‏إظهار الرسائل ذات التسميات قراءة في كتاب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قراءة في كتاب. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 28 سبتمبر 2026

عرض كتاب تجديد الخطاب الديني

 عرض كتاب تجديد الخطاب الديني



تنطلق دعوات تجديد الخطاب الديني؛ تحمل خبثا بحسب مصادرها يجب الحذر منه. وأما التجديد المشروع فمطلوب وله ضوابطه ومجالاته، وهو إحياء للدين وليس تبديلا له.

مقدمة

يختلف المقصود بمصطلح “تجديد الخطاب الديني” بحسب المصادر التي تقول به؛ فمصادر الغرب وأذنابه تعني به التحريف والانسلاخ مما جاء به رسول الله. بينما المقصود به شرعا إحياء ما اندرس وإقصاء البدع ونشر العلم وإقامة الحياة على وفق دين الله تعالى. ومن هنا اخترنا هذا الكتاب القيم لعرضه لتناله هذا الموضوع الحيوي.

اسم الكتاب: تجديد الخطاب الديني .. بين التأصيل والتحريف

المؤلف: الدكتور / الشيخ محمد بن شاكر الشريف

الناشر: مجلة البيان

الطبعة: الأولى، ١٤٢٥ هـ – ٢٠٠٥ م

عدد الأجزاء: ١

عدد الصفحات: ١٥٣

فكرة الكتاب

تدور فكرة الكتاب حول الإجابة عن مجموعة من التساؤلات:

ما معنى تجديد الخطاب الديني؟ وما مراد المتكلمين به الآن؟ ومتى كانت البدايات الحقيقية له؟ وما هي أهدافهم من وراء ذلك؟ وما هي وسائلهم لتحقيق تلك الأهداف، وما أثر ذلك على المسلمين في دينهم ودنياهم؟ وما هو مستقبل هذه الدعوة؟ وماهو دورنا نحن إزاء ذلك؟

محتويات الكتاب

مقدمة موجزة وفصلين: الأول التجديد من الناحية التأصيلية، الثاني التجديد من الناحية التحريفية.

الفصل الأول: التجديد من الناحية التأصيلية

يستهل الكاتب هذا الفصل بتعريف معنى كلمة “الجديد” لغويا واصطلاحيا، ويشير إلى أنه قد وردت في القرآن الكريم كلمة “الجديد”، في الحديث عن البعث بعد الموت، ويتبين له أن:

“تجديد الدين لا يعني تغييره أو تبديله، وإنما يعني المحافظة عليه”.

ويخلص إلى أن التجديد عملية إصلاحية وليس تخريبية؛ التجديد المشروع هو إعادة الدين إلى النحو الذي كان عليه في زمن النبوة، ويؤكد أن التجديد مطلوب شرعا وواقع قدرا..

أما طلبه الشرعي، ففيما جاء من التكليف بالعمل بما فيه وتبليغه للناس، وثمة آيات كثيرة تحث على التمسك بالدين والعمل به، فضلا عن أحاديث نبوية تشير إلى حاجتنا إلى الفهم والعمل، فالحفظ من غير فهم أو عمل به يضيع العلم، لذا يحتاج المسلمون إلى نشر علوم الدين والعمل بها، لا سيما وأن العلم ينقص بموت العلماء، مما يوقع في الجهل والضلالات ويؤدي إلى التهلكات، وبالتالي تعدد الفرق الدال على التباين الكبير في القدرة على الفهم الصحيح، مما يدل على الحاجة إلى التجديد من تلك الفرقة الناجية.

ضوابط التجديد المشروع

في مبحث آخر يتحدث الشيخ عن ضوابط التجديد المشروع، ومن أهمها:

١- صفات المجدد الحق، إذ من العبث أن يقوم بالتجديد أو من يدّعيه من لا تربطه بالدين إلا علاقة التضاد أو النقد له أو التهجم عليه، ثم يشرع في بيان هذه الصفات المؤهلة للتجديد المشروع.

٢- بيان الكتاب والسنة، والمقصود انطلاق التجديد من هذه القاعدة ومحكوما بها، فهُما حَوَيا بيان كل شيء.

٣- عموم الرسالة، فرسالة الرسول صلى الله عليه وسلم للناس عامة، شاملة للزمان كله وللمكان كله وهو الأرض جميعا.

٤- عصمة الأمة، من أن تجتمع على خطأ، فاتباع الإجماع يعصم من الوقوع في الخطأ في الفهم والاستدلال؛ وبالتالي فالتجديد مرتبط بموافقة الإجماع كما هو مرتبط بموافقة النصوص الشرعية.

٥- اتفاق الشرع الصريح مع العقل الصحيح.

٦- اتفاق الشرع الصريح مع المصلحة.

٧-  لا اختلاف في الشريعة، ولا تناقض، لأن الدين ليس من وضع البشر.

٨- الشريعة تُفهَم بلغتنا، فالتجديد المشروع هو الذي يتعامل مع الشريعة على أنها وحدة واحدة، فلا يأخذ البعض ويترك البعض الآخر، وينبغي أن يقوم على فهم الشريعة وتفسيرها، بلغة الضاد وأساليبها.

٩- تحقيق المقاصد الشرعية.

١٠- قبول الشريعة كلها.

ثم يتحدث عن أن “التجديد” ليس لفظا غريبا على لغتنا، ولا من مفردات العصر الحالي، بل هو لفظ أصيل في لغة العرب، وجاءت مادته في النصوص الشرعية.

حدود التجديد المشروع

ثم يذكر حدود التجديد المشروع في ثلاث دوائر رئيسية:

نشر العلم بين الناس، إزالة كل ما علَق بالدين مما ليس منه من أخطاء، التمسك بما ورد في الشرع كله والتقيد به.

ثم يعرض الكاتب لفوائد تجديد فهم الدين؛ كونه طريقة لحفظ الدين على صورته النقية بعيدا عن البدع أو الأقوال الباطلة التي نسبت إليه؛ وبذلك فهو دعوة المصلحين وعمل المخلصين ومنهاج المحافظين.

الفصل الثاني: التجديد من الناحية التحريفية

يستهل الكاتب هذا الفصل بالإشارة إلى وجود اتجاهين:

اتجاه ينادي به كما ورد في الفصل الأول وهم قِلة، وغالبيتهم من أهل الاختصاص، لكن صوتهم لا يسمع بسبب صخب الفريق الآخر؛ ذلك الاتجاه الذي ينادي بالتجديد، ويفهمه على أنه تغيير للمحتوى وليس تطويرا للأسلوب، ويرى أن التغيير يجب أن يطال أصول الدين وفروعه، ليتوافق ومتغيرات العصر. وتتجلى خطورة هذه الدعوة في إخضاع الدين للعقل البشري، مما يعرضه للتغيير المستمر، مما يفقد الأمة أهم مصادر عزتها، فتتحول إلى أمة بلا هوية ولا تاريخ، ولا دين، ذليلة تابعة، وهذا ما يتيح الفرصة لجمعيات التنصير التي تنشط في المجتمعات التي تجهل حقيقة الإسلام، فضلا عن قتل روح الجهاد في النفوس، والعبث بحاضر الأمة ومستقبلها، وإيجاد قطيعة مع السلف.

خطورة دعوة التجديد بصيغتها المحرفة

وبالنسبة للكاتب، فإن ما يقوّي خطورة دعوة التجديد بصيغتها المحرفة: مكانة المنادين بذلك، حيث تتاح لهم كل وسائل الإعلام، ثم مساندة الدول الصليبية لهم أدبيا وماديا، كذلك الضعف الشديد للمجتمعات المسلمة.

والمجددون المعاصرون مقلِدون، ويستندون على حالة الجهل والتخلف التي تتخبط فيها المجتمعات الإسلامية، وإن اتفق خطابهم ظاهريا ودعاوى الغيورين على الدين وأحوال الأمة، لكن الاختلاف بينهما يتجلى في الأساس الذين ينطلق منه المجددون المعاصرون، والمشروع التجديدي الذي يطرحونه؛ فهم يطمحون إلى تحويل الإسلام إلى نسخة من النصرانية المحرفة، ومشروعهم لا يحث على العلم للرقي بهذه الأمة، وإنما السعي إلى إلغاء أو تحوير بعض الأحكام الشرعية التي ينتقدها الغرب.

أما ملامح منهج التجديد العصري، فيمكن حصرها في تقدير العقل، العناية الزائدة عن الحد بالمصالح، تقديم الاجتهاد المقاصدي على الاجتهاد الشرعي التفصيلي، تعدد القراءات واختلافها، تاريخية الشريعة، الخروج على مصادر الحجة، اختراع علل الأحكام، التيسير والتخفيف، تقليل شروط الاجتهاد.

وهذا الاتجاه لكونه غير منضبط بقواعد صحيحة ينضوي تحته الكثيرون، ورغم ما يشيعون في خطاباتهم من قيم التسامح والحرية والاعتراف بالآخر، يتهمون الغيورين على الدين بالرجعية والظلامية والتزمت.

مراحل تحريف الدين في تاريخنا الحديث

وفي مبحث تشريحي هام، يقسم الشيخ محمد بن شاكر الشريف مراحل تحريف الدين في تاريخنا الحديث باسم التجديد والإصلاح إلى خمس مراحل:

١- البداية: كانت ظهرت مع بشائر القرن الثالث عشر الهجري، مع الاحتكاك المباشر بالحضارة الغربية، فدعوا إلى التقريب بين الأديان، وتفسير “الجهاد” على أنه دفاع عن الأوطان فقط، وإنكار جهاد الطلب، وتقديم شروح لبعض الأمور الغيبية من منظور العلم التجريبي، وبالتالي إنكار حقيقتها. وأطلق على هذه المرحلة “مدرسة الإصلاح” وشخصيتها الأبرز الشيخ محمد عبده.

٢- التغريب: وتبدأ تقريبا من الربع الأول من القرن الرابع عشر الهجري، والتغريب حركة فكرية قامت على اتخاذ الغرب النصراني قدوة في كل المجالات، ويمثله في الجانب الاجتماعي “قاسم أمين”، حامل لواء تحرير المرأة، وسياسيا الشيخ “علي عبد الرزاق”، وثقافيا الدكتور “طه حسين”.

٣- العصرانية: ظهرت مع منتصف القرن الرابع عشر الهجري، وتدعو إلى قراءة جديدة للنصوص الشرعية، وإعادة تفسيرها، وفقا لمنجزات العصر العلمية والفكرية، ممّا يُفقدها قدسيتها.

ومن الأساليب المتبَعة في تمرير خطابهم التحريفي: الادعاء بأن العبرة بالقيمة والمضمون لا بالشكل والقالب (فهم يحاربون ستر المرأة جسدها وعفتها، وكذلك العودة إلى النظام السياسي الإسلامي).

ومن أساليبهم المتبعة: دعوتهم إلى الاجتهاد وترك التقليد، استحداث قواعد جديدة للفهم والاستنباط؛ الغرض منها وضع فقه تابع لمتغيرات الواقع المعاصر.

ثم هناك الدعوة إلى التعددية (الهدف منها إهدار الأحكام الشرعية المتعلقة بعلاقة المسلم بالكافر وإلغاء الفروق بينهما، لذا يروج المجددون في كتاباتهم لفظ “الآخر” بدل الكافر، والجانب الآخر للتعددية هو استدعاء النموذج الديموقراطي الغربي، وتصديره لبلاد المسلمين والتبشير به). وأخيرا، ادعاؤهم بأن الأحكام الشرعية تتغير بتغير الزمان.

٤- العولمة: بعد انهيار المعسكر الشرقي، في نهاية ثمانينات القرن العشرين، وانفردت أمريكا بقيادة العالم، وروَّجَت مصطلح “العولمة”، لصهر كل الشعوب في منظومتها الفكرية والثقافية والأخلاقية. وفي ظل صخب صوت العولمة الهادر، سيبدأ النداء بقوة بالدعوة لتجديد (تحريف) الخطاب الديني، بدعوى أنه لن يعود لأي شعب هوية ذاتية أو استقلال فكري وحضاري وثقافي.

علمنة المناهج التعليمية وخطورته

أما أخطر الوسائل المتبعة لتجديد الخطاب الديني في ظل العولمة، فهي تحوير المناهج التعليمية وعلمنتها، تزييف التاريخ، وحذف بعض الآيات والمواضيع نهائيا من المقررات المدرسية، ومساهمة بعض الأمريكيين في تعديل المناهج، بالإضافة إلى التضييق على المدارس والمعاهد الدينية، واستخدام القروض والمنح في الترغيب والترهيب.

فالمطلوب من المناهج التعليمية ـ حسب المفهوم العولمي ـ أن تخدم مفهوم السلام العالمي، وألّا تقدم الإسلام كدين متميز عن باقي الأديان المحرفة. كما يتم استخدام وسائل الإعلام وخطبة الجمعة، ولأن هذه الأخيرة أقوى تأثيرا من كل وسائل الإعلام، تحدد نوعية الخطب، وتنتهج سياسة “تجفيف المنابع”؛ منابع التدين عند الناس، فتفصل الدين عن الحياة، وتركز على الشعائر التعبدية والأخلاق والسلوكيات الحسنة والعلم الدنيوي، ويمنع الخطباء للتعرض لكفر اليهود والنصارى، وكشف تحريفات كتبهم المنزلة. كما تجرى دورات تدريبية مكثفة للخطباء لتعريفهم بمتطلبات تجديد/تحريف الخطاب الديني، وبعضها يتم في الولايات المتحدة الأمريكية. ويتم إغراق الناس بالنتاج الفني، الذي يحرض على الوقوع في الرذيلة والتفسخ الأخلاقي، ويساعد على ذلك الوضع الاقتصادي المتردي وتأخر سن الزواج.

٥- فرض التجديد (التحريف) بالقوة: في هذه المرحلة الأخيرة، لجأت أمريكا وحلفاؤها الصليبيين إلى توفير الدعم السخي للمتعاونين معهم من المسلمين، فتتغاضى عما ترتكبه حكومات البلدان الموالية لها في حق شعوبها.

وقد لجأ الصليبيون إلى فرض التغيير بالقوة، والتهديد تارة وباستخدامها تارة أخرى.. للحيلولة دون نشوء جيل جديد يتمسك بفهم السلف الصالح للدين. تدفعهم عدة عوامل إلى ذلك منها: انهيار توازن القوى وانفراد أمريكا بالقوة، طول الطريق وبطؤه، والتي قد تمتد عقودا أو قرونا، والخوف أثناءها من استعادة الأمة الإسلامية عافيتها، ثم هناك وجود معوقات حقيقية منها طبيعة الإسلام العصية على التحريف، ووجود فئة قيض لها الله عز وجل حفظ الدين. كذلك ضعف الأمة العربية والإسلامية، الاستعجال الشديد لإحداث التغيير، واستغلال أحداث “الحادي عشر من سبتمبر” للإعلان عن حقدهم على المسلمين، والترويج لمصطلح “الإرهاب” وإلصاقه بالإسلام والمسلمين. وشنت الحرب الشرسة على الإسلام، وحورب في المدارس والمساجد، بالاستعانة بالأئمة المضللين، لأنه دين يفرخ الإرهابيين، حسب المفهوم الأمريكي.

وتتمثل دوافعهم في إزالة العوائق أمام الخطط الاستعمارية، الاستعداد والتجهيز للمعركة الفاصلة، إيقاف مقاومة العولمة، والاستمرار في الانفراد بقيادة العالم، مع نهب ثروات البلدان وسرقة خيراتها.

والهدف الرئيس إفقاد الإسلام خاصية ثبات الأحكام الشرعية، التمكين للحداثة والعلمانية، وضمان عدم عودة الإسلام إلى موقع الريادة، وتمكين الجمعيات والمؤسسات التبشيرية من العمل في بلاد المسلمين، مع فرض هيمنة الثقافة الأمريكية.

وهذا ما يؤكده انطلاق هذه الدعوة بقوة مع إعلان أمريكا الحرب على بعض البلاد الإسلامية، مما يدل على وجود علاقة بين الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني والحرب الأمريكية الصليبية على الإسلام والمسلمين، والدعوى بأن تجديد الخطاب الديني علاج للتطرف والإرهاب.

ويهدف المشروع الأمريكي لتطوير الخطاب الديني إلى عزل الإسلام عن الحياة وتكريس العلمانية في بلاد المسلمين، وربط ذلك التجاوب بالمعونات الأمريكية.

الخاتمة

مستقبل دعوة التجديد

في خاتمة كتابه، يتفاءل الكاتب بأن هذه الدعوى ستُطوَى كغيرها من الدعوات الباطلة لما حوَتْه من فساد ذاتي، ويرى أن خطرها يستفحل إذا ما التزمت بها الدول، وحاولت فرضها بالقوة، ومَنَعت أهل العلم من بيان فسادها، وترَكَت تلك الدعوة تعرض نفسها في سوق الفكر والثقافة.

دور المسلمين في مواجهة التجديد التحريفي

رأى أنه على كل مسلم بحسب وضعه ومكانته وتخصصه دور في مقاومة هذا الاتجاه، ويدعو أصحاب القرار السياسي إلى الصمود والمقاومة، والحرص على تلاحم الشعوب.

المصادر:
  • تجديد الخطاب الديني.. بيرابط ن التأصيل والتحريف.
  • قراءة في كتاب “تجديد الخطاب الديني.. بين التأصيل والتحريف” لمحمد بن شاكر الشريف / هشام بن الشاوي.
رابط تحميل الكتاب كاملا
تجديد الخطاب الديني .. بين التأصيل والتحريف

الأحد، 27 سبتمبر 2026

طارق بن زياد، فاتح الأندلس، شخصيات من التاريخ

( مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ)

طارق بن زياد، فاتح الأندلس، شخصيات من التاريخ

" أدركنا يا لوذريق. . . . فإنه قد نزل علينا قومٌ لا ندري أهم من أهل الأرض أم من أهل السماء! " 

(قائد القوات القوطية) 
 للَّه درُّ بلاد الجزائر كم أخرجت من عظيم لهذه الأمة، فعظيمنا الآن هو فاتح إسلامي خرج من صحراء هذه الأرض العظيمة التي دأبت على تخريج الأبطال وكأنها مدرسة للثوار، فبطلنا هو طارق بن زياد فاتح الأندلس العظيم. 
والحقيقة أن الحديث عن الأندلس لهو حديث طويل في سرده، غزير في أحداثه، شجيٌ في ذكرياته، يمتد إلى ما يزيد عن ٨٠٠ سنة في تاريخ أمة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-، أي أكثر من نصفها، لذلك سوف أتطرق إلى قصة الأندلس تباعًا إن شاء اللَّه، لا من أجل البكاء على اللبن المسكوب، فليس ذلك أبدًا ما نرمي إليه، ولكننا نحسب أن تاريخ الأندلس كقصة صعودٍ وهبوطٍ متكررةٍ خلال ثمانية قرونٍ أو يزيد من حكم المسلمين يجسد خير مثالٍ يمكن أن يوضح لشباب هذه الأمة أسباب الصعود وأسباب الانحدار، فمن حكمة اللَّه سبحانه وتعالى أن جعل سنته في الأرض ثابتة لا تتغير، فإذا ما درسنا أسباب صعود المسلمين وانتصاراتهم في فترة من الفترات ثم عملنا بها، فإننا حتمًا سنصعد وننتصر، وإذا ما درسنا أسباب الهزيمة والانحدار تجنبناها. . . وهكذا. 

ثم إن قصة الحضارة الإسلامية في الأندلس لهي قصة فريدة من نوعها، لم تعرف البشرية مثلها من رقي وعلم وازدهار وتسامح بين الشعوب والأديان، حتى من وجهة النظر الغربية.

وقبل أن ندرس حكاية هذا البطل العظيم أو نحكي حكاية الأندلس هناك نقطة وجب طرحها:
لماذا قطع العرب المسلمون آلاف الأميال من صحراء جزيرتهم للوصول إلى أرأضي شعوب أخرى كالبربر والفرس والروم؟ 
أليس ذلك نوعٌ من الاحتلال لأراضي الغير؟ 
الحقيقة أن هذا السؤال قد يثير الريبة لدى البعض، وقد يذهب البعض إلى مقارنة الفتوحات الإسلامية بالاستخراب الأوروبي في القرنين التاسع عشر والعشرين، والواقع أنه ليس هناك وجه للمقارنة في ذلك، فالمُطلِعُ على تاريخ الحروب منذ أيام الإسكندر المقدوني مرورًا بغزوات الرومان والمغول وحتى الحروب الحديثة من نابليون إلى هتلر يجد أن هدف الجيوش على مر التاريخ لا يخرج عن ثلاثة، فإما الامتداد الجغرافي والاقتصادي كحال الإمبراطورية الرومانية (إمبراطورية اكتسحت ثلاث قارات)، 
أو السيطرة والهيمنة الفكرية كحالة أمريكا مثلًا (نشر المثل الأمريكية في العالم)، أو حتى اللا هدف أو العبثية كحالة التتار المغول (لم يكن للتتار أي هدف في حروبهم!). 

أما في حالة المسلمين فقد كان الوضع مختلفا بالكلية، فكانت الحروب الإسلامية استثناء لهذه القاعدة الثلاثية الأبعاد، فقد كان للمسلمين هدفٌ واحدٌ فقط: 
تبليغ رسالة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- لكل البشر في كل أصقاع الأرض. 
وهنا يعلق البعض: 
لماذا حارب المسلمون ودمرّوا الإمبراطوريات المختلفة ولم يكتفوا بالتبليغ فقط من دون حروب؟ والإجابة هي أن هذا بالفعل ما فعله المسلمون في البداية، فلقد أرسل المسلمون الرسل تلو الرسل إلى حكام الأرض فقتلوهم قبل أن تصل رسالة الإسلام إلى شعوبهم، فرسالة الإسلام بما تحمله من أفكار تساوي بين البشر تتعارض بالضرورة مع شريعة الملوك الطبقية التي تستعبد الشعوب وتضطهد الفقراء، فمن الطبيعي أن يمنع هؤلاء شعوبهم من أن يعرفوا شيئًا عن الإسلام بما يحمله من خطورة على عروشهم، فواللَّه ما أخرجنا الجيوش إلّا بعد قتل الرسل والدعاة، أما في حالة إتاحة الحرية للرسل والدعاة ليبلغوا دعوة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- للإنسانية فإنه لم يُرفع سيف واحد هناك، ولعل أندونيسيا أكبر دولة إسلامية أكبر مثالٍ على ذلك. 
ولكن إن كان الهدف من الفتوحات هو نشر الإسلام فلماذا لا نجد وجودًا للمسلمين في الأندلس أي من سكان إسبانيا والبرتغال الآن؟ 
والإجابة على ذلك أن أغلبية المسلمين في الأندلس (إسبانيا والبرتغال) كانوا أصلًا من السكان الأصليين الذين اعتنقوا الإسلام وليس كما يظن البعض أنهم من المهاجرين العرب والبربر، ولكن هؤلاء المسلمين إمّا رُحِّلوا من ديارهم أو قتلوا في محاكم التفتيش (كما سنرى لاحقًا!). 
أما السر الخفي في فتح المسلمين للأندلس والذي قد يعجب منه الكثيرون، أن الأندلس كانت بالفعل أرضًا إسلامية لعشرات السنين حتى قبل أن يولد طارق بن زياد نفسه! 
بل إن الأندلس كانت دولة إسلامية مستقلة حتى ٢٠ عامًا قبل بعثة رسول اللَّه!!
وقصة الأندلس تبدأ عندما استوطن القوط الغربيون هذه البلاد، والقوط الغربيون ليسوا من هذه البلاد أصلًا، بل هم من بلاد أخرى، وبالتحديد من شمال أوروبا، والأندلس اسم كان يطلق على شبه القارة الإيبيرية، والتي تكوِّن الآن دولتي إسبانيا والبرتغال، وكان يحكم القوط الغربيين في هذا الوقت ملك اسمه (غيطشة)، غيطشة هذا قتله أمير ماجن اسمه (لوذريق) والذي قام بالاستيلاء على العرش وفرض الضرائب الباهظة، فكرهه الشعب الأندلسي، وساد القهر والظلم في أرجاء الأندلس.

أمّا في الجهة الأخرى من اليابسة وبالتحديد في مدينة طنجة فكان يحكمها رجل أشقر الشعر، أزرق العينين، طويل القامة، مفتول العضلات ينتمي إلى شعب البربر الذي تعود جذوره إلى أوروبا وبالتحديد من العنصر اللاتيني هناك، هذا الرجل كان وثنيًا يعبد الأصنام من دون اللَّه، فجاءه العرب بالإسلام، فأعجبته تعاليمه الرائعة وفكرته البسيطة في الوحدانية، فآمن بهذا الدين وأصبح شغله الشاغل هو تعريف بقية البشر بهذا الدين، فبعد أن كان هو وقومه عبيدًا للرومان الذين كانوا يحكمونهم بالسيف، جعله الفاتحون العرب حاكمًا لطنجة ليحكم المسلمين عربًا وبربرًا على حد سواء، هذا الرجل هو طارق بن زياد البطل الإسلامي العظيم والي الأمويين في طنجة. 
فبعد أن تسلم طارق رسالة من "القيروان" من القائد العام لإفريقيا يخبره فيها بإذن الخليفة الأموي (الوليد بن عبد الملك) رحمه اللَّه بنشر الإسلام في الأندلس، عبر طارق البحر بسبعة آلاف مقاتل غالبيتهم العظمى من البربر الذين دخلوا الإسلام جديدًا، ليقاتل المسلمون الحامية القوطية في الجنوب قبل أن يمحقوها محقًا، عندها هرب قائد الحامية، ليرجع سرًا بالليل إلى أولئك الفاتحين المجهولين يراقبهم لكي يعرف سر قوتهم، عندها رأى ذلك الرجل العجب!
لقد رأى ذلك القائد القوطي أولئك المقاتلين الأشداء الذين كانوا يقاتلون كالأسود المفترسة في الصباح وهم يصلون لربهم ويقيمون الليل ركّعًا سجّدًا، رآهم يقرؤون كتابًا تسيل دموعهم وهم يتلونه، فلم يصدق هذا القائد ما رآه، فأسرع برسالة إلى الملك لوذريق في "طليطلة" العاصمة بكتاب من جملة واحدة: "أدركنا يا لوذريق فإنه قد نزل علينا قوم لا ندري أهم من أهل الأرض أم من أهل السماء! ".

وفعلًا تقدم الملك لوذريق بجيش قوامه مائة ألف فارس مجهزين بأحدث الأسلحة، وقد أمرهم لوذريق أن يجلبوا معهم حبالًا كثيرة لربط المسلمين بها بعد أن يهزمهم، فأرسل طارق بن زياد إلى القائد العام للمسلمين في أفريقيا يطلب منه المدد، فوصل مدد إسلامي لطارق قوامه خمسة آلاف مقاتل فقط ليصبح مجموع جيش المسلمين اثني عشر ألف جلهم من المشاة مقابل مائة ألف فارس من النصارى القوط. والتقى الجيشان في معركة "وادي برباط" الخالدة في ٢٨ رمضان من عام ٩٢ هـ، هذه المعركة التي لا نعرف عنها شيئًا لا تقل عظمة عن معركتي "اليرموك" و"القادسية". 
 وبدأت المعركة. . . . 
واندفعت أمواج النصارى نحو المسلمين كالموج الهادر، ولكن شتان ما بين جيشين اختصموا في اللَّه، فئة تقاتل ومعها الحبال وفئة تقاتل ومعها اللَّه! 
وبعد ثمانية أيام من القتال فيها عيد الفطر، وبعد استشهاد ثلاثة آلاف مسلم، انتصر المسلمون، وقتل المسلمون الملكَ المغرور لوذريق صاحب الحبال، فانطلق طارق يفتح المدن الأندلسية واحدة تلو الأخرى دون قتال، بعد ما سمعه الشعب الأندلسي عن شراسة هذا الجيش المرعب وسماحة الحكم الإسلامي، لتنتشر كتائب النور الإسلامية في رحاب الأندلس تنشر الإسلام في ربوعها لتنير شعلة التوحيد في هذه البلاد من جديد! 
 هناك مسألة خطيرة وجب التنبيه إليها ونحن نذكر قصة هذا القائد العظيم. . . . 
ألا وهي تلك المقولة التي ورثناها أبًّا عن جد ودرسناها في مدارسنا وأصبحت وكأنها حقيقة كونية، ألا وهي المقولة التي نسبت للقائد الإسلامي طارق بن زياد "البحر من خلفكم والعدو من أمامكم". 
والحقيقة أن هذه الرواية ما هي إلا رواية كاذبة ومزورة وضعها المستشرقون ليبرِّروا هزيمة مائة ألف من النصارى أمام اثني عشر ألف من المسلمين، أولئك المستشرقون أرادوا إيهامنا أن المسلمين إنما قاتلوا الصليبيين مكرهين لعدم وجود سفن للهروب! ولعل أولئك المستشرقين لم يفهموا بعد أن المسلمين يبحثون عن الشهادة بحثًا، وكأن المسلمين انتصروا يومًا بكثرة العدد؟! 
ثم إن هذه الرواية لم ترد أبدًا في أمهات كتب التاريخ الإسلامية بل وردت في المصادر الأوروبية فقط، ولم يرد في أي كتاب من الكتب الإسلامية تعقيب على هذه الفعلة المزعومة إن كانت حرامًا أو حلالًا، ثم إن قائدًا محنكًا مثل طارق كان يعرف بالتأكيد إمكانية هزيمته (وهذا شيء وارد)، فكان لزامًا عليه أن ينسحب بالجند إلى البر الآخر حيث المسلمين، وهذا أمر جائز في الشريعة وليس عيبًا، والأهم من ذلك كله وهو الذي يفند هذه الرواية الخبيثة تفنيدًا تامًا أن تلك السفن لم تكن ملكًا للمسلمين أساسًا حتى يسمح المسلمون لأنفسهم بحرقها! 
 فلمن كانت ملكية تلك السفن؟ 
وما العرض العجيب الذي تلقاه طارق بن زياد رحمه اللَّه وهو في طنجة؟ 
ومن هو ذلك البطل العظيم الذي يرجع الفضل إليه قبل طارق وبعد اللَّه في فتح الأندلس؟ 
ولماذا تجاهلته كتب التاريخ الحديثة؟ 
وكم كان عمره عندما قاد جيوش الفتح الإسلامي في أوروبا؟ 
وما هي الخطة العجيبة التي أراد فيها هذا القائد الإسلامي العظيم احتلال أوروبا بأسرها؟!


" القائد العابد" (موسى بن نصير)

" واللَّه لو انقادوا إليَّ لقدتهم إلى رومية (روما) ولفتحها اللَّه على يدي إن شاء اللَّه"

(موسى بن نصير)

لكي أكون منصفًا. . . . لا بد أن أذكر أنني قرأت عن هذا القائد المجهول في كتب التاريخ المدرسية، ولكني أذكر أيضًا أنني لاحظت لمز الكتاب بأن موسى بن نصير هذا الذي كان واليًا للشمال الأفريقي إنما كان يغار من مولاه طارق بن زياد بعد فتحه للأندلس مما دفع القائد موسى للإسراع إلى الأندلس حتى يُنسب المجد إليه لا لطارق! وهنا أسأل نفس السؤال الذي سألته من قبل والذي سوف أسأله مِرارًا في صفحات هذا الكتاب: لمصلحة من يُشوَّه تاريخنا ويُصوَّر أبطالنا كأنهم أناس انتهازيون إن لم يكونوا مجرد مجرمين في بعض الحالات؟!

ليس عندي من الشك أدناه أن من يشيع مثل هذه الروايات الكاذبة لا يقصد هؤلاء الأبطال بقدر ما يقصدك أنت بالتحديد!!! فهو يعلم أنه بذلك يجعل الفرد منا يمقت هذا التاريخ الذي يبدو أسودًا بفضلهم، والحقيقة أن تاريخنا إذا ما أزيح الغبار عنه -وهذا ما نحاول فعله في هذا الكتاب- فإننا سنجد تاريخًا مشرقًا ناصع البياض لم تعرف أمم الأرض تاريخًا مثله، عندها سيكون لشبابنا القدوة تلو القدوة، وعندها فقط ستأخذ الأمة بأسباب النصر التي أخذ بها أجدادنا لننتصر بعد ضعف، كما انتصروا هم بعد ضعف!

والحقيقة التي أخفاها أولئك المزورون أن القارئ لترجمة موسى بن نصير من مصادرها الأصلية ككتاب "البداية والنهاية" لـ (ابن كثير) يجد أمامه بطلًا عجيبًا غير من مسار التاريخ، فقد تولى موسى بن نصير ولاية الشمال الأفريقي بأكملها وهي تعج بالفوضى والثورات، فلاحظ أن قبائل البربر ترتد عن الإسلام ثم تعود للإسلام مرةً أخرى وهكذا دواليك، فأدرك رحمه اللَّه أن السبب الرئيسي لارتداد البربر هو عدم 
فهمهم لتعاليم الشريعة الإسلامية التي أتت باللغة العربية التي لا يفهمونها أصلًا، فقام القائد موسى باستحضار التابعين من بلاد الشام واليمن ليعلموا الإسلام للأمازيغ ممن يعرفون العربية، ثم يقوم هؤلاء بدورهم بتعليم أبناء جلدتهم بلغتهم، وهكذا حتى يفهم الناس الإسلام بدون عجلة، فلمّا استتب الأمر في شمال أفريقيا كله جاء الدور لنشر الإسلام في أوروبا وتحرير أوروبا من حكم الرومان الذي كانوا يستعبدون كل شعوب أوروبا، ولكن كانت هناك مشكلة كبيرة، فلقد كان المسلمون يفتقدون للأسطول البحري، عندها قام القائد موسى ببناء ميناء "القيروان" لصناعة السفن، وبينما كان المسلمون يأخذون بأسباب النصر حدث شيء غريب! 
فلقد وصلت رسالة سرية إلى أمير طنجة طارق بن زياد مصدرها مدينة "سبتة" المغربية التي كانت تحت حكم ملك نصراني يسمى (يوليان)، فقد كان لهذا الملك بنت فائقة الجمال اسمها الأميرة (فلوريندا)، ابتعثها أبوها إلى قصور إسبانيا لكي تتعلم هناك، فهاجمها الملك (لوذريق) واغتصبها، فأرسلت برسالة إلى أبيها تشكو له ما جرى لها، فعرض هذا الملك النصراني على طارق بن زياد أن يسلمه مدينة سبتة وأن يعيره السفن اللازمة للفتح الإسلامي للأندلس وأن يرشده على الطرق المجهولة في جبال الأندلس مقابل القضاء على لوذريق، على أن يعطيه المسلمون ضيعًا كان يملكها الملك غيطشة إذا ما فتحوا تلك البلاد. 
إذًا فالسفن التي أبحر بها طارق إلى الأندلس لم تكن مُلكًا للمسلمين بل كانت مُلكًا ليوليان وجب على طارق إرجاعها له بعد الفتح، وهذا ما يفند رواية الحرق!

وبعد أن انتصر طارق بن زياد في معركة "وادي مرباط" التي سبق وأن ذكرناها في معرض حديثنا عن طارق، أسرع القائد موسى بن نصير إلى الأندلس وهو شيخ قارب على الثمانين من عمره ليجاهد في سبيل اللَّه، بل إن القائد موسى أراد أن يذهب إلى أبعد من ذلك بكثير، فرغم سنه المتقدمة أراد هذا العظيم الإسلامي أن ينفذ خطة يراها المؤرخون معجزة عسكرية! 
هذه الخطة كانت قد راودت الخليفة الراشد (عثمان ابن عفان) رضي اللَّه عنه وأرضاه من قبل، ألا وهي فتح "القسطنطينية" عاصمة الروم من الغرب بدلًا من الشرق! 
فبعد أن فتح هذا الشيخ الثمانيني "إسبانيا" و"البرتغال"، استأذن موسى بن نصير الخليفة الأموي (الوليد بن عبد الملك) بأن يفتح كل من "فرنسا"

ص85 – ١٨ - القائد العابد (موسى بن نصير)


و"إيطاليا" و"سلوفينيا" و"كرواتيا" و"النمسا" و"صربيا" و"بلغاريا" ثم "اليونان" قبل أن يفتح "القسطنطينية"!!!

المهم أن الخليفة الأموي جزاه اللَّه خيرًا رأى أن تلك المهمة قد تعرض حياة المسلمين للخطر، فرفض تلك الخطة، أما "القسطنطينية" فقد فتحها المسلمون بعد ذلك كما سنرى في هذا الكتاب، وأما القائد موسى فقد قال:

"واللَّه ما هزمت لي راية قط، ولا بدد لي جمع، ولا نكب المسلمون معي منذ اقتحمت الأربعين إلى أن بلغت الثمانين"

الطريف في الأمر أنه كما أن عمل طارق بن زياد كان في ميزان حسنات موسى ابن نصير، فإن حسنات الاثنين معًا كانت في ميزان صحابي جليل فتح بلاد فارس وفتح بلاد الشام وأبى اللَّه إلّا أن يجعله من المشاركين في فتح شمال أفريقيا والأندلس حتى بعد وفاته. . . فكيف ذلك؟

فما هو أصل موسى بن نصير؟ ومن يكون ذلك الصحابي الجليل الذي أراد في يوم من الأيام قتل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ليتحول بعد إسلامه إلى القائد الأعلى للقوات الإسلامية المقاتلة؟ ولماذا أصبحت خطط هذا القائد الإسلامي العظيم تدرَّس في جامعات الغرب العسكرية إلى يومنا هذا؟


قراءة في كتاب  مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ 


الثلاثاء، 4 أغسطس 2026

مذكرات طبيب نفسي..

قراءة في كتاب مذكرات طبيب نفسي.. 


الكاتب: إرفين د. يالوم

أستاذ الطبّ النفسي في جامعة ستانفورد بالولايات المتحدة الذي كرّس ستين عاماً من حياته في تدريس الطب النفسي، والعلاج النفسي، وعالج عدداً لا يحصى من المرضى الذين فجعوا بفقدان أشخاص عزيزين عليهم، لكن الخوف بدأ يتملكه من أن يعيش حياة “بالغ مستقل” لأول مرة في حياته، بعد فقدان زوجته.

 تم ترجمة كتابه "مذكرات طبيب نفسي" للعربية بقلم عمر العوضي وصدر عن دار عصير الكتب للترجمة والنشر والتوزيع. 

نبذة عن الكتاب

يُقدّم الكاتب والمعالج النفسي الأكثر مبيعاً، إيرفين د. يالوم، مذكراته "الصريحة والمليئة بالرؤى الثاقبة -أبراهام فيرجيز-".

بعد أن أقام إرڤن د. يالوم مساره المهني على استكشاف حياة الآخرين، يتوجه في هذه المذكرات القوية بكتابته ونظرته العلاجية إلى نفسه. 

يستفتح قصته بحكاية كابوس راوده: يقود إرڤن في الثانية عشرة من عمره دراجته أمام منزل فتاة يغطي حَب الشباب وجهها. وكعادته كل صباح، صاح بها معيرًا على أمل أن تنشأ بينهما صداقة: "مرحبًا أيتها المحصوبة!" لكن في الحلم يظهر والد هذه الفتاة ويجعل يالوم يفهم أن تحياته اليومية تؤذيها. في نظر يالوم، كان هذا إيذانًا بمولد التعاطف، فلن ينسى الدرس بعدها.


ومع مجريات الكتاب، نرى مولد المفكر المتبصر الذي أضاء الطريق للكثيرين. هذه ليست قصة حياة رجل بسيط، فتأمُّلات يالوم لحياته وتطوره دعوة لنا للتأمل في أصول صفاتنا النفسية ومعاني حيواتنا


قراءة معاذ مدهش
مذكرات طبيب نفسي.. 
كيف واجه إرفين يالوم الشيخوخة والذنب ومعنى الحياة؟


  • قراءة  في مذكرات طبيب نفسي 
  • ماذا يبقى من الإنسان حين ينظر خلفه ويرى الطريق الذي قطعه؟

من الخارج قد تبدو "مذكرات طبيب نفسي" للكاتب إرفين يالوم سيرة ذاتية، بوصفها سجلا زمنيا لحياته، ولا سيما أن يالوم وسيرته حافلان، ككاتب وطبيب في آن، بما يمنحانه هذه العدة. غير أن ما نجده في الكتاب لا يعدو كونه امتدادا لأسلوب يالوم، المتجسد في محاولة فهم الإنسان الذي أصبح عليه.

لذلك لا يبدو الكتاب مهتما بتعداد الإنجازات بقدر اهتمامه بتتبع التحولات الداخلية التي صنعت طبيبا نفسيا ظل، رغم خبرته الطويلة، يعترف بأن أكثر ما تعلمه جاء من مرضاه لا من كتبه. هذه الصراحة المكاشفة تمنح السيرة صدقيتها، وفي الوقت ذاته تكشف حدودها؛ إذ يجنح يالوم أحيانا إلى تفسير حياته بمنطق الطبيب، فيغدو التحليل النفسي حاضرا حتى في أكثر الذكريات حميمية.

فالإنسان الذي أمضى حياته محاولا الوصول إلى طبقات خفية في نفوس مرضاه، كان عليه هذه المرة أن يفتح الأبواب المغلقة في داخله، وهذا ما ذهب إليه في كثير من كتبه، غير أن مذكراته منحته مساحة أوسع للتوغل. نجد هذا في أول قصة من الكتاب، "مولد التعاطف"، بعودة الطبيب إلى طفولته بحثا عن الإنسان الذي كان.

في الثالثة صباحا، وفي الخامسة والثمانين من عمره، يستيقظ إرفين يالوم على بكاء لم يعرف مصدره في البداية. لم يكن فقدا قريبا، ولا خبرا سيئا، ولا خوفا من مرض ما، بل كان حلما أعاده سنوات طويلة إلى الوراء، إلى طفل يقود دراجته في أحد شوارع طفولته، ويطلق كلمة ساخرة على فتاة صغيرة تدعى "أليس"، مصابة بمرض جلدي.

من هذه القصة بدأت مذكرات إرفين يالوم، بمعزل عن مكانته وشهاداته ومناصبه. جاءت من لحظة ضعف إنسانية، وهذه بداية مواربة لطبيعة الكتاب

في ذلك الحلم لا نرى يالوم الطبيب النفسي الشهير، صاحب الكتب التي قرأها الملايين، ولا الأستاذ الجامعي الذي أمضى نصف قرن وهو يستمع إلى اعترافات الآخرين، بل نرى طفلا في العاشرة أو الحادية عشرة من عمره يقف أمام سؤال لم يستطع الإجابة عنه حينها: ماذا يحدث للإنسان الذي نؤذيه بكلماتنا؟

إعلان

الغريب أن السؤال لم يأت من مريض في عيادته، أو من كتاب في علم النفس، بل جاءه من داخل ذاكرته نفسها. ظهر والد أليس في الحلم، وأوقف دراجته، ثم أجبره على مواجهة شيء ما لم يكن قادرا على رؤيته آنذاك، وهو أن السخرية التي كان يظنها محاولة لجذب الانتباه قد تكون جرحا حقيقيا في قلب شخص آخر.

بعد سبعة عقود تقريبا، يكتشف يالوم أثر المشاعر، وإن كبتت، وكيف تظهر بعد أن يطويها النسيان. فالذنب الذي بدا صغيرا ومنسيا في طفولته بقي في مكان ما داخله، فجاء الحلم ليعيده إلى السطح، في لحظة مواجهة بين طفل لم يفهم أثر أفعاله، ورجل عجوز أمضى حياته كلها في محاولة فهم الإنسان.

من هذه القصة بدأت مذكرات إرفين يالوم، بمعزل عن مكانته وشهاداته ومناصبه. جاءت من لحظة ضعف إنسانية، وهذه بداية مواربة لطبيعة الكتاب، لا باعتباره تقديما لصورة الطبيب الناجح، بقدر ما هي محاولة لفهم الإنسان المختبئ خلف هذه الصورة.

تضم المذكرات أربعين فصلا، تتقاطع فيها محطات حياة يالوم الفكرية والإنسانية، من طفولته ونشأته، وصولا إلى مارلين التي ستصبح شريكة حياته، مرورا بسنوات الدراسة والتكوين المهني وتجارب العلاج النفسي الفردي والجماعي. كما تستعيد الفصول رحلاته وإقاماته في لندن وفيينا والهند واليابان، وتأملاته في الفلسفة الوجودية والموت والحرية، وصولا إلى الظروف التي صاحبته في كتابة أشهر أعماله: "عندما بكى نيتشه"، و"أمي ومعنى الحياة"، و"هبة العلاج النفسي"، و"عامان مع شوبنهاور"، و"التحديق في الشمس".

تكمن قوة هذا الفصل في أنه لا يروي تحولا في الأب، بل تحولا في نظرة الابن إليه. فالوقائع لم تتغير، وإنما تغيرت المسافة التي ينظر منها إليها

  • لماذا يهم هذا الكتاب اليوم؟

لطالما نظر إلى الطب النفسي، أو كما يسوق له، بوصفه حلا سحريا. غير أن يالوم، في مذكراته، يقول ضمنيا، على العكس من ذلك، إن العلاج مساحة للمحاولة، لا ضمان بنسبة مئوية. ويعزز أن العلاج النفسي ليس بطولة أخلاقية، ولا علما دقيقا كما نحب أن نصدق، بل هو علاقة إنسانية هشة، مليئة بالأخطاء والشك والندم أحيانا.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار شجاعة الكتاب. فقليل من الأطباء يعترفون بأنهم أخطؤوا في التشخيص، أو تأثروا عاطفيا، أو أساؤوا الفهم، أو فقدوا الأمل مؤقتا. وهذا الصدق، الذي يفتقر إليه المجال اليوم، يجعل الكتاب إنسانيا أكثر من كونه تعليميا، أو شهادة على هشاشة المهنة نفسها.

في أحد فصول الكتاب يعود يالوم إلى والده، لا بدافع الحنين، بقدر ما هو بدافع المراجعة. فالشيخوخة، كما يوحي منذ البداية باقتباسه من ديكنز، لا تدفع الإنسان إلى استعادة الماضي فحسب، وإنما إلى إعادة النظر فيه. وكلما اقترب من نهاية حياته، وجد نفسه يعود إلى البدايات، لا ليؤكد ما كان يعتقده، بل ليشكك فيه.

لا يستند يالوم هذه المرة إلى ذاكرته وحدها؛ لأنها لم تعد كافية. فرسائل زملاء الطفولة ومكالماتهم تصبح شهودا على حياة عاشها ونسي كثيرا من تفاصيلها. ومن خلال شهاداتهم يكتشف صورة أخرى لنفسه؛ فالصبي الذي ظن أنه كان خجولا وغير مرئي، كان في نظر الآخرين مختلفا تماما. لكن الاكتشاف الأعمق لا يتعلق بنفسه، بل بوالده.

إعلان

طوال سنوات طويلة حمل يالوم في داخله صورة الأب الصامت، المتردد، الذي لم يدافع عنه كما كان يتمنى. غير أن استدعاء الماضي يضع هذه الصورة تحت اختبار جديد؛ فالرجل الذي بدا له ضعيفا في طفولته يظهر الآن مهاجرا اقتلعته الحرب من بلده، وفقد أفرادا من عائلته في المحرقة، ثم أمضى حياته يعمل ساعات طويلة في متجر صغير ليمنح أبناءه فرصة لحياة أكثر استقرارا. لا يحاول يالوم تبرئة والده أو تجميله، لكنه يكتشف أن أحكام الابن لم تكن تتسع لحياة الأب كلها.

تكمن قوة هذا الفصل في أنه لا يروي تحولا في الأب، بل تحولا في نظرة الابن إليه. فالوقائع لم تتغير، وإنما تغيرت المسافة التي ينظر منها إليها. وما كان يبدو في الماضي تقصيرا أصبح في الشيخوخة قابلا للفهم، وربما للمغفرة أيضا. ولهذا تأتي الجملة التي يخاطب بها والديه من أكثر لحظات الكتاب صدقا: "أعلم ما مررتما به.. أرجوكما سامحاني لأنني شعرت بالعار منكما".

يالوم هنا لا يستدر التعاطف، بقدر ما يصرح باعتراف متأخر بأن النضج يجعلنا نعرف آباءنا أكثر، ويجعلنا ندرك كم كنا نجهلهم.

لا ينتهي الفصل عند الخسارة. ففي واحدة من أجمل لحظات الكتاب، يستعيد يالوم فكرته عن "التموج"، تلك الدوائر التي يتركها الإنسان في حياة الآخرين دون أن يدركها

يصل يالوم في الفصل الأخير إلى أكثر لحظات الكتاب هدوءا وصدقا. فمنذ الصفحة الأولى كان يكتب وهو يقترب من الشيخوخة، أما هنا فهو يكتب من داخلها. لذلك لا يتعامل مع التقدم في العمر بوصفه فكرة فلسفية أو موضوعا علاجيا، وإنما بوصفه تجربة يومية تبدأ بنسيان المفاتيح، وتتسع إلى الخوف من أن يخونه عقله أمام مرضاه، وتنتهي بالسؤال الذي يطارده: متى يحين وقت التوقف؟

يحمل عنوان الفصل، "عجوز مبتدئ"، مفارقة لافتة؛ فالرجل الذي أمضى أكثر من نصف قرن يعالج الناس، ويكتب، ويدرس، يكتشف أنه ما زال مبتدئا في شيء واحد: الشيخوخة. لا توجد خبرة سابقة تؤهل الإنسان لها، ولا تنفع فيها المعرفة النظرية. ولهذا يعترف يالوم، بقدر كبير من التواضع، بأن كل ما قاله لمرضاه عن التقدم في العمر لم يمنعه من الشعور بالألم حين أصبح يعيش التجربة بنفسه.

أكثر ما يميز هذا الفصل أن يالوم يرفض بطولة الشيخوخة؛ فهو لا يقدم صورة الحكيم الذي تقبل الزمن بابتسامة، بل يعترف بخوفه من ضعف الذاكرة، ومن أن يكرر قصة أمام الجمهور كما فعل معلمه رولو ماي، أو أن يصبح يوما غير قادر على متابعة مرضاه. وحتى حين يتحدث عن التقاعد، لا يبدو النقاش متعلقا بالعمل وحده، بل بالهوية نفسها. فبالنسبة إليه لم يكن العلاج النفسي مجرد مهنة، وإنما الطريقة التي عاش بها حياته. لذلك يبدو سؤال التقاعد سؤالا عن معنى الوجود بعد أن تتوقف المهنة التي شكلت الإنسان.

ومع ذلك، لا ينتهي الفصل عند الخسارة. ففي واحدة من أجمل لحظات الكتاب، يستعيد يالوم فكرته عن "التموج"، تلك الدوائر التي يتركها الإنسان في حياة الآخرين دون أن يدركها. إذ تصبح مقاومة الموت مغايرة، لا في إنكار نهايته، وإنما في الإيمان بأن أثره سيستمر في مرضاه وطلابه وكتبه وأبنائه. إنها رؤية صريحة لا تعد بالخلود، بقدر ما تسعى إلى منح الحياة معنى يتجاوز صاحبها.

وينهي يالوم مذكراته من دون انتصار كبير أو خاتمة درامية. كل ما يفعله أنه ينظر إلى حياته، بما فيها من نجاح وإخفاق وخسارة، ثم يستعير عبارة نيتشه على لسان زرادشت: "أهذه هي الحياة؟ حسنا.. أعطوني واحدة أخرى". وهي خاتمة تلخص روح الكتاب؛ فيالوم، الذي أمضى عمره يواجه الموت، لم يتغلب عليه، ورغم ذلك تعلم أن ينظر إلى الحياة، حتى في نهايتها، بامتنان أكثر من الخوف.


الخميس، 30 يوليو 2026

قراءة في كتاب "محكمة غزة".. كتاب جديد لجيرمي كوربين يضع بريطانيا في قفص الاتهام

   قراءة في كتاب"محكمة غزة".. كتاب جديد لجيرمي كوربين يضع بريطانيا في قفص الاتهام

 لندن ـ عربي21 

ماذا يعني أن يشاهد العالم مأساة بهذا الحجم، ثم يواصل التعامل معها من خلال لغة المصالح والتحالفات؟

في كتابه الجديد "محكمة غزة: تواطؤ بريطانيا في الإبادة الجماعية"، يضع السياسي البريطاني جيريمي كوربين، إلى جانب الأكاديميَّين نيف غوردون وشهد حمّوري، قضية الدور البريطاني في الحرب على غزة أمام محكمة من نوع مختلف: ليست محكمة دولة ذات اختصاص قضائي، وإنما منصة تحقيق عامة تسعى إلى جمع الشهادات والأدلة وتوجيه سؤال سياسي وقانوني إلى الحكومة البريطانية: إلى أي مدى أسهمت لندن، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تمكين الجرائم التي ارتُكبت في غزة؟



الكتاب، الصادر عن دار "بليتو بريس" في تموز/يوليو 2026، يقع في نحو 190 صفحة، ويقدّم نفسه بوصفه حصيلة أو امتدادًا لتحقيق علني حمل الاسم نفسه، شارك فيه شهود فلسطينيون، وصحفيون، وعاملون في المجال الإنساني، وخبراء في القانون الدولي، وناشطون في مجال حقوق الإنسان، إلى جانب أصوات من داخل مؤسسات الدولة البريطانية. وتختتم الكتابَ كلمةٌ للكاتبة الأيرلندية سالي روني.

لكن أهمية الكتاب لا تكمن فقط في أسماء المشاركين فيه، ولا في الجدل الذي قد يثيره عنوانه، بل في محاولته نقل النقاش حول غزة من سؤال «ماذا فعلت إسرائيل؟» إلى سؤال آخر لا يقل حساسية: "ماذا فعلت الدول التي قدمت الدعم السياسي والعسكري والدبلوماسي، وما حدود مسؤوليتها القانونية والأخلاقية؟".. وهنا تحديدًا يضع الكتاب بريطانيا تحت المجهر.

من غزة إلى بريطانيا.. تغيير زاوية النظر

منذ اندلاع الحرب على غزة، تركز جانب كبير من النقاش السياسي والإعلامي في الغرب على مسؤولية إسرائيل المباشرة عن العمليات العسكرية، وعلى طبيعة الهجوم الذي شنته حركة حماس في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وعلى الكارثة الإنسانية التي تلت ذلك.

غير أن "محكمة غزة" يحاول إعادة رسم خريطة المسؤولية. فبدل الاكتفاء بالنظر إلى الفاعل المباشر، ينطلق من سؤال أوسع: هل يمكن فهم الحرب وما نتج عنها من قتل ودمار وتجويع ونزوح من دون فحص شبكة الدعم والتحالفات التي أحاطت بها؟

منذ اندلاع الحرب على غزة، تركز جانب كبير من النقاش السياسي والإعلامي في الغرب على مسؤولية إسرائيل المباشرة عن العمليات العسكرية، وعلى طبيعة الهجوم الذي شنته حركة حماس في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وعلى الكارثة الإنسانية التي تلت ذلك.

في هذه القراءة، لا تظهر بريطانيا باعتبارها طرفًا ثانويًا أو مراقبًا بعيدًا، بل باعتبارها دولة ذات نفوذ سياسي وعسكري واستخباري، وعضوًا دائمًا في مجلس الأمن، وحليفًا تاريخيًا لإسرائيل، وبلدًا يمتلك علاقات وثيقة مع قطاع الصناعات العسكرية الإسرائيلية.

ومن هنا تأتي أطروحة الكتاب الأساسية: أن مسؤولية الدول لا تتوقف عند حدود إصدار الأوامر العسكرية، وإنما قد تمتد إلى الأفعال التي تسهم في تمكين الانتهاكات أو تسهيلها أو توفير الغطاء السياسي لها، إذا توافرت الشروط القانونية التي تجعل من تلك الأفعال أساسًا للمساءلة.

هذه الأطروحة هي التي تمنح الكتاب أهميته، لكنها في الوقت نفسه تجعله كتابًا جدليًا وسياسيًا بامتياز، لا مجرد سرد توثيقي محايد.

"المحكمة" التي ليست محكمة

من المهم التوقف عند طبيعة المشروع نفسه. فـ "محكمة غزة" ليست محكمة دولية رسمية، ولا تتمتع بسلطة إصدار أحكام ملزمة، ولا تمثل جزءًا من منظومة القضاء الدولي. إنها، بحسب القائمين عليها، تحقيق عام مستقل يهدف إلى جمع الأدلة والشهادات حول الدور البريطاني في الحرب على غزة، وإلى الدفع باتجاه تحقيق رسمي من جانب الدولة البريطانية.

وقد انعقدت جلسات المشروع على مدى يومين، وقُسّمت أعمالها إلى أربعة محاور رئيسية: ما الذي حدث في غزة؟ وما المسؤوليات القانونية لبريطانيا؟ وما الدور الذي قامت به بريطانيا؟ وهل أوفت الحكومة البريطانية بالتزاماتها القانونية؟ كما استمعت إلى شهادات فلسطينيين، وأطباء وعاملين في المجال الإنساني، وخبراء في القانون الدولي، وصحفيين، ومبلغين عن مخالفات داخل مؤسسات الدولة.

هذا التفصيل مهم جدًا لفهم الكتاب. فالكتاب لا ينبغي قراءته باعتباره "حكمًا قضائيًا" على بريطانيا، بل باعتباره ملف اتهام سياسيًا وقانونيًا وأخلاقيًا، يسعى مؤلفوه إلى وضعه في المجال العام، تمهيدًا للمطالبة بتحقيق رسمي.

ومن هذه الزاوية، فإن كلمة "محكمة" في العنوان تؤدي وظيفة رمزية: إنها تستدعي فكرة المساءلة، وتقول إن غياب التحقيق الرسمي لا يعني غياب الأسئلة، وإن عدم وجود محكمة تنظر في المسؤولية البريطانية لا يعني أن هذه المسؤولية يجب أن تبقى خارج النقاش.

جيريمي كوربين.. من البرلمان إلى "المحكمة"

وجود جيريمي كوربين في قلب المشروع يمنحه وزنًا سياسيًا واضحًا. كوربين، الذي كان زعيمًا لحزب العمال البريطاني ونائبًا في مجلس العموم، ظل من أبرز الأصوات السياسية البريطانية المناهضة للحرب الإسرائيلية على غزة، وأكثر الشخصيات البرلمانية البريطانية انتقادًا لسياسات حكومة بلاده تجاه إسرائيل.

لكن مشاركة كوربين تحمل أيضًا بعدًا آخر. فهي تعكس، في جانب منها، انتقال قضية غزة من المؤسسات الرسمية التي رفضت إنشاء تحقيق حكومي مستقل إلى فضاء سياسي بديل يسعى إلى خلق ضغط شعبي وإعلامي.

وقد ارتبط المشروع بمحاولة كوربين الدفع باتجاه تحقيق مستقل في الدور البريطاني في الحرب، بما يشمل قضايا مثل تصدير الأسلحة، والعمليات الاستخبارية، واستخدام قواعد بريطانية، والتعاون العسكري مع إسرائيل. ووفق الموقع الرسمي للمشروع، فقد قدم كوربين في مجلس العموم مشروع قانون يدعو إلى إنشاء تحقيق مستقل في مشاركة المملكة المتحدة في العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، إلا أن الحكومة رفضت إنشاء مثل هذا التحقيق.

وبذلك، فإن الكتاب لا يأتي من فراغ، بل يمثل مرحلة توثيقية وسياسية لمشروع أوسع يريد أن يبقي السؤال مفتوحًا: لماذا لم تُجرَ، حتى الآن، مراجعة مستقلة وشاملة للدور البريطاني؟

نيف غوردون وشهد حمّوري.. حين يدخل القانون الدولي إلى قلب النقاش

إذا كان كوربين يمثل البعد السياسي، فإن مشاركة نيف غوردون وشهد حمّوري تضيف إلى المشروع بعدًا قانونيًا وأكاديميًا.

غوردون أستاذ للقانون الدولي وحقوق الإنسان في جامعة كوين ماري في لندن، بينما تعمل حمّوري في مجال القانون الدولي والنظرية القانونية، وهي أيضًا مستشارة قانونية أولى في مؤسسة "Law for Palestine"، بحسب البيانات التعريفية المنشورة عن الكتاب. وهنا تكمن إحدى أهم نقاط قوة الكتاب: فهو لا يكتفي بتوثيق معاناة الفلسطينيين، بل يحاول ربط تلك المعاناة بسؤال المسؤولية الدولية للدول. فالقانون الدولي لا ينظر فقط إلى الجريمة باعتبارها فعلًا مباشرًا، بل يناقش أيضًا مسؤولية الدول عن المساعدة أو التحريض أو التسهيل في ظروف محددة، فضلًا عن واجبات الدول في منع الجرائم الدولية الخطيرة ومعاقبة مرتكبيها.

"محكمة غزة" ليست محكمة دولية رسمية، ولا تتمتع بسلطة إصدار أحكام ملزمة، ولا تمثل جزءًا من منظومة القضاء الدولي. إنها، بحسب القائمين عليها، تحقيق عام مستقل يهدف إلى جمع الأدلة والشهادات حول الدور البريطاني في الحرب على غزة، وإلى الدفع باتجاه تحقيق رسمي من جانب الدولة البريطانية.

وهذا يفتح الباب أمام أسئلة معقدة: هل يمكن لدولة أن تتحمل مسؤولية قانونية بسبب تصدير أسلحة إلى طرف متهم بارتكاب جرائم حرب؟ ما حدود مسؤولية الدولة عندما تكون على علم، أو يُفترض أنها على علم، باحتمال استخدام تلك الأسلحة في انتهاكات جسيمة؟ هل توفير الدعم الاستخباري أو اللوجستي يمكن أن يدخل في نطاق المسؤولية القانونية؟ ما الفرق بين المسؤولية السياسية والمسؤولية القانونية؟ ومتى يتحول الدعم العسكري أو الدبلوماسي من "تحالف سياسي" إلى "مساعدة" يمكن أن تترتب عليها مسؤولية دولية؟

هذه الأسئلة هي قلب الكتاب، وهي أيضًا أكثر أجزائه قابلية للنقاش والجدل.

الشهادات الإنسانية.. غزة كما يراها من عاشها

لا يكتفي الكتاب بالتحليل القانوني والسياسي، بل يعتمد، بحسب التعريف المنشور عنه، على شهادات أصلية من فلسطينيين، وصحفيين، وعاملين في المجال الإنساني، ومدافعين عن حقوق الإنسان، وخبراء قانونيين، ومبلغين عن مخالفات.

هذه الشهادات تؤدي وظيفة مزدوجة. من جهة، تنقل النقاش من مستوى التجريد السياسي إلى مستوى التجربة الإنسانية: المستشفى، والركام، والنزوح، والجوع، وفقدان أفراد الأسرة، وتدمير البنية المدنية. ومن جهة أخرى، تحاول الشهادات أن تجيب عن سؤال أوسع: كيف تتحول القرارات التي تُتخذ في لندن أو واشنطن أو عواصم أخرى إلى واقع يعيشه إنسان في غزة؟

فالسلاح الذي يغادر مصنعًا في بلد ما لا يبقى مجرد قطعة معدنية؛ قد يصبح جزءًا من منظومة عسكرية تُستخدم في مكان آخر. والمعلومة الاستخبارية التي تُجمع عبر وسائل المراقبة قد تتحول إلى عنصر في عملية عسكرية. والموقف الدبلوماسي الذي تتخذه دولة في مجلس الأمن قد يؤثر في قدرة المجتمع الدولي على الضغط. بهذا المعنى، يحاول الكتاب تفكيك المسافة بين صانع القرار البعيد والضحية القريبة.

القضية الأكثر حساسية.. السلاح البريطاني

ربما يكون ملف الأسلحة هو أكثر الملفات إثارة للجدل في النقاش حول المسؤولية البريطانية.
فالكتاب يطرح، في جوهره، سؤالًا عن العلاقة بين مبيعات الأسلحة البريطانية والتعاون الدفاعي مع إسرائيل من جهة، وما يجري في غزة من جهة أخرى.

وتزداد المسألة تعقيدًا بسبب طبيعة صناعة السلاح الحديثة، حيث لا تكون الدولة بالضرورة هي المصنعة لكل منظومة عسكرية كاملة، وإنما قد تنتج مكونات تدخل في سلاح أو طائرة تُستخدم لاحقًا في عمليات عسكرية.

وهنا تظهر قضية طائرات F-35، التي كانت من الملفات التي أثيرت في النقاش العام البريطاني بشأن استمرار توريد بعض المكونات المرتبطة بالبرنامج، حتى في ظل القيود التي فرضتها لندن على بعض تراخيص تصدير الأسلحة إلى إسرائيل. كما طُرحت أسئلة حول ما إذا كانت تلك المكونات يمكن أن تدخل في عمليات عسكرية في غزة.

هذه القضية ليست بسيطة قانونيًا، لأن إثبات المسؤولية يتطلب أكثر من إثبات وجود علاقة تجارية أو عسكرية؛ بل يتطلب بحثًا في طبيعة المعرفة، والنية، والقدرة على التوقع، ونوع المساعدة المقدمة، ومدى ارتباطها بالفعل محل الاتهام.

وهنا تحديدًا تأتي قيمة الكتاب: إنه يحاول نقل النقاش من العبارة السياسية العامة "بريطانيا تدعم إسرائيل" إلى أسئلة أكثر تحديدًا حول ماذا قدمت بريطانيا؟ ومتى؟ وكيف؟ وما الذي كانت تعرفه؟ وما الذي كان يتعين عليها فعله؟

الاستخبارات البريطانية.. الملف الذي يفتح بابًا آخر

من القضايا التي يركز عليها مشروع "محكمة غزة" أيضًا دور الطلعات الاستطلاعية والمراقبة التي تنفذها بريطانيا. فقد أثيرت أسئلة حول رحلات المراقبة التي تنطلق من قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني في أكروتيري بقبرص، وما إذا كانت المعلومات التي يتم جمعها تُستخدم فقط في عمليات البحث عن الأسرى والرهائن، أم يمكن أن تدخل ضمن العمليات العسكرية الأوسع.

هذا الملف حساس للغاية، لأن المعلومات الاستخبارية بطبيعتها لا تظهر دائمًا للعلن، كما أن تحديد كيفية استخدامها يتطلب الوصول إلى وثائق وبيانات رسمية.

لكن مجرد طرح القضية يكشف أحد التحولات المهمة في النقاش حول الحروب الحديثة: لم تعد المسؤولية العسكرية مرتبطة فقط بمن يضغط على الزناد، بل أصبحت تمتد إلى منظومات البيانات والمراقبة والاستهداف والدعم اللوجستي.

ومن هنا يحاول الكتاب مساءلة مفهوم "المشاركة" نفسه: هل المشاركة تعني إرسال جنود إلى الميدان؟ أم يمكن أن تشمل أيضًا توفير المعلومات أو الوسائل أو البنية التحتية التي تجعل العمليات ممكنة؟

"التواطؤ".. كلمة ثقيلة تحتاج إلى تعريف دقيق

عنوان الكتاب نفسه يستخدم كلمة شديدة الحساسية: "التواطؤ". لكن من الضروري التمييز بين استخدام الكلمة في الخطاب السياسي وبين معناها القانوني. ففي المجال السياسي، قد يُقال إن دولة ما "متواطئة" لأنها توفر الدعم السياسي أو العسكري لدولة أخرى. أما في المجال القانوني، فإن المسؤولية عن المساعدة أو الاشتراك في جريمة دولية لها شروط ومعايير أكثر تعقيدًا، ولا يكفي فيها مجرد وجود تحالف سياسي.

وهذا أحد الجوانب التي تجعل الكتاب مادة خصبة للنقاش، لكنه في الوقت ذاته يجعل من الضروري التعامل معه باعتباره طرحًا يسعى إلى إثبات أطروحة محددة، لا باعتباره قرارًا قضائيًا نهائيًا.

فالكتاب يريد أن يقول إن بريطانيا ليست مجرد متفرج، وإن أفعالها تستحق التحقيق. أما إثبات المسؤولية القانونية النهائية، فهو أمر مختلف، ويتطلب إجراءات وأدلة واختصاصًا قضائيًا.
وهذا التمييز لا يقلل من أهمية الكتاب؛ بل ربما يزيدها، لأنه يعيد النقاش إلى مكانه الصحيح: هل ينبغي فتح تحقيق مستقل؟

بين "التحقيق" و"الإدانة".. المساحة التي يريد الكتاب احتلالها

من أكثر الأفكار أهمية في المشروع كله أن الكتاب لا يطالب فقط بإدانة سياسية، وإنما يطالب، في جوهره، بفتح باب التحقيق. وهذا فارق جوهري. فالإدانة تفترض الوصول إلى نتيجة، أما التحقيق فيفترض وجود أسئلة تستحق الإجابة.

وجود جيريمي كوربين في قلب المشروع يمنحه وزنًا سياسيًا واضحًا. كوربين، الذي كان زعيمًا لحزب العمال البريطاني ونائبًا في مجلس العموم، ظل من أبرز الأصوات السياسية البريطانية المناهضة للحرب الإسرائيلية على غزة، وأكثر الشخصيات البرلمانية البريطانية انتقادًا لسياسات حكومة بلاده تجاه إسرائيل.

ومن هنا يمكن قراءة "محكمة غزة" بوصفها محاولة لملء الفراغ الذي يرى مؤلفوها أنه نشأ عن غياب تحقيق رسمي شامل في الدور البريطاني. فالكتاب يقول، بصورة غير مباشرة، إن المجتمع البريطاني يحتاج إلى معرفة: ما طبيعة الدعم العسكري الذي قدمته بريطانيا؟ ما الذي قدمته أجهزة الاستخبارات؟ كيف استخدمت القواعد العسكرية البريطانية؟ ما حجم التعاون العسكري؟ ماذا كانت الحكومة تعرف عن طبيعة العمليات الإسرائيلية؟ ما الإجراءات التي اتخذتها لمنع الانتهاكات؟ وهل كانت تلك الإجراءات كافية؟ وهل اتخذت لندن قراراتها على أساس تقييم قانوني مستقل أم على أساس اعتبارات سياسية وتحالفية؟

إنها أسئلة لا يمكن حسمها بمجرد الخطابات السياسية، بل تحتاج إلى وثائق وشهادات وتحقيقات.

سالي روني.. الأدب يدخل على خط القضية

تأتي مشاركة سالي روني في الكتاب من خلال كلمة ختامية، وهو اختيار له دلالة رمزية. فروني ليست خبيرة قانون دولي ولا سياسية، لكنها واحدة من أبرز الأصوات الأدبية الأوروبية التي اتخذت مواقف علنية بشأن فلسطين. وجودها في خاتمة الكتاب يفتح مساحة مختلفة: مساحة الأخلاق والضمير الإنساني.

فالكتاب، رغم طابعه السياسي والقانوني، لا يريد أن يكون مجرد ملف قانوني بارد. إنه يريد أيضًا أن يطرح سؤالًا أخلاقيًا: ماذا يعني أن يشاهد العالم مأساة بهذا الحجم، ثم يواصل التعامل معها من خلال لغة المصالح والتحالفات؟ هنا تصبح الأدبيات والشهادات والوقائع القانونية جزءًا من سؤال واحد: متى يصبح الصمت نفسه موقفًا؟

الكتاب بوصفه "أرشيفًا" للحرب

يصف الناشر الكتاب بأنه يجمع بين كونه سجلًا للأدلة وبين كونه دعوة عاجلة إلى التحقيق والمساءلة.  وهذا ربما يكون أحد أهم أدواره. فالحروب لا تُحسم فقط في الميدان، وإنما تُحسم أيضًا في معركة الذاكرة والتوثيق.

وفي حالة غزة، أصبح التوثيق نفسه ساحة صراع: من يوثق؟ من يروي؟ من يحدد المصطلحات؟ من يملك القدرة على الوصول إلى المعلومات؟ ومن يملك الحق في تفسيرها؟
في هذا السياق، يسعى "محكمة غزة" إلى أن يكون جزءًا من أرشيف مضاد، أي أرشيف لا يكتفي بتوثيق الضحايا، وإنما يحاول أيضًا توثيق قرارات المؤسسات والدول التي، بحسب مؤلفيه، ساهمت في استمرار الحرب أو فشلت في منعها.

وبغض النظر عن الموقف من الاستنتاجات السياسية للكتاب، فإن هذه الوظيفة الأرشيفية قد تصبح ذات قيمة كبيرة مستقبلًا، خصوصًا إذا فتحت الحكومات أو المحاكم أو المؤسسات الدولية تحقيقات رسمية حول أدوار الدول الغربية في الحرب.

ما الذي يميز الكتاب؟

يمكن تلخيص أهم نقاط قوة الكتاب في أربعة عناصر:

أولًا ـ تغيير زاوية السؤال: فهو لا يكتفي بدراسة ما جرى في غزة، بل يدرس أيضًا ما جرى في لندن، وما بينهما من روابط.

ثانيًا ـ الجمع بين الشهادة والقانون والسياسة: فالكتاب لا يقدم القضية من زاوية واحدة، وإنما يربط التجربة الإنسانية بالقواعد القانونية وبصناعة القرار السياسي.

ثالثًا ـ فتح ملف المسؤولية الغربية: في وقت ركز فيه كثير من النقاش العالمي على مسؤولية إسرائيل، يضع الكتاب الدول الداعمة أمام أسئلة مباشرة حول أدوارها.

رابعًا ـ تحويل القضية إلى مطلب مؤسسي: فالغاية النهائية ليست فقط إقناع القارئ بأن بريطانيا أخطأت، بل الدفع نحو تحقيق مستقل يحدد المسؤوليات بناء على الأدلة.

لكن ماذا عن نقاط الضعف؟

مثل أي كتاب سياسي ذي أطروحة واضحة، لا يخلو "محكمة غزة" من نقاط يمكن أن تكون موضع نقد. أبرزها أن المشروع ينطلق من موقف سياسي محدد مسبقًا، وهو ما قد يجعل بعض القراء المتشككين يرونه أقرب إلى ملف اتهام منه إلى تحقيق محايد.

كما أن الاعتماد على مفهوم "التواطؤ" يتطلب قدرًا كبيرًا من الدقة القانونية، لأن المسؤولية السياسية لا تساوي بالضرورة المسؤولية الجنائية أو الدولية.

كذلك، فإن قوة الكتاب ستعتمد، في النهاية، على جودة الأدلة التي يقدمها، وعلى مدى قدرته على التفريق بين الوقائع الثابتة والاستنتاجات التي يخلص إليها المؤلفون.

لكن هذه الملاحظات لا تلغي أهمية الكتاب؛ بل تعني أن قيمته الحقيقية قد تكون في إثارة الأسئلة التي يريد أن تفتح تحقيقات أخرى باب الإجابة عنها.

الكتاب في سياق أوسع ـ أزمة السياسة البريطانية تجاه غزة

لا يمكن قراءة "محكمة غزة" بعيدًا عن التحول الذي شهدته السياسة البريطانية خلال الحرب.
فقد تعرضت الحكومات البريطانية المتعاقبة لضغوط متزايدة من قطاعات واسعة من الرأي العام، ومن منظمات حقوق الإنسان، ومن نشطاء، ومن شخصيات سياسية وأكاديمية، بسبب موقفها من الحرب وعلاقاتها العسكرية والسياسية مع إسرائيل.

بالنسبة للقارئ العربي، قد يبدو الكتاب للوهلة الأولى موجهًا إلى الجمهور البريطاني، لكن أهميته تتجاوز ذلك. فالمسألة الأساسية التي يطرحها ليست بريطانية فقط. إنها تتعلق بمسؤولية الدول التي تقدم الدعم العسكري والسياسي في النزاعات المسلحة.

وفي المقابل، دافعت الحكومات البريطانية عن مواقفها باعتبارها قائمة على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، وعلى ضرورة إطلاق سراح الرهائن، مع اتخاذ إجراءات وتغييرات في سياسة تصدير الأسلحة خلال الحرب.

وبين هذين الموقفين، يأتي الكتاب ليقول إن النقاش لا ينبغي أن يتوقف عند السؤال السياسي: "هل تؤيد إسرائيل أم فلسطين؟" بل يجب أن ينتقل إلى سؤال قانوني ومؤسسي أكثر تحديدًا:
هل التزمت بريطانيا بالتزاماتها بموجب القانون الدولي؟ وهذا التحول في صياغة السؤال مهم للغاية، لأنه يجعل القضية أقل ارتباطًا بالاصطفافات الأيديولوجية وأكثر ارتباطًا بمفهوم المسؤولية.

لماذا هذا الكتاب مهم عربيًا؟

بالنسبة للقارئ العربي، قد يبدو الكتاب للوهلة الأولى موجهًا إلى الجمهور البريطاني، لكن أهميته تتجاوز ذلك. فالمسألة الأساسية التي يطرحها ليست بريطانية فقط. إنها تتعلق بمسؤولية الدول التي تقدم الدعم العسكري والسياسي في النزاعات المسلحة.

وفي العالم العربي، حيث لطالما كان السؤال حول الدور الغربي في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي حاضرًا بقوة، يقدم الكتاب مادة تساعد على فهم كيف يُعاد تعريف المسؤولية في الحروب الحديثة.

فإذا كانت الدولة لا تشارك بجنودها مباشرة، لكنها توفر السلاح أو المعلومات أو الدعم الدبلوماسي، فهل تبقى خارج دائرة المساءلة؟ هذا السؤال لا يخص بريطانيا وحدها. إنه سؤال يمكن طرحه على دول كثيرة، وفي نزاعات كثيرة، وهو ما يجعل الكتاب يتجاوز الحالة الفلسطينية إلى نقاش أوسع حول النظام الدولي ومسؤولية الدول عن الحروب التي تدعمها.

كتاب في زمن الحرب.. أم وثيقة للمستقبل؟

ربما تكون القيمة الأهم لـ "محكمة غزة" هي أنه يصدر في لحظة لا تزال فيها الأحداث موضع نزاع سياسي وقانوني وإعلامي. وفي مثل هذه اللحظات، غالبًا ما تكون الحقيقة غير مكتملة، والوثائق ناقصة، والروايات متصارعة. لكن التاريخ لا يُكتب فقط بعد انتهاء الحروب. أحيانًا يبدأ توثيقه أثناء وقوعها.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الكتاب باعتباره محاولة لحفظ مجموعة من الشهادات والأسئلة التي قد تعود إليها لجان التحقيق والمؤسسات القضائية والمؤرخون في المستقبل. فالسؤال الذي يطرحه الكتاب قد لا يُحسم بمجرد صدوره، لكنه قد يبقى مفتوحًا لسنوات: ما الذي كانت تعرفه بريطانيا؟ وماذا فعلت؟ وماذا كان بإمكانها أن تفعل ولم تفعله؟

هذه الأسئلة، في نهاية المطاف، هي التي تحدد الفرق بين دولة تراقب حدثًا من الخارج، ودولة قد تكون، بصورة أو بأخرى، جزءًا من منظومة الدعم التي جعلت استمرار الحرب ممكنًا.

خلاصة
"محكمة غزة: تواطؤ بريطانيا في الإبادة الجماعية" ليس كتابًا عن غزة وحدها، ولا عن بريطانيا وحدها. إنه كتاب عن المسؤولية. مسؤولية الدولة التي تبيع السلاح، ومسؤولية الحكومة التي توفر الغطاء السياسي، ومسؤولية الأجهزة التي تقدم المعلومات، ومسؤولية المؤسسات التي تعرف ثم تصمت، ومسؤولية المجتمع الدولي عندما يتحول القانون إلى لغة لا تجد طريقها إلى التطبيق.

لكن الكتاب، في الوقت نفسه، يظل مشروعًا سياسيًا ذا أطروحة واضحة، وليس حكمًا قضائيًا نهائيًا. لذلك فإن أهم ما يمكن أن يفعله هو أن يدفع النقاش من دائرة الاتهامات المتبادلة إلى دائرة الأدلة والتحقيق والمساءلة.

وربما يكون هذا هو الرهان الحقيقي للمؤلفين: ألا تبقى قضية الدور البريطاني في حرب غزة مجرد فصل في سجال سياسي، بل أن تتحول إلى ملف مفتوح يستحق التحقيق الرسمي. ففي نهاية المطاف، لا يطالب الكتاب القارئ فقط بأن يجيب عن سؤال: "من المسؤول؟" بل يضع أمامه سؤالًا أكثر إلحاحًا: "هل نعرف بما يكفي لكي نبدأ التحقيق؟" والإجابة التي يقدمها الكتاب هي: نعم، حان الوقت لفتح الملف.