‏إظهار الرسائل ذات التسميات الإسلام بين الشرق والغرب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الإسلام بين الشرق والغرب. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 14 يوليو 2020

سعي فرنسا لإنشاء خلافة إسلامية غربية

سعي فرنسا لإنشاء خلافة إسلامية غربية

 

تقديم
بعد بسط الحماية الفرنسية على المغرب سنة 1912 اعتبرت فرنسا بأنها أكبر دولة إسلامية ومن حقها إنشاء خلافة إسلامية بدل الخلافة العثمانية، مقترحة سلطان المغرب كخليفة باعتباره من آل البيت، وقد خطط لذلك مقيم فرنسا بالمغرب ليوطي الذي يعتبر (رائد السياسة العربية الفرنسية) كما جاء في كتاب lyautey le resident الصادر سنة 2014 وفي مجلة العالم الإسلامي الصادرة في أواخر العشرينيات المتعلقة بالموضوع والتي سبق لنا تناول موادها في مقالات سابقة نشرت في “هوية بريس”.
………………….
في سنة 2014 أصدر كيوم جبين كتابا بعنوان “ليوطي المقيم”
“المغرب ليس سوى مقاطعة في حلمي” هذا ما قاله ليوطي الذي كان مقيما عاما بالمغرب بين 1912-1925، مقاطعات أخرى كانت في أحلام المقيم العام أقل شهرة بما في ذلك الرؤية لعموم العرب في السياسة الإستعمارية الفرنسية، لكن اليوطي لم يكن أول سياسي فرنسي في أعلى مستويات المسؤولية الفرنسية كشف عن تقاطعات هذه السياسة فقد سبقه النابوليان (مفرد نابليون) في القرن التاسع عشر، لكن الذي كشف عنها بفعالية وعقلانية هو ليوطي بيد أنه مع الأسف لم يكن لها تداعيات ملموسة.
عروبة القلب:
ابتداء من سنة 1877 أول زيارة قام بها ليوطي للجزائر كسائح سحر بالأبعاد العربية للثقافة المغربية المنضبط ارتباط مخططها السببي بالأبعاد السياسة للإسلام في تقليده الثقافي بالعالم المعيش للجزائريين.
وعندما سيصبح لاحقا حاكما عسكريا بوهران ومقيما بالمغرب، سيجد نفسه في وضعية معارضة لواقعية سياسية تهدف لفصل البرابرة عن القبائل العربية المتشابكة بشكل حقيقي لأكثر من ألف عام سكانيا وثقافيا.
الإسلام كأداة للسلطة
كما أن الإسلام مرتبط جوهريا بالعالم العربي فإن السياسة عند ليوطي ارتبطت بدورها بالإسلام، عكس ما كان قبل دخوله كموظف سامي في إفريقيا الشمالية سنة 1907 حيث كانت أبعاد السياسة الإسلامية عند الفرنسيين تكاد تكون معدومة، وقد استمر ذلك التوجه طيلة عمله بالمغرب لمدة 13 سنة كمقيم عام بالرباط.
سجلت الإقامة العامة في السنوات الأولى من 1920 تحركات للتأطير الوطني قادمة من الشرق عبر صوت السوري شكيب أرسلان الوطني الدرزي الذي صرح بعد بضع سنين من مغادرة ليوطي الإقامة العامة بقوله “ليوطي عدو لا يرتكب أفعالا مشينة، فهو من وجهة نظر أهلية من أخطر الفرنسيين الذين عرفتهم إفريقيا الشمالية، لأنه الأكثر نضجا، فقد عرف بحكمته الهادئة العرب، وجرهم بكل الوسائل نحو فرنسا، كما دبر بشكل جيد احترامهم لذاتهم، وقتل استقلال المغرب من غير إذلال”.
فقط تنمية روابط ثقافية ودينية غير مسيسة بتشجيع وتأطير من قدور بن غبريط الجزائري الذي يعتبر الرقم الثاني الحقيقي للحماية المعول عليه من قبل الإقامة.
في 1915 بضع آلاف من المغاربة أقاموا في القاهرة؛ في فاس الجريدة المصرية المعربة (المنار) لم يتجاوز مشتركوها الخمسين حسب مصطفى بوعزيز جامعي بالدار البيضاء.
الوحدة العربية ليست حقا عامل نشوء الوطنية بالمغرب، بل ستظهر بسبب حماقة مرسوم إنشاء نظام قضائي بانفصال البرابر المغاربة.
مساندة العرب ضد الأتراك
أول اختبار حقيقي نشيط من ليوطي لصالح سياسة العرب بقي في مجال الخيال بالرغم من مساعدة الفرنسيين للإنجليز لاختراق الحجاز في الحرب العالمية الأولى ودعم الشريف حسين عسكريا لإضعاف الأعداء العثمانيين، بيد أن الفرنسيين ضويقوا من قبل الإنجليز ولما صار ليوطي وزيرا للحرب سنة 1916 سيعمل على تنشيط الدور الفرنسي في الحجاز.
أسطورة لورانس العرب
لورانس مع الأسف هو الوحيد الذي كانت له ذكريات جزئية وممجدة للذات متعلقة بالاختراق الأنجلو فرنسي للحجاز، لقد بقي الجزء الفرنسي من الصراع ضد تركيا غير معروف في الوقت الذي لم يبخل ليوطي بالموارد اللازمة لذلك.
لقد أرسل تحت قيادة اثنين من نوابه المباشرين بن غبريط والكولونيل بريموند مع مجموعة من الضباط السامين الأهالي ذوي المكانة الرفيعة مغاربة وجزائريين المتواجدين في قواعد إفريقيا الشمالية.
قدور بن غبريط بناء على تعليمات سرية من ليوطي سيقوم بدور سفير غير رسمي لفرنسا في مكة، خاصة كممثل حقيقي سياسي وديني للملحق الفرنسي.
لقد رافق كل من الكولونيل بريمند المسؤول الثاني العسكري للمقيم العام بالرباط وبن غبريط كما سبقت الإشارة له خمسين ضابطا وضابط صف جزائري ومغربي لجدة.
بعد ذلك سيبعث بنغبريط خفية باقتراح من ليوطي على الحكومة الفرنسية للمشاركة بالمؤتمر الإسلامي في مكة سنة 1926، وذلك لإضفاء الطابع الرسمي على حضور المسلمين بفرنسا في المؤتمر.
وبتحريض من ليوطي سيتم إلحاق بنغبريط بمكتب وزاري من أجل إقامة مسجد بباريس والإشراف على معهد العالم الإسلامي بنفس المدينة التي شهرت فكرته سنة 1841 ووضعت قيد التنفيذ سنة 1916، ومولت من قبل الأحباس المغاربية التي كانت تحت مراقبة فرنسا.
المغرب نقطة دعم السياسة العربية لفرنسا
الحماية بالمغرب ليست إلا واجهة سياسية وقانونية تسمح للنخبة المغربية بعدم “ضياع الواجهة” فيما يمكن القول باعتباره ملحق استعماري للعمالة (من عميل).
في الواقع مارس ليوطي السلطة بالكامل من 1912 إلى 1925 تحت شكل حكومة حقيقية رسمية بحيث لم يكن يغيب أي شكل منها في الإدارة الخارجية لتعيين كل موظفي الدولة لكن المقيم لم يرد لعب هذه الورقة كموظف، إنما ينميها ويطورها باسم السلطان بشكل موسع عالميا بكفاءة بالاعتماد عند الحاجة على العلاقة مع طنجة والمنطقتين الإسبانية والعربية التي توجد بها الأماكن المقدسة للإسلام ولم يرد تغيير شيء في طبيعة الحماية لكن فرنسا تريد الاستفادة من مكانة دولية في إفريقيا الشمالية وفي العالم العربي والإسلامي.
ليوطي لم يكن يتمنى لا هو ولا المسؤولين الأهالي للمستعمرة الأوروبية سوى وضع سيادة مغربية على نفس النسق.
بالنسبة له السلطان مقدس وشرعي، أحلام عظيمة يريد من بلده أن تتبناها “إنها أيضا تخيل تأسيس علاقة مع المغرب”؛ كتب جيوفرويgeoffroy الذي تابع “لقد توسل في 1922 من أجل إقامة فدرالية فرنسية عربية للبلاد المتوسطية وطلب بأن يكون المغرب إما من الموقعين على معاهدة فرساي ولاحقا يمكن للبلد الانخراط في عصبة الأمم وهو ما لم يتم بسبب تحفظات بريطانيا”.
مشروع خليفة الغرب
ما هو الوضع الأخلاقي في مسألة السلطة الأخلاقية بالنسبة للمسلمين في 1919 حول قضية الحرب العالمية الأولى؟
في سنة 1916 بعث بممثل فرنسي سفيرا للعربية قرب الشريف حسين، سلطان تركيا اختفى والهاشميين قاتلوا ضد الوعود الكاذبة.
أية سلطة شريفة؟ بمعنى تنحدر من الرسول بقيت؟ ليس هناك إلا سلطان المغرب.
ليوطي حذر الحكومة من صعود قوة العرب تحت مراقبة البريطانيين.
“فرنسا لها الحق في أن تكون قوة إسلامية كبيرة”، الهالة التي أعطيت للانطلاقة هي تنشيط الصراع ضد الأتراك بجانب لورانس العرب، وضعه كقوة احتلال لشمال إفريقيا لكنه أخفق على مستوى المخطط السياسي مما ضيع الفرصة لإقامة سلطة أخلاقية في العالم الإسلامي أو على الأقل العرب.
محمد الخامس (السلطان وقتها هو مولاي يوسف وليس محمد الخامس) الذي كانت له لهجة جيدة ليوصف بأنه غير مذنب أخطأ عندما انتهز الفرصة وقدم نفسه كـ”أمير المومنين” لإخوانه المسلمين.
ليوطي لم يتمكن من الحصول على موافقة اللجنة المشتركة بين الوزارات لشؤون المسلمين والوزير جولي كامبو على مشروعه المتعلق بخليفة الغرب يمكن من إنشاء شكل أولي للمسلمين يعوض الذي في اسطنبول غير شخص سلطان المغرب فاقترح كمنافس في مواجهة شريف مكة المطالب بهذه المسألة بتنسيق مع البريطانيين لكن الأمنية لم تتحقق لأنها طرحت للنقاش من وجهة سياسية بدل النظر إليها من خلال الدين
الشؤون الخارجية نشرت النص بحذر بين المفوضين الفرنسيين مما أدى لردود فعل الشركاء نتج عنه قتل المشروع في مهده سنة 1915.
لماذا لم تنتهز فرنسا هذه الفرصة المناسبة لإقامة سلطة معنوية بين يديها من وراء واجهة شريفة وسياسية في العالم العربي؟ خاصة في البلاد التي تراقبها بإفريقيا الشمالية وسوريا ولبنان الأكراد وشرق تركيا لغاية الوسط الثقافي الفرنكفوني المصري؟
ربما لغياب النظرة السياسية في باريز، لأن هذه الفلسفة تتماشى بشكل متواز مع الخط المستقيم لليوطي.
أثناء الحرب العالمية الأولى الألمان بحسهم الاستراتيجي حاولوا فعل هذه المغامرة لحسابهم مع أمير المؤمنين الترك بإستنبول لكن الخليفة همش من قبل البريطانيين فشلوا مع الهاشميين المتعطشين البترول المهم بالنسبة للجيوبولتيك.
بدون شك لو أن هذه الاستراتيجية وضعت على سكة التطبيق لأسقطت الوضعية الماكرة للإنجليز.
انظر: lyauty:precurseur de la politique arabe de la france نشر في 14/5/2014 في الأنطرنيط.
المصدر:هوية بريس – ذ.إدريس كرم


خريطة الوجود العسكري الفرنسي في غرب إفريقيا تفسر سبب غضب فرنسا ودورها في تخريب ليبيا لمنع انتقال حركة الشعوب إلى باقي شمال وغرب إفريقيا.


الاثنين، 17 يونيو 2019

الإسلام بين الشرق والغرب


الإسلام بين الشرق والغرب




تأليف: علي عزت بيجوفيتش
الأقسام: فلسفة, كتب دينية, مترجم
عدد الصفحات: 416
دار النشر: مؤسسة بافاريا للنشر والاعلام 
سنة النشر: 1994
نبذة عن الكتاب
ليس كتاب "الإسلام بين الشرق والغرب" كتابًا بسيطًا يمكن للقارئ أن يتناوله مسترخيًا، أو يقتحمه في أي موضع فيقرأ صفحة هنا وصفحة هناك ثم يظن أنه قد فهم شيئًا أو أنه قادر على تقييمه أو تصنيفه بين الأنماط الفكرية المختلفة. إنما على القارئ الجاد أن يحتشد له ويتهيأ للدخول لا في عالم كتاب ثري بأفكاره متميز بمنهجه أخّاذ بأسلوبه وقوة منطقه وثقافة صاحبه العميقة الواسعة. فمؤلف الكتاب متمكن من الثقافتين الإسلامية والغربية معًا. فهو مسلم حتى النخاع وأوروبي بالمولد والنشأة والتعليم. 
لقد استوعب الفكر الغربي ولكنه لم يفرق فيه. ولم يجهل أو يتجاهل مواطن القوة وجوانب الضعف والتناقض والقصور. 
واستطاع "علي عزت بيجو فيتش" بقدرته التحليلية أن يطالع القارئ على حقائق عن الإسلام ومؤسساته وتعاليمه لم تستلفت انتباه أحد من ذي قبل. و
يتسق منهجه التحليلي في تقصي الحقائق مع هدفه الذي عبر عنه بقوله: "لكي نفهم العالم فهمًا صحيحًا لا بد أن نعرف المصادر الحقيقية للأفكار التي تحكم هذا العالم وأن نعرف معانيها". وللمؤلف أفكار مفاهيم جديدة ويستخدم مصطلحات مألوفة في معان جديدة غير مألوفة.




لقد جاء كتاب الإسلام بين الشرق والغرب لمؤلفه الرئيس البوسني (علي عزت بيجوفيتش) ليناقش أبرز الأفكار العالمية في تاريخ البشرية المعاصرة، وللإجابة على كثير من الأسئلة التي تهم الجيل الجديد، والهدف من الكتاب هو إنارة الطريق للبشرية التي تتجه إلى مُرَكَّب جديد وموقف وسطي جديد في عصر المعضلات الكبرى والخيارات، وقد أصبحت الأيديولوجيات المتضاربة بأشكالها المتطرفة لا يمكن فرضها على الجنس البشري، ومن هنا فإن الإسلام هو مستقبل الإنسان، لأنه يدعو إلى خلق إنسان متسق مع روحه وبدنه، وكما كان الإسلام في الماضي الوسيط الذي عبرت من خلاله الحضارات القديمة إلى الغرب فإن عليه اليوم مرة أخري أن يتحمل دوره كأمة وسط في عالم منقسم، وذلك هو معنى الطريق الثالث - طريق الإسلام - الذي يحتل موقعًا وسطًا بين الشرق والغرب.

وعن طبيعة هذا الكتاب يقول مؤلفه في مقدمته أن هذا الكتاب ليس في اللاهوت ولا مؤلفه من رجال اللاهـوت إنه على الأرجح محاولة لترجمة الإسلام إلى اللغة التي يتحدث بها الجيل الجديد ويفهمها؛ إنه كتاب يتناول عقائد الإسلام ومؤسساته وتعاليمه بقصد اكتشاف موقع الإسلام في إطار الفكـر العــالمي... 

ومن خلال الكتاب، ناقش (بيجوفيتش) عددا من الأفكار العالمية التي تهم البشرية من خلال دراسة متعمقة وموسوعية موجزة. فكتاب الإسلام بين الشرق والغرب هو في حقيقته كما قال البعض موسوعة علمية أو عدة كتب كبيرة في مجلد صغير... ونظرا لكثرة الموضوعات التي ناقشها المؤلف فسوف نقتصر على إلقاء الضوء على بعض القضايا العلمية التي تتعلق بقضية أصل الإنسان بين المادية والإسلام وقضية التفسير العلمي لآيات القرآن الكريم ويشتمل الكتاب على قسمين رئيسين: القسم الأول: يحمل عنوان المقدمات ويتناول نظرات حول الدين بصفة عامة من خلال مناقشة موقف كل من الدين والإلحاد من قضية أصل الإنسان والقضايا الأخرى المتعلقة بها, ومنها: الخلق والتطور، الثقافة والحضارة، ظاهرة الفن، الأخلاق، الثقافة والتاريخ، والدراما والطوبيا. 

الإسلام ليس مجرد دين:

أما القسم الثاني من الكتاب، فإنه مخصص للإسلام، فالإسلام كما يقول المؤلف ليس مجرد دين أو طريقة حياة فقط، وإنما هو بصفة أساسية مبدأ تنظيم الكون، فكما أن الإنسان هو وحدة الروح والجسد، فالإسلام وحدة بين الدين والنظام الاجتماعي، وكما أن الجسم في الصلاة يمكن أن يخضع لحركة الروح، فإن النظام الاجتماعي يمكن أن يخدم بدوره المثل العليا والأخلاق هذه الوحدة الغريبة عن المسيحية وعن المذهب المادي معا، ميزة في الإسلام، بل هي من أخص خصائص الإسلام. 

أصل الإنسان بين المادية والإسلام: 

يبدأ الرئيس (علي عزت بيجوفيتش) في الفصل الأول من كتابه مناقشة قضية أصل الإنسان ؟ وماهية الحياة ؟ وهي القضية التي تعد حجر الزاوية لكل أفكار العالم، فأية مناقشة تدور حول كيف ينبغي أن يحيا الإنسان ؟ تأخذنا إلى الوراء إلى حيث مسألة أصل الإنسان، وفي ذلك تتناقض الإجابات التي يقدمها كل من الدين والعلم، كما هو الشأن في كثير من القضاي.

يقول الماديون: إن الإنسان هو الحيوان الكامل (L’ Homme Machine) وأن الفرق بين الإنسان والحيوان إنما هو فرق في الدرجة وليس في النوع، فليس هناك جوهر إنساني متميز، بينما يقول (دارون): الإنسان مجرد حيوان نشأ عبر عملية تطور طويلة، ويقول (جوليان هكسلي) إن الإنسان مجرد حيوان متفرد..

إن علم الحفريات وعلم هيئة الإنسان وعلم النفس، كلها علوم تصف من الإنسان فقط الجانب الآلي الذي لا معنى له. الإنسان مثله كمثل اللوحة الفنية والمسجد والقصيدة، أكثر من مجرد كمية ونوعية المادة التي تكونه، الإنسان أكثر من جميع ما تقوله عنه العلوم الحديثة.

ويمضي الرئيس (علي عزت بيجوفيتش) إلى محاورة مع علماء البيولوجيا يستنطقهم في مقولة كيف تطور الإنسان ؟ ولماذا توقف عن التطور بعد أن أصبح إنسانا بزعمهم؟

ماهية الحياة: 


ويكشف علي عزت بيجوفيتش كيف أن العلماء على جهل بحقيقة ماهية الحياة وبدخائل النفس البشرية إلى حد لا يمكن معه أبدًا الجزم بشئ على أية درجة من المصداقية... في سـنة 1950م، وضـع (أندريه جورج) (Andre Geoges ) سؤالا واحدًا لعلماء البيولوجيا والأطباء وعلماء الطبيعة هو: ما هي الحياة ؟ وكانت جميع الإجابات التي تلقاها حذرة وغير محددة. ولنأخذ في ما يلي إجابة كل من (بيير لايان) و( جان روستاند) كنموذجين: (يظل السر كاملا، فنقص معلوماتنا تجعل كل تفسير للحياة أقل وضوحا من معرفتنا الغريزية بها )... ( حتى الآن لا نعرف على وجه التحديد ماهية الحياة نحن لا نستطيع حتى الآن أن نقدم تعريفا كاملاً دقيقا لظاهرة الحياة.

ويصل (علي عزت) إلى حقيقة مهمة وهي أن آفة من تعرضوا لهذا السؤال هي الوقوف بعيدا عن نقطة الوسط. فمما لا مراء فيه أن في الإنسان جانبًا حيوانيا في احتياجاته المادية وفي رغائبه الجسدية، ولكنه من الخطأ تمامًا اعتبار الجزء كلاً، فالإنسان أكثر من الجانب الجسدي، ثم إن دعاة التصوف يزعمون أن الإنسان على حد المقولات الكنسية ما هو إلا ضمير معنوي روحي، وهذا أيضا يصدق بشكل جزئي ولكن الذي يصدق بشكل كلي هو أن الإنسان توليفة من هذه وتلك..

ويؤكد (بيجوفيتش) أن الإنسان ليس مفصلا على طراز (داروين) ولا الكون مفصلا على طراز (نيوتن)، و يقول: الإسلام هو الاسم الذي يطلق على الوحدة بين الروح والمادة، وهو الصيغة الأسمى للإنسان نفسه. الإنسان في منظور الإسلام مخلوق كرمه الله، إنه الإنسان المكون من جسد وروح والمسيطر بمنهج إلهي على الطبيعة التي سخرها الله له، وهو في كل هذا يسجد لله وحده، فهو سيد في علاقته مع الله، ولا تقتصر الرؤية الإسلامية الوسطية في فكر (بيجوفيتش) على ما ذكر من قبل ولكنه يرى أن هناك منظومة فكرية تحرك القدرات العقلية للإنسان إلى ما هو أبعد من العلاقات الطبيعية البسيطة المنظورة لبحث ما وراء الطبيعية والغرض ليس فك هذه الرموز وإنما اكتساب التواضع والوعي بالجهل بمعنى أن تحول الجهل الذي لا ندركه. إلى الذي ندركه. 

وسطية الإسلام: 

كما يؤكد (علي عزت بيجوفيتش) على أن وسطية الإسلام يمكن إدراكها من خلال حقيقة أن الإسلام كان دائما موضع الهجوم من الجانبين المتعارضين الدين والعلم، ومصطلح دين يشير به المؤلف إلى معنى محدد وهو المعنى الذي تنسبه أوربا إلى الدين وتفهمه على أنه تجربة فردية خاصة لا تذهب أبعد من العلاقة الشخصية بالله، والدين بهذا المفهوم الأوربي اتهم الإسلام بأنه أكثر لصوقا بالطبيعة والواقع مما يجب، وأنه متكيف مع الحياة الدنيا، واتهم الإسلام من جانب العلم المادي أنه ينطوي على عناصر دينية وغيبية ويفند المؤلف هذا الهجوم بقوله في الحقيقة يوجد إسلام واحد فحسب، ولكن شأنه كشأن الإنسان له روح وجسم، فجوانبه المتعارضة تتوقف على اختلاف وجهات النظر نحو الإسلام، فالماديون لا يرون في الإسلام إلا أنه دين وغيب أي اتجاه يميني بينما يراه المسيحيون فقط كحركة اجتماعية سياسية، أي اتجاه يساري. 

الإسلام وإقامة التوازن في حياة البشر: 


ويوضح الرئيس (علي عزت بيجوفيتش) حقيقة مهمة من حقائق الإسلام بقوله من أجل مستقبل الإنسان ونشاطه العلمي، يعني الإسلام بالدعوة إلى خلق إنسان متسق مع روحه وبدنه، ومجتمع تحافظ قوانينه ومؤسساته الاجتماعية والاقتصادية على هذا الاتساق ولا تنتهكه، إن الإسلام هو البحث الدائم عبر التاريخ عن حالة التوازن الجواني والبراني أو الداخلي والخارجي هذا هو الإسلام اليوم، وهو واجبه التاريخي المقدر له في المستقبل، إن الإسلام لم يكن مجرد أمة إنما هو على الأرجح دعوة إلى أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر أي تؤدي رسالة أخلاقية. 

الإسلام جوهر الحياة: 

وفي القسم الثاني من الكتاب يتناول معجزة الإسلام كوحدة ثنائية القطب، ويتناول جوانب من إعجاز كتاب الإسلام في صيغته المكتوبة، وهو القرآن الكريم، ويصف القرآن بأنه حياة ويوضح ذلك قائلا: إن التعليق الوحيد الأصيل عن القرآن هو القول بأنه حياة وكما نعلم كانت هذه الحياة في نموذجها المتفرد هي حياة النبي محمد صلي الله عليه وسلم، إن الإسلام في صيغته المكتوبة أعني القرآن قد يبدو بغير نظام في ظاهره، ولكنه في حياة محمد صلي الله عليه وسلم قد برهن على أنه وحدة طبيعية من الحب والقوة، المتسامي والواقعي، الروحي والبشري، هذا المركب المتفجر حيوية من الدين والسياسية يبث قوة هائلة في حياة الشعوب التي احتضنت الإسلام، في لحظة واحدة يتطابق الإسلام مع جوهر الحياة. 

القرآن والحقائق العلمية: 


وحول موقف القرآن من العلم يقول (علي عزت): لا يحتوي القرآن على حقائق علمية جاهزة، ولكنه يتضمن موقفا علميا جوهريا... اهتماما بالعالم الخارجي، وهو أمر غير مألوف في الأديان، يشير القرآن إلى حقائق كثيرة في الطبيعة، ويدعو الإنسان للاستجابة إليها، فالأمر بالعلم ( بالقراءة ) لا يبدو هنا متعارضا مع فكرة الألوهية، بل إنه قد بدأ باسم الله
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ الّذِي خَلَقَ)
 [سورة العلق] آية 1 الإنسان، بمقتضي هذا الأمر لا يلاحظ ويبحث ويفهم ( طبيعة خلقت نفسها ) ولكن الكون الذي أبدعه الله. وليست الملاحظة بلا هدف أو لا مبالية أو خالية من الشوق، وإنما هي مزيج من العلم وحب الاستطلاع والإعجاب الديني. وكثير من أوصاف الطبيعة في القرآن على درجة عالية من الشاعرية ويستشهد الرئيس (علي عزت) بالعديد من الآيات القرآنية التي تحتوي على ( موقف علمي جوهري ) كما عبر هو ومنها الآيات التالية: 
(إِنّ فِي خَلْقِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللّيْلِ وَالنّهَارِ وَالْفُلْكِ الّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النّاسَ وَمَآ أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السّمَآءِ مِن مّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثّ فِيهَا مِن كُلّ دَآبّةٍ وَتَصْرِيفِ الرّيَاحِ وَالسّحَابِ الْمُسَخّرِ بَيْنَ السّمَآءِ وَالأرْضِ لاَيَاتٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)
[البقرة 164] 
(إِنّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبّ وَالنّوَىَ يُخْرِجُ الْحَيّ مِنَ الْمَيّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيّتِ مِنَ الْحَيّ ذَلِكُمُ اللّهُ فَأَنّىَ تُؤْفَكُونَ. فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ الْلّيْلَ سَكَناً وَالشّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. وَهُوَ الّذِي جَعَلَ لَكُمُ النّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصّلْنَا الاَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، وَهُوَ الّذِيَ أَنشَأَكُم مّن نّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصّلْنَا الاَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ، وَهُوَ الّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مّتَرَاكِباً وَمِنَ النّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنّاتٍ مّنْ أَعْنَابٍ وَالزّيْتُونَ وَالرّمّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوَاْ إِلِىَ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنّ فِي ذَلِكُمْ لاَيَاتٍ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)
 [الأنعام 95-99 ] 
(وَسَخّرَ لَكُمُ اللّيْلَ وَالْنّهَارَ وَالشّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنّجُومُ مُسَخّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ. وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً لّقَوْمٍ يَذّكّرُونَ. وَهُوَ الّذِي سَخّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ)
 [سورة النحل 12-14 ] 
(أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ. وَإِلَى السّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ. وَإِلَىَ الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ. وَإِلَى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ)
[الغاشية 17-20 ]. 
يقول (علي عزت) معلقا على تلك الآيات: في هذه الآيات التي اتجهت بكليتها إلى الطبيعة نجد فيها تقبلا كاملا للعالم ولا أثر فيها لأي نوع من الصراع مع الطبيعة، فالإسلام يبرز ما في المادة من جمال ونبل كما هو الحال بالنسبة للجسم في موقف الصلاة، والممتلكات في الزكاة، إن العالم المادي ليس مملكة للشيطان، وليس الجسم مستودعًا للخطيئة، حتى عالم الآخرة، وهو غاية آمال الإنسان وأعظمها، صوره القرآن مغموسا بألوان هذا العالم، ويرى المسيحيون في هذا حسية تتنافى مع عقيدتهم ولكن الإسلام لا يرى العالم المادي مستغربا في إطاره الروحي ويضيف الرئيس (علي عزت) إن آيات القرآن توقظ الفضول الفكري وتعطي قوة دافعة للعقل المكتشف. قال الله تعالى: 
(وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنّاتٌ مّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىَ بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضّلُ بَعْضَهَا عَلَىَ بَعْضٍ فِي الاُكُلِ)
 [الرعد 4 ] هذه الآية الكريمة تستفز الفكر، فهي تطرح مشكلة تكمن في أعماق علوم الكيمياء والنتيجة أن المسلمين هم الذين وضعوا النهاية للجدل الذي دار حول قضايا جوهرية استحوذت على المسيحية عندما اتجهوا إلى الكيمياء، وكان هذا تحولا من الفلسفة الصوفية إلى العلم العقلاني. وفي جميع الآيات التي سبق اقتباسها من القرآن عنصر مشترك وهو الدعوة إلى الملاحظة، وهي فاعلية بواسطتها بدأت قدرة الإنسان على العالم والطبيعة. 

أسباب القوة الغربية مستمدة من تراث المسلمين: 

ولقد أثبت البحث في أساس القوة الغربية، أن هذه القوة لا تكمن في أسلحتها واقتصادها، فهذا هو المظهر الخارجي للأشياء فقط، وإنما يكمن في الملاحظة والمنهج التجريبي، في التفكير الذي ورثته الحضارة الغربية عن( بيكون) الذي استمد هو بدوره المنهج التجريبي من المسلمين. 

تأثير القرآن في تطور العلوم: 


ويرى (علي عزت بيجوفيتش) أن المواقف العلمية الجوهرية التي تضمنتها آيات القرآن قد أثرت في تقدم العلوم لدى المسلمين في عصور ازدهار الحضارة الإسلامية ويعبر عن هذا قائلا: هذا الاهتمام الفذ بعلم الفلك وبالعلوم الطبيعية خلال القرون الأولى للإسلام؛ كان نتيجة مباشرة لتأثير القرآن. لقد تحول الدين نحو الطبيعة فبدأت مرحلة عظيمة في تطور العلوم، وكان هذا من أعظم الإنجازات التي تحققت في التاريخ ويضرب مثالا على ذلك فيقول: لقد كان هذا أكثر وضوحا، فيما يتعلق بتطوير علم الفلك، حيث نجد في كتاب (جنسر) تاريخ العلوم الطبيعية حقائق تؤكد فاعلية العالم الإسلامي وإنجازاته في مجال هذا العلم..

ويقول (بيجوفيتش) موضحا: وجد المسلمون في وادي الفرات علم التنجيم مزدهرا وقد جمع معرفة هامة عن الظواهر الفلكية عبر ثلاثة آلاف سنة، ولكن لأن الاعتقاد بارتباط مصير الإنسان بالنجوم – وهو ميدان اهتمام علم التنجيم – كان غريبا عن الإسلام، فإن التوحيد الإسلامي والعقلانية الإسلامية استطاعت أن تحول علم التنجيم إلى علم فلك، وقد أنشئت لهذا الغرض مدرسة بغداد لعلوم الفلك وسميت باسم مرصدها الشهير، ويتحدث (سيديلوت) (sedillet) عن ذلك فيقول: كان من أخص خصائص مدرسة بغداد لعلم الفلك منذ نشأتها روحها العلمية بأن تنتقل من المعلوم إلى المجهول عن طريق الملاحظة.

الاثنين، 15 أبريل 2019

المفكر الترجمان.. رحلة محمد يوسف عدس الملهمة

المفكر الترجمان.. رحلة محمد يوسف عدس الملهمة


"ترجع علاقتي به إلى أربعين عاما خلت، عندما كنا طلابا بالمرحلة الثانوية، وخلال تلك السنوات كان نموذجا طيبا للمثقف الذي يحمل بين جنبيه حبا لوطنه والتزاما بمسؤولياته وخدمته لقضايا أمته"
[عادل حسن غنيم][1].
في كلية الآداب جامعة القاهرة، وتحديدا في قسم الدراسات الفلسفية وعلم النفس، كان الشاب العشريني "محمد يوسف عدس" يشقّ مشواره، الذي لم يكن يدري أنّه سيكون حافلا إلى هذا الحد، في رحلة ثمانينية جابت به أنحاء الأرض، بدأت عقودها من عام 1934م على أرض قرية "بهوت" الخضراء بمحافظة الدقهلية، حيث خطّ الصبي الصغير أولى سطوره في كُتّاب القرية الذي أثراه بأجزاء من القرآن الكريم، ليكمل بعدها سرديّته بثلاث سنوات في المدرسة الأولية، قبل أن يبدأ الطواف الطويل بمحطته الأولى بمدينة الزقازيق، ليحصل في عام 1948م على أولى شهادته بالمرحلة الابتدائية[2].

ومن الزقازيق إلى المنصورة، يستكمل الفتى "محمد يوسف" رحلته في مدرسة الملك الكامل الثانوية ليخرج منها بشهادتي "الثقافة العامة"، والثانوية العامة في العامين 1952م، و1953م على التوالي[3]. وفي رفقة لم تتجاوز خمسة وعشرين زميلا، كان الشاب العشريني يشق رحلته، في المساحة التي سمح بها عددهم القليل، متعلما بين أساتذته أمثال زكي نجيب محمود، وحسن الساعاتي، وعبد الهادي أبو ريدة، وعثمان أمين، وزكريا إبراهيم، إلى آخِر القائمة[4]، وهو ما ساعده كثيرا حين تقدّم لمسابقة "أمناء المكتبات المدرسية النموذجية" بمصر عام 1958م، ليفوز بعد تخرجه بعام واحد بإدارة مكتبة مدرسة "طوخ" الثانوية بمحافظة القليوبية، ويساهم في تطويرها عن طريق مركز ثقافي للنشاط الطلابي كان قد ألحقه بها قبل أن يبدأ فصلا جديدا من الرحلة.
بين الكتب والبلاد
مع عمل تصحبه دراسة الماجستير في الفلسفة، ومن ثم دراسة الدبلوم العام للمكتبات والمعلومات فور إنشائه بجامعة القاهرة، ليصبح بعدها مديرا للمركز الثقافي المصري بالفلبين عام 1964م، وهو الأمر الذي لم يدم غير عام أُغلِقت بعده المراكز الثقافية على إثر أزمة اقتصادية طافت بالبلاد[5].

وفي أعقاب نكسة (يونيو/حزيران) 1967م، كما ورد في سيرته الذاتية[5]، يرى الرحالة الشاب أن الرحلة ستبدأ من هنا خارج حدود الوطن، وبعد مصادمات متفرقة مع وزير التربية والتعليم لقبول استقالته ينطلق إلى أستراليا، ليعلم أن كل شيء سيبدأ من جديد. وفي (أبريل/نيسان) 1971م يتمكّن الشاب المُهاجر من منصب مُفهرِس بمكتبة جامعة "بنديجو" التي لم يلبث فيها سوى عامين وبضع شهور، لينتقل بعدها إلى جامعة "كانبرا" في الوظيفة نفسها، وهو ما ساعده على الالتحاق بالدراسات العليا بالجامعة، فدرس لثلاثة أعوام علوم المكتبات ونظم استرجاع المعلومات وإدارة المؤسسات، الأمر الذي أهّله للحصول على زمالة الجامعة، وانتداب اليونسكو له كخبير ومشرف على إنشاء وتجهيز مكتبة جامعة قطر الجديدة التي تولّى إدارة مكتباتها فيما بعد.[5]

وفي حقبة ما قبل الإنترنت، أنشأ بالمكتبة نظاما إلكترونيا للاتصال بقواعد المعلومات العالمية بجامعة كاليفورنيالخدمة الباحثين، وفي عشرة أعوام استقر بها في قطر[5]كانت له العديد من الإسهامات في المجال الثقافي، قبل أن يساعده اليونسكو على التنقل من جديد بين عدد من الدول العربية، كموطنه مصر، وعمان، واليمن،والأردن على الترتيب في أمور تختص جميعها بالمكتبات ونظم المعلومات في هذا التوقيت.
الفكر والنقل والإنسان
"لا تقاس قيمة كتاب بسعة انتشاره ولا بحفاوة القراء به فحسب، وإنما تقاس -إلى جانب ذلك- بنوعية القراء الذين احتفوا به وتناولوه بالقراءة والاستيعاب، ثم تقاس بعمق الأثر الذي خلفته هذه القراءة في عقولهم وقلوبهم".
[محمد يوسف عدس][6].
بفلسفة الطائر، الساكن إلى العُشّ بعد الترحال، يختار السيد "محمد يوسف عدس" التخلّي عن المسار الوظيفي في (يوليو/تموز) 1990م قبل أربعة أعوام من الإشعار الرسمي للتقاعد، ليتفرغ -كليا- للكتابة والفكر والترجمة بشكل تام. وقد تمحورت دراساته في تلك الفترة حول مشكلات الأقليات المسلمة في العالم وإبراز مدى المعاناة التي تلقاها، ابتداء من الفلبين، ثمالبوسنة والهرسك وكوسوفا الشيشان[7].

وفي هذا يقول صديقه، د. إبراهيم أبو محمد، أنه -أي محمد عدس-: "لم يمتهن التخمين والحدس فيما يقوله أو يشير به إلي المستقبل، وإنما كان ذا بصيرة بالمآلات واحتمالاتها وردود أفعال الغير تجاه الأحداث، كان مُصِرًّا على أن يكون بين الكُتّاب ورافضا بشدة أن يكون بين الكَتَبَة، وبرغم ارتفاع التكلفة بين القمة والسفح، فقد اختار أن يكون في القمة"[8].

وهو المنهج الأخلاقي الذي أشار إليه "زغلول عبد الحليم" في وصفه لمنهج "محمد عدس" القائم على التصور الحقيقي للعلاقة بين (الله - الكون - الإنسان)، "وهي العلاقة التي يحاول البعض كسرها وتقديم البديل الغربي لوضع الإنسان في مواجهة القدر الذي هو الله"[9]، وهو التصور الذي رفضه الرجل ولم تكن له علاقة به، على حد وصف زغلول.

ويدافع "يوسف عدس" نفسه عن مطلق الإنسان فيقول إن: "التحكم في سكان الأرض كان دائما حلم الطغاة من أمثال هتلر وموسوليني ولينين وستالين، وهذه النخبة الخفية بالتأكيد تتمتع بعقلية الطغاة، فهم لا يقفون على حد في سعيهم الرهيب للتحكم في حياة البشر وتشكيلها وفق قوالب يساعدهم في صنعها مجموعة أخرى من الخبراء -أو أنصاف آلهة- لأنهم يستطيعون في معاملهم تطوير وسائل وتكنولوجيات للتحكم في الجينات واستنساخ الحيوانات والبشر والتأثير على صحة الإنسان سلبا أو إيجابا، ويعتقدون مثل فرعون أنهم يهبون الحياة أو يسلبونها وفق مشيئتهم وأهوائهم، هذه النخبة أو العصابة الشريرة تعتنق أيدولوجية لا إنسانية ولا أخلاقية"[10].
 وفي سبيله لذم الطغاة وأدواتهم في قولبة الإنسان وإخضاعه، يتلاقى -بالتزامن- مع نموذجه في الحاكم الأخلاقي، المُحترِم للإنسان، كالرئيس البوسني "علي عزت بيغوفيتش" الذي كان لمحمد عدس أكبر الأثر في نقل تراثه الفلسفي إلى العربية، كأحد أثقل الأعمال الفكرية أثرا داخل المكتبة الإسلامية والعربية في القرن العشرين.

فهو يتطرق في تقديمه لكتاب الرئيس البوسني "الإسلام بين الشرق والغرب" إلى شخصية الكاتب كحاكم بصورة لا تنفصل عن طبيعته ككاتب أو فيلسوف، فيقول في مقدمة ترجمته لكتابه: "إنه طراز فريد من الشخصيات، فهو بسلوكه وقيمه وأخلاقه يضرب أمثلة في القيادة والحكم"، مسترشدا في ذلك بروايات ابنته "سابرينا" عن زهده في ملذات الحكم وبساطته في إدارة حياته وحياة أسرته، وهو ما انعكس على حكمه لشعبه -بالتبعية- ليقدم صيغة إنسانية للحاكم، قد امتدحها "يوسف عدس" في مقدمته في أكثر من موضع.
الفيلسوف والتُرجمان.. ثنائية التأليف وابتعاث النص
يقول الدكتور "محمد عناني" في كتابه "فن الترجمة" إن الترجمة فن تطبيقي، أي هي "الحرفة التي لا تتأتّى إلا بالدربة والمران والممارسة، استنادا إلى موهبة"[11]. وهو الحال الذي وجده "المسيري" مع ترجمة "يوسف عدس" لكتاب الرئيس البوسني "الإسلام بين الشرق والغرب" فأسقطه عليه إذ يقول: "وقد قام الأستاذ محمد يوسف عدس بترجمة أهم كتبه "الإسلام بين الشرق والغرب" إلى العربية بلغة فصيحة وخطاب فلسفي مُركّب، فجاءت ترجمته عملا فلسفيا راقيا يتسم بالدقة والجمال"[12].

كذلك ساهمت البنية الفكرية المتشابهة بين المفكر وترجمانه، الذي أعاد تخليق النص وليس فقط ترجمته، في إثراء النقل والانتقال من كتاب للآخر في رحلة العبور بالفكرة بين اللغات، فيقول "عبد الحليم زغلول" إن: "تفاصيل الحياة اليومية للشخص تدل على كثير من خصائصه النفسية ويمكن تفسير سلوكه العام من خلالها، فلماذا يكتب يوسف عدس عن بيغوفيتش ويترجم له؟ إنها قرابة الفكر وليس أي فكر، إنه الفكر القائم على العقيدة الصحيحة كما قدمها القرآن الكريم والسنة النبوية"[13].

ويقول "عدس" نفسه عن بيغوفيتش وكتابه إن الذي يقرأ للأخير سيجد أنه أمام مفكر فريد يدعو للدهشة، خاصة وقد وُجد بهذا الفكر في قلب أوروبا، وهو ما حفّزه كثيرا لترجمة كتابه بتلقائية بحتة لا تهدف إلى شيء سوى نقل هذا النص الفريد، فيقول: "وجدت نفسي منهمكا في ترجمة الكتاب دون أن أفكر في أمر نشره حينذاك، فقد أرجأت التفكير في تفاصيل ذلك لحين الانتهاء من الترجمة"[14].




وعن الكتاب وترجمته يقول: "إن كتاب الإسلام بين الشرق والغرب ليس كتابا سهلا كما ذكرت، فهو يثير كثيرا من التحديات للمترجم، فالمعاني في بعض المواضع ليست ميسرة للفهم كما قد يبدو لأول وهلة، كما أن الكتاب حافل بالأفكار الجديدة والمصطلحات الجديدة غير المألوفة، ويحتاج منهج المؤلف في تحليل الأفكار إلى وعي وصبر لمتابعته"[15]، وهي المعاناة التي قال إنها تكون أحيانا مدخلا ضروريا لعمق الفهم.

وقد شكل "عدس" مع "بيغوفيتش" ثنائية من نوع فريد حول اختلاق النص وابتعاثه من جديد، فالكتاب الذي كُتِب بالبوسنية في ستينيات القرن الماضي، ونُقِل بعدها إلى الإنجليزية، خرج منه "عدس" بنص عربي قد لا يفطن القارئ المحايد إلى كونه مترجما عن لغة غير التي قرأه بها. الأمر الذي يتناسب بأريحية مع مستوى الأفكار التي اشتمل عليها كتاب "بيغوفيتش" حيث يقول المُترجم عن المفكر: "ولقد أدركت منذ البداية أن كتابا بهذا المستوى يحتاج إلى ترجمة تتناسب مع قدره، دون التضحية بأي عنصر من عناصره، فالأمر في الترجمة المتميزة أنها عملية إبداع شأنها في ذلك شأن التأليف سواء بسواء"[16].
القضية والمرجعية
كرحّال أدرك الركب، يصنف عبد الحليم زغلول "محمد عدس" على أنه أحد المقاومين المتأخرين ضد مدرسة البعث[17]، ممن يربطون ثقافة الأمة في سياق متصل لا ينفصل فيه الأصل الماضي عن الواقع الحاضر والمستقبل المنشود، فهو لم يكن يسرد واقع المعاناة الإسلامية في العصر الحديث من منطلق تأريخي، كما فعل -حسب زغلول- البعثيون كالعقاد وطه حسين، بقدر ما كان يربط ذاك بالعقيدة كقضية لا تنفصل عنها، وهو الأمر الذي يتبدّى في بعض كتبه مثل "البوسنة في قلب إعصار" و"كوسوفا، بين الحقائق التاريخية والأساطير الصربية" و"الحرب الشيشانية بين التأليف والتزييف".
وهي القضية نفسها التي تكفّل بالتصريح عنها في كتابه "سقوط الأكاذيب" بلا مواربة، حيث قال معبرا عن منهجه في التأريخ للإسلام وتناول قضاياه في مقابلة الآخر: "إن الجدل العلماني العقيم ضد النظام الإسلامي هو نوع من الجنون، يرتكبه العلمانيون المتطرفون الذين قطعوا جذور الاتصال بثقافتهم الإسلامية.. حتى أصبح الواحد منهم عاجزا عن فهم صفحة واحدة في أصول الفقه، عاجزا عن الاتصال باجتهادات أئمة الفقه وعلمائه القدامى والمحدثين، عاجزا عن قراءة آية واحدة من القرآن الكريم قراءة صحيحة، ثم يخرج علينا بعد ذلك متبجحا بفتاوى ونصائح فيما ينبغي وما لا ينبغي في أمور السياسة والدين والحياة، فهل يمكن أن يؤتمن أمثال هؤلاء، الجُهّال بثقافة الأمة، على مستقبل هذه الأمة ومصيرها؟"[18].

وقد أخرج الرجل قرابة العشرين كتابا ما بين المؤلَّف والمُترجم، وتجاوز بمقالاته المئات من الأطروحات المنشورة في عدد من الصحف الورقية كجريدة الشعب، والمختار الإسلامي، والهلال والمنار الجديد، وكذا الصحف الإلكترونية كموقع "المصريون"، والعرب نيوز، بالإضافة إلى موقعه الشخصي[19].

وفي رحلته نحو التسعين أُعلِنت نهاية المسير بعد ثلاث خطوات، ليرحل عن العصر أحد أبرز الكُتّاب والمُترجمين/المفكرين داخل المكتبة الإسلامية والعربية المعاصرة، عن عمر قد ناهز الثالثة والثمانين، مترحّلا -مستقرا- في آخر محطاته بأستراليا.
حيث يقول عنه حفيده: "كان جدي طول عمره طائرا مُهاجرا، لم أره في حياتي غير ثلاث مرات، فبين سفر إلى إنجلترا وأستراليا، ووفاة ابنه في أستراليا ثم وفاة زوجته في إنجلترا، كان مبتلى صابرا، عفيف النفس، مؤدب، منخفض الصوت، يُحسن الاستماع، ويجيب المضطر، كريما يساعد المحتاج"[20]



المصادر

الخميس، 1 فبراير 2018

كتاب الإسلام بين الشرق والغرب


  الإسلام بين الشرق والغرب 

الكاتب :by Alija Izetbegović, علي عزت بيجوفيتش
الترجمة: محمد يوسف عدس
 التقديم:عبد الوهاب المسيري

نبذة 
كتاب «الإسلام بين الشرق والغرب»، هو نتيجة لدراسة واسعة متعددة الجوانب لأبرز الأفكار العالمية في تاريخ البشرية المعاصر.
 إن ظاهرة نسيان الذات التي تميز بها التاريخ الحديث للعالم الإسلامي، تضع المفكر الشرقي والغربي على السواء في موقف مماثل من هذا الكتاب. 
فمن خلال الدراسة المقارنة للمقدمات الأساسية والنتائج المترتبة عليها في المجالات الاجتماعية والقانونية والسياسية والثقافية والنفسية، وغيرها من المجالات للأيديولوجيتين اللتين حددتا أقدار الجنس البشري على مدى القرون الأخيرة.
 من خلال هذه الدراسة يكشف لنا المؤلف عن أعراض المشهد المأساوي المتزايد للتنصير والإلحاد في هذا العالم.
 فالمسيحية كمثال لظاهرة دينية حضارية ـ أعني دينًا بمعناه الغربي معزولاً عن قانون الوحي ـ هي فكرة شاملة للإبداع والحضارة والفن والأخلاق، وبهذا حلقت المسيحية في روحانية التاريخ. أما الإلحاد الذي يستند إلى مدخل مادي ـ الاشتراكية منظوره العملي والتاريخي ـ هذا الإلحاد هو العامل المشترك للعناصر التطورية والحضارية والسياسية والطوباوية التي تُعنى بالطبيعة المادية للإنسان وتاريخه.

من مقدمة د. عبد الوهاب المسيري
الرئيس علي عزت بيگوفيتش (الرئيس السابق للبوسنة، وقائدها السياسي، وزعيمها الفكري والروحي) صاحب اجتهادات مهمة في تفسير ظاهرة الإنسان في كل تركيبيتها.. وهذه التركيبية، المرتبطة تمام الارتباط بثنائية الإنسان والطبيعة، هي نقطة انطلاقه والركيزة الأساسية في نظامه الفلسفي..
إنه ليس «مجتهدًا» وحسب، وإنما هو «مجاهد» أيضًا؛ فهو مفكر ورئيس دولة، يحلل الحضارة الغربية ويبين النموذج المعرفي المادي العدمي الكامن في علومها وفي نمذجها المهيمن، ثم يتصدى لها ويقاوم محاولتها إبادة شعبه.
ولكنه في ذات الوقت يستفيد من اجتهادات المفكرين الغربيين المدافعين عن الإنسان، ولعل إيمانه بالإنسان (الذي ينبع من إيمانه بالله وإدراكه لثنائية الطبيعة البشرية) هو الذي شد من أزره إلى أن كتب الله له ولشعبه النجاة، وهو الذي مكنه من أن يلعب هذا الدور المزدوج: دور المجاه والمجتهد، ودور الفارس والراهب.
وتتميز كتابات علي عزت بيگوفيتش بالوضوح والتبلور... وقد قام الأستاذ محمد يوسف عدس بترجمة أهم كتبه «الإسلام بين الشرق والغرب» إلى العربية بلغة فصيحة، وخطاب فلسفي مركب، فجاءت ترجمته عملاً فلسفيًا راقيًا يتسم بالدقة والجمال.

قراءة في كتاب (من موقع هيئة الاعجاز العلمي في القرآن والسنة )

قد جاء كتاب الإسلام بين الشرق والغرب لمؤلفه الرئيس البوسني (علي عزت بيجوفيتش) ليناقش أبرز الأفكار العالمية في تاريخ البشرية المعاصرة، وللإجابة على كثير من الأسئلة التي تهم الجيل الجديد.

والهدف من الكتاب هو:
 إنارة الطريق للبشرية التي تتجه إلى مُرَكَّب جديد ، وموقف وسطي جديد في عصر المعضلات الكبرى والخيارات، وقد أصبحت الأيديولوجيات المتضاربة بأشكالها المتطرفة لا يمكن فرضها على الجنس البشري، ومن هنا فإن الإسلام هو مستقبل الإنسان، لأنه يدعو إلى خلق إنسان متسق مع روحه وبدنه.

 وكما كان الإسلام في الماضي الوسيط الذي عبرت من خلاله الحضارات القديمة إلى الغرب، فإن عليه اليوم مرة أخرى أن يتحمل دوره كأمة وسط في عالم منقسم، وذلك هو معنى الطريق الثالث – طريق الإسلام – الذي يحتل موقعًا وسطًا بين الشرق والغرب.

وعن طبيعة هذا الكتاب يقول مؤلفه في مقدمته أن هذا الكتاب ليس في اللاهوت ولا مؤلفه من رجال اللاهـوت … إنه على الأرجح محاولة لترجمة الإسلام إلى اللغة التي يتحدث بها الجيل الجديد ويفهمها ، إنه كتاب يتناول عقائد الإسلام ومؤسساته وتعاليمه بقصد اكتشاف موقع الإسلام في إطار الفكـر العــالمي… 

 ومن خلال الكتاب، ناقش (بيجوفيتش) عددا من الأفكار العالمية التي تهم البشرية من خلال دراسة متعمقة وموسوعية موجزة.

فكتاب الإسلام بين الشرق والغرب هو في حقيقته كما قال البعض “موسوعة علمية ”     أو عدة كتب كبيرة في مجلد صغير…

ونظرا لكثرة الموضوعات التي ناقشها المؤلف فسوف نقتصر على إلقاء الضوء على بعض القضايا العلمية التي تتعلق بقضية أصل الإنسان بين المادية والإسلام ،وقضية التفسير العلمي لآيات القرآن الكريم .

ويشتمل الكتاب على قسمين رئيسين:

 القسم الأول:

يحمل عنوان المقدمات ويتناول نظرات حول الدين بصفة عامة من خلال مناقشة موقف كل من الدين والإلحاد من قضية أصل الإنسان والقضايا الأخرى المتعلقة بها, ومنها: الخلق والتطور، الثقافة والحضارة، ظاهرة الفن، الأخلاق، الثقافة والتاريخ، والدراما والطوبيا.

(الطوبيا هي  :الفلسفة والتصوُّف  ،كل فكرة أو نظرية تسعى إلى المثل الأعلى ولا تتصل بالواقع أو لا يمكن تحقيقها .) 


أما القسم الثاني من الكتاب:

 فهو مخصص للإسلام، فالإسلام كما يقول المؤلف “ليس مجرد دين أو طريقة حياة فقط، وإنما هو بصفة أساسية مبدأ تنظيم الكون” .

 فكما أن الإنسان هو وحدة الروح والجسد، فالإسلام وحدة بين الدين والنظام الاجتماعي، وكما أن الجسم في الصلاة يمكن أن يخضع لحركة الروح، فإن النظام الاجتماعي يمكن أن يخدم بدوره المثل العليا والأخلاق . هذه الوحدة الغريبة عن المسيحية وعن المذهب المادي معا، ميزة في الإسلام، بل هي من أخص خصائص الإسلام.

أصل الإنسان بين المادية والإسلام:

يبدأ الرئيس (علي عزت بيجوفيتش) في الفصل الأول من كتابه مناقشة قضية أصل الإنسان،  وماهية الحياة ؟ وهي القضية التي تعد حجر الزاوية لكل أفكار العالم، فأية مناقشة تدور حول كيف ينبغي أن يحيا الإنسان ؟ تأخذنا إلى الوراء إلى حيث مسألة أصل الإنسان، وفي ذلك تتناقض الإجابات التي يقدمها كل من الدين والعلم، كما هو الشأن في كثير من القضايا.

يقول الماديون: إن الإنسان هو حيوان كامل ،وأن الفرق بين الإنسان والحيوان إنما هو فرق في الدرجة وليس في النوع، فليس هناك جوهر إنساني متميز.

 بينما يقول (دارون):الإنسان مجرد حيوان نشأ عبر عملية تطور طويلة، ويقول (جوليان هكسلي) إن الإنسان مجرد حيوان متفرد..

إن علم الحفريات وعلم هيئة الإنسان وعلم النفس، كلها علوم تصف من الإنسان فقط الجانب الآلي الذي لا معنى له. الإنسان مثله كمثل اللوحة الفنية والمسجد والقصيدة، أكثر من مجرد كمية ونوعية المادة التي تكونه، الإنسان أكثر من جميع ما تقوله عنه العلوم الحديثة.

ويمضي الرئيس (علي عزت بيجوفيتش) إلى محاورة مع علماء البيولوجيا يستنطقهم في مقولة كيف تطور الإنسان ؟ ولماذا توقف عن التطور بعد أن أصبح إنسانا بزعمهم

ماهية الحياة:

ويكشف علي عزت بيجوفيتش كيف أن العلماء على جهل بحقيقة ماهية الحياة وبدخائل النفس البشرية إلى حد لا يمكن معه أبدًا الجزم بشئ على أية درجة من المصداقية… في سـنة 1950م، وضـع (أندريه جورج)  سؤالا واحدًا لعلماء البيولوجيا والأطباء وعلماء الطبيعة هو: ما هي الحياة ؟ وكانت جميع الإجابات التي تلقاها حذرة وغير محددة.

 ولنأخذ في ما يلي إجابة كل من (بيير لايان) و( جان روستاند) كنموذجين:

(يظل السر كاملا، فنقص معلوماتنا تجعل كل تفسير للحياة أقل وضوحا من معرفتنا الغريزية بها )… (حتى الآن لا نعرف على وجه التحديد ماهية الحياة نحن لا نستطيع حتى الآن أن نقدم تعريفا كاملاً دقيقا لظاهرة الحياة. )

ويصل (علي عزت) إلى حقيقة مهمة وهي أن آفــــــــــــة من تعرضوا لهذا السؤال هي الوقوف بعيدا عن نقطة الوسط. فمما لا مراء فيه أن في الإنسان جانبًا حيوانيا في احتياجاته المادية وفي رغائبه الجسدية، ولكنه من الخطأ تمامًا اعتبار الجزء كلاً، فالإنسان أكثر من الجانب الجسدي، ثم إن دعاة التصوف يزعمون أن الإنسان على حد المقولات الكنسية ما هو إلا ضمير معنوي روحي، وهذا أيضا يصدق بشكل جزئي ولكن الذي يصدق بشكل كلي هو أن الإنسان توليفة من هذه وتلك..

ويؤكد (بيجوفيتش) أن الإنسان ليس مفصلا على طراز (داروين) ولا الكون مفصلا على طراز (نيوتن)، و يقول:

 الإسلام هو الاسم الذي يطلق على الوحدة بين الروح والمادة، وهو الصيغة الأسمى للإنسان نفسه.
الإنسان في منظور الإسلام مخلوق كرمه الله، إنه الإنسان المكون من جسد وروح ، وهو المسيطر بمنهج إلهي على الطبيعة التي سخرها الله له، وهو في كل هذا يسجد لله وحده، فهو سيد في علاقته مع الله.

 ولا تقتصر الرؤية الإسلامية الوسطية في فكر (بيجوفيتش) على ما ذكر من قبل ولكنه يرى أن هناك منظومة فكرية تحرك القدرات العقلية للإنسان إلى ما هو أبعد من العلاقات الطبيعية البسيطة المنظورة لبحث ما وراء الطبيعية ، والغرض ليس فك هذه الرموز وإنما اكتساب التواضع والوعي بالجهل بمعنى أن تحول الجهل الذي لا ندركه… إلى الذي ندركه. 

وسطية الإسلام:

كما يؤكد (علي عزت بيجوفيتش) على أن وسطية الإسلام يمكن إدراكها من خلال حقيقة أن الإسلام كان دائما موضع الهجوم من الجانبين المتعارضين الدين والعلم، ومصطلح دين يشير به المؤلف إلى معنى محدد وهو المعنى الذي تنسبه أوربا إلى الدين وتفهمه على أنه تجربة فردية خاصة لا تذهب أبعد من العلاقة الشخصية بالله، والدين بهذا المفهوم الأوربي اتهم الإسلام بأنه أكثر لصوقا بالطبيعة والواقع مما يجب، وأنه متكيف مع الحياة الدنيا.


 بينما اتهم الإسلام من جانب العلم المادي أنه ينطوي على عناصر دينية وغيبية . ويفند المؤلف هذا الهجوم بقوله في الحقيقة يوجد إسلام واحد فحسب، ولكن شأنه كشأن الإنسان له روح وجسم، فجوانبه المتعارضة تتوقف على اختلاف وجهات النظر نحو الإسلام، فالماديون لا يرون في الإسلام إلا أنه دين وغيب أي اتجاه يميني ، بينما يراه المسيحيون فقط كحركة اجتماعية سياسية، أي اتجاه يساري.

 الإسلام وإقامة التوازن في حياة البشر:
ويوضح الرئيس (علي عزت بيجوفيتش) حقيقة مهمة من حقائق الإسلام بقوله من أجل مستقبل الإنسان ونشاطه العلمي، يعني الإسلام بالدعوة إلى خلق إنسان متسق مع روحه وبدنه، ومجتمع تحافظ قوانينه ومؤسساته الاجتماعية والاقتصادية على هذا الاتساق ولا تنتهكه، إن الإسلام هو البحث الدائم عبر التاريخ عن حالة التوازن الجواني والبراني أو الداخلي والخارجي هذا هو الإسلام اليوم، وهو واجبه التاريخي المقدر له في المستقبل، إن الإسلام لم يكن مجرد أمة إنما هو على الأرجح دعوة إلى أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر أي تؤدي رسالة أخلاقية.

الإسلام جوهر الحياة:
وفي القسم الثاني من الكتاب يتناول معجزة الإسلام كوحدة ثنائية القطب، ويتناول جوانب من إعجاز كتاب الإسلام في صيغته المكتوبة، وهو القرآن الكريم، ويصف القرآن بأنه حياة ويوضح ذلك قائلا:
 إن التعليق الوحيد الأصيل عن القرآن هو القول بأنه حياة وكما نعلم كانت هذه الحياة في نموذجها المتفرد هي حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، إن الإسلام في صيغته المكتوبة أعني القرآن قد يبدو بغير نظام في ظاهره، ولكنه في حياة محمد صلى الله عليه وسلم قد برهن على أنه وحدة طبيعية من الحب والقوة، المتسامي والواقعي، الروحي والبشري، هذا المركب المتفجر حيوية من الدين والسياسية يبث قوة هائلة في حياة الشعوب التي احتضنت الإسلام، في لحظة واحدة يتطابق الإسلام مع جوهر الحياة.

القرآن والحقائق العلمية:

وحول موقف القرآن من العلم يقول (علي عزت): لا يحتوي القرآن على حقائق علمية جاهزة، ولكنه يتضمن موقفا علميا جوهريا… اهتماماً بالعالم الخارجي، وهو أمر غير مألوف في الأديان، يشير القرآن إلى حقائق كثيرة في الطبيعة، ويدعو الإنسان للاستجابة إليها، فالأمر بالعلم ( بالقراءة ) لا يبدو هنا متعارضا مع فكرة الألوهية، بل إنه قد بدأ باسم الله  (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ الّذِي خَلَقَ) (سورة العلق :آية 1 )

الانسان بمقتضى هذا الأمر لا يلاحظ ويبحث ويفهم ( طبيعة خلقت نفسها ) ولكن الكون الذي أبدعه الله. وليست الملاحظة بلا هدف أو لا مبالية أو خالية من الشوق، وإنما هي مزيج من العلم وحب الاستطلاع والإعجاب الديني. وكثير من أوصاف الطبيعة في القرآن على درجة عالية من الشاعرية ويستشهد الرئيس (علي عزت) بالعديد من الآيات القرآنية التي تحتوي على ( موقف علمي جوهري ) كما عبر هو ، ومنها الآيات التالية:
(إِنّ فِي خَلْقِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللّيْلِ وَالنّهَارِ وَالْفُلْكِ الّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النّاسَ وَمَآ أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السّمَآءِ مِن مّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثّ فِيهَا مِن كُلّ دَآبّةٍ وَتَصْرِيفِ الرّيَاحِ وَالسّحَابِ الْمُسَخّرِ بَيْنَ السّمَآءِ وَالأرْضِ لاَيَاتٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)(البقرة 164: )

(إِنّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبّ وَالنّوَىَ يُخْرِجُ الْحَيّ مِنَ الْمَيّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيّتِ مِنَ الْحَيّ ذَلِكُمُ اللّهُ فَأَنّىَ تُؤْفَكُونَ. فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ الْلّيْلَ سَكَناً وَالشّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. وَهُوَ الّذِي جَعَلَ لَكُمُ النّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصّلْنَا الاَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، وَهُوَ الّذِيَ أَنشَأَكُم مّن نّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصّلْنَا الاَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ، وَهُوَ الّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مّتَرَاكِباً وَمِنَ النّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنّاتٍ مّنْ أَعْنَابٍ وَالزّيْتُونَ وَالرّمّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوَاْ إِلِىَ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنّ فِي ذَلِكُمْ لاَيَاتٍ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ )
(الأنعام :95-99 )
(وَسَخّرَ لَكُمُ اللّيْلَ وَالْنّهَارَ وَالشّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنّجُومُ مُسَخّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ. وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً لّقَوْمٍ يَذّكّرُونَ. وَهُوَ الّذِي سَخّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ )(سورة النحل 12:-14)

(أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ. وَإِلَى السّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ. وَإِلَىَ الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ. وَإِلَى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ )  ) الغاشية: 17-20 )


يقول (علي عزت) معلقا على تلك الآيات:

 في هذه الآيات التي اتجهت بكليتها إلى الطبيعة نجد فيها تقبلا كاملا للعالم ولا أثر فيها لأي نوع من الصراع مع الطبيعة، فالإسلام يبرز ما في المادة من جمال ونبل كما هو الحال بالنسبة للجسم في موقف الصلاة، والممتلكات في الزكاة، إن العالم المادي ليس مملكة للشيطان، وليس الجسم مستودعًا للخطيئة، حتى عالم الآخرة، وهو غاية آمال الإنسان وأعظمها، صوره القرآن مغموسا بألوان هذا العالم، ويرى المسيحيون في هذا حسية تتنافى مع عقيدتهم ، ولكن الإسلام لا يرى العالم المادي مستغرباً في إطاره الروحي.

ويضيف الرئيس (علي عزت) إن آيات القرآن توقظ الفضول الفكري وتعطي قوة دافعة للعقل المكتشف. قال الله تعالى:

(وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنّاتٌ مّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىَ بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضّلُ بَعْضَهَا عَلَىَ بَعْضٍ فِي الاُكُلِ) (الرعد :4 )


هذه الآية الكريمة تستفز الفكر، فهي تطرح مشكلة تكمن في أعماق علوم الكيمياء والنتيجة أن المسلمين هم الذين وضعوا النهاية للجدل الذي دار حول قضايا جوهرية استحوذت على المسيحية عندما اتجهوا إلى الكيمياء، وكان هذا تحولا من الفلسفة الصوفية إلى العلم العقلاني. وفي جميع الآيات التي سبق اقتباسها من القرآن عنصر مشترك وهو الدعوة إلى الملاحظة، وهي فاعلية بواسطتها بدأت قدرة الإنسان على العالم والطبيعة.

أسباب القوة الغربية مستمدة من تراث المسلمين:

ولقد أثبت البحث في أساس القوة الغربية، أن هذه القوة لا تكمن في أسلحتها واقتصادها، فهذا هو المظهر الخارجي للأشياء فقط، وإنما يكمن في الملاحظة والمنهج التجريبي، في التفكير الذي ورثته الحضارة الغربية عن( بيكون) الذي استمد هو بدوره المنهج التجريبي من المسلمين.

تأثير القرآن في تطور العلوم:
ويرى (علي عزت بيجوفيتش) أن المواقف العلمية الجوهرية التي تضمنتها آيات القرآن قد أثرت في تقدم العلوم لدى المسلمين في عصور ازدهار الحضارة الإسلامية ويعبر عن هذا قائلا:
 هذا الاهتمام الفذ بعلم الفلك وبالعلوم الطبيعية خلال القرون الأولى للإسلام؛ كان نتيجة مباشرة لتأثير القرآن.
 لقد تحول الدين نحو الطبيعة فبدأت مرحلة عظيمة في تطور العلوم، وكان هذا من أعظم الإنجازات التي تحققت في التاريخ ،ويضرب مثالا على ذلك فيقول:

لقد كان هذا أكثر وضوحا، فيما يتعلق بتطوير علم الفلك، حيث نجد في كتاب (جنسر) تاريخ العلوم الطبيعية حقائق تؤكد فاعلية العالم الإسلامي وإنجازاته في مجال هذا العلم..


ويقول (بيجوفيتش) موضحاً:
وجد المسلمون في وادي الفرات علم التنجيم مزدهرا وقد جمع معرفة هامة عن الظواهر الفلكية عبر ثلاثة آلاف سنة، ولكن لأن الاعتقاد بارتباط مصير الإنسان بالنجوم – وهو ميدان اهتمام علم التنجيم – كان غريبا عن الإسلام، فإن التوحيد الإسلامي والعقلانية الإسلامية استطاعت أن تحول علم التنجيم إلى علم فلك، وقد أنشئت لهذا الغرض مدرسة بغداد لعلوم الفلك وسميت باسم مرصدها الشهير، ويتحدث (سيديلوت )عن ذلك فيقول: كان من أخص خصائص مدرسة بغداد لعلم الفلك منذ نشأتها روحها العلمية بأن تنتقل من المعلوم إلى المجهول عن طريق الملاحظة.

آراء القراء في كتاب الإسلام بين الشرق والغرب
 ( من موقع ويكيبديا)

التسليم لله ….هكذا ختم الرائع الراحل على عزت بيجوفتش رائعتة التى تغير منحنى الفهم تماما بعد قراءة كتابه “الإسلام بين الشرق والغرب”

بعد أن أبحر بنا على عزت بيجوفتش فى أفكار الشرق والغرب وكيف أن الإسلام وسط بينهم فهو فى القسم الأول يثبت يقينا كيف أن الإنسان لا يستطيع أن يحيىا بغير دين فى مقابل المادية اللادينية ..
”إن ظاهرة الحياة الجوانية أو التطلع إلى السماء – وهى ظاهرة ملازمة للإنسان غريبة على الحيوان – هذة الظاهرة تظل مستعصية على أى تفسير منطقى ويبدو أنها نزلت من السماء (نزولا حرفيا) ولانها ليست نتاجا للتطور فإنها تقف متعالية عنه مفارقة له. “

يقول :

“أليس الإيمان بالإنسان بدلا من الإيمان بالله ,هو شكل من أشكال الإيمان , ولكنة أقل درجة ؟ إن لجوء الماديين إلى الإنسان بدلا من الرجوع إلى الله , يبدو غريبا فى ضوء ما أكده ماركس نفسة عندما قال : إن الأمل فى الإنسانية المجردة للإنسان وهم لا يقل عن الوهم الدينى الخالص , وهذا كلام يتسق مع مفهوم المعادلة التى تقول ( إذا لم يوجد إله فلا يوجد إنسان أيضا) .


وفى القسم الثاني من الكتاب يبين كيف أن الإسلام يقع وسطا بين الدين كفلسفة تخاطب الروح دائما ويريد للإنسان أن يكون ملائكيا وبين العلم الذى لا يعترف بالإنسان إلا بكونه رقما أو شىء مادي أو طاقة يمكن الإستفادة منها .

“إن الدين الذى يريد أن يستبدل التفكير الحر بأسرار صوفية , وأن يستبدل الحقيقة العلمية بعقائد جامدة , والفعالية الإجتماعية بطقوس , لابد أن يصطدم بالعلم. والدين الصحيح على عكس هذا فهو متسق مع العلم . وكثير من العلماء الكبار يسود عندهم الإعتراف بنوع من الوحدانية . وفوق هذا يستطيع العلم أن يساعد الدين فى محاربة المعتقدات الخرافية , فذا إنفصلا يرتكس الدين فى التخلف ويتجه العلم نحو الإلحاد ” .

وفى النهاية فصل صغير رائع تختم به الكتاب وفى الحلق غصة وحزن فى القلب على إنتهاء هذة الرحلة الممتعه التى بلاشك تغير نظرتك للحياة ونظرتك للإسلام وتعلمك أن تعتز بإسلامك وتحمد الله على كونك مسلما وسطا بين متناقضات.

“كلما نمت معرفتنا عن العالم تزايد إدراكنا بأننا لا يمكن أن نكون أسياد مصائرنا”

“الاعتراف بالقدر استجابة مثيرة للقضية الإنسانية الكبيرة التي تنطوي في جوهرها على المعاناة التي لا مرد لها، إنه اعتراف بالحياة على ما هي عليه وقرار واع بالتحمل والصمود والتجمل بالصبر، وفي هذه النقطة يختلف الإسلام اختلافا حادا عن المثالية المصطنعة وعن الفلسفة الأوربية التفاؤلية وحكايتها الساذجة عن الأفضل من كل ما هو ممكن في العالمين. ذلك لأن التسليم لله هو ضوء يانع يخترق التشاؤم ويتجاوزه.”  …إنتهت الرحلة ……


خلال قراءتي كنت أكاد أسمع نبرة الكاتب الهادئة في طرحه الدالة على عمقه الروحاني والعقلي والعلمي ، كنت اتعجب منه واتعجب اكثر من قدرته على التوازن!

الكتاب فلسفي شديد العمق، يحتاج الى كثير من التأني والإعادة والوقوف على افكاره ونقاشاته ،كمية كبيرة من المراجع والاقتباسات تثري الكتاب خلال القراءة تستشعرها ..يبحث في الازدواجية بشكل فلسفي رائق، فالازدواجية في اﻻسلام هي العنوان الخفي الموجود في كل فصل، ويقصد بها الجمع بين الطرفين المتناقضين او المتباعدين والتوازن فيما بينهما ..

في القسم اﻷول “نظرات حول الدين” يخوض بعمق بين الثنائيات فبين الجواني والبراني، الروح والطبيعة، الانسان المخلوق والانسان المتطور، الثقافة والحضارة ثم في ثنائيات الفن واﻷخلاق و بين الثقافة والتاريخ وبين الدراما والطوبيا .

ثم في القسم الثاني “اﻹسلام: الوحدة ثنائية القطب” يطرح بعض التطبيقات للثنائية في الاسلام وكيف وازنها وجمعها بما يتناسب وثنائية الانسان والطبيعة .

كم امتعني القسم الأول والتجول بين الثنائيات وخاصة فصل اﻷخلاق، فقد ابدع فيها الكاتب ما جادت به نفسه وفكره من جمال ،رأيت الكاتب يستطيل حينا في بعض الواضح من الأفكار ويضرب الكثير من اﻷمثلة، بينما يختصر في بعض معقدها التي تحتاج الى مزيد من التوضيح.

الترجمة متقنة الى حد كبير تكاد منها تظن ان العربية هي اللغة الاصلية للكتاب ،لا أنسى التنويه الى ان القارئ بحاجة الى احاطة عامة بالمصطلحات اﻷساسية للفلسفة : كالميتافيزيقيا، الطوبائية، الشيوعية، الرأسمالية، التجريبة وغيرهم.

كثير من الأسئلة تجد جوانبها بين طيات هذا الكتاب، لا شك ان الكاتب استطاع ان يحلل النظريات المتصارعة في هذا العالم ويبرز تناقضاتها مع الطبيعة البشرية، وبهذا استطاع ان يبين وبوضوح مدى اختلاف المنهج الرباني المتمثل بالإسلام كديانة ونظام حكم عن المناهج الوضعية والديانات التي تعرضت التزوير. الكتاب أكثر من رائع ويحتاج الى تركيز عالي لفهم ما جاء به.

*الإسلام بين الشرق والغرب، عنوان رائع جداً ومناسب للمنهج الذي اتبعه علي عزت بيجوفيتش في الوصول إلى الاستنتاج النهائي، وهو أن الإسلام ذي الوحدة ثنائية القطب هو الأنسب والأكثر مثالية لحياة الإنسان. المؤلف يعتبر أن وجود الإنسان بكل ما يتضمنه يمكن اختزاله في ثنائية مادية وروحية.

من هذا المنطلق _ الثنائية التي تتحكم في وجود الإنسان_ كان لزاماً أن تصبح اليهودية هي الدين المادي للإنسان والتي تبشر بمملكة أرضية باعتبارها أول رسالة سماوية، ثم لحقها المذهب الروحي الذي يختلف كليّةً عن اليهودية، وهي المسيحية، وذلك لترجيح الكفة مرةً أخرى ناحية الجانب الروحي والتبشير بالمملكة السماوية.


*المادية أنتجت مذاهب عديدة، أهمها الماركسيّة، والتي كان لها نصيب الأسد في موضوع الكتاب. والمؤلف وإن انتقد الماركسية بشدة، ولكنه نقد موضوعي جداً ومسترسل ومبني على حقائق. الماركسية باعتبارها مذهب مادي، كفرت بالإنسان كفرد وليس كمُجتمع، وكفرت بالأخلاق والثقافة والفن ، باعتبار هذه الأشياء تنتمي للقطب الآخر وهو الوجود الروحي للإنسان. والغريب أنها لم تستطع الصمود عملياً بدون اللجوء إلى بعض الأشياء التي من شأنها أن تهدم النظرية المادية.

 *المسيحية باعتبارها الوجه المقابل للمادية، كان فيها من المغالاه في المثالية الروحية ما جعلها تنازلت قليلاً ناحية الحياة المدنية والواقعية، كإقرار الزواج بعدما كان مُحرماً والتحوّل المؤسسي للكنيسة وغيره. من هنا كان الإسلام الذي جاء بمادية يهودية وروحية مسيحية مناسباً لوجود الإنسان الذي يحتاجهما معاً نظراً لطبيعته الثنائية.

 (اقتباسات من الكتاب )

"ان المجتمع العاجز عن التدين ، هو أيضا عاجز عن الثورة."

"ليست الصلاة مجرّد تعبير عن موقف الإسلام من العالم ، إنما هي أيضٍا انعكاس للطريقة التي يريد الإسلام بها تنظيم هذا العالم ".

"من مهام الدين والفن والفلسفة توجيه نظر الإنسان إلى التساؤلات والألغاز والأسرار. وقد يؤدي هذا إلى معرفة ما ، ولكن في أغلب الأحيان يؤدي إلى وعي بجهلنا ، أو إلى تحويل جهلنا الذي لا نشعر به إلى جهل نعرف أنه جهل."


"لماذا يصبح الناس نفسيا اقل شعورا بالاكتفاء عندما تتوافر لهم متع الحياة المادية اكثر من ذي قبل؟لماذا تزداد حالات الانتحار والامراض العقليه مع ارتفاع مستويات المعيشه والتعليم؟ولماذا لا يعني التقدم مزيدا من الانسانيه أيضا؟."

"إذا وجدنا خصوماً للثورة في نطاق الدين ، فهم خصوم ينتمون إلى الدين الرسمي فقط ، أي إلى الكنيسة ونظامها الإداري الهرمي ، أو الدين المؤسسي الزائف. وعلى العكس ، فإن الثورة الزائفة أي الثورة التي تحولت إلى مؤسسة وإلى بيروقراطية ، تجد دائماً حليفها في الدين الذي تحول هو أيضاً إلى مؤسسة وإلى بيروقراطية. فما أن تبدأ الثورة تكذب وتخدع نفسها حتى تمضي مع الدين المزيف يداً بيد."



للقراءة مباشرة

لـــ الاستماع
كتاب الإسلام بين الشرق والغرب، قراءة وعرض د أماني صالح

محاضرة 

 الفيلسوف عبد الوهاب المسيري يتحدث عن علي عزت بيجوفيتش - نادرة و مهمة