‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. محمد عياش الكبيسي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. محمد عياش الكبيسي. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 18 سبتمبر 2026

فتاوى (إسلامية) بمعايير علمانية

فتاوى (إسلامية) بمعايير علمانية

د. محمد عياش الكبيسي 

مفكر وداعية إسلامي، دكتوراه في الفقه الإسلامي

تضع العلمانية معاييرها الدنيوية البحتة في الحكم على الأشخاص والمواقف والعلاقات، ولأن المصالح الدنيوية تختلف من دولة إلى أخرى، ومن حزب إلى آخر، فإن المعايير العلمانية نفسها ستختلف أيضا، فأنت (على الحق) لأنك تقف مع مصلحتي، وذاك (على الباطل) لأنه يقف ضد مصلحتي، وقد تنقلب هذه الأحكام بانقلاب المواقف وتغير المصالح.

بعض (الإسلاميين) اليوم بدأ ينهج هذا النهج نفسه، وكل بحسب مصلحته التي يقدرها لنفسه أو لجماعته أو لبلده، وينأى بنفسه عن المعايير الربانية (الإسلامية).

(إسلامي) يرى بعينه ويسمع بأذنه من يصرح بالكفر، ويدعو إليه جهارا نهارا،  فلا يهمه ذلك، بل ولا يعجبه أن يسمع أي رد عليه، لماذا؟ لأن هذا المعني قد التقت مصلحته بمصلحة هذا الإسلامي ولو في ظرف محدد، -وهذا على فرض صحة هذا التقدير- وإلا فإن هذه (المصالح المشتركة) قد تكون مصالح متوهمة، تؤول نتائجها إلى كوارث في الدنيا قبل الآخرة كما هو حاصل ومشاهد.

لقد صار الذي ينافح عن عقيدته وثوابت دينه في نظر هذا النمط من الإسلاميين (طائفيا) بينما الذين يسعون بكل إمكانياتهم لمسخ الإسلام بدين جديد يقوم أساسا على تأليه البشر، وضرب مصادر الإسلام الأصيلة (القرآن والسنة) يستحقون الإشادة.

ربما نسي هذا النمط أن أصل عدائهم لأنظمة الحكم القائمة أنها (أنظمة لا تطبق شرع الله) لكن حينما جاء نظام من خارج هذه الدائرة يلغي شرع الله كله، ويلغي عقيدة الإسلام من أساسها، ويطعن في القرآن ومن جمعه ومن نقله، ويطعن في السنة ومن جمعها ونقلها، ويقدم سردية منافية لهوية الأمة كلها من التوحيد والنبوة والوحي حتى الصحابة والتاريخ والفتوحات..الخ تعامل معه هؤلاء بطريقة مختلفة.

الأغرب من هذا أن هذه المصالح الدنيوية ارتفع معيارها عندهم إلى درجة أنها أصبحت هي ذاتها معيارا لصوابية العقيدة نفسها، حتى زعم زاعمهم أن هؤلاء (الذين يطعنون في القرآن والسنة ويشتمون عرض النبي صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدين) هم الذين اختارهم الله بديلا عن أمة الإسلام!!

وحينما تسأله: هل قدمت دراسة جادة عن عقائد القوم، أو اطّلعت على مصادرهم المعتمدة مثلا؟ تتفاجأ أنه ربما لم ير في عمره كتابا واحدا لهم، فهو يحكم عليهم من خلال بياناتهم ومواقفهم السياسية الحالية فقط.

فأي تيه أكبر من هذا التيه؟

وأي ضلال أكبر من هذا الضلال؟

لقد وقف بعض المشركين مع النبي صلى الله عليه وسلم حمية، كما في قصة المطعم بن عدي الذي أجار النبي عليه الصلاة والسلام عقب عودته من الطائف، لكن النبي لم تصدر منه كلمة واحدة تزكيه أو ترفع شأنه على المسلمين، ولكنه اكتفى بتقدير موقفه هذا تقديرا دنيويا بحتا.

أيها المفتون، إيها الإسلاميون، لا تخدعوا أنفسكم: إن رسالة الأنبياء جميعا التي نتلوها في كتاب ربنا كانت في الأساس للتفريق بين (الإيمان) و (الكفر) و بين (التوحيد) و (الشرك)، ثم بعد ذلك تأتي قيم الحياة والحقوق والحريات، فإذا وصل بكم الأمر أن تخجلوا من أن تناقشوا أصول عقيدتكم، ثم عوضا عن ذلك تكتفون بمناقشة مقولات (العدل والظلم) و (الحرية والاستبداد) ..الخ وهي المقولات التي ترددها كل شعوب الأرض، لأنها قيم إنسانية عامة، فإنكم قد التقيتم مع (العلمانية) بأجلى صورها، أما إذا وقفتم مع الظالم المعتدي الذي قتل العباد وخرب البلاد إضافة إلى عقيدته الفاسدة المفسدة لأن مصلحتكم المتوهمة التقت مع مصلحته فإنكم بذلك انسلختم من إسلامكم وانسلختم من إنسانيتكم على حد سواء.

الاثنين، 6 يوليو 2026

التزكية الدينية والانحراف الأخطر في فهم السياسة الشرعية

التزكية الدينية والانحراف الأخطر في فهم السياسة الشرعية
 



قبل قليل كانت لي مداخلة حول هذا الموضوع مع نخبة من العلماء الأجلاء، هذه خلاصتها:

1- حينما كان المسلمون مستضعفين في مكة، نزل قوله تعالى (قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون) تأكيدا للتمايز العقدي، وحماية للثلة المؤمنة من أن تستجيب تحت الضغط لمساومات الكافرين، فيلتبس الحق بالباطل، وتضيع خصوصية هذه الرسالة الربانية في خضم المصالح والاحتياجات البشرية الآنية.

2- بعد الهجرة المباركة، وجد المسلمون أنفسهم في واقع آخر، فهم الآن دولة، والدولة فيها مكونات مختلفة (مسلمون ويهود) فكان لزاما أن تنظم علاقة المسلمين بغيرهم داخل هذه الدولة، فكانت وثيقة المدينة، لكن الوثيقة كلها ليس فيها حرف واحد يزكي عقيدة (المكونات الأخرى)، بل المعادلة كانت (نتعايش في ظل العدل، ونتمايز في عقيدتنا وديننا)


ثم احتاجت هذه الدولة لعقد التحالفات والمعاهدات الخارجية، فتحالفت مع (خزاعة المشركة) وتصالحت مع (قريش المشركة) لكن ليس في ذلك التحالف ولا ذلك التصالح كلمة واحدة تزكي الشرك، والآلهة المزيفة التي يعبدون. 
وهذا يعني أن التحالف والتصالح شيء والتمايز العقدي شيء آخر.

ثم كانت رسائله عليه الصلاة والسلام إلى ملوك العالم، وليس في كل هذه الرسائل حرف واحد يزكي عقائد أولئك الملوك. وهذا يعني أن العلاقات الخارجية شيء والتمايز العقدي شيء آخر.


3-
وكل هذا يعني أن الدولة المسلمة لها أن تقيم علاقاتها الدبلوماسية والتجارية والمعاهدات المختلفة مع كل دول العالم، أما (التزكية الدينية) لتلك المعتقدات فهذا لا أصل له في شريعتنا، بل هو يهدم أصل شريعتنا وعقيدتنا، ويلبس على الناس الحق بالباطل، والله سبحانه وتعالى حذرنا من ذلك بقوله الصريح (ولا تلبسوا الحق بالباطل). 
فهذا تضليل للناس ودفع لهم للتنصل عن ثوابت الدين تحت مظلة المصالح والسياسات والتحالفات.


4-
إني لأعجب بعد ذلك أن يظهر اليوم من يسمون أنفسهم (دعاة) يضفون معاني (التزكية الدينية) على المعتقدات الفاسدة وأصحابها، 
ولا أدري بعد ذلك إلى أي شيء يدعون الناس؟، إذا كانوا يمنحون الشهادة والجنة لمن يخالفهم في أصول عقيدتهم؟

وأنا هنا لا أفرق بين من يروج لوحدة الأديان كالبيت الإبراهيمي، أو يروج للتماهي مع دعوات الزندقة والباطنيّة ومظاهر الشرك الجلي. كما هو شائع أيضا وبصورة أشد.

5-
إن الإسلام يا إخوة ويا أخوات هو عقيدة ورسالة سماوية قبل أن يكون (سياسة) و (علاقات دولية)، والسياسة والعلاقات الدولية في الإسلام ينبغي أن تخدم العقيدة والرسالة السماوية لا أن تنقضها وتجعلها سلعة معروضة للمزاد.

اللهم يا رب إن أردت بالناس فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين ولا فاتنين.

الثلاثاء، 23 يونيو 2026

لماذا لا يحب الإنسان أن يراجع أفكاره ومعتقداته

 لماذا لا يحب الإنسان أن يراجع أفكاره ومعتقداته

 

القرآن يكشف لنا السبب الأهم في هذه الظاهرة الخطيرة.

(وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)

إنها الألفة والصداقة والعلاقات الاجتماعية التي تنبني على تلك الأفكار والمعتقدات، والتي يصعب على الشخص العادي وربما حتى غير العادي أن يضحي بها.

سألت مرة رجلا مثقفا من أهالي بغداد: 

كيف تستسيغ مثل هذه الخرافات، التي تسمونها (شعائر) وأنت رجل مثقف وعاقل، وأنت تعلم أنها ليست من الإسلام في شيء؟ 

قال: لكنها (عادات حلوة) فيها حركة واجتماع وتعارف وتواصل وطعام وشراب، حتى على مستوى العوائل، ونحن ننتظرها بشغف من موسم إلى موسم، الرجال والنساء والأطفال، والذي يسأل مجرد سؤال أو (يتفلسف) سيكون منبوذا في مجتمعنا بلا شك.

قال لي شخص آخر من توجّه آخر، وهو قيادي من الصف الأول في جماعته: صراحة لم أعد مقتنعا بما نحن عليه، أشعر أننا نسير على غير هدى ومن دون نتيجة، لقد خسرنا كل شيء،ولكن (وين أروح؟) فهؤلاء هم أعزّائي وأحبابي الذين عشت معهم وألفتهم، ولا أريد أن أخسرهم.

وهذا يعني أن ما نسميه (الثبات) كصفة إيجابية، أو (التعصب) كصفة سلبية، هو ليس (ثبات الاعتقاد) ولا (التعصب للفكرة) بقدر ما هو الثبات في حضن البيئة المجتمعية والتعصب لها.

قال لي أحد الذين يظهرون الولاء لجماعته إلى حد التعصب وأنا أعرفه على خلاف ذلك، قال: أنا استخدم 35٪ من عقلي حينما أكون معهم، ولو زدت المعيار لفصلت.

وهذا يعني أننا نعيش معضلة حقيقية، فالأدلة هنا لا تعني شيئا، والنقاشات ليست ذات جدوى، لأن السؤال الجوهري والمحوري الأهم من كل ذلك والمستقر في النفوس: (وين أروح؟).

من هنا تجد هؤلاء على اختلاف أديانهم ومذاهبهم وتوجهاتهم كأنهم يلبسون دروعا مضادة للتفكير، مهما كانت الفكرة المعروضة عليهم، وهذا ما عبّر عنه القرآن بقوله: (جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا).

وهناك التواصي على طريقة (الفزعة) لرد كل فكرة جديدة 

(وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ)، 

إنها الفزعة للحفاظ على الموروث، والحفاظ على (المودّة) يشترك فيها حتى الجاهل الذي لا يفقه ما يقول، والذي لا يحسن ربما غير السب والشتم 

(وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ)

إن المجتمعات التي تعاني من هذه الظاهرة لا يمكن أبدا أن تجد طريقا لحل مشكلاتها، ولا للاستفادة من تجاربها، فضلا عن تجارب الآخرين، وستبقى في فلك تقديس الأشخاص، والبحث عن المبررات لكل ما يقولونه ويفعلونه.

قلت في نفسي وأنا أتدبر تلك الآية: سبحان الله كيف تحولت هذه الكلمة الجميلة (المودّة) إلى داء عضال، يدمّر العقول والأفكار والمعتقدات والمجتمعات، وينذر بهلاكها وزوالها، مع ملاحظة أن الآية نزلت في المشركين، لكن العبرة دائما بعموم المعنى لا بخصوص السبب.

إن القوة الوحيدة التي تستطيع أن تخترق هذه الدروع من التعصّب والانغلاق هي السؤال الأخروي. 

فإذا كان سؤال؛ (وين أروح؟) هو الذي يجعلك تتمسك في البيئة التي نشأت فيها، فإن سؤال: 

(أين مصيري في الآخرة؟) هو الذي يجعل السؤال الأول سؤالا تافها. 

ولذلك عقب القرآن على آية المودة بقوله 

(مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ).

اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه

وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه

رضي من رضي، أو سخط من سخط

وصلّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.



الخميس، 11 يونيو 2026

بدعة الحكم على المعتقدات من خلال الأحداث

بدعة الحكم على المعتقدات من خلال الأحداث
مفكر وداعية إسلامي، دكتوراه في الفقه الإسلامي

العقيدة الصحيحة: إيمان يستند إلى برهان قاطع، ومعايير الحكم على صحة المعتقدات إنما هي هذه البراهين الإيمانية والعلمية ذاتها، وليس شيئا آخر.

فالتوحيد عقيدة صحيحة مهما كان حال الموحّدين أنفسهم من ضعف أو قوّة، أو تقدم أو تخلف، كما أن الشرك عقيدة باطلة حتى لو وصل المشركون إلى المريخ، وحتى لو قاتلوا الملحدين أو من كانوا شرا منهم.

اليوم -مع الأسف-يجري التسويق والتزويق لعقائد فاسدة تخالف محكمات القرآن، وأصول التوحيد، ومبادئ الفطرة والمنطق، تحت مظلة المناوشات الدائرة بين معسكرين توافقا زمنا طويلا على ذبحنا ثم اختلفا مؤخرا على النفوذ وبعض الغنائم.

وهنا نسأل أصحاب هذا المنهج المعوج؛

إذا كان معيار العقيدة الصحيحة الحرب مع الكيان الغاصب، فإن السادات أول من أذلّ هذا الكيان في ساحة النزال بعبور خط بارليف، ذلك العبور الذي كان أشبه بالمعجزة، وفي المفاوضات باسترجاع سيناء التي مساحتها أكبر من ضعف مساحة فلسطين.

ثم جاء صدام حسين وهو أول من أطلق الصواريخ على الكيان، وخاض حربين شاملتين مع الأمريكيين وحلفائهم.

بينما كان موقف (إيران الشاه) مع الكيان والأمريكان ضد مصر.

وكان موقف (إيران الخميني) مع الكيان والأمريكان ضد العراق.

إن الأحداث تتقلب، والمواقف تتغير، والتحالفات تتبدل، والأمم سواء كانت مؤمنة أو مشركة تمر بأحوال مختلفة من التقدم والتخلف والتماسك والتشرذم.

والثابت الذي ينبغي أن نتمسك به وندور معه حيث دار إنما هو إيماننا الراسخ بالله تعالى، وبكتاب ربنا وسنة نبينا عليه الصلاة والسلام،

فالثبات الثبات أيها المسلمون.

(يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) 

سورة إبراهيم:27.

مقالات الكاتب د. محمد عياش الكبيسي

الثلاثاء، 2 يونيو 2026

صدق النيّة لوحده لا يحمي من الانحراف

 صدق النيّة لوحده لا يحمي من الانحراف

  

قبل قليل أرسل لي أحد الأحباب رسالة يخبرني فيها عن رجل مسن، متديّن، تظهر عليه المحبة الصادقة لله ولرسوله -عليه الصلاة والسلام- إلا أنه لا يصلي في المسجد أبدا، حتى الجمعة، وذلك لأنه مقتنع بفكرة؛ أن هؤلاء الأئمة والخطباء معيّنون من حكومات غير شرعية،

وقد ذكّرني هذا الأخ في رسالته عن حالة مشابهة كنت قد نشرتها في مقال سابق، عن (أبي يوسف) الرجل الذي لا يصلي في (مساجد الحكومة) ويمنع ابنه يوسف من الصلاة فيها، ولكني حينما حاورته اقتنع وذهب في أول جمعة للمسجد، ثم صار يبحث عني بعد الصلاة، فلما رآني انكب عليّ يقبّل يديّ هو وابنه، والدموع تتساقط من عيونهما، هكذا يقول: (كأني والله ولدت من جديد، لماذا حرمت نفسي وحرمت ابني هذا قرابة العشرين سنة)!

عقّبت على رسالة أخي العزيز بقولي: (هذا أوضح نموذج؛ أن صدق النية لا يحمي صاحبه من الانحراف إن لم يقترن بالعلم)

وقديما قال علماؤنا:

وكل من بغير علم يعمل

أعماله مردودة لا تقبل

وليس معنى مردودة: أنها مبتورة الأجر، بل هي مبتورة عن تحقيق غاياتها الدنيوية أيضا، فكل عامل للإسلام بدون علم، فثمرته ضائعة في الدنيا، وثوابه ضائع في الآخرة، والعياذ بالله.


الاثنين، 18 مايو 2026

إشاعة الانكسار النفسي؛ أسلوب جديد لـ«تصدير الثورة»

 إشاعة الانكسار النفسي؛ أسلوب جديد لـ«تصدير الثورة»


د. محمد عياش الكبيسي
مفكر وداعية إسلامي، دكتوراه في الفقه الإسلامي

حينما ترى (عربيًا) يشتم العرب، و(سنّيًا) يشتم السنّة، في معرض المقارنة بإيران التي يقوم مشروعها على ركيزتين؛ باطنية تهدم الدين، وشعوبية تحتقر العرب، فاعلم أن هذا التماهي لا يعبّر إلا عن خيانةٍ واختراقٍ كبير أو مرضٍ نفسي خطير، فكيف يستسيغ الإنسان الطبيعي وهو يرى ويسمع آلاف الأبواق المعادية التي تشتم دينه وأمته بكل تاريخها ورموزها، وتنتقص منه ومن أهله وبلاده، بل وتقوم بإهانة أهله وذبحهم وتشريدهم، ثم هو كالأهبل يوافقهم بما يقولون من حيث يدري أو لا يدري، ويزيد على ذلك بأن يصفّق لهم ويكيل المديح لهم؟ ويتفنّن في التعبير عن ذلك، بكل مهاراته الإعلامية والترويجية؟

لنضع النقاط على الحروف؛ ما المبرّر لكل هذا الانبهار بمن يستهدفك في دينك وأصلك وأرضك وعرضك، وما المبرّر لكل هذا الانكسار في ذاتك وفكرك ونفسيتك؟

أكلّ هذا من أجل لحظة لم تفهم ملابساتها، ولم تظهر نتائجها بعد؟ فحكمت من خلالها حكمًا نسفت به ثوابت الدين والتاريخ وروابط الأهل والأخوة على طول هذه الأرض وعرضها؟

لقد فتح السنّة بلاد الإسلام كلها ولم يشارك هؤلاء بشبر واحد منها، بل هم يشتمون جهارًا نهارًا كلّ الفاتحين من أبي بكر وعمر، إلى صلاح الدين وطارق بن زياد ومحمد الفاتح.

ولم يكتفوا بالشتم، بل وقفوا عمليًا مع هولاكو وهلّلوا له (الطوسي المرجع، وابن العلقمي الوزير) وصار التشفّي بذبح خلفاء بني العباس ثقافة ودينا (انظر كتاب روضات الجنات).

علي شريعتي وهو الفيلسوف الشيعي الكبير يوثّق التعاون بين الصفويين والصليبيين ضد المسلمين (انظر كتابه التشيع العلوي والتشيع الصفوي).

أما تعاونهم اليوم مع بوش في احتلال العراق، ومع بوتين في احتلال سوريا، فينبغي ألّا ينكره عاقل، وقد كان ضحية ذلك الملايين من المسلمين؛ شهداء ومهجّرين ومغيّبين؛ بمن فيهم آلاف الفلسطينيين.

فما الذي تغيّر من عقيدة القوم ومن ثقافتهم ليضحّوا كل هذه التضحية من أجل غزة؟ أليس هناك عاقل يفكر بعقله؟ 

أيمكن أن نفسّر كل هذا الذي يجري من مقتل سليماني إلى مقتل خامنئي، وهذه المدمرات وحاملات الطائرات التي تزدحم في الخليج التي تنذر بحرب كونية- لا سمح الله- أكلّ هذا بسبب غزة؟ أم هناك مشروع إمبراطوري طموح يعتمد على دعم صيني روسي، يحاول أن يخترق النظام الدولي الحالي، مما دعا لكلّ هذا الاستنفار، وهو يشبه في بعض جوانبه الطموح الذي حرّك صدام حسين لبناء دولة قوية وجيش لا مثيل له في المنطقة، مما استدعى النظام الدولي أن يحشد له كل تلك الحشود. فما أشبه اليوم بالبارحة.

نأتي الآن إلى حالة الانكسار النفسي التي يُراد لها أن تنتشر كالسم في جسد الأمة.

لن أستذكر معكم التاريخ البعيد، ولا حتى أبطال الجزائر الذين قدموا أنهارًا من الدماء في مواجهة الفرنسيين، وأبطال ليبيا الذين واجهوا الإيطاليين، وأبطال أفغانستان الذين واجهوا الروسيين.

تعالوا أحدّثكم عن مدينة صغيرة اسمها الفلوجة كيف خاضت حربين مفتوحتين مع الجيش الأميركي؛ حتى راح بوش يصلي ويبكي من أجل أن ينقذ الله جنوده المحاصرين.

أحدّثكم عن الشعب السوري (أسطورة العصر) بصمودهم وصبرهم وعظيم تضحياتهم.

أحدثكم عن أهل غزة، أنسيتم أنهم (عرب) و (سنّة)؟ فهل رأيتم صبرًا كصبرهم وجَلَدًا كجَلَدِهم؟

 أبعد كل هذا يأتي من يدّعي أنه عربي   وسني ليسخر من العرب ومن السنة،   وليطلب منا أن نتعلم الجَلَد ورفعة الراس من إيران ومليشياتها؟!

ويزيد على هذا ليطعن في ديننا ويروّج للمشروع الباطني الفاسد بزعم أنهم هم الذين عناهم الله بقوله {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم} ثم كرّر هذه الزندقة معممٌ أزهري، وهذه دعوة صريحة لنتنازل عن عقيدتنا وديننا لصالح الثورة التي يسعى أصحابها لتصديرها إلينا.

ووالله ثم والله ثم والله، لو أن أية قوة في العالم عرضت علينا تحرير العراق كله، وتحرير فلسطين كلها، مقابل أن نتنازل عن حبنا لأبي بكر وعمر لرفضنا، ناهيك عن أصول العقيدة كالتوحيد وختم النبوة وحفظ القرآن.

إننا أيها الناس خيرٌ لنا أن نلقى الله مشرّدين ومضطهدين على أن نحرّف دين الله ونكذب على رسول الله ﷺ.

لقد قتل كثير من الأنبياء أو هجّروا من ديارهم ولم يقيموا (دولة)، ويا لبئس الطريق الذي يتّخذه البعض من أجل قيام (دولة الإسلام) بزعمهم، إن كان هذا الطريق يشوّه الإسلام نفسه، ويهدمه من أساسه.

لقد عرض المشركون على رسول الله ﷺ أن يتوّجوه ملكًا على مكة مقابل أن يتنازل عن رسالته، أو بعض رسالته، فآثر أن يترك الكعبة ومكة كلها ويهاجر، ولم يساوم على دينه ولو بكلمة واحدة.

اللهم يا ربنا إننا نعيش في فتنة عمياء فاقبضنا إليك غير فاتنين ولا مفتونين. ثبّتنا على الحق الذي يرضيك حتى نلقاك وأنت راضٍ عنا يا الله.

[رَبَّنَا لَا تُزِغ قُلُوبَنا بَعدَ إِذ هَدَيتَنَا وَهَب لَنَا مِنْ لَدُنكَ رَحمَةً إِنَّكَ أَنتَ الوَهَّابُ}