبة بالنقد، بل يتخذ شكل اتهامٍ دائم لأنصار المقاومة بأنهم يرفضونه في كل الأحوال. يُقال إنهم يرفضون النقد أثناء الحرب بحجة أن الظرف لا يسمح، ثم يُقال أيضا إنهم يرفضونه بعد الحرب بدعوى أن الأمر انتهى ولا معنى للمراجعة. هكذا يُصوَّر أنصار المقاومة بوصفهم في حالة إنكار مطلق للنقد، لا لأنهم يناقشونه أو يختلفون حول شروطه ومضمونه، بل لأنهم، وفق هذا الاتهام، يرفضونه سلفا، أيّا كان توقيته.

غير أن هذا الاتهام المزدوج يقوم على افتراضٍ مضمر يتجاهل الواقع نفسه؛ افتراض أن الحرب قد انتهت أصلا، بينما الحقيقة أن الحرب لم تتوقف، لا بوصفها مواجهة عسكرية فحسب، بل باعتبارها بنية مستمرة من العنف، والحصار، والتجويع، والإبادة المتدرجة. في هذا السياق، لا يعود السؤال سؤال توقيتٍ مناسب للنقد، بل سؤال وظيفته؛ هل يُطرح النقد بوصفه أداة لفهم شروط الصراع وتعقيداته البنيوية، أم بوصفه آلية اتهام تُستخدم لإثبات أن الطرف المقابل في حالة رفض دائم للمساءلة؟

تحويل النقاش من هذه الحقيقة البنيوية إلى محاسبة الفعل المقاوم بوصفه "سببا" للكارثة هو قلب للعلاقة السببية نفسها، ونقل لمركز الفعل من البنية القاتلة إلى من يعيش تحتها. وحين تكون لدى طرف واحد القدرة على جعل كل الخيارات كارثية، يصبح الحديث عن "الخيار الصحيح" حديثا أخلاقيا مجردا، لا يفسر الواقع بل يبرئ القوة من منطقها


هذا الخطاب لا يصدر عن ذاكرة ضعيفة، بل عن ذاكرة منتقاة، إذ تُمحى عمدا عقود كاملة من تاريخ سياسي وفكري قام، منذ مسار التسوية، على نقد المقاومة ونبذها وتجريمها. لم يكن ذلك نقدا إجرائيا أو استراتيجيا يبحث في أدوات الفعل وحدوده، بل مشروعا متكاملا لنزع الشرعية، حوّل المقاومة من تعبير عن وضع استعماري قسري إلى "مشكلة داخلية" يُفترض التخلص منها. لذلك فإن الادعاء الراهن بغياب النقد لا يعني غياب النقد فعلا، بل غياب نوع محدد منه، أي ذاك الذي لا يكتفي بالمراجعة، بل يُفضي إلى إدانة المقاومة. وما لا ينتهِ إلى هذه الإدانة لا يُعترف به بوصفه نقدا أصلا.

جاء السابع من تشرين الأول/ أكتوبر ليكشف هذا الخلل لا ليؤسسه، فقد وقع في لحظة عربية ودولية انكشفت فيها الاصطفافات دون مواربة؛ خندق إسرائيلي صريح، وخطاب يعلن عداءه للمقاومة، وخطاب ثالث يحمّلها مسؤولية الإبادة. في هذا المناخ، لم يعد النقد فعلا ذهنيا محايدا، بل صار تدخلا في معركة تأويلية حول معنى ما يجري؛ من هو الفاعل، وأين توضع المسؤولية، ومن يُنزَع عنه هذا الوصف باسم العقلانية أو الواقعية.

هنا يتبدّى الخلط الحاسم بين النقد والإدانة، فالنقد، في معناه الصارم، يفترض مساءلة الفعل ضمن شروطه وسياقه وحدوده التاريخية، أما الإدانة فتبحث عن طرف تُعلّق عليه الكارثة. كثير مما طُرح بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر بوصفه نقدا انزلق إلى إدانة مقنّعة، حين أُعيد توصيف الإبادة بوصفها نتيجة "مغامرة غير محسوبة" أو "خطأ في الحسابات". في هذا التحول، لا يجري تفكيك الفعل المقاوم، بل إعادة توزيع الذنب على نحو يخفف العبء عن البنية القاتلة نفسها.

بيد أن النقاش حول "الحسابات الخاطئة" يتجاهل حقيقة بنيوية لا يمكن القفز عنها؛ وهي أن هذا النقاش يجري وكأننا أمام فضاء متكافئ، تُقاس فيه الأفعال بنتائجها على نحو محايد. والحال أن الواقع الاستعماري لا يعمل بهذه الطريقة، فالاحتلال، بحكم طبيعته وبفائض قوته، يملك القدرة البنيوية على جعل كل حساب خاطئا، وكل توقيت غير مناسب، وكل فعل ذريعة؛ ليس لأن الفعل في ذاته خاطئ، بل لأن القوة المهيمنة قادرة على فرض تعريفها الخاص للخطأ ونتائجه، وعلى تحويل أي خيار إلى كارثة حين تقرر ذلك.

بهذا المعنى، لا تكون الإبادة نتيجة سوء تقدير، بل ثمرة قرار سياسي كامن في منطق السيطرة ذاته، قرار لا يحتاج إلى خطأ من الضحية كي يُفعَّل. إن تحويل النقاش من هذه الحقيقة البنيوية إلى محاسبة الفعل المقاوم بوصفه "سببا" للكارثة هو قلب للعلاقة السببية نفسها، ونقل لمركز الفعل من البنية القاتلة إلى من يعيش تحتها. وحين تكون لدى طرف واحد القدرة على جعل كل الخيارات كارثية، يصبح الحديث عن "الخيار الصحيح" حديثا أخلاقيا مجردا، لا يفسر الواقع بل يبرئ القوة من منطقها.

في لحظات الإبادة، لا يعود السؤال تقنيا أو تكتيكيا، بل سؤالا أخلاقيا ومعرفيا في آن؛ وهو هل يفتح النقد أفق الفهم والتحرر، أم يغلقه باسم العقلانية، ويعيد توزيع الذنب بما يخفف وطأة الجريمة عن فاعلها الحقيقي؟


يتفرع عن ذلك القول الشائع "لا معنى للوم الاحتلال لأن إجرامه معلوم"، غير أن هذا القول، إذا أُخذ إلى نهايته، يُنتج وعيا مبتور الاتجاه، يكفّ عن تسمية الجريمة لأنها "بديهية"، ويتفرغ فقط لمساءلة الذات. في هذه الحالة، لا يعود العنف فعلا له فاعل، ولا الإبادة قرارا سياسيا، بل تتحول الضحية إلى موضوع محاسبة دائم. هذا ليس تعميقا للوعي النقدي، بل إعادة إنتاج لأخلاق الهيمنة بلغة داخلية، حيث يُستبطن منطق القوة ويُعاد تدويره أخلاقيا.

ولا يعني هذا إنكار الحاجة إلى بحث عقلاني في سبل نضال أكثر ديمومة، وأكثر مراعاة لحياة الناس وموازين القوى. هذا بحث مشروع وضروري، لكن ثمّة فرقا جوهريا بين نقد استراتيجي يعترف بالقيود البنيوية التي يفرضها الاستعمار، ويسعى إلى التفكير داخلها، وبين خطاب يتجاهل هذه القيود ليصب عمليا في مشروع عزل المقاومة، لا بوصفها خيارا سياسيا فحسب، بل بوصفها عبئا أخلاقيا حتى على شعبها، وكأنها ليست جزءا من مجتمع الضحية ذاته.

في هذا السياق، يصبح اتهام أنصار المقاومة برفض النقد آلية خطابية مغلقة لا توصيفا محايدا. إذ يُصادَر حقهم في الدفاع، والسجال، والاعتراض على مضمون النقد، ويُقدَّم كل نقاش بوصفه دليلا إضافيا على "الإنكار". هنا لا نكون أمام حوار نقدي، بل أمام فرض وصاية معرفية تتخفى بلغة العقل، حيث يُطلب الامتثال لا الفهم.

الأخطر من ذلك هو الخطاب الذي يبدأ بإعلان العداء لـ"إسرائيل"، ثم ينتهي عمليا بكل ما يخدم سرديتها؛ من نزع السياق، وموازنة الجريمة، إلى تحميل الضحية المسؤولية، وتقديم الإبادة بوصفها نتيجة لا قرارا. هذا التناقض ليس عرضيا، بل علامة على اختلال في البوصلة الأخلاقية، حيث تنفصل النوايا المعلنة عن الوظيفة الفعلية للخطاب في لحظة تاريخية حاسمة.

في النهاية، لا خلاف على أن النقد ضرورة، لكن الضرورة لا تمنح كل ما يُقال صفة النقد. في لحظات الإبادة، لا يعود السؤال تقنيا أو تكتيكيا، بل سؤالا أخلاقيا ومعرفيا في آن؛ وهو هل يفتح النقد أفق الفهم والتحرر، أم يغلقه باسم العقلانية، ويعيد توزيع الذنب بما يخفف وطأة الجريمة عن فاعلها الحقيقي؟

x.com/sariorabi

الأربعاء، 17 ديسمبر 2025

ضد الحتمية: تفكيك أوهام اليقين السياسي ووهم الضمان الإيماني في شبكة التاريخ

ضد الحتمية: تفكيك أوهام اليقين السياسي ووهم الضمان الإيماني في شبكة التاريخ

مقالةٌ في نقد التحليل السياسي المغلق والتصور الإيماني الرغائبي
ساري عرابي
“الحربُ مجالُ الصدفة؛ ولا يوجد في أيّ نشاطٍ بشريّ آخر هامشٌ يفرضُ تركُه لهذا الدخيل كما يحدث في الحرب. كارل فون كلاوزفيتز، عن الحرب، ١٨٣٢م”

عين جالوت: تداخل الأسباب وتفكك الحتميّات

في سنتي ٦٥٧–٦٥٨هـ (١٢٥٩–١٢٦٠م) بدا المشرق الإسلامي منسحقًا تحت وطأة اندفاعة مغوليةٍ تكاد تُطبق على ما تبقّى من مدنه وكياناته؛ بعد أن سقطت بغداد في ٢٠ محرّم ٦٥٦هـ (١٠ شباط/ فبراير ١٢٥٨م)، وتقهقر ما تبقّى من النظام السياسي المركزي، وانكسر المعنى الرمزي الذي ظلّ قرونًا يسند المخيلة الإسلامية عن ذاتها.

لم يكن سقوط بغداد “مدينةً” فحسب، بل نقصانًا في رصيد الطمأنينة التاريخية؛ ولذلك حين اندفع جيش هولاكو غربًا، سقطت حلب في كانون الثاني/ يناير ١٢٦٠م، ثم دَخل جيشه دمشق في ١ آذار/ مارس من العام نفسه بقيادة نائبه كتبغا، وبدت مصر على مشارف طورٍ جديد من الاختبار. كانت الحواسّ كلها تقول إن “الحسم” واقع لا محالة؛ فالموقف إزاء قوة مغولية كثيفة، وجهاز حربي ضارب، وهيبة تروّع المدن قبل أن يصلها الجيش، ومجال سياسي عربي–إسلامي مبعثر الإرادة. لكن التاريخ، بوصفه نسيجًا من عوامل متشابكة، لا يستجيب لحدس الحتميّات بهذه السهولة.

قراءة مركبة للتاريخ: بين أزمة الخلافة ورسالة هولاكو

في أقصى الشرق، على أسوار حصن صينيّ بعيد، وقع حدثٌ سيغيّر الموازين في الشام من دون أن يَحسب له أحد حسابًا. توفي الخان الأعظم مُنْكُو خان أثناء حصار دياويُوتشنغ قرب تشونغتشينغ في آب/ أغسطس ١٢٥٩م (ذو القعدة ٦٥٧هـ). أدّت الوفاة إلى اضطرابٍ في مركز الإمبراطورية، وانفتاح أزمة خلافة عريضة، فاضطر هولاكو إلى الرجوع شمالًا لتثبيت سلطته الإلخانية، وترك في الشام قوّةً أصغر بقيادة كتبغا. هكذا، تداخلت واقعةٌ في أقصى الشرق مع قرارٍ في أقصى الغرب، وانفتحت نافذةٌ للمماليك لم تكن قبل أسابيع مرئيةً في خرائط القوة، ثم انتهى ذلك كله إلى معركة عين جالوت يوم ٣ أيلول/ سبتمبر ١٢٦٠م (٢٥–٢٦ رمضان ٦٥٨هـ)، حيث قُتل كتبغا وانكفأت القوة الإلخانية من الشام.

من هو مُنْكُو؟ هو الحاكم الأكبر الرابع (١٢٥١–١٢٥٩م)، حفيد جنكيز خان وابن سلالة تُولوي، آخرُ من أمسكَ عمليًّا بخيوط سلطةٍ مركزية واسعة قبل أن تتشظّى الإمبراطورية. مات في ساحة الحصار، وتختلف الروايات في سبب الوفاة بين إصابةٍ بالمقاليع/ المقذوفات وبين وباءٍ معويّ، لكن التوقيت ثابتٌ في صيف ١٢٥٩م وأثرُه السياسيّ حاسم، ارتداد هولاكو إلى منغوليا للمشاركة في مجلس انتخاب الخان (القورلتاي)، إلا أن اشتعال الصراع بين شقيقي منكو خان الآخرين (قوبلاي وأريق بوكا) جعل هولاكو يتراجع إلى مركز سلطة الإلخانيين (في أذربيجان وبلاد فارس) لحماية قاعدته الإقليمية بسبب الصراع على السلطة، ولتطور الأحداث في الشام.

وإذا كان كثيرٌ من السرديات المدرسية يفسّر انسحاب هولاكو من الشام بالمنافسة على الخلافة، فمصادر الدبلوماسية تقدّم طبقةً أخرى من التفسير؛ إذ تكشف رسالةٌ لاتينية بعث بها هولاكو من “مراغة” إلى لويس التاسع (مؤرخة في ١٠ نيسان/ إبريل ١٢٦٢م) (وهي الرسالة التي نشرها بول ميفارت في Viator عام ١٩٨٠)، أن الإلخاني قد سوّغ التحركات على نحوٍ يُبرز أيضًا اعتبارات التموين وقيظ الصيف، ويطلب في الوقت نفسه تنسيقًا عسكريًّا ضدّ المماليك، واعدًا بإعادة القدس إلى المسيحيين. الرسالة، كما تتابعها الأبحاث اللاحقة (بوربونه وآخرون)، تكشف أسلوبًا لغويًا لاتينيًّا كتبه كاتبٌ غربي في البلاط الإلخاني، وتشي بخطابٍ إمبراطوري يجمع صرامة الصيغة المغولية مع تطييبٍ مسيحيٍّ سياسيٍّ يهدف لجذب لويس إلى تحالفٍ ضدّ القاهرة. هذا بحد ذاته يدلّ على أن الانسحاب لم يكن منحصرًا في تقدير ميداني، بل كان جزءًا من شبكة دوافع، منها أزمة الخلافة، والاعتبارات اللوجستية، وربما اعتبارات دبلوماسية متعلقة بالتحالف مع “الفرنجة”. ولعل هذه الصورة تكون أدقّ من التفسير الأحاديّ السبب.

على الضفة الأخرى، اتّخذ المماليك قرارًا لا يقوم على يقين النتيجة، بقدر ما يقوم على رفض البديل: أن لا تُقاتل يعني أن تُسلّم بالانسحاق. حشد قُطُز وسط إحساس في القاهرة بأنّ المواجهة لا بدّ منها؛ والقرار هنا عقلانيّ استراتيجيّ أخلاقيّ في آن واحد: إذا كانت البدائل جميعها تفضي إلى زوالٍ بطيءٍ أو سريع، فتعديل المعادلة يمرّ عبر مفاجأة الخصم، ونقل المعركة إلى ساحةٍ يُجيد فيها الجيش المملوكي الضربَ والالتفاف.

في موضع عين جالوت استُدرجت القوة الإلخانية الأصغر، وتولّى بيبرس تكتيك الكرّ والفرّ، والالتفاف بضربةٍ على قلب القوة بقيادة كتبغا، وهو أمير نيماني مسيحيّ المعتقد، في موقعٍ قياديّ تركه له هولاكو حين ارتد شمالًا. وقد أحكم المماليك التعبئة على أرض يعرفون شعابها، فيما كانت خطوط الإمداد المغولية ممتدةً ومثقلةً بعد انكماش القوة الرئيسة. وقد أفضت المعركة إلى مقتل كتبغا وانكفاء الذراع الإلخانية غرب الفرات، لتبدأ حربٌ طويلة باردة وساخنة بين المماليك والإلخانيين امتدّت عقودًا.

نقد الحتميّة السياسية والإيمانية: شبكة السنن وحدود التفسير

هذه المقدمة التاريخية يمكن تحويلها إلى حجر الزاوية في نقد “الحتميّات”. فلو قرأنا اللحظة في مطلع ١٢٦٠م قبل أن يصل إلى الشام أثر وفاة مُنْكُو خان الذي كان في آب/ أغسطس ١٢٥٩م لقلنا: لا أفق. ولو قرأناها بعيون أيلول/ سبتمبر ١٢٦٠م بعد عين جالوت لقلنا: “انقلبت الموازين”. الواقع أن الموازين لا “تنقلب” دفعةً واحدة، بل تتشكّل من تداخلات؛ كما في هذه الحالة: موتُ حاكمٍ بعيد، وصراعُ خلافةٍ في المركز، واعتباراتُ تموين ومناخ، وقرارٌ مملوكيّ بالمواجهة، وتكتيكٌ ميدانيّ مناسب. التاريخ، إذن، ليس جدولَ قوّةٍ يحسب “النتيجة” بمجموع الأرقام، ولا “خوارزميةَ وعدٍ” تُخرج “غلبةً” تلقائية. إنما هو نسيجُ احتمالاتٍ يتشابك فيه المرئيّ والمستور، والسياسيّ والعسكريّ والاقتصاديّ والدبلوماسيّ والنفسيّ، مع “عناصر مفاجئة” لا يمكن إدخالُها في الحساب سلفًا، ثم لا يمكن إنكار أثرها لاحقًا.

من هنا يبدأ نقد الحتميّة السياسية. هذه الحتمية تميلُ إلى قراءة “موازين القوى” باعتبارها تكفي لإنتاج النتيجة. لكنها لن تحيط بنيويًا بجميع العوامل، لاسيما غير المنظورة، من قبيل صراعات الميراث السياسيّ، واضطرابات المركز، والفصول المناخية وتأثيرها في الرعي والعلف وحركة الجند، وإرهاق الجيوش الممتدة، وأعطاب التموين، وحسابات التحالفات وتقلّبها. إدراج هذه العوامل يعيد إلى التحليل مجاله الاحتمالي، وحينئذ ينهار وهم اليقين التحليلي، ولا يبقى إلا الترجيح بوصفه أفقًا ممكنًا. وهذا يعصم العقل السياسيّ من الوقوع في غفلة “النموذج المغلق”.

وعلى المقلب الآخر، يبدأ نقد الحتميّة الإيمانية التي هي رغائبية في حقيقتها. هذه الرغائبية تُنزِل النصوص منزلة “القوانين الميكانيكية”: ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُركُم﴾؛ تُقرأ وكأنها “معادلة نتيجة” زمنية، و﴿وَكانَ حَقًّا عَلَينا نَصرُ المُؤمِنينَ﴾[8] تُعامل كأنها شيكٌ مؤرّخٌ لصالح جماعةٍ محدّدة في وقتٍ محدّد. لكن منهج النص القرآني نفسه يقاوم هذا الفهم بحياكته شبكة من الشروط والمقاصد والتكاليف والابتلاءات، وسُنَنٌ تُقرأ في “المآل” لا في مجرّد تفاصيل لحظةٍ واحدة. إذا أردتَ درسًا فلسفيًا في نفي الميكانيكا عن القضاء والقدر، فانظر إلى قصة يوسف المكونة من سلسلة ظواهر في ظاهرها لا تؤدي إلى “النتيجة”، الرمي في الجبّ، والخطف، والبيع بثمن بخس، والتهمة الملفقة، والسجن (بضع سنين)، ثم تأتي الخاتمة في توقيتٍ لا يملكه بشرٌ تعجيلًا ولا تأجيلًا؛ فالتوقيت نفسه جزءٌ من شبكة الحكمة، لا ثغرة فيها. وكذلك في وعد الروم: ﴿غُلِبَتِ الرّومُ ۝ في أَدنَى الأَرضِ وَهُم مِن بَعدِ غَلَبِهِم سَيَغلِبونَ ۝ في بِضعِ سِنينَ لِلَّهِ الأَمرُ مِن قَبلُ وَمِن بَعدُ وَيَومَئِذٍ يَفرَحُ المُؤمِنونَ﴾؛[9] فقد أكد القرآن أنّ أمر النصر لله من قبل ومن بعد، لكنه شاء أن تجري الأسباب في خطّةٍ مركّبةٍ بأزمنةٍ لا يقيسها العقل البشري ولا يملك تعجيلها.

وإذا أمعنّا النظر في سورتي يوسف والروم؛ برز عنصرٌ جوهريّ في نقد الحتميّات: الإشارة المقصودة إلى “بضع سنين”. ليست هذه الإشارة تفصيلًا عابرًا، بل تعليم قرآنيّ لطبيعة الزمن حين يتعلّق بسنن الله؛ فالتغيير لا يقع معجّلًا وفق رغبة الإنسان، ولا يأتي مقطوعًا عن شبكة الأسباب التي ينغرس فيها. “البضع” هنا ليس رقمًا، بل حدّ فاصل بين توقّع البشر وضبط القدر، بين الرغبة في استعجال النتيجة وبين مسار تكتمل فيه عناصر لا نحيط بها. ولهذا يجيء التعقيب: ﴿لِلَّهِ الأَمرُ مِن قَبلُ وَمِن بَعدُ﴾ ﴿وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمرِهِ وَلكِنَّ أَكثَرَ النّاسِ لا يَعلَمونَ﴾؛ أي إنّ الإنسان لا يدرك سرّ التوقيت، ولا يملك أن يطوي المسافة بين إرادته وتمام الحكمة. الزمن الإلهي، هنا، أي فيما نحن بصدده، ليس خطًّا مستقيمًا يتقدّم بقدر خطو الإنسان، بل هو سياق تتراكم فيه أسبابٌ متشابكة، يَظهر بعضها ويَخفى أكثرها، فلا يكون الإمهال تأجيلًا بلا معنى، ولا يكون التعجيل استجابة لحدس البشر، بل انفتاحًا لطورٍ جديد حين يكتمل ما لا نعلم. إعادة تركيب هذه الرؤية تخلّص الإيمان من وهم “الضمان السياسي”، وتحفظ له مقام “توجيه المعنى” لا “حسم النتائج”.

ويدعم هذا المعنى ما رُوي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “كل ما هو آتٍ قريب، ألا إن البعيد ما ليس بآت، لا يعجّل اللهُ لعَجَلةِ أحدٍ ولا يَخفّ لأمرِ الناس؛ ما شاء الله لا ما شاء الناس، يريد الله أمرًا ويريد الناس أمرًا، ما شاء الله كان ولو كره الناس، لا مقرِّبَ لما باعَدَ اللهُ ولا مُبْعِدَ لما قرَّب الله، ولا يكون شيء إلا بإذن الله”.[11] هذا الأثر يمنح البصيرة تصورًا أعمق عن طبيعة التدبير الإلهي، فالقرب والبعد ليسا قياسين بشريين، بل مقادير تُحدّدها حكمةٌ لا تتبدل برغباتنا أو استعجالنا. ما نراه “متأخرًا” قد يكون جاريًا ضمن شبكة أسبابٍ لم تكتمل بعد، وما نراه “قريبًا” قد يكون أبعد ما يكون في ميزان الله.

إن التصورات الغيبية الميكانيكية، أو تلك التي تُضمر استحقاقًا على الله بنتيجةٍ زمنيةٍ مخصوصة، تُنتج غالبًا طمأنينةً زائفة منفصلة عن الواقع؛ إذ تغلق عينها عن تعقيد الأسباب وتوقيتاتها، وتتعامل مع الوعد كأنه صكٌّ مُسبَق. وحين تتأخّر النتائج أو تجري المقادير على غير المأمول، قد تنقلب الطمأنينةُ ذاتُها إلى سوءِ ظنٍّ بالله، وربما إلى رفضٍ ميتافيزيقيٍّ شامل، لأنّ صورة التدخّل الإلهي كانت منذ البدء خاطئةً في بنائها. الفهم الرشيد للغيب لا يَعِد بنتيجةٍ بعينها، ولا يُنزِل الحكمة الإلهية على جداول توقيتنا؛ بل يُبقي الإيمان مُتنبِّهًا لحدوده، ويُحرِّر القلب من وهم الضمان، فلا يركن إلى طمأنينةٍ مجانية، ولا ينجرف، عند العسر، إلى يأسٍ مُتعجِّلٍ يؤسِّس لقطيعةٍ معرفية وأخلاقية مع أصل الإيمان ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَعبُدُ اللَّهَ عَلى حَرفٍ فَإِن أَصابَهُ خَيرٌ اطمَأَنَّ بِهِ وَإِن أَصابَتهُ فِتنَةٌ انقَلَبَ عَلى وَجهِهِ خَسِرَ الدُّنيا وَالآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الخُسرانُ المُبينُ﴾.[12]

وهنا يظهر توتر ثالث يتصل بطبيعة تلقّي الخطاب نفسه؛ إذ كثيرًا ما يُساء فهم التحليل السياسي حينما يقرؤه بعض المتدينين ضمن معيارٍ غير معياره، فيظنون أن كل تحليل سياسي هادئ يجب أن يتضمن إسنادًا غيبيًا أو تثبيتًا وجدانيًا أو إشارة تعبويّة. هذا التوقع يُنتج قراءةً مضطربة؛ فهو يحمِّل التحليل ما ليس من أدواته، ويضع الغيب في مقامٍ ليس مقامه. التحليل يعمل داخل حدود ما يمكن فحصه واستنباطه من الوقائع، بينما النظر الإيماني يعمل داخل أفق المعنى والحكمة. وإقحام أحد المقامين في الآخر يُنتج معرفة منقوصة: تحليلًا يفتقد أدواته، وإيمانًا يُفرَّغ من عمقه حين يُختزل في تفسيرات زمنية مباشرة. إنّ التمييز بين المقامين (مقام تفسير الواقع بأدواته، ومقام تأمّل الحكمة وسنن الله) ضرورة منهجية لا لحماية التحليل من الإيمان، بل لحماية الإيمان نفسه من أن يتحول إلى خطاب يُفرض على الوقائع قبل اكتمال دلالاتها.

“المقاومة وظيفة”: حفظ الإمكان في عالم قابل للانغلاق

ومن هنا تتولد فكرة “المقاومة وظيفة”. ليست المقاومة “وسيلةً” لتحقيق غلبةٍ دنيويةٍ في تقويمٍ عاجل فحسب، بل “وظيفة” لحراسة شرطٍ أخلاقيٍّ للوجود؛ لولاها لتمدّد الباطل حتى يطبق على العالم؛ ﴿وَلَولا دَفعُ اللَّهِ النّاسَ بَعضَهُم بِبَعضٍ لَفَسَدَتِ الأَرضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذو فَضلٍ عَلَى العالَمينَ﴾.[13] هذه ليست صيغة وعظ، بل توصيف لنظام العالم، فالظلم قابلٌ للرسوخ إن تُرك بلا مدافعة، والحقّ لا يقوم بذاته دون فاعل بشريّ ينهض به، ولو لم تَعِد المدافعةُ بنتيجةٍ محددة. إنّ الامتناع التام عن المدافعة ليس حيادًا، بل تسليم للباطل بشرعية الرسوخ. لذلك يصبح القيام بالفعل، حتى حين تُخطئ الحسابات أو تتعقّد النتائج، شرطًا لمنع انغلاق العالم في قبضةٍ واحدة.

ومع ذلك، فإنّ تأطير المقاومة بوصفها وظيفة؛ لا ينبغي أن يُفهم على نحوٍ يُضفي على معاناةِ شعبٍ ما، كأهل غزّة أو غيرهم ممن يقفون في خط المواجهة، معنىً تجريديًا يجعل آلامهم مجرّد ثمنٍ مقبولٍ لحفظ توازنٍ عالميّ أوسع. فالمقاومة ليست تكليفًا تُحمّله فلسفة التاريخ لضيفٍ دائمٍ في جغرافيا واحدة، ولا تصنيفًا يُجزّئ البشر إلى “من يقوم بالوظيفة” و”من يجني ثمارها”. إنما هي توصيفٌ بنيويّ لطبيعة العالم من حيث قابليةُ الظلم للتمدد، وقابليةُ الحقّ للاضمحلال إن لم يجد من يقيمه.

الذين يواجهون القصف والموت والفقد ليسوا عناصر في معادلة، بل ذوات كاملة وحقوق كاملة، ولا يملك أحدٌ، لا نظريًا ولا أخلاقيًا، أن ينقل تبعة العالم إلى أكتافهم. وظيفة المقاومة، بهذا المعنى، لا تُشرعن دوام الألم، ولا تُحوّل تضحيات الناس إلى مادة في تفسير كونيّ، بل تُذكّر بأن الواجب موزّع على البشر بقدرهم وسعتهم، وأن دور المجتمعات والدول والعالم كلّه تخفيفُ الكلفة عن الذين يُضطرون إلى حمل النصيب الأكبر من المواجهة، لا تبرير تحمّلهم لها. هنا يصبح مفهوم الوظيفة جزءًا من نقد الحتميّات، لا صيغةً تُخفّف من ثقل الدم والدمار، لأن الاعتراف بتركيب العالم لا يلغي حق البشر في الحياة الكريمة ولا يجوز أن يُعطّل الالتزام الأخلاقي والسياسي بمساندة المقهورين وتخفيف المعاناة عنهم.

تُمارَس هذه الوظيفة على مستويين متداخلين: تكليفٌ فرديٌّ لا يسقط ولو خان الجمع أو غلب الباطل؛ ففي فترات الفتور الطويلة يبدأ التاريخ غالبًا من ضميرٍ فرديٍّ يرفض الاستسلام “وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَمَقَتَهُمْ، عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَالَ: إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ”، ﴿فَقاتِل في سَبيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلّا نَفسَكَ وَحَرِّضِ المُؤمِنينَ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأسَ الَّذينَ كَفَروا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأسًا وَأَشَدُّ تَنكيلًا﴾.[ وهنا تبرز النماذج القرآنية كرجلي سورتي القصص وياسين، اللذين جاء كل واحد منهما يسعى من أقصى المدنية. هذه أمثلةٌ على أن الضمير الفردي قد يكون رافعةَ الإمكان حين ينغلق المجال العام. ليست العبرة بأن الفعل الفردي يُنتج النتيجة وحده، بل بأنه يمنع انغلاق الإمكان ويُبقي مسار التاريخ مفتوحًا نحو تراكمٍ لاحق، ثم يتراكم الفعلُ حتى يصير جهدًا جماعيًا ممتدًا: جيلٌ يُسلّم جيلًا. بهذا فقط نفهم أن النصر ليس لقطةً قصيرة بقدر ما هو حفظُ إمكان عبر الزمن؛ إمكان الحقّ، وإمكان الكرامة، وإمكان العبادة والاختيار. ويُعاد بهذه الرؤية ضبط مفهوم “النصر والهزيمة”: فكم من أنبياءَ قُتلوا ولم تكن رسالاتُهم فاشلةً، وكم من نبي يأتي يوم القيامة وحده ولم يؤمن به أحد “عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ، فَجَعَلَ يَمُرُّ النَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلُ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ”، وكم من جماعاتٍ مؤمنةٍ لم تُنصَر عسكريًا، كالمؤمنين المحرقين في نار الأخدود، وظلّ فعلُها هو الذي يحرس للإنسانية شروط وجودها الأخلاقيّة.

تعود بنا عين جالوت، بتفاصيلها، لتجسّد هذا المنطق. لقد التقت فيها ثلاثة عناصر: (١) قرارٌ بشريٌّ بالمواجهة مهما كانت الكلفة؛ (٢) واقعةٌ غير محسوبة (وفاة منكُو وما تبعها من أزمة خلافة وانكماش قوّةٍ ميدانيّة)؛ (٣) حسابٌ ميدانيّ ذكيّ (اختيار الأرض، والاستدراج، والالتفاف). هذه العناصر لا تتلخّص بواحدٍ منها؛ فلو تعطّل القرار المملوكي لَمَا كان لوفاة منكُو أن تُنتج إمكانية النصر، ولو لم تحدث الواقعةُ البعيدة لما نفع التكتيك وحده أمام كتلةٍ مغوليةٍ مكتملة. والتفسير الدبلوماسي الرسمي في رسالة ١٢٦٢م، بما فيه من تبرير لانسحابٍ صيفيٍّ وطلبِ تنسيقٍ ضدّ المماليك ووعدِ القدس، لا “ينفي” أثر أزمة الخلافة، بل يكشف كيف تُدار الصورة الإمبراطورية في خطابٍ إلى أوروبا كما هو ظاهر من مزجُ دعوةٍ لتعاونٍ ضدّ القاهرة مع رطانةٍ تبشيريةٍ إمبراطوريةٍ رشيقة، مما يوضّح أنّ صانعي القرار حاولوا تحويل الانسحاب إلى محطةٍ في سرديةٍ أكبر. (القراءة الأكاديمية لهذا كله، ميفارت، وبوربونه، وأميتائي–برايس، كامبريدج، تمنحنا صورةً مركبة؛ تُنقذنا من شهوة التفسير الواحد).

وإذا وسّعنا العدسة أكثر، استفدنا أنّ عين جالوت ليست نهاية قصة، بل مطلع فصلٍ طويل من سجالٍ مملوكي–إلخاني امتدّ نحو ستة عقود، تخلّلته حروب وهدنٌ وتراشق دبلوماسي وحملات متبادلة. وضعُ الواقعة في “بنيةٍ زمنيةٍ أطول” يحمينا من تحويلها إلى أسطورةٍ مكتفيةٍ بذاتها، ويذكّرنا أن “النتيجة” في التاريخ خطوةٌ ضمن مسار، لا “قفل” للتاريخ. وهذا ما تؤكده دراسات الحرب المملوكية–الإلخانية المتخصصة.

بهذا نصل إلى خلاصة نقد الحتميات:

أولًا: الحتمية السياسية

يُخطئ هذا المنظور حين يعامل موازين القوى كأنها معادلةٍ مغلقة، قادرةٍ بذاتها على إنتاج النتيجة، وكأن التاريخ يجري في مختبرٍ معزول لا يتسلل إليه عامل غير محسوب. إنّ التجربة التاريخية، ومنها مثال عين جالوت، تُظهر أن ما يبدو “ميزان قوة” مستقرًّا ليس إلا واجهةً سطحية لبنيةٍ معقّدة تتفاعل فيها عوامل لا تظهر في لحظة التقدير مثل اضطراب مركز الحكم كما في أزمة خلافة منكُو، والتغيرات المناخية والتموينية التي تُثقل حركة الجيوش، والإرهاق البنيوي للدول الممتدة، وتقلّبات التحالفات البعيدة.

وتكشف رسالة هولاكو إلى لويس التاسع، بلهجتها التي تخلط الخطاب المسيحي الاسترضائي مع التبرير العسكري، كيف يُعاد تأويل القرار في لغةٍ سياسيةٍ قابلة للتسويق لدى المخاطَب، بحيث تُختزل شبكةٌ معقدة من العوامل في سرديةٍ قابلة للتداول. وهذا ما يمكن تسميته “التسييل السياسي” (إعادة تشكيل الخطاب ليُسَوَّق تحالفيًا)، لا بوصفه كذبًا سياسيًا، بل بوصفه إعادة صناعة للصورة في فضاء التحالفات.

إنّ إدراك هذه الطبقات يجعل “النتيجة السياسية” أمرًا مرجّحًا لا مقطوعًا به، ويفتح التحليل على احتمالاتٍ أوسع من النموذج الحسابيّ المحض. ليست هذه دعوةً لإلغاء التحليل الماديّ، بل لإعادته إلى حجمه الطبيعي؛ بمعنى قراءة خطوات الفاعلين ضمن شبكة أسباب أكبر منهم، لا فوقهم.

ثانيًا: الحتمية الإيمانية

ويقع الخلل هنا حين تُقرأ النصوص بوصفها قوانين ميكانيكية، تُسقِط الوعد الإلهي على واقعةٍ لم تكتمل، أو تُحمّل النص ما لم يُرِد أن يفصح عنه في لحظةٍ زمنية محددة. إنّ بنية السنن القرآنية ذاتها ترفض هذا الفهم؛ فهي لا تربط النتيجة بزمنٍ معلوم، ولا تجعل الإيمان ذاته صكّ ضمانة دنيوية.

ولذلك تأتي الإشارة القرآنية المتكررة إلى “بضع سنين” في سورة يوسف وفي سورة الروم؛ لا بوصفها رقمًا حسابيًّا، بل بوصفها تعليمًا في معنى الزمن: كيف يعمل القدر من وراء ما يراه الناس، وكيف تجري الحكمة في توقيتٍ لا يملك البشر تعجيله أو تأجيله.

هذه الرؤية تنفي عن القدر صفة “الاستجابة للترقّب البشري”، وتمنع تحوّل الإيمان إلى يقينٍ زائف باستحقاقٍ على الله، ثم إلى خيبةٍ مَرَضيّة حين تتأخر النتائج. فالسنن لا تنقض الوعد، لكنها تمنع استغلاله في بناء “طمأنينةٍ رغائبية” منفصلة عن الواقع، أو “سوء ظنّ” لاحق عندما لا تأتي النتائج وفق توقّعاتٍ أنتجها فهم خاطئ لطبيعة التدبير الإلهي.

ما بعد نقد الحتميات: تأسيس مفهوم المقاومة بوصفها وظيفة لحراسة شرط الإنسان، لا مشروعًا لإنتاج نتيجةٍ مضمونة

يتكامل نقد الحتميتين السياسية والإيمانية مع إعادة تعريف موقع “المقاومة” نفسها في بنية التاريخ، وفي فهم وظيفة الفعل البشري. فالمقاومة لا تُدرَس بوصفها أداةً من أدوات “تحقيق النتيجة”، فحسب كما قد يتصور التحليل السياسي الحائر في حساباته، ولا بوصفها “وسيلةً مضمونة الغلبة” كما يفترض الفهم الرغائبيّ الذي يجعل الإيمان تعاقدًا مع الغيب على زمنٍ محدد. إنما تتحدد قيمتها حين نعيد وضعها في مستواها الأعمق من جهة حماية إمكان الإنسان في عالم مهيأ بطبيعته لقبول تغوّل القوّة إن تُركت دون مدافعة.

الباطل لا يستمدّ رسوخه من “قوة نظرية” بقدر ما يستمده من الفراغ، فحين ينسحب الفعل البشريّ، يتمدّد، لأن غياب من يقاومه يترك العالم منفتحًا أمام تغوّله، لاسيما مع سيولته الأخلاقية وإمكاناته المادية. في هذا المعنى، تصبح المقاومة، أيًّا كانت صورتها؛ سياسية، أو معرفية، أو اجتماعية، أو عسكرية؛ شرطًا لحفظ “قابلية العالم للعدل” ﴿لَقَد أَرسَلنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وَأَنزَلنا مَعَهُمُ الكِتابَ وَالميزانَ لِيَقومَ النّاسُ بِالقِسطِ وَأَنزَلنَا الحَديدَ فيهِ بَأسٌ شَديدٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَلِيَعلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالغَيبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزيزٌ﴾. نحن لا نتحدث عن ضمان لتحقيق العدل، بل عن جهد مستمر لمنع إغلاق الباب على ظلمٍ واحد يصبح غير قابل للتراجع.

ومن هنا تظهر خطورة القياس على “النتيجة” بوصفها معيارًا وحيدًا للحكم، فالنتيجة، بما فيها من تداخل العوامل المرئية والمفاجئة، ليست معيارًا لتقويم “الوظيفة”. كثيرٌ من أشكال الفعل الإنساني لا تُقاس بجدوَاها اللحظية، بل بأثرها البنيوي: أنّها تمنع الانسداد التاريخي “إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ، إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ: هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟ قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ”. حين نقول “حفظ الإمكان” فلا نعني تلطيفًا لغويًا، بل توصيفًا لجوهر الفعل الأخلاقي والسياسي في التاريخ.

والأهمّ أن هذا المفهوم لا يجعل من الذين يقفون في خطوط المواجهة أداة في مشروعٍ تجريديّ، ولا يصنع من آلامهم مادةً تفسيريةً تُهمل أشخاصهم وحقوقهم؛ بل يحمّل المجتمعات والدول والعالم مسؤولية توزيع الأعباء، وتخفيف الكلفة، وعدم تحميل أهل موقعٍ معيّن عبءَ العالم وحده. الفكرة هنا ليست أن جماعةً بشرية مكلّفة بإصلاح الكون، بل أن الكون، بما هو نظامٌ تُحرّكه القوى، يحتاج دائمًا إلى فعل بشري يمنع انغلاقه على الظلم، وأن هذا الفعل ينبغي أن يكون موزّعًا، ومتكاملًا، ومتساندًا.

وبهذا يتأسس معنى “المقاومة وظيفة” في مستوى فلسفي لا يضيق بأفق النتيجة ولا يتساهل مع القراءة الميكانيكية للغيب أو للتاريخ. الوظيفة هنا ليست شعارًا بل توصيف لطبيعة العالم؛ عالمٌ لا تنفذ فيه الإرادة الخيّرة إلا بالسعي، ولا يرتدّ فيه الظلم إلا بالفعل، ولا يتحقق فيه الشرط الإنسانيّ إلا بحراسة مستمرة لإمكان العدل، ولو لم تُجب كل معركةٍ بنتيجةٍ مكتملة. بهذا وحده يمكن تجاوز ثنائية (النصر/ الهزيمة) بوصفهما حكمين فوريين، إلى رؤيةٍ تتعامل مع التاريخ بوصفه سيرورةٍ طويلة لا يضيع فيها أثر الفعل مهما بدا محدودًا في لحظته.

وليس معنى ذلك تبرئة الحساب أو تهميش التحليل والتخطيط؛ بل المقصود إقامة “توأمةٍ منهجية” فيها التحليل السياسيّ يشتغل على قابل القياس ويعترف بحدوده، والإيمان يُنير المعنى ويعترف بمُواربة القدر، والمقاومة تُمارَس بوصفها وظيفةً لا يَعد صاحبها العالمَ بالفردوس الأرضيّ، بل يمنع تحوّل الأرض إلى جحيمٍ دائم تحت قبضة مشروعٍ أحاديّ. عندئذٍ يمكننا تفكيك الوهمين معًا؛ وهم “النتيجة المضمونة” سياسيًا لأن الأرقام كبيرة أو تبدو دقيقة، ووهم “النتيجة المضمونة” دينيًا لأننا مؤمنون. كلا الوهمين يقود إلى قرارات عمياء؛ الأول يستخفّ بالمفاجآت والصدف التاريخية وطبقات القرار غير المرئية؛ والثاني يختزل الإيمان في صفقة توقيتية ويُسقط معنى الابتلاء والصبر والتراكم والتأجيل.

وفي تفاصيل عين جالوت يعود درس الإرادة؛ اختار المماليك القتال لا لأن النصر محتوم، بل لأنّ الاستسلام هزيمة وجودية. هذا الضبط مهمّ؛ لأنه يمنع القراءة الرجعية التي تُحوِّل كل خطوة إلى حكمةٍ كانت مرئيةً مسبقًا لجميع الفاعلين. الحقيقة أن حكمة الاختيار تُفهم حين نضعها في سياق البدائل الواقعية، لا حين نراها بعد اكتمال الصورة. كذلك يمنع هذا الضبط القراءةَ التمجيدية التي تصنع من الواقعة معجزةً تُبطل الأسباب؛ إذ لا معجزة هنا تُلغي التدبير البشري كالتعبئة، واختيار الأرض، والتكتيك، وتوقّع نمط حركة الخصم، وإرادة صمود لا تَعِد بنهايةٍ سعيدةٍ بل بشتلاتِ إمكان. وما كان لوفاة منكُو أن تصنع فرصة لولا أن وُجد من يصنع خطته في الميدان.

ومثلما نُنزِّل هذا الميزان على عين جالوت، يمكن أن يُنزّل على مساحاتٍ أخرى. في التاريخ الإسلامي وفي العالم، تتكاثر الأمثلة على وقائع مفاجئة غيّرت مساراتٍ كبرى؛ بعضها في بنية الطبيعة (مناخٌ، وباءٌ)، وبعضها في بنية السياسة (موتُ زعيم، انقسامُ مركز). لا يعني ذلك أن التاريخ صدفة، بل يعني أنه مركّبٌ من عناصرَ لا يستوعبها نموذجٌ واحد في لحظةٍ واحدة. بهذا المعنى، لا يضمن الحسابُ الماديُّ النتيجة، ومن الطبيعي أن تُخطئ الحسبة في توقّعها؛ كما لا يحتّم الاعتقادُ الإيمانيُّ الغلبةَ الزمنية، ومن الطبيعي أن يكون الوعد مؤجل النفاذ أو يُعاد توزيع نتائجه على أجيال. وبين هذين القطبين يلزمنا التواضعُ المعرفيّ والروحيّ؛ نعترف بحدود القياس والتحليل، ونعترف بحدود التعيين على القدر.

هنا تصبح الإشارات القرآنية إلى “بضع سنين” في الروم، وإلى “بضع سنين” في سجن يوسف، أداةً لتربية الحسّ التاريخي لكي نفهم أنّ الزمن ليس خطًّا مستقيمًا يُقاس باليوم والأسبوع وفق رغباتنا، بل شبكةُ تهيئةٍ تُنسج فيها عناصر كثيرة قبل أن تُفتح البوابة. ليس تأخُّر الغلبة نفيًا للوعد، بل تأديب لوعينا كي لا نحاكم القدر بأهوائنا. هذا يَصون الإيمان من الرغائبية، ويُصلِح السياسة من الغرور.

ولكي يكتمل البناء، نُعيد وضع “المقاومة” في موقعها الصحيح: وظيفةٌ لإبقاء الباب مفتوحًا. لا أحد يستحق على الله نتيجةً زمنيةً محددة؛ الواجب أن نؤدّي ما علينا، وأن نُبقي في العالم إمكانًا للعدل. في ضوء ذلك تُفهم الشهادة ﴿وَيَتَّخِذَ مِنكُم شُهَداءَ﴾[20]: بأنّها ليست خسارةً بل ذروة تأدية الوظيفة؛ لا بوصفٍ دوغمائيّ بل بوصفٍ للصلة بين الفعل والمعنى في أفقٍ يتجاوز قيود اللحظة. وتُفهم أيضًا مسؤولية الفرد ﴿لا تُكَلَّفُ إِلّا نَفسَكَ﴾: لا تُحوِّل العمل إلى انعزال، لكنها تمنع سقوطه بحجّة غياب الإجماع. ومن الفرد يتراكم الجهد إلى جماعة، ومن الجماعة إلى أمة، ومن الأمة إلى إنسانيةٍ أوسع، لأن ترك المشروع الاستعماري–الهيمني يتمدّد بلا مقاومة لا يعني سحق جغرافيا بعينها فحسب، بل إغلاق إمكان الإنسان في غيرها كذلك.

خلاصةُ الدرس إذن أنّ التاريخ لا يُفهم بلا أسبابه، ولا يكتمل بلا معناه، وأنّ التحليل السياسيّ الرصين يعترف بحدوده ويتّسع لغير المتوقع، وأنّ الإيمان الواعي يعترف بمُوارَبة القدر ويرفض تحويل الوعد إلى معادلةٍ زمنيةٍ مغلقة، وأنّ المقاومة تُؤدَّى بوصفها وظيفةً تحرس الإمكان، لا بوصفها صكًّا بنتيجة.

خاتمة: بين تواضع العقل وتواضع الروح

وعند هذا الميزان، تغدو عينُ جالوت، بسلسلة عللها المادية والمفاجئة والدبلوماسية، بوفاة منكُو في دياويُوتشنغ وما ترتّب عليها، برسالة هولاكو إلى لويس وإغرائها بتحالفٍ ووعدِ القدس، بقرار المماليك وإرادتهم للقتال وتكتيكهم في الميدان، نموذجًا صارخًا لكيف يَفضُّ التاريخُ عقد الحتميّات، وكيف يُجبرنا على تواضعٍ مزدوج، يتواضع فيه العقل أمام ما يستعصي على حساباته سلفًا، وتتواضع فيه الروح أمام حكمةٍ وتوقيتٍ لا نملك تعجيلهما. هذه القراءة لا تُمجّد المصادفة ولا تُبطل الإعداد؛ إنها تقيم المصادفة والإعداد معًا في معادلةٍ واحدة تقول مفاوزُ القدر لا تُقطع إلا بسعي البشر، وسعيُ البشر لا يُثمر إلا في توقيتٍ يفتحه الله حين تكتمل شبكة العناصر. عندئذٍ فقط نفهم أنّ “المقاومة وظيفة”، وأن وظيفةَ التاريخ نفسِه أن يظلّ قابلًا للعدل وألا يُقفل على ظلمٍ واحد.

المصدر: موقع جريدة السبيل

الثلاثاء، 16 ديسمبر 2025

فلسطين في نظام الشرعية الانتقائية.. انعكاس أخلاق القوّة!

 فلسطين في نظام الشرعية الانتقائية.. انعكاس أخلاق القوّة!

ساري عرابي

الأمر يصير أكثر وضوحا حين الانتقال من المؤسسة التي تُنتج لغة الاعتراف، إلى المؤسسة التي تملك أدوات الإلزام


اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الاثنين (15 كانون الأول/ ديسمبر 2025)، قرارا جديدا يؤكد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، بتصويت 164 دولة، في حين صوتت 8 دول ضده وهي، "إسرائيل" والولايات المتحدة وميكرونيزيا والأرجنتين وباراغواي وباباوا غينيا الجديدة وبالاو وناورو.. 

لا يحمل القرار جديدا من حيث الجوهر، ولا يُفترض به ذلك، فهو حلقة إضافية في سلسلة طويلة من قرارات مشابهة، صدرت عن المؤسسة نفسها، وباللغة نفسها تقريبا، ومن الموقع القانوني نفسه؛ موقع الاعتراف بلا إلزام. الجمعية العامة لا تملك أدوات تنفيذ، وقراراتها، مهما اتسعت أغلبيتها، تظل تعبيرا عن اتجاه أخلاقي عام داخل النظام الدولي، لا قوة قادرة على تغيير ميزان الواقع. ولهذا تتراكم القرارات في الأرشيف، بينما يتراكم على الأرض الدمار والمقابر، وخرائط تُعاد صياغتها بعد كل حرب.

غير أن رمزية القرارات لا تُفسّر المأزق، بل تكشف طبقته السطحية فقط. فالأمر يصير أكثر وضوحا حين الانتقال من المؤسسة التي تُنتج لغة الاعتراف، إلى المؤسسة التي تملك أدوات الإلزام. ففي 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، تبنّى مجلس الأمن القرار رقم 2803 المتعلق بغزة، وهو قرار صيغ على أساس الخطة الأمريكية لإدارة ما بعد الحرب. هنا يتغير معنى السياسة، ويتبدل تعريف الحق نفسه. فالقرار لا يتعامل مع تقرير المصير بوصفه حقا ثابتا وغير قابل للتصرف، بل بوصفه مسارا محتملا، مشروطا بإجراءات تُطلب من الفلسطينيين، وترتيبات تُفرض عليهم، ومعايير "استقرار" تُصاغ خارج تجربتهم وإرادتهم.

لا يظهر في الخطاب الدولي أي حديث عن "إصلاح" إسرائيلي، أو عن شروط أخلاقية تُفرض على المعتدي. الشرط يُفرض دائما على الطرف الأضعف، لأنّ ضعفه يسمح بفرض الشروط، فالضعف ليس سببا للنصرة بل للمزيد من الإضعاف، في حالة أخلاقية بالغة الانحطاط


في هذا الموضع بالذات، يعمل المنطق الدولي كما اعتاد أن يعمل تاريخيا، أي حين تعجز القوة عن إنكار الحق علنا، فإنها تعيد تأطيره، فلا تقول: لا حق لكم، ولكنها تقول: حقكم موجود، لكن ليس الآن، وليس بهذه الصورة، وليس بلا شروط. يتحول الحق، والحالة هذه، من قاعدة إلى نتيجة، ومن مبدأ إلى مكافأة محتملة غير مؤكدة مسبوقة بعمليات سحق مادي ومعنوي لصاحب الحق بالقوّة المنفلتة وبشروط الابتزاز التي لا تتوقف، الخلل هنا ليس مشكلة في الصياغة، ولكنه انقلاب في معنى تقرير المصير نفسه.

تقرير المصير، في أصله، يعني سيادة شعب على معناه؛ على أرضه، وذاكرته، وخياراته، وتعريفه لذاته. أما في القرار 2803، فيتحول تقرير المصير إلى برنامج تأهيل سياسي وأخلاقي. الشعب الفلسطيني لا يُنظر إليه بوصفه ذاتا سياسية، بل بوصفه موضوعا للإدارة. يُطلب منه أن يُعاد تشكيل وعيه، وأن تُنقّى ذاكرته، وأن تُعدّل مناهجه، وأن تُقطع صلته الرمزية والمادية بأسرى وشهداء قُتلوا في سياق مقاومة احتلال معترف بعدم قانونيته. الإصلاح هنا لا يعني تحسين بنية الحكم، بل تفكيك المعنى المقاوم من الداخل، وإعادة إنتاج الفلسطيني بوصفه كيانا منزوع الإرادة، صالحا للإدارة، لا للمواجهة.

ولذلك لم يكن تحذير خبراء الأمم المتحدة المستقلين من القرار مسألة تقنية أو رأيا هامشيا، ولكنه تشخيص دقيق لطبيعة الانتهاك، ففي البيان الرسمي الذي صدر على موقع مكتب المفوّض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، حذّرت فرانشيسكا ألبانيز، المقرّرة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، من أن قرار مجلس الأمن المذكور ليس مجرد قرار سياسي "لطلب الاستقرار"، ولكنه ينتهك حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره ويخالف ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي لحقوق الإنسان. المفارقة هنا أن المؤسسة المكلفة بحماية الميثاق، تعتمد قرارا يرى فيه خبراؤها خرقا له، لا لأنه فشل في حماية الفلسطينيين فحسب، بل لأنه أعاد تعريف الحق بوصفه منّة قابلة للمنح والمنع.

وفي مقابل هذا الكم من الاشتراط على الفلسطيني، لا يُطلب من إسرائيل شيء يُذكر، لا يُطلب منها تفكيك بنيتها التربوية القائمة على الرواية الصهيونية النافية للفلسطيني وحقه، ولا يُطلب منها مراجعة نظامها العسكري الذي يبدأ بعسكرة المجتمع بنحو متدرج من مناهج التربية، ومعسكرات الشبيبة، وصولا إلى تأطيره بالجيش، وتعبئته كله للحرب. ومع ذلك، لا يظهر في الخطاب الدولي أي حديث عن "إصلاح" إسرائيلي، أو عن شروط أخلاقية تُفرض على المعتدي. الشرط يُفرض دائما على الطرف الأضعف، لأنّ ضعفه يسمح بفرض الشروط، فالضعف ليس سببا للنصرة بل للمزيد من الإضعاف، في حالة أخلاقية بالغة الانحطاط!

هنا يتكشّف السؤال عن معنى الأخلاق في عالم لا يكافئ إلا القوّة؛ ما معنى أن يُطلب من الضحية أن تكون "عاقلة" و"معتدلة" بعد حرب إبادة، ويطلب منها أن تحب من أجرى عليها الإبادة، بينما يُسمح للمعتدي أن يواصل بناء قوته، وتربية أطفاله على نفي الآخر، واستخدام العنف بوصفه لغة طبيعية؟ هذا ليس طلبا أخلاقيا، بل إعادة إنتاج لعلاقة السيد والتابع داخل خطاب ناعم. فالحق الذي لا تُفرض كلفة لانتهاكه، لا يعود حقا، بل يتحول إلى توصيف لغوي.

على الأرض، تتجسد هذه الفلسفة في تفاصيل يومية. في شتاء غزة، تُغرق سيول الأمطار خيام النازحين وتكاد الريح أن تطير بأجساد الأطفال، آلاف العائلات بلا مأوى، في ظرف لا مجال للحديث فيه عن تدفئة الأطفال أصلا، وبنية تحتية مدمّرة بالكامل لا تحتمل فصلا إضافيا من القسوة. هنا لا يعود الشتاء فصلا طبيعيا، وإنما هو امتداد للحرب بوسائل أقل صخبا وأكثر استدامة. وفي غمرة هذا المشهد، تواصل "إسرائيل" سياسة الاغتيالات، فتقتل القائد في كتائب القسام رائد سعد. الواقعة ليست حدثا عسكريا عابرا، وإنما هي إعلان صريح بأن "المسار السياسي" لا يملك أن يقيّد القاتل، صانع الإبادة، وأن الاتفاقات والتفاهمات لا وزن لها في حال قررت "إسرائيل" أمرا.

ولا تتوقف هذه البنية عند غزة، فالعدوان المتواصل على لبنان، والاعتداءات غير المسببة على سوريا، يكشفان عن سلوك إمبراطوري كاشف عن قدرة على استخدام القوة خارج الحدود، من دون مساءلة، ومن دون حاجة إلى تبرير متماسك. هنا يتحول الإقليم كله إلى مساحة استثناء، ويُعاد تعريف القانون الدولي بوصفه أداة انتقائية، لا معيارا عاما.

وفي هذا السياق، يظهر سؤال الوسطاء والضامنين بوصفه سؤالا مفهوميّا لا تقنيا. فما معنى الضمانة حينما لا يكون لهم وزن إزاء منح "إسرائيل" نفسها حقّ التفسير والفعل بلا أيّ كابح ولا مرجعية؟! وما قيمة الوساطة، حينما تفعّل الضمانات فقط إذا تعلق الأمر بالتزامات الفلسطينيين، وتُعلَّق حين تنتهك إسرائيل جوهر التفاهمات؟ تتحول الوساطة هنا من وعد بإنهاء العنف إلى آلية لإدارته، ومن لغة تهدئة إلى غطاء سياسي يسمح باستمرار الانتهاك ضمن سقف "مقبول دوليا".

لا نحن أمام فشل قرارات، ولا أمام سوء تقدير دبلوماسي، بل أمام نظام كامل يُعيد إنتاج نفسه؛ حقوق تُقال ولا تُنفذ، وقوة تُمارس ولا تُساءل، وساطة تُدار ولا تُحاسَب، وإعلام يبحث عن أوهام مريحة بدل مواجهة البنية. يتحول تقرير المصير من حق إلى ملف، ومن سيادة إلى شرط، ومن معنى إلى برنامج تأهيل


ثم يطل في قلب هذا كله؛ السؤال العربي/ الإعلامي المزمن، سؤال يكشف عن خلل أعمق: هل هناك خلاف أمريكي/ إسرائيلي؟ هل يغضب ترامب من نتنياهو لأنه ينتهك خطته؟ يُطرح السؤال بإلحاح، ويُقدَّم كأنه مفتاح الفهم. غير أن هذا الإلحاح لا يكشف فضولا سياسيا بقدر ما يكشف عجزا عن التفكير البنيوي، فالتحالف الأمريكي/ الإسرائيلي ليس علاقة تفاهم قابلة للشرخ بمجرد اختلاف تكتيكي، ولكنه بنية استراتيجية تمنح إسرائيل مساحة واسعة للتصرف فيما تسميه مجالها الأمني، بينما تتكفل واشنطن بإدارة النتائج. الخلاف حال حصوله، إنما هو خلاف إدارة، لا خلاف منظومة؛ اعتراض شكلي لا يطال جوهر البنية.

هذا الوهم الإعلامي يعكس ميلا في الوعي العربي إلى تفسير السياسة بوصفها صراع نوايا وأمزجة، لا بوصفها علاقات قوة. البحث الدائم عن "خلاف" يريح الضمير، لأنه يعفي من مواجهة الحقيقة الثقيلة، وهي أن المشكلة ليست في سوء التنسيق بين الحليفين، بل في طبيعة التحالف نفسه، وفي موقع العرب خارجه.

في هذه الأثناء، تُستكمل السخرية على مستوى آخر. بينما يُعاد تعريف تقرير المصير الفلسطيني في أروقة مجلس الأمن، وتُدفن غزة تحت المطر والركام، وتُفتح الجبهات الإقليمية بلا رادع، وينشغل جزء واسع من العالم العربي بكأس العرب. ليست المشكلة في الرياضة، ولكن في كونها الآن علامة على تفكك المجال العام؛ من خصومات تتكشف بلا معنى، وشحن عصبي للمجتمعات والجماهير لأجل لا شيء، وانقسام وجداني حول مباريات عابرة، في وقت يبدو فيه العرب أبعد عن بعضهم من أي وقت مضى، وأقل قدرة على إنتاج موقف جامع حتى في لحظات الإبادة.

في المحصلة، لا نحن أمام فشل قرارات، ولا أمام سوء تقدير دبلوماسي، بل أمام نظام كامل يُعيد إنتاج نفسه؛ حقوق تُقال ولا تُنفذ، وقوة تُمارس ولا تُساءل، وساطة تُدار ولا تُحاسَب، وإعلام يبحث عن أوهام مريحة بدل مواجهة البنية. يتحول تقرير المصير من حق إلى ملف، ومن سيادة إلى شرط، ومن معنى إلى برنامج تأهيل. ويُطلب من الفلسطيني، مرة أخرى، أن يكون الطرف العاقل في عالم لا يكافئ إلا القوة، وأن ينتظر عدالة يُعاد تعريفها كل مرة بما يناسب من يملك السلاح.

x.com/sariorabi

الثلاثاء، 9 ديسمبر 2025

ما بقي من تلك الأيام.. نظرة في القطيعة مع الانتفاضة الأولى

 ما بقي من تلك الأيام.. نظرة في القطيعة مع الانتفاضة الأولى

ساري عرابي

"الانتفاضة الأولى لم تكن مجرد مواجهةٍ واسعة مع الاحتلال، بل كانت أوضح ظاهرةٍ للوحدة النضالية التي عرفها الفلسطينيون منذ عقود"


كانت الانتفاضة الفلسطينية الأولى، التي تأتي ذكراها يوم نشر هذه المقالة، اللحظة الأهم، والأكثر دلالة، التي امتلك فيها الشعب الفلسطيني قدرةً واسعة على تحويل يوميّاته إلى فعلٍ كفاحيٍّ جامع؛ لحظةً اتّسع فيها الفعل الشعبي ليصبح إطارا ناظما للحياة كلّها، قبل أن تدخل القضية سلسلة التحوّلات العميقة التي ستعيد لاحقا تشكيل بنيتها السياسية والاجتماعية. من شأن الأحداث اللاحقة تاليا من أوسلو إلى تأسيس السلطة الفلسطينية فالانتفاضة الثانية، ثم الانقسام فحصار غزة، وصولا إلى موجات التطبيع فحرب الإبادة الجماعية، أن تغطي على تلك اللحظة، لعمق هذه الأحداث، ومفصليتها، وهول بعضها، لتصبح استعادةُ معنى تلك اللحظة ضرورةً لفهم ما جرى وما يجري.

فالانتفاضة الأولى لم تكن مجرد مواجهةٍ واسعة مع الاحتلال، بل كانت أوضح ظاهرةٍ للوحدة النضالية التي عرفها الفلسطينيون منذ عقود. ورغم كثرة الاختلافات السياسية والتنظيمية، نشأ في تلك السنوات ما يشبه الإجماع الفعلي على أن المواجهة مع الاحتلال هي المركز الذي تلتقي عنده الفصائل، والتي كانت وجها من وجوه المجتمع وأداة الشعب في تنظيم فعله النضالي، وأنّ الفعل الشعبي؛ الإضراب، والمقاطعة، ورمي الحجارة، ونصب المتاريس، ورفع العلم، والكتابة على الجدران.. هو اللغة التي يستطيع الجميع التحدث بها. وما منح هذا الفعل قوّته أنّه نشأ في شرطٍ موضوعيٍّ خاص: لم تكن توجد سلطة فلسطينية تفصل بين الناس وبين الاحتلال، وكانت قواته داخل المدن والبلدات والمخيمات؛ حاضرةً في تفاصيل الحياة. وهذا الالتحام جعل الاشتباك مباشرا، يسيرا، ومتاحا لكل فئات المجتمع، وحوّل أبسط الرموز إلى أفعال مقاومة ذات أثر، لأن الضغط كان يُوجَّه حينها إلى القوة نفسها التي تدير الحياة اليومية.

هنا بدأت القطيعة مع الانتفاضة. لم يكن الأمر قطعا مع أسلوب مواجهة فحسب، بل مع مصادر القوة التي صنعتها الانتفاضة، كالإجماع الشعبي، والبنى العصامية، وإمكانية الاشتباك المباشر. فوجود سلطة فلسطينية بواجباتٍ وتعهدات يجعلها بالضرورة في موقعٍ مقابلٍ لأي توجّه نضالي لا ينسجم مع متطلبات العقد الذي تأسست عليه


ولأن المجتمع كان مكشوفا تماما أمام الاحتلال، فقد وجد نفسه مضطرا إلى بناء بنياتٍ تُسند بقاءه وتساعده على مواصلة الفعل. وهكذا بدأ المجتمع في تنظيم نفسه عصاميّا وبنحو متداخل مع الفعل النضالي الفصائلي، كالتعليم الشعبي الذي يعوّض عن إغلاق المدارس وتعطيل العملية التعليمية، والحركة الطلابية التي ملأت الفراغ السياسي والاجتماعي وحملت عبئا أساسيّا من الفعل النضالي ودفعت نحو تطويره واستمراريته، والنقابات والاتحادات المهنية، والنشاط الديني والاجتماعي عبر المساجد، ولجان حلّ النزاعات، وشبكات الإغاثة الشعبية. لم تكن هذه البنية الاجتماعية العصامية ترفا تنظيميا، بل تعبيرا عن قدرة المجتمع على توليد أدواته حين لا يملك غير نفسه، وعن تحوّل الحاجة اليومية إلى رافعةٍ نضالية.

في قلب هذا المشهد وُلدت حركة حماس، لا بوصفها طارئا خارج بنية الانتفاضة، بل بوصفها ابنا من أبنائها. نشأت في سياقٍ كانت فيه الحركة الإسلامية قد رسّخت حضورها الاجتماعي، لكنها لم تخض تجربة المواجهة الوطنية بهذا النحو الواسع من قبل، فجاءت الانتفاضة لتدفعها إلى تحويل رصيدها الأهلي إلى مشروع مقاومة. كانت ولادة الحركة داخل هذا المناخ علامةً على أن الانتفاضة لم تكن حدثا فصائليا، بقدر ما كانت مساحةً مفتوحةً أُعيد فيها ترتيب الحقول الاجتماعية والسياسية، وبرزت فيها قوى جديدة، وتحوّلت فيها الفاعلية الإسلامية من الدعوة والخدمة إلى موقع الفعل الوطني المباشر. وفي ذلك إشارةٌ إلى عمق التحوّل الذي أطلقته الانتفاضة. لقد كانت، من ناحية اجتماعية وسياسية، مولِّدا لإعادة توزيع الأدوار في الحقل الوطني كلّه.

لكن هذا المسار لم يكتمل. فمع تغيّر موازين القوى بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت، ثم غزو العراق للكويت وانهيار التضامن العربي، وصولا إلى سقوط الاتحاد السوفييتي، اتّجهت القيادة الفلسطينية نحو خيار التسوية السياسية. كان هذا الميل مندفعا عمليّا قبل ذلك بعقدين، منذ نهاية حرب تشرين/ أكتوبر 1973، ثمّ ما تلا ذلك من طرح برنامج الحل المرحلي (النقاط العشر)، لكن الانتفاضة الأولى هي التي جعلت هذا الخيار ممكنا من حيث الظرف، لا من حيث المنطق السياسي. ذلك أنّ المعضلة الجوهرية بقيت بلا حل، فكيف تُقام سلطة في ظل الاحتلال دون أن تتحوّل بالضرورة إلى كيانٍ مشلولٍ نضاليا وعاجزٍ سياسيا؟ لقد نبّه كثير من المفكرين الفلسطينيين، والعديد من الكيانات الوطنية، إلى هذه المشكلة مبكرا؛ منذ مطالع السبعينيات، لأن السلطة التي تنشأ تحت السيطرة المباشرة للمحتل ستكون مضطرة إلى التزاماتٍ تجعلها من موقعٍ إداريٍّ وأمنيٍّ أقرب إلى تقييد الفعل الشعبي منه إلى رعايته.

ما نعيشه اليوم لا يمكن قراءته خارج هذا الانقطاع التاريخي من فقدان الأدوات الشعبية التي صاغت القوّة الفلسطينية، وبروز سلطة لا تستطيع حمل مشروعها، واحتلال أعاد هندسة المجال بحيث تصبح المواجهة الشعبية شبه مستحيلة، بينما يتواصل الصراع بأشكالٍ جديدة


وهنا بدأت القطيعة مع الانتفاضة. لم يكن الأمر قطعا مع أسلوب مواجهة فحسب، بل مع مصادر القوة التي صنعتها الانتفاضة، كالإجماع الشعبي، والبنى العصامية، وإمكانية الاشتباك المباشر. فوجود سلطة فلسطينية بواجباتٍ وتعهدات يجعلها بالضرورة في موقعٍ مقابلٍ لأي توجّه نضالي لا ينسجم مع متطلبات العقد الذي تأسست عليه. ثم جاءت فكرة "إعادة الانتشار" العبقرية بالنسبة للاحتلال، والتي عنت انسحاب الجيش من مراكز المدن مع استمرار سيطرته على الضفة الغربية، أي مع بقاء الاحتلال، وتكريس سياساته في الحقول الاستيطانية والأمنية والطرق والمجال الحيوي، لتُحكِم هذه القطيعة. فقد حُرم الفلسطينيون من أدوات الاشتباك الشعبي السلمي التي نضجت في الانتفاضة الأولى، بينما تحرّر الاحتلال من تبعات إدارته المباشرة للسكان وواصل فرض الوقائع التي فرّغت الحكم الذاتي من معناه.

ومنذ تلك اللحظة، أصبحت كل محاولة لتعديل المسار، حتى لو كانت تحاول محاكاة أساليب الانتفاضة الأولى، مكلفةً ومتوقعة القمع المنفلت من أيّ كابح. ظهر ذلك في المراحل الأولى من الانتفاضة الثانية قبل عسكرتها، وفي مسيرات غزة السلمية قبل سنوات قليلة. الفعل الذي كان متاحا في الانتفاضة الأولى لم يعد ممكنا بالصيغة ذاتها، لأن المسرح كلّه تغيّر، إذ بتنا إزاء مجتمع منزوع الأدوات، وسلطة محكومة بالتزامات، واحتلال يمارس السيطرة بلا كلفة تُذكَر.

وبهذا يتضح أن ما جرى لم يكن انتقالا من مرحلةٍ إلى أخرى، بل قطعا مع القدرة التاريخية التي امتلكها الفلسطينيون ذات يوم. ومع كل ما جرى لاحقا، من الانتخابات التشريعية عام 2006 وفوز حماس، إلى الانقسام، إلى حصار غزة، إلى جولات المواجهة المفتوحة، بقيت القطيعة الأولى هي الأصل البنيوي للخلل. فالانقسام لم يولد من مجرد خلاف سياسي، بل من أنّ تأسيس السلطة جعل معيار الوطنية مرتبطا بموقفٍ من السلطة نفسها، لا من الاحتلال. وتحوّل الصراع من صراعٍ مع المحتل إلى صراعٍ على شكل السلطة وعلى شروط بقائها.

إن فهم هذه السلسلة لا ينطلق من رغبةً في اجترار الماضي، إنما هو شرط لفهم اللحظة الراهنة. فما نعيشه اليوم لا يمكن قراءته خارج هذا الانقطاع التاريخي من فقدان الأدوات الشعبية التي صاغت القوّة الفلسطينية، وبروز سلطة لا تستطيع حمل مشروعها، واحتلال أعاد هندسة المجال بحيث تصبح المواجهة الشعبية شبه مستحيلة، بينما يتواصل الصراع بأشكالٍ جديدة لا تلغي جذوره الأولى في تلك السنوات التي يُوشك كثيرون أن ينسوها.

x.com/sariorabi




الأربعاء، 3 ديسمبر 2025

مِن العدوّ إلى الحاجة: التحوّل البنيوي في موقع "إسرائيل" داخل النظام العربي

مِن العدوّ إلى الحاجة: التحوّل البنيوي في موقع "إسرائيل" داخل النظام العربي

ساري عرابي


اعتمد مجلس الأمن في 31 تشرين الأول/ أكتوبر قرارا يمنح الصحراء الغربية حكما ذاتيّا حقيقيّا تحت السيادة المغربية. وقد صوّتت لصالح القرار 11 دولة، وامتنعت روسيا والصين وباكستان، فيما تغيّبت الجزائر عن التصويت. جاء القرار في مصلحة المملكة المغربية التي سارعت إلى الترحيب به. وكان لافتا أنّ الجزائر، بالرغم من علاقاتها الاستثنائية بكلٍّ من روسيا والصين، لم تتمكن من إقناعهما باستخدام حق النقض. يذكّر هذا بتساؤلات وُجّه فيها الاتهام إلى دبلوماسية المقاومة، حين امتنعت روسيا والصين عن التصويت على الخطة الأمريكية المتعلقة بغزة، وهي الخطة التي اعتمدها مجلس الأمن، وبتصويت الجزائر نفسها لصالحها.

كثيرون تساءلوا حينها عن عجز المقاومة عن إقناع الجزائر حتى تستثمر علاقاتها بالدولتين العظميين لمنع تمرير الخطة الأمريكية، غافلين عن أنّ الجزائر ذاتها عجزت عن إقناع هاتين الدولتين في قضية تمسّ ما تعتبره مصلحتها الاستراتيجية الكبرى في مجالها الحيوي.

ولا يمكن عزل القضيتين عن بعضهما؛ فالتطبيع المغربي/ الإسرائيلي، الذي أُعلن عنه في 10 كانون الأول/ ديسمبر 2020، ووقّع رسميّا في 22 من الشهر نفسه، جاء بعد اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة المغربية على الصحراء وتبنّيها لمقترح الحكم الذاتي المغربي. ويبدو أنّ هذا التطور دفع الجزائر إلى إعادة صياغة مواقفها بشأن القضية الفلسطينية، كما ظهر في تبنّيها لخطة ترامب ودفاعها عنها وتصويتها لصالحها في مجلس الأمن. ولا ينفصل الموقف الجزائري هنا عن عموم الموقف العربي والإسلامي الذي أدّى دورا مهمّا في التمهيد للخطة والدفع نحو إنفاذها قبل إعلانها من ترمب أصلا، وهو ما ترك أثرا واضحا على كيفية تعاطي المقاومة مع الخطة، لينتهي الأمر إلى قرار تصفويّ في مجلس الأمن.

اتخذ دخول "إسرائيل" على خطوط المشكلات العربية أشكالا متعددة، فقد يكون هذا الدخول عبر فرض التفاهم معها على دول عربية، كما في تعزيز "إسرائيل" لنفوذها داخل بعض الأقليات أو عبر احتلالها أراضي عربية، بحيث تُدفَع تلك الدول إلى القبول بها باعتباره السبيل الوحيد لحلّ المشكلات التي تسببت "إسرائيل" في وجودها أو دعمت تفاقمها. وقد يكون هذا الدخول عبر تحوّل "إسرائيل" إلى "حاجة" لدولة عربية بعينها


وتاريخ العلاقات المغربية الإسرائيلية قديم يعود إلى الخمسينيات، ولا سيما في ملفّ ترتيب الهجرة اليهودية إلى "إسرائيل". وبحسب الباحث الإسرائيلي شموئيل سيغف في كتابه "العلاقة المغربية: الاتصالات السرّية بين إسرائيل والمغرب"، فقد وقّعت الدولتان عام 1963 اتفاقية سلاح برعاية شاه إيران، شملت دبابات فرنسية وطائرات حربية للمساهمة في الحرب مع الجزائر، التي حظيت بدعم مصر في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

كما يروي إيلي بودا في كتابه من "عشيقة إلى زوجة شرعية" أن "إسرائيل" ساعدت في تأسيس جهاز الاستخبارات المغربي بعد عام 1967، وأن اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة دفع، منذ السبعينيات، نحو دعم الموقف المغربي بخصوص الصحراء، وقدمت "إسرائيل" للمغرب دعما أمنيّا وتقنيّا لبناء الجدار الأمني في الصحراء. وكان المغرب من أوائل الدول العربية التي استقبلت زيارات علنية لمسؤولين إسرائيليين، كما في استقباله إسحاق رابين عام 1976، وشمعون بيريس عام 1986. ثم سارع إلى موجة تطبيع التسعينيات، بافتتاح مكتب ارتباط إسرائيلي في أيلول/ سبتمبر 1994.

ويُلاحظ حضور إسرائيلي كثيف في الملف المغربي الجزائري منذ "حرب الرمال" عام 1963، على خلفية مطالبة المغرب ببعض المناطق داخل الجزائر. وقد أسّست تلك الحرب لعلاقات متوترة بين البلدين، بشكل سهّل لـ إسرائيل" اختراق المنطقة المغاربية.

اتخذ دخول "إسرائيل" على خطوط المشكلات العربية أشكالا متعددة، فقد يكون هذا الدخول عبر فرض التفاهم معها على دول عربية، كما في تعزيز "إسرائيل" لنفوذها داخل بعض الأقليات أو عبر احتلالها أراضي عربية، بحيث تُدفَع تلك الدول إلى القبول بها باعتباره السبيل الوحيد لحلّ المشكلات التي تسببت "إسرائيل" في وجودها أو دعمت تفاقمها.

وقد يكون هذا الدخول عبر تحوّل "إسرائيل" إلى "حاجة" لدولة عربية بعينها، كما يظهر في الحالة المغربية بخصوص قضية الصحراء، أو عبر تحوّلها إلى حاجةٍ لأنظمة عربية أخرى لتعزيز استقرارها الداخلي، أو لفتح قنوات التأثير على الولايات المتحدة، أو للحصول على تقنيات تجسسية، أو لتشكيل شبكة تحالفات إقليمية.

ويظل هذا كلّه ممكنا ما دامت "إسرائيل" لا ترى مشكلة في أيّ نظام عربي لا يعاديها ولا يسعى إلى منافستها إقليميّا.

والأمثلة على ذلك كثيرة، قديما وحديثا، إلا أنّ الاكتفاء بالإشارة إلى المدخل الإسرائيلي في قضية الصحراء فرضه قرب هذه التطورات وحداثتها، فضلا عن أثرها الفادح على القضية الفلسطينية رغم البعد الجغرافي. فهذا البعد لم يمنع "إسرائيل" من استثمار الخلاف الجزائري المغربي، تماما كما عملت دائما على شق الصفّ العربي وإذكاء التناقضات العربية وخلق قضايا تتعارض مع القضية الفلسطينية. وبذلك تتحول "إسرائيل" من عدوّ، إلى واقع لا يمكن تغييره، ثم إلى حاجة عربية. وبما أنّها حاجة؛ انتقلت القضية من "قضية فلسطينية" إلى "قضية إسرائيلية"، وهو ما ينسجم مع التصورات الدولية السائدة: فالشعب الفلسطيني يُنظر إليه بوصفه طرفا هامشيّا ناتجا عن القضية الأساسية، وهي قيام دولة "إسرائيل".

وقد أصبح هذا التصور حاضرا في السياسات العربية؛ إذ تتجه الدول العربية نحو التكيف مع "إسرائيل" بوصفها "حقيقة سياسية لازمة"، دون اعتبار كافٍ للطرف الأكثر تضررا: الشعب الفلسطيني. وقد تجلّى ذلك في قرار مجلس الأمن الأخير الذي فصّلناه في مقالات سابقة.

وتبرز هنا التساؤل: ما مظاهر التحول العربي من اعتبار "إسرائيل" مشكلة ينبغي التخلص منها إلى اعتبارها حاجة يجب حماية مصالحها ومعالجة أضرارها الجانبية، أي تضرر الفلسطينيين، بما يخدم أصل الحاجة؟

يكفي للدلالة على ذلك المثال الذي افتتحت به المقالة: تطورات قضية الصحراء، وكيفية التدخل الإسرائيلي فيها، وانعكاس ذلك على الموقف الجزائري في مجلس الأمن من الخطة الأمريكية، وهو موقف يُمثِّل الموقف العربي العام، ولا يمكن تحميل الجزائر وحدها وزره. لكن الانعكاس الأوضح كان على الخطاب الجزائري نفسه، في مستويات رسمية وغير رسمية، حين برزت مفردات حادّة تجاه الفلسطينيين، غريبة على الخطاب الجزائري التقليدي، 

النظرة الإجمالية للنهج العربي الحالي تجاه "القضية الإسرائيلية" تكشف انحيازا واسعا لـ"إسرائيل"، بغضّ النظر عن دوافع هذا الانحياز، وذلك في مختلف الملفات

وإن كانت مألوفة في سياقات عربية أخرى. وقد أعاد بعض هذا الخطاب تدوير العداء للإسلاميين بما ينسجم مع التوجهات العربية الراهنة التي لا ترى عدوّا رئيسا سوى ما يسمّى "جماعات الإسلام السياسي"، وهي، في التصنيفات العربية الرسمية، الحاضنة التي تُدرج فيها أكبر قوى المقاومة في غزة.

والنظرة الإجمالية للنهج العربي الحالي تجاه "القضية الإسرائيلية" تكشف انحيازا واسعا لـ"إسرائيل"، بغضّ النظر عن دوافع هذا الانحياز، وذلك في مختلف الملفات. فقد جرى تحويل العجز عن مواجهة الإبادة في غزة إلى موقف مناوئ للمقاومة ذاتها، وجرى فرض خطاب إعلامي واحد في الفضاء العربي، يقوم على تحميل الضحية المسؤولية بمعزل عن السياق الاستعماري الكامل. وهو خطاب تخجل منه، بل تزدريه، فعاليات غربية كثيرة، ترفض التخلي عن صدقها الأخلاقي في تناول المأساة الفلسطينية.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الخطاب، بل امتد إلى احتواء الفعاليات الشعبية المتضامنة مع غزة، سواء في التظاهر أو جمع التبرعات أو النشاط الإعلامي، وصولا إلى الاعتقالات المباشرة، ثم توسّع باتجاه حظر القوى الحزبية والشعبية الأكثر اهتماما بالشأن الغزّي. وفي الوقت نفسه، استمرّ التعاون الاقتصادي والأمني مع "إسرائيل"، وظلّت العلاقات الدبلوماسية معها قائمة في عدد من الدول العربية، مما يمثل دعما مباشرا للإبادة.

وأفضى هذا كله إلى سياسة عربية واضحة تكاد تكون موحدة في جوهرها تجاه "القضية الإسرائيلية": حصار المتضررين من "إسرائيل" والضغط عليهم وابتزازهم.

ففي الضفة الغربية تنضم الدول العربية إلى "إسرائيل" والولايات المتحدة في مطالبة السلطة الفلسطينية بإصلاحات قبل أي مسار سياسي، ما عزز الحصار الاقتصادي الذي يعيشه الفلسطينيون تحت القتل اليومي وشلل الحركة، محولا الضفة إلى بيئة طاردة.

وفي غزة صار الشرط قبل أي تعمير معروفا: تخلي المقاومة عن ذاتها، لا بتسليم السلاح فقط، بل بالاعتذار الضمني لـ"إسرائيل".

وفي لبنان ينحصر الموقف العربي بالمطالبة بنزع سلاح حزب الله.

أما في سوريا، حيث لا إيران ولا مقاومة ولا طلقة ابتدائية على "إسرائيل" (ما حصل في بيت جن أخيرا، رد فعل على اقتحام إسرائيلي متكرر)، فلا تُجيد الدول العربية سوى الضغط باتجاه استرضاء "إسرائيل".

x.com/sariorabi