‏إظهار الرسائل ذات التسميات قراءة في كتاب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قراءة في كتاب. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 4 أغسطس 2026

مذكرات طبيب نفسي..

قراءة في كتاب مذكرات طبيب نفسي.. 


الكاتب: إرفين د. يالوم

أستاذ الطبّ النفسي في جامعة ستانفورد بالولايات المتحدة الذي كرّس ستين عاماً من حياته في تدريس الطب النفسي، والعلاج النفسي، وعالج عدداً لا يحصى من المرضى الذين فجعوا بفقدان أشخاص عزيزين عليهم، لكن الخوف بدأ يتملكه من أن يعيش حياة “بالغ مستقل” لأول مرة في حياته، بعد فقدان زوجته.

 تم ترجمة كتابه "مذكرات طبيب نفسي" للعربية بقلم عمر العوضي وصدر عن دار عصير الكتب للترجمة والنشر والتوزيع. 

نبذة عن الكتاب

يُقدّم الكاتب والمعالج النفسي الأكثر مبيعاً، إيرفين د. يالوم، مذكراته "الصريحة والمليئة بالرؤى الثاقبة -أبراهام فيرجيز-".

بعد أن أقام إرڤن د. يالوم مساره المهني على استكشاف حياة الآخرين، يتوجه في هذه المذكرات القوية بكتابته ونظرته العلاجية إلى نفسه. 

يستفتح قصته بحكاية كابوس راوده: يقود إرڤن في الثانية عشرة من عمره دراجته أمام منزل فتاة يغطي حَب الشباب وجهها. وكعادته كل صباح، صاح بها معيرًا على أمل أن تنشأ بينهما صداقة: "مرحبًا أيتها المحصوبة!" لكن في الحلم يظهر والد هذه الفتاة ويجعل يالوم يفهم أن تحياته اليومية تؤذيها. في نظر يالوم، كان هذا إيذانًا بمولد التعاطف، فلن ينسى الدرس بعدها.


ومع مجريات الكتاب، نرى مولد المفكر المتبصر الذي أضاء الطريق للكثيرين. هذه ليست قصة حياة رجل بسيط، فتأمُّلات يالوم لحياته وتطوره دعوة لنا للتأمل في أصول صفاتنا النفسية ومعاني حيواتنا


قراءة معاذ مدهش
مذكرات طبيب نفسي.. 
كيف واجه إرفين يالوم الشيخوخة والذنب ومعنى الحياة؟


  • قراءة  في مذكرات طبيب نفسي 
  • ماذا يبقى من الإنسان حين ينظر خلفه ويرى الطريق الذي قطعه؟

من الخارج قد تبدو "مذكرات طبيب نفسي" للكاتب إرفين يالوم سيرة ذاتية، بوصفها سجلا زمنيا لحياته، ولا سيما أن يالوم وسيرته حافلان، ككاتب وطبيب في آن، بما يمنحانه هذه العدة. غير أن ما نجده في الكتاب لا يعدو كونه امتدادا لأسلوب يالوم، المتجسد في محاولة فهم الإنسان الذي أصبح عليه.

لذلك لا يبدو الكتاب مهتما بتعداد الإنجازات بقدر اهتمامه بتتبع التحولات الداخلية التي صنعت طبيبا نفسيا ظل، رغم خبرته الطويلة، يعترف بأن أكثر ما تعلمه جاء من مرضاه لا من كتبه. هذه الصراحة المكاشفة تمنح السيرة صدقيتها، وفي الوقت ذاته تكشف حدودها؛ إذ يجنح يالوم أحيانا إلى تفسير حياته بمنطق الطبيب، فيغدو التحليل النفسي حاضرا حتى في أكثر الذكريات حميمية.

فالإنسان الذي أمضى حياته محاولا الوصول إلى طبقات خفية في نفوس مرضاه، كان عليه هذه المرة أن يفتح الأبواب المغلقة في داخله، وهذا ما ذهب إليه في كثير من كتبه، غير أن مذكراته منحته مساحة أوسع للتوغل. نجد هذا في أول قصة من الكتاب، "مولد التعاطف"، بعودة الطبيب إلى طفولته بحثا عن الإنسان الذي كان.

في الثالثة صباحا، وفي الخامسة والثمانين من عمره، يستيقظ إرفين يالوم على بكاء لم يعرف مصدره في البداية. لم يكن فقدا قريبا، ولا خبرا سيئا، ولا خوفا من مرض ما، بل كان حلما أعاده سنوات طويلة إلى الوراء، إلى طفل يقود دراجته في أحد شوارع طفولته، ويطلق كلمة ساخرة على فتاة صغيرة تدعى "أليس"، مصابة بمرض جلدي.

من هذه القصة بدأت مذكرات إرفين يالوم، بمعزل عن مكانته وشهاداته ومناصبه. جاءت من لحظة ضعف إنسانية، وهذه بداية مواربة لطبيعة الكتاب

في ذلك الحلم لا نرى يالوم الطبيب النفسي الشهير، صاحب الكتب التي قرأها الملايين، ولا الأستاذ الجامعي الذي أمضى نصف قرن وهو يستمع إلى اعترافات الآخرين، بل نرى طفلا في العاشرة أو الحادية عشرة من عمره يقف أمام سؤال لم يستطع الإجابة عنه حينها: ماذا يحدث للإنسان الذي نؤذيه بكلماتنا؟

إعلان

الغريب أن السؤال لم يأت من مريض في عيادته، أو من كتاب في علم النفس، بل جاءه من داخل ذاكرته نفسها. ظهر والد أليس في الحلم، وأوقف دراجته، ثم أجبره على مواجهة شيء ما لم يكن قادرا على رؤيته آنذاك، وهو أن السخرية التي كان يظنها محاولة لجذب الانتباه قد تكون جرحا حقيقيا في قلب شخص آخر.

بعد سبعة عقود تقريبا، يكتشف يالوم أثر المشاعر، وإن كبتت، وكيف تظهر بعد أن يطويها النسيان. فالذنب الذي بدا صغيرا ومنسيا في طفولته بقي في مكان ما داخله، فجاء الحلم ليعيده إلى السطح، في لحظة مواجهة بين طفل لم يفهم أثر أفعاله، ورجل عجوز أمضى حياته كلها في محاولة فهم الإنسان.

من هذه القصة بدأت مذكرات إرفين يالوم، بمعزل عن مكانته وشهاداته ومناصبه. جاءت من لحظة ضعف إنسانية، وهذه بداية مواربة لطبيعة الكتاب، لا باعتباره تقديما لصورة الطبيب الناجح، بقدر ما هي محاولة لفهم الإنسان المختبئ خلف هذه الصورة.

تضم المذكرات أربعين فصلا، تتقاطع فيها محطات حياة يالوم الفكرية والإنسانية، من طفولته ونشأته، وصولا إلى مارلين التي ستصبح شريكة حياته، مرورا بسنوات الدراسة والتكوين المهني وتجارب العلاج النفسي الفردي والجماعي. كما تستعيد الفصول رحلاته وإقاماته في لندن وفيينا والهند واليابان، وتأملاته في الفلسفة الوجودية والموت والحرية، وصولا إلى الظروف التي صاحبته في كتابة أشهر أعماله: "عندما بكى نيتشه"، و"أمي ومعنى الحياة"، و"هبة العلاج النفسي"، و"عامان مع شوبنهاور"، و"التحديق في الشمس".

تكمن قوة هذا الفصل في أنه لا يروي تحولا في الأب، بل تحولا في نظرة الابن إليه. فالوقائع لم تتغير، وإنما تغيرت المسافة التي ينظر منها إليها

  • لماذا يهم هذا الكتاب اليوم؟

لطالما نظر إلى الطب النفسي، أو كما يسوق له، بوصفه حلا سحريا. غير أن يالوم، في مذكراته، يقول ضمنيا، على العكس من ذلك، إن العلاج مساحة للمحاولة، لا ضمان بنسبة مئوية. ويعزز أن العلاج النفسي ليس بطولة أخلاقية، ولا علما دقيقا كما نحب أن نصدق، بل هو علاقة إنسانية هشة، مليئة بالأخطاء والشك والندم أحيانا.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار شجاعة الكتاب. فقليل من الأطباء يعترفون بأنهم أخطؤوا في التشخيص، أو تأثروا عاطفيا، أو أساؤوا الفهم، أو فقدوا الأمل مؤقتا. وهذا الصدق، الذي يفتقر إليه المجال اليوم، يجعل الكتاب إنسانيا أكثر من كونه تعليميا، أو شهادة على هشاشة المهنة نفسها.

في أحد فصول الكتاب يعود يالوم إلى والده، لا بدافع الحنين، بقدر ما هو بدافع المراجعة. فالشيخوخة، كما يوحي منذ البداية باقتباسه من ديكنز، لا تدفع الإنسان إلى استعادة الماضي فحسب، وإنما إلى إعادة النظر فيه. وكلما اقترب من نهاية حياته، وجد نفسه يعود إلى البدايات، لا ليؤكد ما كان يعتقده، بل ليشكك فيه.

لا يستند يالوم هذه المرة إلى ذاكرته وحدها؛ لأنها لم تعد كافية. فرسائل زملاء الطفولة ومكالماتهم تصبح شهودا على حياة عاشها ونسي كثيرا من تفاصيلها. ومن خلال شهاداتهم يكتشف صورة أخرى لنفسه؛ فالصبي الذي ظن أنه كان خجولا وغير مرئي، كان في نظر الآخرين مختلفا تماما. لكن الاكتشاف الأعمق لا يتعلق بنفسه، بل بوالده.

إعلان

طوال سنوات طويلة حمل يالوم في داخله صورة الأب الصامت، المتردد، الذي لم يدافع عنه كما كان يتمنى. غير أن استدعاء الماضي يضع هذه الصورة تحت اختبار جديد؛ فالرجل الذي بدا له ضعيفا في طفولته يظهر الآن مهاجرا اقتلعته الحرب من بلده، وفقد أفرادا من عائلته في المحرقة، ثم أمضى حياته يعمل ساعات طويلة في متجر صغير ليمنح أبناءه فرصة لحياة أكثر استقرارا. لا يحاول يالوم تبرئة والده أو تجميله، لكنه يكتشف أن أحكام الابن لم تكن تتسع لحياة الأب كلها.

تكمن قوة هذا الفصل في أنه لا يروي تحولا في الأب، بل تحولا في نظرة الابن إليه. فالوقائع لم تتغير، وإنما تغيرت المسافة التي ينظر منها إليها. وما كان يبدو في الماضي تقصيرا أصبح في الشيخوخة قابلا للفهم، وربما للمغفرة أيضا. ولهذا تأتي الجملة التي يخاطب بها والديه من أكثر لحظات الكتاب صدقا: "أعلم ما مررتما به.. أرجوكما سامحاني لأنني شعرت بالعار منكما".

يالوم هنا لا يستدر التعاطف، بقدر ما يصرح باعتراف متأخر بأن النضج يجعلنا نعرف آباءنا أكثر، ويجعلنا ندرك كم كنا نجهلهم.

لا ينتهي الفصل عند الخسارة. ففي واحدة من أجمل لحظات الكتاب، يستعيد يالوم فكرته عن "التموج"، تلك الدوائر التي يتركها الإنسان في حياة الآخرين دون أن يدركها

يصل يالوم في الفصل الأخير إلى أكثر لحظات الكتاب هدوءا وصدقا. فمنذ الصفحة الأولى كان يكتب وهو يقترب من الشيخوخة، أما هنا فهو يكتب من داخلها. لذلك لا يتعامل مع التقدم في العمر بوصفه فكرة فلسفية أو موضوعا علاجيا، وإنما بوصفه تجربة يومية تبدأ بنسيان المفاتيح، وتتسع إلى الخوف من أن يخونه عقله أمام مرضاه، وتنتهي بالسؤال الذي يطارده: متى يحين وقت التوقف؟

يحمل عنوان الفصل، "عجوز مبتدئ"، مفارقة لافتة؛ فالرجل الذي أمضى أكثر من نصف قرن يعالج الناس، ويكتب، ويدرس، يكتشف أنه ما زال مبتدئا في شيء واحد: الشيخوخة. لا توجد خبرة سابقة تؤهل الإنسان لها، ولا تنفع فيها المعرفة النظرية. ولهذا يعترف يالوم، بقدر كبير من التواضع، بأن كل ما قاله لمرضاه عن التقدم في العمر لم يمنعه من الشعور بالألم حين أصبح يعيش التجربة بنفسه.

أكثر ما يميز هذا الفصل أن يالوم يرفض بطولة الشيخوخة؛ فهو لا يقدم صورة الحكيم الذي تقبل الزمن بابتسامة، بل يعترف بخوفه من ضعف الذاكرة، ومن أن يكرر قصة أمام الجمهور كما فعل معلمه رولو ماي، أو أن يصبح يوما غير قادر على متابعة مرضاه. وحتى حين يتحدث عن التقاعد، لا يبدو النقاش متعلقا بالعمل وحده، بل بالهوية نفسها. فبالنسبة إليه لم يكن العلاج النفسي مجرد مهنة، وإنما الطريقة التي عاش بها حياته. لذلك يبدو سؤال التقاعد سؤالا عن معنى الوجود بعد أن تتوقف المهنة التي شكلت الإنسان.

ومع ذلك، لا ينتهي الفصل عند الخسارة. ففي واحدة من أجمل لحظات الكتاب، يستعيد يالوم فكرته عن "التموج"، تلك الدوائر التي يتركها الإنسان في حياة الآخرين دون أن يدركها. إذ تصبح مقاومة الموت مغايرة، لا في إنكار نهايته، وإنما في الإيمان بأن أثره سيستمر في مرضاه وطلابه وكتبه وأبنائه. إنها رؤية صريحة لا تعد بالخلود، بقدر ما تسعى إلى منح الحياة معنى يتجاوز صاحبها.

وينهي يالوم مذكراته من دون انتصار كبير أو خاتمة درامية. كل ما يفعله أنه ينظر إلى حياته، بما فيها من نجاح وإخفاق وخسارة، ثم يستعير عبارة نيتشه على لسان زرادشت: "أهذه هي الحياة؟ حسنا.. أعطوني واحدة أخرى". وهي خاتمة تلخص روح الكتاب؛ فيالوم، الذي أمضى عمره يواجه الموت، لم يتغلب عليه، ورغم ذلك تعلم أن ينظر إلى الحياة، حتى في نهايتها، بامتنان أكثر من الخوف.


الخميس، 30 يوليو 2026

قراءة في كتاب "محكمة غزة".. كتاب جديد لجيرمي كوربين يضع بريطانيا في قفص الاتهام

   قراءة في كتاب"محكمة غزة".. كتاب جديد لجيرمي كوربين يضع بريطانيا في قفص الاتهام

 لندن ـ عربي21 

ماذا يعني أن يشاهد العالم مأساة بهذا الحجم، ثم يواصل التعامل معها من خلال لغة المصالح والتحالفات؟

في كتابه الجديد "محكمة غزة: تواطؤ بريطانيا في الإبادة الجماعية"، يضع السياسي البريطاني جيريمي كوربين، إلى جانب الأكاديميَّين نيف غوردون وشهد حمّوري، قضية الدور البريطاني في الحرب على غزة أمام محكمة من نوع مختلف: ليست محكمة دولة ذات اختصاص قضائي، وإنما منصة تحقيق عامة تسعى إلى جمع الشهادات والأدلة وتوجيه سؤال سياسي وقانوني إلى الحكومة البريطانية: إلى أي مدى أسهمت لندن، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تمكين الجرائم التي ارتُكبت في غزة؟



الكتاب، الصادر عن دار "بليتو بريس" في تموز/يوليو 2026، يقع في نحو 190 صفحة، ويقدّم نفسه بوصفه حصيلة أو امتدادًا لتحقيق علني حمل الاسم نفسه، شارك فيه شهود فلسطينيون، وصحفيون، وعاملون في المجال الإنساني، وخبراء في القانون الدولي، وناشطون في مجال حقوق الإنسان، إلى جانب أصوات من داخل مؤسسات الدولة البريطانية. وتختتم الكتابَ كلمةٌ للكاتبة الأيرلندية سالي روني.

لكن أهمية الكتاب لا تكمن فقط في أسماء المشاركين فيه، ولا في الجدل الذي قد يثيره عنوانه، بل في محاولته نقل النقاش حول غزة من سؤال «ماذا فعلت إسرائيل؟» إلى سؤال آخر لا يقل حساسية: "ماذا فعلت الدول التي قدمت الدعم السياسي والعسكري والدبلوماسي، وما حدود مسؤوليتها القانونية والأخلاقية؟".. وهنا تحديدًا يضع الكتاب بريطانيا تحت المجهر.

من غزة إلى بريطانيا.. تغيير زاوية النظر

منذ اندلاع الحرب على غزة، تركز جانب كبير من النقاش السياسي والإعلامي في الغرب على مسؤولية إسرائيل المباشرة عن العمليات العسكرية، وعلى طبيعة الهجوم الذي شنته حركة حماس في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وعلى الكارثة الإنسانية التي تلت ذلك.

غير أن "محكمة غزة" يحاول إعادة رسم خريطة المسؤولية. فبدل الاكتفاء بالنظر إلى الفاعل المباشر، ينطلق من سؤال أوسع: هل يمكن فهم الحرب وما نتج عنها من قتل ودمار وتجويع ونزوح من دون فحص شبكة الدعم والتحالفات التي أحاطت بها؟

منذ اندلاع الحرب على غزة، تركز جانب كبير من النقاش السياسي والإعلامي في الغرب على مسؤولية إسرائيل المباشرة عن العمليات العسكرية، وعلى طبيعة الهجوم الذي شنته حركة حماس في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وعلى الكارثة الإنسانية التي تلت ذلك.

في هذه القراءة، لا تظهر بريطانيا باعتبارها طرفًا ثانويًا أو مراقبًا بعيدًا، بل باعتبارها دولة ذات نفوذ سياسي وعسكري واستخباري، وعضوًا دائمًا في مجلس الأمن، وحليفًا تاريخيًا لإسرائيل، وبلدًا يمتلك علاقات وثيقة مع قطاع الصناعات العسكرية الإسرائيلية.

ومن هنا تأتي أطروحة الكتاب الأساسية: أن مسؤولية الدول لا تتوقف عند حدود إصدار الأوامر العسكرية، وإنما قد تمتد إلى الأفعال التي تسهم في تمكين الانتهاكات أو تسهيلها أو توفير الغطاء السياسي لها، إذا توافرت الشروط القانونية التي تجعل من تلك الأفعال أساسًا للمساءلة.

هذه الأطروحة هي التي تمنح الكتاب أهميته، لكنها في الوقت نفسه تجعله كتابًا جدليًا وسياسيًا بامتياز، لا مجرد سرد توثيقي محايد.

"المحكمة" التي ليست محكمة

من المهم التوقف عند طبيعة المشروع نفسه. فـ "محكمة غزة" ليست محكمة دولية رسمية، ولا تتمتع بسلطة إصدار أحكام ملزمة، ولا تمثل جزءًا من منظومة القضاء الدولي. إنها، بحسب القائمين عليها، تحقيق عام مستقل يهدف إلى جمع الأدلة والشهادات حول الدور البريطاني في الحرب على غزة، وإلى الدفع باتجاه تحقيق رسمي من جانب الدولة البريطانية.

وقد انعقدت جلسات المشروع على مدى يومين، وقُسّمت أعمالها إلى أربعة محاور رئيسية: ما الذي حدث في غزة؟ وما المسؤوليات القانونية لبريطانيا؟ وما الدور الذي قامت به بريطانيا؟ وهل أوفت الحكومة البريطانية بالتزاماتها القانونية؟ كما استمعت إلى شهادات فلسطينيين، وأطباء وعاملين في المجال الإنساني، وخبراء في القانون الدولي، وصحفيين، ومبلغين عن مخالفات داخل مؤسسات الدولة.

هذا التفصيل مهم جدًا لفهم الكتاب. فالكتاب لا ينبغي قراءته باعتباره "حكمًا قضائيًا" على بريطانيا، بل باعتباره ملف اتهام سياسيًا وقانونيًا وأخلاقيًا، يسعى مؤلفوه إلى وضعه في المجال العام، تمهيدًا للمطالبة بتحقيق رسمي.

ومن هذه الزاوية، فإن كلمة "محكمة" في العنوان تؤدي وظيفة رمزية: إنها تستدعي فكرة المساءلة، وتقول إن غياب التحقيق الرسمي لا يعني غياب الأسئلة، وإن عدم وجود محكمة تنظر في المسؤولية البريطانية لا يعني أن هذه المسؤولية يجب أن تبقى خارج النقاش.

جيريمي كوربين.. من البرلمان إلى "المحكمة"

وجود جيريمي كوربين في قلب المشروع يمنحه وزنًا سياسيًا واضحًا. كوربين، الذي كان زعيمًا لحزب العمال البريطاني ونائبًا في مجلس العموم، ظل من أبرز الأصوات السياسية البريطانية المناهضة للحرب الإسرائيلية على غزة، وأكثر الشخصيات البرلمانية البريطانية انتقادًا لسياسات حكومة بلاده تجاه إسرائيل.

لكن مشاركة كوربين تحمل أيضًا بعدًا آخر. فهي تعكس، في جانب منها، انتقال قضية غزة من المؤسسات الرسمية التي رفضت إنشاء تحقيق حكومي مستقل إلى فضاء سياسي بديل يسعى إلى خلق ضغط شعبي وإعلامي.

وقد ارتبط المشروع بمحاولة كوربين الدفع باتجاه تحقيق مستقل في الدور البريطاني في الحرب، بما يشمل قضايا مثل تصدير الأسلحة، والعمليات الاستخبارية، واستخدام قواعد بريطانية، والتعاون العسكري مع إسرائيل. ووفق الموقع الرسمي للمشروع، فقد قدم كوربين في مجلس العموم مشروع قانون يدعو إلى إنشاء تحقيق مستقل في مشاركة المملكة المتحدة في العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، إلا أن الحكومة رفضت إنشاء مثل هذا التحقيق.

وبذلك، فإن الكتاب لا يأتي من فراغ، بل يمثل مرحلة توثيقية وسياسية لمشروع أوسع يريد أن يبقي السؤال مفتوحًا: لماذا لم تُجرَ، حتى الآن، مراجعة مستقلة وشاملة للدور البريطاني؟

نيف غوردون وشهد حمّوري.. حين يدخل القانون الدولي إلى قلب النقاش

إذا كان كوربين يمثل البعد السياسي، فإن مشاركة نيف غوردون وشهد حمّوري تضيف إلى المشروع بعدًا قانونيًا وأكاديميًا.

غوردون أستاذ للقانون الدولي وحقوق الإنسان في جامعة كوين ماري في لندن، بينما تعمل حمّوري في مجال القانون الدولي والنظرية القانونية، وهي أيضًا مستشارة قانونية أولى في مؤسسة "Law for Palestine"، بحسب البيانات التعريفية المنشورة عن الكتاب. وهنا تكمن إحدى أهم نقاط قوة الكتاب: فهو لا يكتفي بتوثيق معاناة الفلسطينيين، بل يحاول ربط تلك المعاناة بسؤال المسؤولية الدولية للدول. فالقانون الدولي لا ينظر فقط إلى الجريمة باعتبارها فعلًا مباشرًا، بل يناقش أيضًا مسؤولية الدول عن المساعدة أو التحريض أو التسهيل في ظروف محددة، فضلًا عن واجبات الدول في منع الجرائم الدولية الخطيرة ومعاقبة مرتكبيها.

"محكمة غزة" ليست محكمة دولية رسمية، ولا تتمتع بسلطة إصدار أحكام ملزمة، ولا تمثل جزءًا من منظومة القضاء الدولي. إنها، بحسب القائمين عليها، تحقيق عام مستقل يهدف إلى جمع الأدلة والشهادات حول الدور البريطاني في الحرب على غزة، وإلى الدفع باتجاه تحقيق رسمي من جانب الدولة البريطانية.

وهذا يفتح الباب أمام أسئلة معقدة: هل يمكن لدولة أن تتحمل مسؤولية قانونية بسبب تصدير أسلحة إلى طرف متهم بارتكاب جرائم حرب؟ ما حدود مسؤولية الدولة عندما تكون على علم، أو يُفترض أنها على علم، باحتمال استخدام تلك الأسلحة في انتهاكات جسيمة؟ هل توفير الدعم الاستخباري أو اللوجستي يمكن أن يدخل في نطاق المسؤولية القانونية؟ ما الفرق بين المسؤولية السياسية والمسؤولية القانونية؟ ومتى يتحول الدعم العسكري أو الدبلوماسي من "تحالف سياسي" إلى "مساعدة" يمكن أن تترتب عليها مسؤولية دولية؟

هذه الأسئلة هي قلب الكتاب، وهي أيضًا أكثر أجزائه قابلية للنقاش والجدل.

الشهادات الإنسانية.. غزة كما يراها من عاشها

لا يكتفي الكتاب بالتحليل القانوني والسياسي، بل يعتمد، بحسب التعريف المنشور عنه، على شهادات أصلية من فلسطينيين، وصحفيين، وعاملين في المجال الإنساني، ومدافعين عن حقوق الإنسان، وخبراء قانونيين، ومبلغين عن مخالفات.

هذه الشهادات تؤدي وظيفة مزدوجة. من جهة، تنقل النقاش من مستوى التجريد السياسي إلى مستوى التجربة الإنسانية: المستشفى، والركام، والنزوح، والجوع، وفقدان أفراد الأسرة، وتدمير البنية المدنية. ومن جهة أخرى، تحاول الشهادات أن تجيب عن سؤال أوسع: كيف تتحول القرارات التي تُتخذ في لندن أو واشنطن أو عواصم أخرى إلى واقع يعيشه إنسان في غزة؟

فالسلاح الذي يغادر مصنعًا في بلد ما لا يبقى مجرد قطعة معدنية؛ قد يصبح جزءًا من منظومة عسكرية تُستخدم في مكان آخر. والمعلومة الاستخبارية التي تُجمع عبر وسائل المراقبة قد تتحول إلى عنصر في عملية عسكرية. والموقف الدبلوماسي الذي تتخذه دولة في مجلس الأمن قد يؤثر في قدرة المجتمع الدولي على الضغط. بهذا المعنى، يحاول الكتاب تفكيك المسافة بين صانع القرار البعيد والضحية القريبة.

القضية الأكثر حساسية.. السلاح البريطاني

ربما يكون ملف الأسلحة هو أكثر الملفات إثارة للجدل في النقاش حول المسؤولية البريطانية.
فالكتاب يطرح، في جوهره، سؤالًا عن العلاقة بين مبيعات الأسلحة البريطانية والتعاون الدفاعي مع إسرائيل من جهة، وما يجري في غزة من جهة أخرى.

وتزداد المسألة تعقيدًا بسبب طبيعة صناعة السلاح الحديثة، حيث لا تكون الدولة بالضرورة هي المصنعة لكل منظومة عسكرية كاملة، وإنما قد تنتج مكونات تدخل في سلاح أو طائرة تُستخدم لاحقًا في عمليات عسكرية.

وهنا تظهر قضية طائرات F-35، التي كانت من الملفات التي أثيرت في النقاش العام البريطاني بشأن استمرار توريد بعض المكونات المرتبطة بالبرنامج، حتى في ظل القيود التي فرضتها لندن على بعض تراخيص تصدير الأسلحة إلى إسرائيل. كما طُرحت أسئلة حول ما إذا كانت تلك المكونات يمكن أن تدخل في عمليات عسكرية في غزة.

هذه القضية ليست بسيطة قانونيًا، لأن إثبات المسؤولية يتطلب أكثر من إثبات وجود علاقة تجارية أو عسكرية؛ بل يتطلب بحثًا في طبيعة المعرفة، والنية، والقدرة على التوقع، ونوع المساعدة المقدمة، ومدى ارتباطها بالفعل محل الاتهام.

وهنا تحديدًا تأتي قيمة الكتاب: إنه يحاول نقل النقاش من العبارة السياسية العامة "بريطانيا تدعم إسرائيل" إلى أسئلة أكثر تحديدًا حول ماذا قدمت بريطانيا؟ ومتى؟ وكيف؟ وما الذي كانت تعرفه؟ وما الذي كان يتعين عليها فعله؟

الاستخبارات البريطانية.. الملف الذي يفتح بابًا آخر

من القضايا التي يركز عليها مشروع "محكمة غزة" أيضًا دور الطلعات الاستطلاعية والمراقبة التي تنفذها بريطانيا. فقد أثيرت أسئلة حول رحلات المراقبة التي تنطلق من قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني في أكروتيري بقبرص، وما إذا كانت المعلومات التي يتم جمعها تُستخدم فقط في عمليات البحث عن الأسرى والرهائن، أم يمكن أن تدخل ضمن العمليات العسكرية الأوسع.

هذا الملف حساس للغاية، لأن المعلومات الاستخبارية بطبيعتها لا تظهر دائمًا للعلن، كما أن تحديد كيفية استخدامها يتطلب الوصول إلى وثائق وبيانات رسمية.

لكن مجرد طرح القضية يكشف أحد التحولات المهمة في النقاش حول الحروب الحديثة: لم تعد المسؤولية العسكرية مرتبطة فقط بمن يضغط على الزناد، بل أصبحت تمتد إلى منظومات البيانات والمراقبة والاستهداف والدعم اللوجستي.

ومن هنا يحاول الكتاب مساءلة مفهوم "المشاركة" نفسه: هل المشاركة تعني إرسال جنود إلى الميدان؟ أم يمكن أن تشمل أيضًا توفير المعلومات أو الوسائل أو البنية التحتية التي تجعل العمليات ممكنة؟

"التواطؤ".. كلمة ثقيلة تحتاج إلى تعريف دقيق

عنوان الكتاب نفسه يستخدم كلمة شديدة الحساسية: "التواطؤ". لكن من الضروري التمييز بين استخدام الكلمة في الخطاب السياسي وبين معناها القانوني. ففي المجال السياسي، قد يُقال إن دولة ما "متواطئة" لأنها توفر الدعم السياسي أو العسكري لدولة أخرى. أما في المجال القانوني، فإن المسؤولية عن المساعدة أو الاشتراك في جريمة دولية لها شروط ومعايير أكثر تعقيدًا، ولا يكفي فيها مجرد وجود تحالف سياسي.

وهذا أحد الجوانب التي تجعل الكتاب مادة خصبة للنقاش، لكنه في الوقت ذاته يجعل من الضروري التعامل معه باعتباره طرحًا يسعى إلى إثبات أطروحة محددة، لا باعتباره قرارًا قضائيًا نهائيًا.

فالكتاب يريد أن يقول إن بريطانيا ليست مجرد متفرج، وإن أفعالها تستحق التحقيق. أما إثبات المسؤولية القانونية النهائية، فهو أمر مختلف، ويتطلب إجراءات وأدلة واختصاصًا قضائيًا.
وهذا التمييز لا يقلل من أهمية الكتاب؛ بل ربما يزيدها، لأنه يعيد النقاش إلى مكانه الصحيح: هل ينبغي فتح تحقيق مستقل؟

بين "التحقيق" و"الإدانة".. المساحة التي يريد الكتاب احتلالها

من أكثر الأفكار أهمية في المشروع كله أن الكتاب لا يطالب فقط بإدانة سياسية، وإنما يطالب، في جوهره، بفتح باب التحقيق. وهذا فارق جوهري. فالإدانة تفترض الوصول إلى نتيجة، أما التحقيق فيفترض وجود أسئلة تستحق الإجابة.

وجود جيريمي كوربين في قلب المشروع يمنحه وزنًا سياسيًا واضحًا. كوربين، الذي كان زعيمًا لحزب العمال البريطاني ونائبًا في مجلس العموم، ظل من أبرز الأصوات السياسية البريطانية المناهضة للحرب الإسرائيلية على غزة، وأكثر الشخصيات البرلمانية البريطانية انتقادًا لسياسات حكومة بلاده تجاه إسرائيل.

ومن هنا يمكن قراءة "محكمة غزة" بوصفها محاولة لملء الفراغ الذي يرى مؤلفوها أنه نشأ عن غياب تحقيق رسمي شامل في الدور البريطاني. فالكتاب يقول، بصورة غير مباشرة، إن المجتمع البريطاني يحتاج إلى معرفة: ما طبيعة الدعم العسكري الذي قدمته بريطانيا؟ ما الذي قدمته أجهزة الاستخبارات؟ كيف استخدمت القواعد العسكرية البريطانية؟ ما حجم التعاون العسكري؟ ماذا كانت الحكومة تعرف عن طبيعة العمليات الإسرائيلية؟ ما الإجراءات التي اتخذتها لمنع الانتهاكات؟ وهل كانت تلك الإجراءات كافية؟ وهل اتخذت لندن قراراتها على أساس تقييم قانوني مستقل أم على أساس اعتبارات سياسية وتحالفية؟

إنها أسئلة لا يمكن حسمها بمجرد الخطابات السياسية، بل تحتاج إلى وثائق وشهادات وتحقيقات.

سالي روني.. الأدب يدخل على خط القضية

تأتي مشاركة سالي روني في الكتاب من خلال كلمة ختامية، وهو اختيار له دلالة رمزية. فروني ليست خبيرة قانون دولي ولا سياسية، لكنها واحدة من أبرز الأصوات الأدبية الأوروبية التي اتخذت مواقف علنية بشأن فلسطين. وجودها في خاتمة الكتاب يفتح مساحة مختلفة: مساحة الأخلاق والضمير الإنساني.

فالكتاب، رغم طابعه السياسي والقانوني، لا يريد أن يكون مجرد ملف قانوني بارد. إنه يريد أيضًا أن يطرح سؤالًا أخلاقيًا: ماذا يعني أن يشاهد العالم مأساة بهذا الحجم، ثم يواصل التعامل معها من خلال لغة المصالح والتحالفات؟ هنا تصبح الأدبيات والشهادات والوقائع القانونية جزءًا من سؤال واحد: متى يصبح الصمت نفسه موقفًا؟

الكتاب بوصفه "أرشيفًا" للحرب

يصف الناشر الكتاب بأنه يجمع بين كونه سجلًا للأدلة وبين كونه دعوة عاجلة إلى التحقيق والمساءلة.  وهذا ربما يكون أحد أهم أدواره. فالحروب لا تُحسم فقط في الميدان، وإنما تُحسم أيضًا في معركة الذاكرة والتوثيق.

وفي حالة غزة، أصبح التوثيق نفسه ساحة صراع: من يوثق؟ من يروي؟ من يحدد المصطلحات؟ من يملك القدرة على الوصول إلى المعلومات؟ ومن يملك الحق في تفسيرها؟
في هذا السياق، يسعى "محكمة غزة" إلى أن يكون جزءًا من أرشيف مضاد، أي أرشيف لا يكتفي بتوثيق الضحايا، وإنما يحاول أيضًا توثيق قرارات المؤسسات والدول التي، بحسب مؤلفيه، ساهمت في استمرار الحرب أو فشلت في منعها.

وبغض النظر عن الموقف من الاستنتاجات السياسية للكتاب، فإن هذه الوظيفة الأرشيفية قد تصبح ذات قيمة كبيرة مستقبلًا، خصوصًا إذا فتحت الحكومات أو المحاكم أو المؤسسات الدولية تحقيقات رسمية حول أدوار الدول الغربية في الحرب.

ما الذي يميز الكتاب؟

يمكن تلخيص أهم نقاط قوة الكتاب في أربعة عناصر:

أولًا ـ تغيير زاوية السؤال: فهو لا يكتفي بدراسة ما جرى في غزة، بل يدرس أيضًا ما جرى في لندن، وما بينهما من روابط.

ثانيًا ـ الجمع بين الشهادة والقانون والسياسة: فالكتاب لا يقدم القضية من زاوية واحدة، وإنما يربط التجربة الإنسانية بالقواعد القانونية وبصناعة القرار السياسي.

ثالثًا ـ فتح ملف المسؤولية الغربية: في وقت ركز فيه كثير من النقاش العالمي على مسؤولية إسرائيل، يضع الكتاب الدول الداعمة أمام أسئلة مباشرة حول أدوارها.

رابعًا ـ تحويل القضية إلى مطلب مؤسسي: فالغاية النهائية ليست فقط إقناع القارئ بأن بريطانيا أخطأت، بل الدفع نحو تحقيق مستقل يحدد المسؤوليات بناء على الأدلة.

لكن ماذا عن نقاط الضعف؟

مثل أي كتاب سياسي ذي أطروحة واضحة، لا يخلو "محكمة غزة" من نقاط يمكن أن تكون موضع نقد. أبرزها أن المشروع ينطلق من موقف سياسي محدد مسبقًا، وهو ما قد يجعل بعض القراء المتشككين يرونه أقرب إلى ملف اتهام منه إلى تحقيق محايد.

كما أن الاعتماد على مفهوم "التواطؤ" يتطلب قدرًا كبيرًا من الدقة القانونية، لأن المسؤولية السياسية لا تساوي بالضرورة المسؤولية الجنائية أو الدولية.

كذلك، فإن قوة الكتاب ستعتمد، في النهاية، على جودة الأدلة التي يقدمها، وعلى مدى قدرته على التفريق بين الوقائع الثابتة والاستنتاجات التي يخلص إليها المؤلفون.

لكن هذه الملاحظات لا تلغي أهمية الكتاب؛ بل تعني أن قيمته الحقيقية قد تكون في إثارة الأسئلة التي يريد أن تفتح تحقيقات أخرى باب الإجابة عنها.

الكتاب في سياق أوسع ـ أزمة السياسة البريطانية تجاه غزة

لا يمكن قراءة "محكمة غزة" بعيدًا عن التحول الذي شهدته السياسة البريطانية خلال الحرب.
فقد تعرضت الحكومات البريطانية المتعاقبة لضغوط متزايدة من قطاعات واسعة من الرأي العام، ومن منظمات حقوق الإنسان، ومن نشطاء، ومن شخصيات سياسية وأكاديمية، بسبب موقفها من الحرب وعلاقاتها العسكرية والسياسية مع إسرائيل.

بالنسبة للقارئ العربي، قد يبدو الكتاب للوهلة الأولى موجهًا إلى الجمهور البريطاني، لكن أهميته تتجاوز ذلك. فالمسألة الأساسية التي يطرحها ليست بريطانية فقط. إنها تتعلق بمسؤولية الدول التي تقدم الدعم العسكري والسياسي في النزاعات المسلحة.

وفي المقابل، دافعت الحكومات البريطانية عن مواقفها باعتبارها قائمة على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، وعلى ضرورة إطلاق سراح الرهائن، مع اتخاذ إجراءات وتغييرات في سياسة تصدير الأسلحة خلال الحرب.

وبين هذين الموقفين، يأتي الكتاب ليقول إن النقاش لا ينبغي أن يتوقف عند السؤال السياسي: "هل تؤيد إسرائيل أم فلسطين؟" بل يجب أن ينتقل إلى سؤال قانوني ومؤسسي أكثر تحديدًا:
هل التزمت بريطانيا بالتزاماتها بموجب القانون الدولي؟ وهذا التحول في صياغة السؤال مهم للغاية، لأنه يجعل القضية أقل ارتباطًا بالاصطفافات الأيديولوجية وأكثر ارتباطًا بمفهوم المسؤولية.

لماذا هذا الكتاب مهم عربيًا؟

بالنسبة للقارئ العربي، قد يبدو الكتاب للوهلة الأولى موجهًا إلى الجمهور البريطاني، لكن أهميته تتجاوز ذلك. فالمسألة الأساسية التي يطرحها ليست بريطانية فقط. إنها تتعلق بمسؤولية الدول التي تقدم الدعم العسكري والسياسي في النزاعات المسلحة.

وفي العالم العربي، حيث لطالما كان السؤال حول الدور الغربي في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي حاضرًا بقوة، يقدم الكتاب مادة تساعد على فهم كيف يُعاد تعريف المسؤولية في الحروب الحديثة.

فإذا كانت الدولة لا تشارك بجنودها مباشرة، لكنها توفر السلاح أو المعلومات أو الدعم الدبلوماسي، فهل تبقى خارج دائرة المساءلة؟ هذا السؤال لا يخص بريطانيا وحدها. إنه سؤال يمكن طرحه على دول كثيرة، وفي نزاعات كثيرة، وهو ما يجعل الكتاب يتجاوز الحالة الفلسطينية إلى نقاش أوسع حول النظام الدولي ومسؤولية الدول عن الحروب التي تدعمها.

كتاب في زمن الحرب.. أم وثيقة للمستقبل؟

ربما تكون القيمة الأهم لـ "محكمة غزة" هي أنه يصدر في لحظة لا تزال فيها الأحداث موضع نزاع سياسي وقانوني وإعلامي. وفي مثل هذه اللحظات، غالبًا ما تكون الحقيقة غير مكتملة، والوثائق ناقصة، والروايات متصارعة. لكن التاريخ لا يُكتب فقط بعد انتهاء الحروب. أحيانًا يبدأ توثيقه أثناء وقوعها.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الكتاب باعتباره محاولة لحفظ مجموعة من الشهادات والأسئلة التي قد تعود إليها لجان التحقيق والمؤسسات القضائية والمؤرخون في المستقبل. فالسؤال الذي يطرحه الكتاب قد لا يُحسم بمجرد صدوره، لكنه قد يبقى مفتوحًا لسنوات: ما الذي كانت تعرفه بريطانيا؟ وماذا فعلت؟ وماذا كان بإمكانها أن تفعل ولم تفعله؟

هذه الأسئلة، في نهاية المطاف، هي التي تحدد الفرق بين دولة تراقب حدثًا من الخارج، ودولة قد تكون، بصورة أو بأخرى، جزءًا من منظومة الدعم التي جعلت استمرار الحرب ممكنًا.

خلاصة
"محكمة غزة: تواطؤ بريطانيا في الإبادة الجماعية" ليس كتابًا عن غزة وحدها، ولا عن بريطانيا وحدها. إنه كتاب عن المسؤولية. مسؤولية الدولة التي تبيع السلاح، ومسؤولية الحكومة التي توفر الغطاء السياسي، ومسؤولية الأجهزة التي تقدم المعلومات، ومسؤولية المؤسسات التي تعرف ثم تصمت، ومسؤولية المجتمع الدولي عندما يتحول القانون إلى لغة لا تجد طريقها إلى التطبيق.

لكن الكتاب، في الوقت نفسه، يظل مشروعًا سياسيًا ذا أطروحة واضحة، وليس حكمًا قضائيًا نهائيًا. لذلك فإن أهم ما يمكن أن يفعله هو أن يدفع النقاش من دائرة الاتهامات المتبادلة إلى دائرة الأدلة والتحقيق والمساءلة.

وربما يكون هذا هو الرهان الحقيقي للمؤلفين: ألا تبقى قضية الدور البريطاني في حرب غزة مجرد فصل في سجال سياسي، بل أن تتحول إلى ملف مفتوح يستحق التحقيق الرسمي. ففي نهاية المطاف، لا يطالب الكتاب القارئ فقط بأن يجيب عن سؤال: "من المسؤول؟" بل يضع أمامه سؤالًا أكثر إلحاحًا: "هل نعرف بما يكفي لكي نبدأ التحقيق؟" والإجابة التي يقدمها الكتاب هي: نعم، حان الوقت لفتح الملف.



الخميس، 2 يوليو 2026

قراءة في كتاب النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة

 

عرض  كتاب

النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة

لشيخ الإسلام مصطفى صبري رحمه الله






اسم الكتاب: النكير على منكري النعمة؛ من الدين والخلافة والأمة.

المؤلف: شيخ الإسلام: مصطفى صبري.

تحقيق: د. مصطفى حلمي.

سنة النشر: 2004م.

دار النشر: دار الكتب العلمية ببيروت - لبنان.

عدد الصفحات: 222.

عرض 


يقول شيخُ الإسلام "مصطفى صبري" في مقدِّمة كتابه الهام "النَّكير على منكري النعمة؛ من الدِّين والخلافة والأمَّة"؛ متحسِّرًا على حال المسلمين بعد سقوط الخلافة العثمانيَّة، ومعلقًا على هوان شأنهم، وتخاذُلِ علمائهم عن الصَّدْع بالحق:

"ثم إنِّي قبل الشُّروع في المقصود، أرى من الواجب أن أَذكر بالأسف كونَ أمر المسلمين منذ زمنٍ بعيد بِيَد غيرهم؛ فأكثَرُ من خمسة وتسعين في المائة منهم في حكم الأجانب، والباقي الأقلُّ من خمسة في المائة، وهو من تعدُّ أزِمَّتُهم بأيديهم تحت غلبة اللادينيِّين، ممن تَسمَّى بأسماء المسلمين... واللادينيِّين أشدُّ عداوةً لدين الإسلام من سائر أعدائه، وأدقُّ مكيدة في تخريبه وتحريفه؛ كما قال الشيخ رشيد رضا: "إنَّ المتفرنِجين من المسلمين أعدى وأضرُّ للإسلام والمسلمين المخلِصين من غير المسلمين"، والمتديِّنون من المسلمين أصلَحُهم سجينٌ في بيت عزلته وعبادته وراحته؛ حتى تخرِجَه يَدٌ أبادَتْ إخوته قبله، وهو قاصِرٌ عن إغاثتهم وإعانتهم، فكأنَّ الغافل في سلمِه، والجاهل في علمه يتمثَّل بأحاديث الفِتَن التي عدَّ فيها القاعد خيرًا من القائم، وهيهات؛ فذلك لا ينجيه من مسؤوليته بين يدَي الله تعالى على تَهاوُنِه في واجبه وتوانِيه؛ فإنَّ ما ذكر في تلك الأحاديث مقصورٌ على الآونة التي يلتبِس فيها الحقُّ بالباطل، ولا يُميَّز ذَوو أحدهما من ذوي الآخر؛ فعند ذلك يَصير الاعتزال من الجميع أسلمَ من الخطأ وألَحَّ.

 

هذا حال خواصِّ المؤمنين أجمعين، إلاَّ مَن ندر منهم من المجاهدين المنتبهين لواجبهم، وفضلاً عمَّن شايع اللادينيِّين ووقف بجانبهم، يُحارب معهم الدِّين وأهله ويشادُّهما، وأمَّا حال عوامِّ المؤمنين، فحيادٌ يلزمهم الرُّقاد، أو ضُلاَّل يرجح بهم الباطل على الحقِّ، والأعداء على الأولياء، أو معذرة كمعذرة الباخلين، وهِمَّة في أسفل سافلين، وقد اطَّلَعت - عندما لُذتُ بالعالم الإسلامي في خارج تركيا لأفرَّ بديني وحياتي - على أحوالٍ عجيبة كادت تُوئِسُني اجتناءَ النَّصر، وتجعلني كالمُستجير بعمرو، فرأيتُ علماء الدِّين، وحُلَماء بلادهم يخافون أن يَجهروا ببعض الحقِّ؛ لا خوفًا من سلطانٍ جائر، أو حكومة قاتلة وخانقة، بل إحجامًا منهم أمام الجريان الفِكريِّ الذي حصل في العامَّة.

 

وما درَوْا أنِّي لو أسكتَني مثلُ ذلك السبب عن الحقِّ، فلِماذا وقع هذا الاغترابُ من أوطاننا، والاضطراب في حياتنا ومعيشتنا؟ وكيف يجوز لنا إهدارُ الشدائد التي مضَتْ علينا في هذه السَّبيل، مما نَرْضاه من وضع سلاحنا في آخر الأمر والعمر؛ لأسبابٍ اقتحمَتْنا ما هو أعظمُ منها وأكثر؟ وهل وظائف العلماء والعقلاء مُماشاة الجُهَّال في مَذاهبهم وعقائدهم، أو إرشادهم إلى ما لا يَهتدون له بأنفسهم؟ 

ويا للأسف! 

إنْ كان يأتيني الأذى من المسلمين عندما أُجاهر بالسعي لدفع الأذى عن الدِّين؛ إذًا فالحياة ذميمة، والدَّاء عياء؛ حيث إنَّ الطبيب يتبع سقيمه، ولا يبلغ من الدِّين الإسلامي أعداؤه القديمة الظَّاهرةُ ما يبلغ منه أعداؤه "السرِّية" الجديدة، وأصدقاؤه (الحمقاء)، أو (الجُبَناء)"؛ انتهى كلام الشيخ - رحمه الله[1].

 

فيا لله! ما أشبه اليومَ بالبارحة! وما أشدَّ هوان الإسلام وأهلِه بين الأمم! بل ما أشدَّ هوان الإسلام بين أهله والمنتسِبين إليه، فما زال صوت شيخ الإسلام "مصطفى صبري" يتردَّد صداه في أنَّات كلِّ مسلم غَيُور على رِفعة هذا الدِّين، وسَواد شأنه، وعلُوِّ رايته، حتَّى وقتِنا هذا، وحتى ساعتنا تلك.

 

وما زال المسلمون - سادتهم وعوامهم - يُلدَغون من نفس الجُحر - الذي أسقط آخِرَ خلافة إسلاميَّة شهِدَها الناس، ونَعِموا بها وعاشوا في ظلِّها قرونًا - مرَّاتٍ ومرَّات ومرات، فكأنَّ سذاجة الرأي وعلَّة التفكير قد غلبَتْ على ألباب المسلمين، وتوارثَتْها الأجيال جيلاً بعد جيل، فما مَللْنا من تسليم زمام أمرنا، وقِيَاد حُكمِنا لأعدائنا، وعُملاءِ أعدائنا، وأذنابِ الغرب المتسلِّط.

 

وقد غاب عنَّا أنَّ المسلم "ليس بالخِبِّ، ولا يَخْدعه الخِبُّ"، فوجد "الخِبُّ" بغيتَه في أوطاننا وديارنا، وكلَّ وملَّ من خِداعنا ليلَه ونهاره، حتى آمنَ أنَّنا أموات رقودٌ، ما لنا من فَواق، وأنه مهما صرخ المُخلِصون، ونادى الخَيِّرون، فإنَّ الموتى لا يَسمعون، ولو سمعوا لا يَعقلون، فلا حول ولا قوة إلاَّ بالله العليِّ العظيم!

 

والناظر في رسالة شيخ الإسلام يكاد يُعاين ما نحن فيه من ضعفٍ وتشرذم، وشرِّ حالٍ وصلت إليه بلدانُنا الإسلاميَّة؛ من تسلُّط واستِعْباد واستذلالٍ من عدوِّ الداخل قبل عدوِّ الخارج، وكأنَّ الأيام تدور دورتَها، وتُعيد كَرَّتَها، والمسلمون يُساقون لِخُدع السَّاسة، وألاعيب أبطالهم "الكارتونيِّين"، حتَّى ينخلعوا من رِبْقَة الدين، ويخسروا أيضًا دُنياهم العاجلة، كما فعل أتباعُ "أتاتورك" من قَبْل، وأسقطوا الخلافة العثمانيَّة اسمًا ومسمًّى، وسط استحسان حمقى المسلمين وغُفَّالهم، ومباركتهم وتمجيدهم فعال "الكماليِّين"؛ ظنًّا أنَّها تَحمل الخير لهم في قابلِ الأيَّام، وقد نَدِموا، ولكن بعد فوات الأوان، وانقضاء وقت النَّدم، فهل نَعتبر، ومتى نُفيق؟!

 

وشيخ الإسلام "مصطفى صبري" هو آخِر شيوخ الخلافة العثمانيَّة في عهدها، أخذَ العلم في "توقاد"، ثم سافر لـ"قيصريَّة"؛ لتلقِّي العلم، وسافر بعدها إلى الأستانة؛ لاستكمال دراسته الدينيَّة، ثم عُيِّن في سنِّ الثانية والعشرين في جامع السُّلطان "محمَّدٍ الفاتح"، وحاز على شهادة "العالميَّة"، ثم تدرَّج في توَلِّي المناصب الدينيَّة، حتَّى تم تنصيبُه لرئاسة المشيخة الإسلاميَّة في الدولة العثمانيَّة بعدما ذاع صيتُه وعِلمُه.

 

وقد عاصر الشيخُ "مصطفى صبري" صعودَ نفوذِ جمعية "الاتِّحاد والترَقِّي" في الدولة العثمانيَّة، وتدخُّلها في الشؤون الداخليَّة للخلافة، وبروز نجم "الكماليِّين" الذين تَظاهَروا بالإسلام في بداية أمرهم، وزعموا أنَّهم أرادوا خدمة الدِّين، وإصلاحَ أوْجُه القصور في الدولة العثمانيَّة، ولكن أمرهم لم يَخْفَ على بصيرة الشيخ، فظلَّ يُظهِر لهم العداء، وانضمَّ لِمُعارضيهم بدءًا من سنة 1908، وكان نائبًا لرئيس أحد الأحزاب المعارضة لسياسة "الكماليِّين" في تركيا، ولكن لَمَّا استفحل نفوذُهم، وإظهارُ عَدائهم للعلماء، فرَّ الشيخ من تركيا سنة 1913، فتنَقَّل بين دول أوروبا حتَّى عاد للأستانة مقبوضًا عليه عند دخول جيوش الكماليِّين "بوخارست"؛ حيث كان لاجئًا هناك، وظلَّ معتقَلاً إلى أن انتهَت الحرب بهزيمة تركيا، وفرار زعماء الاتِّحاديين، فعاد لنشاطه السياسيِّ في الأستانة، وناب عن الصَّدر الأعظم أثناء غيابه في أوروبا للمفاوضات، وظلَّ في منصبه إلى أن استولى الكماليُّون على العاصمة ثانية، ففرَّ إلى مصر سنة 1923، وظلَّ يتنقَّل بين دول أوروبا يُصدِر كتبه الهامَّة عن مُعاصَرتِه لفترة سُقوط الخلافة وهَدْم الدِّين على أيدي "الكماليِّين"، إلى أن تَمَّ التَّضييق عليه من أتباع "أتاتورك" في تلك الدُّول، فاستقرَّ في مصر إلى أن توُفِّي بها سنة 1953م/ 1373هـ.

 

وللشيخ عدَّة كتب هامَّة، يشرح فيها موقفه مما حدَث في أواخر فترات الخلافة العثمانيَّة، وموقفه من أحداث العَصْر التي كانت تصبُّ في هدم بيضة الإسلام، واقتلاع جذوره وأصوله من شعوب الدول الإسلاميَّة، والتي دخلَتْ في غمرتها البلدانُ العربيَّة بعد تنفيذ مخطَّط الدُّول الغربية، في موجات عاتية من الاستغراب والاستعمار لم يتخلَّصوا منها إلاَّ بعد تضحيات جسيمة في المال والعتاد والأرواح.

 

وكل ذلك ركَّز عليه الشيخ في كتاباته ساعتَها، ونبَّه إليه المسلمين، ولكن صرخات الشيخ وقتَها لم تَجِد أذنَ مستمِع واعٍ، وكان ما كان، ومن أهمِّ كتاباته المطبوعة بالعربيَّة: "موقف العقل والعلم والعالَم من ربِّ العالمين وعباده المرسلين"، "مسألة ترجمة القرآن"، "قَوْلي في المرأة"، "تحت سُلطان العقل"، "القول الفصل بين الذين يؤمنون بالغيب والذين لا يؤمنون" (وقد ألَّفَه الشيخ في بداية الأمر ككتابٍ منفصِل، ثمَّ جعله أحدَ فصولِ كتابه الكبير "موقف العقل").

 

كتَب الشيخ "مصطفى صبري" كتابه هذا إبَّان تسلُّط "الكماليِّين" على الدولة العثمانيَّة، وقد كانت بعد نهاية الحرب في أشدِّ فترات ضعفها وأُفولها، وقامت الدُّول الغربيَّة بالتَّكالب على الخلافة العثمانيَّة، والاستيلاء على كثيرٍ من ولاياتها العربيَّة والإسلاميَّة؛ فهاجمَت فرنسا الجزائرَ وتونس ومراكش، واحتلَّت إيطاليا ليبيا، وهاجمت فرنسا مصرَ في عهد نابليون، ثم احتلَّتْها بريطانيا، وكانت روسيا منذ عهد أباطِرَتِها يُداومون على الهجوم على أملاك الخلافة في الجوار، وقام الغربيُّون بإشعال الثَّورات الانفصاليَّة داخل الدولة العثمانيَّة، وحَرَّضوا شعوب البلقان على الثورة عام 1804، حتى تمَّ لهم الانفصال عن الخلافة، وكذلك فعلَتْ مع اليونان حتى انفصلت عن الخلافة أيضًا عام 1830، بل وشجعوا الخلافات والقلاقل العنصريَّة بين عنصُرَي العرب والتُّرك، وانتهت حركات التطويق والتَّفتيت بإنهاء وجود الخلافة الإسلاميَّة على يد "مصطفى كمال أتاتورك" و"الكماليِّين".

 

وكتب الشيخ "مصطفى صبري" كتابَه هذا في بداية أمر "أتاتورك" وأتباعه، وقد أظهروا الإسلامَ والخير للدَّولة العثمانية الذبيحة بعد انتهاء الحرب العالميَّة، وسايرَهم كثيرٌ من الدُّول العربيَّة، وعلى رأسهم مصر، مُبارِكين خطواته؛ ظنًّا أنَّه يَحمل الخير لدولة الإسلام، حتَّى تم له التمكين، فقام بِنَقْض عُرَى الدِّين عروةً بعد عروةٍ داخل تركيا.

 

وقد كتب الشيخ يحذِّر من "لادينيَّة" حكومة "أتاتورك"، ويحلِّل الدَّوافع الكامنة وراء الأحداث التي بدَتْ في ظاهرها إصلاحية جزئيَّة، أو انتصاراتٍ برَّاقة، محذِّرًا المسلمين من خطر "الطورانيِّين والكماليين" في تركيا، حتَّى جاءت الحوادث مصدِّقةً حدْسَ الشيخ وتوقُّعاتِه.

 

خديعة التمكين:

يُشير الشيخ "مصطفى صبري" في كتابه إلى كثيرٍ من الكُتَّاب الذين شنَّعوا عليه مهاجمته "الكماليِّين" في بداية أمرِهم، أو عتبوا عليه كتاباته "المتحاملة" عليهم، وقد خُدِعوا في مَرام "أتاتورك" في بداية الأمر، ومِن أبرزهم الشيخ الفاضل "محمد رشيد رضا"، الذي ظنَّ خيرًا بإصلاحات "أتاتورك"، وأيَّده بقوة في خطواته، فلمَّا تبيَّنت له الحال المرَّة، هاجمَه بشدَّة بعد ذلك، ومِثْله الكثير من الكُتَّاب المصريين الأزهريِّين الذين أطنَبوا في الردِّ على الشيخ "مصطفى صبري" في الكثير من الرسائل، مُنادين بالإصلاح، مُقرِّظين صنيعَ "أتاتورك" والكماليين في بداية حكمهم، وما دَرَوا حقيقة دعوى الكماليِّين.

 

يقول الشيخ: "وأمَّا كِتاب صاحب "المنارففي غاية الإفادة والإجادة، كما يتوقَّع من مؤلِّفه الذي هو فارسٌ خطير في أمثال هذا الميدان، وقد وجَّه إلى الحكومة التركيَّة الحاضرة انتقاداتٍ ووصايا، ودعاهم إلى الصَّلاح والإصلاح، وقدَّمهم في الاستعانة والاستخدام لِرُقيِّ الإسلام، فله دورٌ في تحقيق المقام، واجتهاده في إحياء منصب الخلافة الصحيحة... لكن المهم المقدَّم على كلِّ شيء، وما يليق أن أقولَ في كتابه، وأَلْفِت الأنظارَ إليه، أنَّه لم يصرِّح بأصل الدَّاء حقَّ صراحته، وإنْ بالغ في تعريف الدَّواء، والدَّليل على ذلك استمدادُه في إحياء منصب الخلافة من الذين خرَّبوها، وسعَوْا في خرابها، وهو نفسُه معترفٌ بتخريبهم لا بالسَّعي في الخراب"؛ صـ 80.


ويقول الشيخ متحسِّرًا على حال إخوانه من الكُتَّاب المسلمين الذين انطلَتْ عليهم تلك الخدعة، وتَجاوزوا شرْحَ العلَّة للخلاف حولها، وحول دوافعها، قائلاً: "من المعلوم ما سبق للنَّاس في تلَقِّي حادثة الخِلافة، والتفريق بينها وبين السُّلطة من أصوات التَّنفيذ والتأييد، وقد دام صخب الخِلاف فيما يقرب من مدى سنة، حتَّى حُقَّ أن يُقال تعريضًا على مُحْدِثي تلك الحادثة، ومُوقِعي تلك الجناية: يا أسفًا على الخلافة! قطَعوا دابرها، وأبدلوا بها خِلافًا"؛ صـ 79.

 

فصل الدين عن السياسة، صورة فصل السُّلطة عن الخلافة:

كان الشيخ "مصطفى صبري" سبَّاقًا بنور بصيرته في إدراك أنَّ فَصْل "الكماليِّين" - في بداية مكرهم وخداعهم - للسُّلطة عن منصب الخلافة هو مَدْعاةٌ لفصل الدِّين عن السياسة، تلك الدعوة التي نعاني منها في أيامنا تلك من الأقلام المأجورة والأصوات المستغرِبة داخل بلداننا الإسلاميَّة، فالكماليُّون لم يُجاهروا أول الأمر بعدائهم للإسلام، وكلِّ ما ينتمي للدِّين، بل قاموا رُوَيدًا رويدًا بإصلاحاتٍ ظاهريَّة، يعتقد فيها أثرتهم للصالح العامِّ؛ كمسألة التَّفرقة بين منصِبَي الخلافة والسُّلطة؛ حيث قاموا بِنَزع سلطة الحكم عن الخليفة "عبدالحميد"، وجعَلوه مجرَّد رمزٍ ديني، لا يملك أن يُبْرِم أمرًا أو نهيًا، وادَّعَوْا أنَّ ذلك من أجل إصلاح الهيكل العامِّ للدولة.

 

يقول الشيخ "مصطفى صبري": "وليس مرمى الكماليِّين فيما فعَلوه سوى غَرضين، أحدهما: (نَشْل) السُّلطة من آل عثمان، ونَقْلها إلى "مصطفى كمال"، والتَّفريق بين الخلافة والسُّلطة، ثم نَقْل السلطة أوَّلاً إلى المَجلس الوطني، كان عبارة عن التستُّر والإبهام، في المغزى والمرام، والغرَض الثاني إلغاء الخلافة وإبطالها على التَّدريج، ورَمي لإخراج حكومتهم من أن تكون حكومةً إسلاميَّة"؛ صـ86.


ويردُّ الشيخ على قول القائل بأنَّه "لا علاقة بين فَصْل إحدى السُّلطات عن الأخرى، وبين الانصراف عن الدِّين الإسلامي، وهل إذا أخذَت الأُمَّة سلطة الحكم في يَدِها؛ حرصًا على مصلحة البلاد، وقطعًا لدابر النَّوايا والدَّسائس التي طالَما كان مقام الخِلافة مَحُوطًا بها، واستئصاله لشأفة شيخ الإسلام السابق وزمرته؛ حتَّى لا يستعملوا نفوذَهم الدِّيني على الخليفة لتحقيق مآرِبَ وأغراض لا تتَّفِق مع الإسلام في شيءٍ ولا هي في مصلحة البلاد"، بما يلي:

إذا كان مقام الفساد مرتبطًا بالأشخاص أو السِّياسات، فالإسلام يحثُّ على استبدال تلك السياسات الفاسدة والأشخاص، لا استبدال نعمة الخلافة كليَّة؛ "فإنْ كان مقام الخلافة محوطًا بدسائس شيخ الإسلام السَّابق؛ فالواجب في قَطْع تلك الدَّسائس تبديلُ شخصِ هذا الشَّيخ وحده، أو تبديل الخليفة، وهذه غاية لا يتخطَّى إلى ورائها بتبديل قاعدة الخلافة التي أسمعت في الشَّرع مقترنةً بالحكومة والسُّلطة، ولو كان ذلك التَّبديل حرصًا على مصلحة البِلاد، وإلاَّ كان كالقول بتبديل دين الإسلام حرصًا على مصلحة البلاد"؛ صـ 91.

 

فَصْل السُّلطات يتبعه بالتَّالي التَّفريق بين الخلافة والحُكومة، والفرقة الكليَّة بينهما بمثابة إخراج الدِّين عن الحكومة، والحكومة عن الدِّين، "ولِهذا فرَّقوا بين الخلافة والحكومة، وكانتا من قبلُ متَّحِدتَيْن، وكانت الخلافة عبارةً عن الحكومة الدِّينية النائبة مناب حكومة الرَّسول -صلى الله عليه وسلم- في أمَّته، وإذا كانت الحكومة هي القوَّةَ العاملة، والخلافة عبارة عن اتِّصاف تلك الحكومة بصفة دينيَّة، فلا جرم صار إخراجُ الحكومة عن الخلافة إخراجًا لها عن الدين؛ إذْ لم يبق في الخلافة بعدَ إخراج الحكومة عنها غيرُ صفتِها الدِّينية؛ فإن انتقلَت الحكومةُ إلى ما انتقلت إليه مع صفتها الدينيَّة، لَزِم أن لا يَبقى في الخليفة شيءٌ؛ لا حكومته، ولا دينه، وإن انتقلت الحكومة فقط، افترقت عن الدِّين"؛ صـ 96.

 

يرى الشيخُ أنَّ تجريد كلٍّ من الخلافة والحكومة عن الأخرى أفسدَهما معًا؛ "لأنَّهم نقلوا الحكومة النَّافذة إلى مجلسهم الذي سمَّوه مجلسًا وطنيًّا، واختاروها لأنفسهم، وتركوا الشَّريعة الإسلاميَّة مع الخلافة في الخليفة مجرَّدةً عن النُّفوذ الذي ذهبَ مع الحكومة إلى ما ذهبت إليه؛ لأنَّ النُّفوذ يدور مع الحكومة والسُّلطة، فإن لم يتركوا الشَّريعة في الخلافة، ونقَلوها أيضًا من الحكومة؛ كيلا تحرم نفوذها، لزم ما قُلناه آنفًا من تفرُّغ الخليفة من الدُّنيا والدين معًا"؛ صـ97.

 

يَلتزم الشيخُ الأمانةَ والإنصاف حين المقارنة بين تُركيا في عهد الخلافة العثمانيَّة، وتركيا في عهد الكماليِّين، ويَعترف بوجود أوجُهِ قصورٍ كانت أحدَ أسباب انهيار الخلافة العثمانيَّة، وتناقُص عظَمتِها في قلوب النَّاس، ولكن بكلِّ حال ليس هذا سببًا ومُبَرِّرًا لإلغاء الخلافة ككلٍّ، فيقول: "... يأبى بنا الحقُّ والإنصاف إلاَّ أن نعترف بأنَّ الحكومة التركيَّة كانت قبل الكماليِّين والاتِّحاديين أيضًا لا تَمْشي تمامًا على الصِّراط السَّوي، والنَّهج الشرعي، بل كانت لا تَحْكم بِما أنزل الله في كلِّ الأمور، وتقلِّد الحكومات الزمنيَّة الأوربائية.

لكن الحق مع ذلك يأمرنا أن نَشْهَد أوَّلاً بعدم بلوغها في إهمال الشَّرع، وإعمال التقليد مبلغَ الحكومات الاتِّحادية والكماليَّة؛ ولا سيَّما أنَّها لم يقَعْ منها تصريحٌ ما بكونِها حكومةً لا دينيَّة... 

وثانيًا أنَّ تلك الحكومات - التُّركية - لم تكن لِتَسْلَم في أدوارها الأخيرة من تغلُّب الحكومات الأوربائية عليها"؛ صـ190.

 

كان الشيخ يرى أنَّ "أتاتورك" في سعْيِه لفصل السُّلطتين: الدِّينية والسياسيَّة، إنَّما مرَدُّه إلى كره خفيٍّ لِسُلطة الخلافة، في وقتٍ كان أغلب الكُتَّاب والمفكِّرين يَعتبرونه بطلاً للإسلام، وحاميًا للخلافة، فقطع الشيخُ عليهم افتراءاتهم قائلاً أنَّه "لو رامها مصطفى كمال لنفسه - أي: الخلافة - لسارع المسلمون الآمِنون باستحقاقه للسَّلطنة في تصديق استحقاقه للخلافة أيضًا، وكيف يَستكثرون - ذلك - لمن سمَّوْه بطلَ الإسلام، ومنجي مَجْدِه... لكنَّ الكماليين نقَلوا ما أحبُّوه من السلطة إلى مَن أحبوه، وترَكوا ما كرهوه من الخلافة فيمن كَرِهوه، نعَم، إنَّهم لم يُلْغوها دفعةً؛ تحرُّزًا عن إنكار عالَمِ الإسلام في الخارج، وتمشِّيًا على قاعدة التدريج، ولئلاَّ يستفيد منها حكومةٌ من الحكومات الإسلاميَّة، مع كونها مما يَكْرهونها لحكومتهم"؛ صـ101.

 

ويؤكِّد الشيخ في موضعٍ آخَر أنَّ حديثه ليس لمعاضدة شخصٍ من أشخاص الخلفاء، ومعاندة آخَر؛ لأنَّ "مكان الشخص يسَعُ المناقشات"، "فلو عدل المسلمون إلى خلافة أحد ليس مِن آل عثمان؛ كمصطفى كمال مثلاً، وكان أهلاً لها، ولم يَكرهها من حيث كونُها صفة دينيَّة، وأعطوه نفوذها وحقوقها، لما أنكرت عليهم ذلك"؛ صـ 108.

 

ثم ينبِّه الشيخ على الغرض الحقيقيِّ لحكومة "أتاتورك" من فصل السُّلطة عن الخلافة وهو وَأْدها كليَّة، وترويج مذهبهم اللاَّديني، ويكتب في ذلك محذِّرًا: "ولكنِّي أرى مِن أهَمِّ الواجبات وأقدَمِها في هذا الزَّمان كشْفَ القناع عن بِطانة الاتِّحاديين والكماليين، وتنبيه المسلمين على خطرٍ يُصيبهم منهم، ولا يخصُّ ضرره بالأتراك، وأدنى المضارِّ إعانتهم وتشجيعهم على ترويج مبدئهم اللاديني في بلادنا"؛ صـ 94.

 

ويقول الشيخ "مصطفى صبري" تعليقًا على فصل الخلافة عن السُّلطة، ومؤكِّدًا أنَّ هذا الأمر سيَفتح الباب لِنَقض عُرى الدِّين كلها بعد ذلك: "فتبيَّن أنَّ هذا الافتراق من حيثُ تقيّدُ الخلافة بأحكام الدِّين؛ كيلا تتقيَّد بها، حتى إنَّهم للتخلُّص من هذا القيد؛ اقتحَموا احتمال نكير المسلمين، وهذا أيضًا ما أفضى بنا إليه منطقيَّة في قضية الفصل بين الخلافة والسلطة؛ نظرًا إلى مجرَّد تلك القضيَّة، وإرغامًا لمن استوصى بها أو استخفَّ ببأسها في الدِّين، ورُبَّما وقع منهم بعد ذلك تصريحٌ بافتِراق الدُّنيا عن الدِّين، يغنينا عن هذه الاستدلالات المنطقيَّة، وإن كانت هذه الدلائلُ أغنى عندنا من تلك الصِّراعات"؛ صـ 98.

 

فسبحان الله! كيف تنبَّه شيخُ الإسلام في زمانه أنَّ فصل الخلافة عن السُّلطة، بل إلغاءها في حقيقة الأمر هو مَدْعاة بعد ذلك لحصر الإسلام في مجال العبادات، وإرغام المُسلمين على فَصْلِ دُنياهم عن دينهم، بل وإنْ لزِم الأمر الانخلاع من نعمة الدين كلها.

 

حكومة لا دينية:

أكَّد الشيخ مرارًا طوال رسالته أنَّ مسألة تجريد الخِلافة عن السُّلطة هو أمرٌ يَرجع إلى ارتداد الحكومة التركيَّة بقيادة "الكماليِّين"، وانتزاعها عن لباسها الدِّيني، وصدقَ ظنُّ الشَّيخ حينما صرَّح مندوبُ الكماليين "رضا نور بك" في مؤتمر "لوزان" للدُّول الأوروبية أنَّ الحكومة التركيَّة الحاليَّة تفخر بأنَّها حكومة "لا دينيَّة"، وقد ناقش الشيخُ في رسالته عدَّةَ دلائل وبراهين تدلِّل على صِدق رأيه، وقد غفل عنها كثيرٌ من الكُتَّاب والعلماء ساعتَها في غمرة التَّهليل والمديح لزمرة الإصلاحات المزعومة التي تشدَّقَ بها "أتاتورك" وأعوانُه من الكماليين، ومنها:

إلغاء المَحاكم الشرعيَّة: يقول الشيخ "مصطفى صبري": "وحادثة إلغاء المَحاكم الشرعيَّة وإن كانت مسألة مستقلَّة - ذات خطورة عظيمة، بحيث تَكْفي وحْدَها في تغيير الدَّولة الإسلاميَّة وإخراجها عن أصلها، إلا أنَّها من مستتبعات التفريق بين الحكومة والخلافة؛ لأنَّهم لما نزعوا الحكومة من الخليفة؛ لأجْل كونه خليفةً له رئاسةٌ دينيَّة، ومن واجبه أن يجعل دين الإسلام حاكمًا في حكومته قاعدًا لها بالمرصاد، حتَّى يستقِلُّوا برأيهم، ويفلتوا من قيد ذلك الحكم والرَّصد، فلا جرم التزموا إلغاء المحاكم الشرعيَّة الممثِّلة لحاكمية الدِّين في المَمْلكة"؛ صـ140.

 

قام الكماليُّون بإلغاء بيع المُسْكِرات بين الشَّعب، مع قصر بَيْعِها على من يختصُّونه من البائعين، ويقول الشيخُ في ذلك: "ومن المُضحِكات تصديقُ المصريِّين، وثقتُهم بصحَّة وجدِّية ما سنَّه الكماليُّون من قانونِ منع المسكرات، ظانِّين أنَّ ذلك وقعَ منهم لوجه الله، أو مصلحة الأمَّة، وعادية من مَحاسنهم ومناقبهم، مع أنَّهم نَهوا أن يبيع (الكحول) مَن شاء من الناس؛ ليكونوا هم البائعين، فيختص ربْحُها بهم، وهو عظيم جدًّا، وكثير ممن في تركيا يَعلم اشتِغال بعض أعضاء المجلس الوطنيِّ بهذه التِّجارة، واتخاذ بيوتهم مَعامل المسكرات ومَخازِنَها، وكذا يعلم كلُّ من في تركيا أنَّ "مصطفى كمال" أشهر مدمني الخمر، لا يمرُّ عليه وعلى أصحابه وأحبابه وماسطيه يومٌ وليلة بلا مسكر"؛ صـ 121، 122.

 

إباحة اختلاط النِّساء بالرجال: يقول الشيخ في بوادر مَسألة الاختلاط التي بدأها الكماليُّون على تخوُّف، ثم سعَوْا فيها بكلِّ قوَّتِهم ونشاطهم: "وألَم يكفِكُم بعد مسألة الخلافة ما قد أفتَى مصطفى كمال لنفسه ولحكومته في مسألة اختلاط النِّساء بالرجال، ومقابلتهن، ممن يلقين من الرِّجال بِزيِّهن أو زيِّهم؟ وقد أمرَتْ حكومته بإزالة الحواجز الفاصلة بين مقاعد الرجال والنِّساء في التِّرامات والسُّفن وسائر المراكب والسينمات و(التياتر)، فأُزِيلت، فاستاء النَّاس منه، وسأل عنه بعض النُّواب فتهكَّم وزيرُ الداخلية في الجواب قائلاً: إنَّ الحكومة لاحظَتْ في رفع الستائر فائدةً صحِّية"؛ صـ128.


سَنُّ قوانين اجتماعيَّة يُقصَد بها ضرب أحكام الدِّين: يقول الشيخ تعليقًا على هذا: "ثُمَّ ألم يكفكم مشروعُهم النَّاهي عن تعدُّد الأزواج، وقد أحلَّه الله في كتابه على مثنى وثلاث ورباع، ومشروعهم الناهي عن زواج أبناء وبنات سنين أقلَّ من سبع عشرة أو ثماني عشرة؟"؛ صـ129.

 

إعلاء النَّزعة القوميَّة، وإحياء العِرْقيَّات العصَبِيَّة: كتب أحدُ الكتَّاب المصريين عن أحد رجالاتهم ونشاطه في إحياء النَّزعة الطورانيَّة التُّركية قائلاً: "فيوسف أقشورا بك مثلاً ما بَرِح قبل إعلان الدُّستور العثماني بسنين يَنْشر دعوته - بين رجال تركيا الفتاة - إلى نَبْذِ الجماعة الإسلاميَّة، وإضمار العدوان والأخذ بفكرة الجامعة الطورانيَّة، المبنية على التأليف بين الناطقين باللهجات التُّركية أولاً، ثم تكوين اتِّحاد حلفي منهم ومن الأمم التي أصلُها طوراني؛ مثل المجر (هنجاريا)، والبلغار، وفنلندا، فهو يَرى الاتِّفاق مع هؤلاء طبيعيًّا ومفيدًا أكثر من فكرة الجامعة الإسلاميَّة، وهذا الرَّجل وأمثاله يعتقدون أنَّ الدِّين الإسلامي هو عبارة عن احتلالٍ عرَبِي بسَطَ سُلطانَه على التُّرك، ودخل بيوتَهم، ومِن الواجب الخلاصُ منه بأيِّ حال"؛ صـ 130.


اتِّخاذ الرُّموز الوثنيَّة القديمة كشعارات، وإحياؤها: ومنها شعار "الذِّئب الأبيض" الذي وُضِع على طوابع البَريد وأغلب مرفقات الدَّولة، والذي ارتقَت الرِّوايات إلى كونه معبودًا مقدَّسًا قديمًا عند الأتراك، يقول شيخ الإسلام: "إنَّما مَرْماهم في إعادتنا إلى شعائر آبائنا القُدَماء الذين قطعَ الإسلامُ انتسابَنا إليهم وعلاقتنا بهم، إلى تبعيد الأمَّة - بأيَّة صورة كانت - عن شعائرها الإسلاميَّة، وروابطِها التي يَكرهونها قدْرَ ما يحبُّون منفعتهم الماديَّة الذاتية، وإلى تعويدها بشعائر الجنسيَّة (العصبيَّة) وعواطفها؛ لما يرون في إحيائها من أقوى ذريعة إلى إنساء الشَّعائر الإسلامية وعواطفها"؛ صـ151.


إثارة الخلافات بين المسلمين الأتراك والأقَلِّيات: 

مثل النَّصارى والأرمن والشَّركس وغيرهم، يقول شيخ الإسلام: "ولم يُهْمِلوا وسيلةً في تهييج البَغْضاء وإثارة الفتنة بين الفريقين - أعني: المسلمين والنَّصارى - وكل خَسَارٍ يحلُّ بهما فلَيْس بِخارجٍ عن مَقاصدهم ومطالبهم؛ لا سيَّما إذا تضمَّن ما يزيد في مكاسبهم"؛ صـ198.

 

ويقول الشيخ أيضًا في موضعٍ آخر: "... فلِهذا لم يَسْلَم من اعتدائهم في تركيا ما بين ألبانها وعرَبِها وأكرادها وأرمنها وأروامها وشَراكسِها وأتراكها، إلاَّ اليهود"؛ صـ 204.

 

فتح أزمير.. وهدم الدين:

يرى الشَّيخ "مصطفى صبري" أنَّ فَتْح "أزمير" المزعومَ الذي تباهى به الكماليُّون كان مُبرِّرًا لهدم عُرَى الخلافة العثمانيَّة وأواصرها وسط تخاذلٍ عربي واضح، وصل إلى حدِّ المُبارَكة للكماليِّين على جلِّ أفعالِهم التي بدَتْ في ظاهرها "إصلاحيَّة"؛ وذلك ذريعة هذا النَّصر الذي عُدَّ "أتاتورك" بعده من "الفاتحين المظفَّرين".

 

يصف الشيخُ فتْحَ "أزمير"، فيقول: "وكان فتحُ أزمير عملاً واجتهادًا في سبيل تلك الدُّنيا التي جرَّدوها عن الدِّين لا في سبيل الدِّين، وليس في ذلك الفتحِ نصيبٌ للدِّين إلاَّ تجريده عن نفوذه، وتبعيده عن حكومته، فهم بما أفادهم فتح أزمير من القدرة والجراءة، أظهَروا خلَّتَهم اللادينيَّة، والغافل يستدلُّ به على دفاعهم عن بيضة الإسلام، مع أنَّهم الذين ترقَّبوا فرصةً لافتراس دين الإسلام بادِّعاء احتراس الإسلام، وقد وجَدوها في فتح أزمير"؛ صـ176.

 

وقد كانت بصيرةُ الشيخ نافذةً حينما وصفَ فتح "أزمير" بأنَّه بِمثابة ذريعةٍ لِهدم الدين؛ فقد أثبتَتْ حوادثُ التاريخ أنَّ الانتصارات العسكريَّة المزعومةَ وصناعة "الأبطال الورقيِّين" كانت سياسةَ الأمم الغربيَّة لِمُحاربة هذا الدِّين وتسليط الطُّغاة على رقاب العباد والبلاد، ومن خير ما كتبَه أحدُهم أنَّه لكي تصنع بطلاً قوميًّا في الشرق؛ يكفيك أيُّ انتصار وهمي للبطل المزعوم، ثم الدَّندنة عليه ليل نهار، وتهويله في عيون النَّاس؛ ليصير هذا الشخصُ هو المخوَّلَ بالحق الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفه، ولَكُم في أزمير "أتاتورك" وسُوَيس "ناصر" خيرُ عبرةٍ وعظة.

 

يقول الشيخ "مصطفى صبري": "لئن كانت أزميرُ شرَّ ذريعة وشرَّ قوة في أيدي الكماليِّين لِهَدم ما كان للدِّين من الحُكْم على الحكومة في تركيا، فلعنة الله على أزمير وعلى فَتْحها واستردادها: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [المائدة: 36]، وإنَّ قَومي الأتراك إنْ نالوا شوكةً وقوَّة، وعُدِموا دينهم، فلا تُؤَسِّيني قوَّتُهم، بل تُضاعف أسفي؛ لأنَّهم ليسوا إذًا بِقَومي، بل أعداء ديني، ولا يسرُّني قوَّةُ الأعداء"؛ صـ 176.

 

نعمة الدين والخلافة والأمة:

يقول الشيخ في خاتمة رسالته مُخاطبًا المسلمين في عهده، وقد أبان لهم عن مكر الغرب الأوروبِّي بهم، وبِدَولة خلافتهم، وعن الطُّغاة الذين تسلَّطوا على الإسلام وأهله، وما زادهم ذلك - أي: المسلمين - إلاَّ ركونًا ورِضًا بمصيرهم: "فكأنَّ المسلمين ليس لديهم أساسٌ ولا قسطاس يُوزَن به كلُّ من يريد أن يتقدَّم عليهم، ويُسلمون قِيَادَهم إلى هديه؛ فلذلك تراهم يومًا يلبسون الشَّرع الأنوَر بشرع "الأنور"، ويومًا يَخضعون لحكم "مصطفى كمال"، أكثر من خضوعهم لأحكام الربِّ المتعال"؛ صـ207.

 

ثم يُذكِّر شيخُ الإسلام المسلمين في نهايةِ كلمات رسالته المتفجِّعة بنعمة الخلافة الضَّائعة على الدِّين والعباد والأمَّة، فيقول: "هذا، وما ذكَرْنا طيلة الصفحات بعضٌ مِمَّا اكتسبَتْه أيدي الاتِّحاديين والكماليِّين الذين قبَضوا على زمام الدَّولة العثمانية منذ ستَّ عشرةَ سنة، فارْجِع البصَر إلى ما قبلها؛ كيف تجدها عند القياس بحالتها التي هي عليها اليوم من حيثُ فسحةُ المَمْلكة وضيقُها، وعَمارُها وخَرابُها، ومن حيثُ كثرةُ نفوسِ الأمَّة وقِلَّتُها، ومن حيث معيشتُهم وثَرْوتُهم، وأمنهم وراحتهم، ثم ارجِع البصر كرَّتين؛ حتَّى تهتدي إلى إدراك الفرق بين ما كانت عليه الدولة؛ أَعنِي: (الدَّولة المعظَّمة الجامعة للسَّلطنة العثمانية والخلافة الكبرى الإسلاميَّة، مقترنة إحداهما بالأخرى، مع ما استتبعَتْه تلك المقارنة التي هي أزهى وأبهى من قِران السَّعدين عند الثَّقَلَين من حالات وعادات وملَكات دينيَّة وأدبية واجتماعية، توارَثْناهن من آبائنا، وكُنَّ كالمشخِّصات لأمَّتنا، تمتاز بهن، ولكلٍّ منهن قيمةٌ عظيمة لا تَعْدلُها فوائد العالم عند أقوام ذوي السَّجايا الرَّزينة التي تقوم بها حياةُ الأمم، وتدوم على قدر ما يحظَوْن منها)، وبين ما آلت إليه اليوم، وأعني به الدَّولة الصغيرة اللادينيَّة القوميَّة!!"؛ صـ209.


المصدر