‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد يوسف عدس. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد يوسف عدس. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 5 مايو 2025

مدرسة الأمريكتين لتدريب السفاحين ج2

مدرسة الأمريكتين لتدريب السفاحين ج2

محمد يوسف عدس

الأربعاء، 2 يوليو 2014
(1)
ذكرت في المقالة السابقة أن مدرسة الأمريكتين سيئة السمعة قد تغير اسمها إلى هذا الاسم الجديد:Western Hemisphere Institute for Security Cooperation(معهد التعاون الأمني للنصف الغربي من الكرة الأرضية)، وكان التغيير كما ذكرنا مجرد محاولة التفافية للتخلص من ضغط الجماهير وانتقادات الناشطين في جمعيات حقوق الإنسان الدولية والمحلية.. ومحاولة من الكونجرس الأمريكي لنزع فتيل الغضب وتهدئة المظاهرات، وتخفيف حالة الاحتقان العام التي أثارتها نشر تقارير مفصلة عن جرائم خريجي هذه المدرسة في دول أمريكا اللاتينية.. ولذلك لم يرَ الكونجرس بأسًا من تغيير اسم المدرسة إلى هذا الاسم الجديد ..! .
كذلك تغيّرت أهداف وبرامج التعليم في المدرسة وفق إطار جديد.. ولكنها جميعا في حقيقة الأمر تغييرات في الشكل البرّاّنى فقط ولا تمس الجوهر الجُوّأنيّ.. 
ومن ثَمَّ إذا نظرت في موقع هذا المعهد على شبكة الإنترنت ستجد كلاما جميلا عن: برامج تدريس في إطار المبادئ الديمقراطية والدستور، وأن أهداف المعهد تشتمل على تبادل المعارف والمعلومات، وتحقيق الشفافية والثقة والتعاون، عن طريق تنمية الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، وفهم تقاليد الولايات المتحدة وعاداتها..
وقد أعاد الكونجرس صياغة أسماء برامج الدراسة على الوجه التالي:
تنمية مهارات القيادة، ومحاربة المخدرات، وحفظ الأمن، والديمقراطية، وإدارة الموارد، والتأهيل لمواجهة الطوارئ، وتخطيط برامج الإغاثة.. ويؤكد الكونجرس على أن تشتمل برامج المعهد على "8ساعات مكتسبة" إجبارية في كل برنامج دراسي تُخصص للديمقراطية وحقوق الإنسان... وأصبح شعار المعهد هو(الحرية والأمن والإخاء)..
ولضمان تنفيذ الخطة بلا تلاعب شكّل الكونجرس مجلس مراقبة تحت اسم:Board of Visitors مهمته مراجعة وتقييم برامج الدراسة وأساليب التعليم والمعدّات التعليمية..
وتتألف عضوية المجلس من: اثنين من رؤساء لجان الخدمة العسكرية في كل من المجلسين التشريعيين، والقائد العسكري المسئول عن التدريب في الجيش الأمريكي، إلى جانب ستة من اختيار وزير الدفاع نفسه، وواحد من اختيار وزارة الخارجية، إضافة إلى عدد من الشخصيات المختارة من كبار الأكاديميين ورجال الدين، وأعضاء من لجان حقوق الإنسان.. ويترأّس هذا المجلس حاليا الأسقف روبرت مورلينو...!
ولكـن رغم كل هذه [الزّفة الإعلامية الأمريكانية] لا تزال أسماء خريجي هذا المعهد تظهر حتى الآن في عمليات إجرامية جديدة، فيها انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان.. ويدافع المعهد عن نفسه بقوله: لا يجب أن تكون أي مؤسسة تعليمية مسئولة عن ممارسات خرّيجيها .. كلام معقول..!
ولكن انظر ماذا يقول الميجور( جُـو بِلير) المدير الأكاديمي السابق في المعهد ، إنه يؤكد أنه: "لم يتم أي تغيير أساسي في المناهج سوى استبدال الأسماء القديمة بأسماء جديدة.. إنهم يدرسون برامج طبق الأصل من البرامج التي كنت أقوم بتدريسها من قبل في المدرسة .. ويستخدمون نفس الكتب الدراسية التي قمت بوضعها.. " .
(2)
تأكيدًا لهذا الكلام حدث الآتي .. كما ترويه لنا ليزا هوجارد Lisa Haugard وهي من أبرز القيادات الناشطة في الحملات ضد المدرسة ثم المعهد:
"في 28 يوليه 1996ظهر تقرير عن فحص كتب دراسية للمعهد كانت تُدرّس في السنوات بين 1981 و 1992 تذكر صراحةً أنه مسموح للمحققين بقتل رجال حرب العصابات وتعذيبهم ، وامتهان أجسادهم واغتصابهم.. وفى 20 سبتمبر1996 اضطر البنتاجون تحت ضغوط الكونجرس للكشف عن كتب تدريب من إعداد الجيش الأمريكي استخدمت بالفعل فيما بين سنة 1987وسنة 1991 في أمريكا اللاتينية، وفى برامج الاستخبارات العسكرية في المعهد وهى مستقاة بحذافيرها من برامج سابقة للمدرسة .." .
وطبقا لنتائج الأبحاث والمقارنات التي قامت بها ليزا هوجارد.. رأينا أن هذه الكتب تعلّم الطلاب آليات القمع البشري، وتحرّض على امتهان حقوق الإنسان في أمريكا اللاتينية.. وفى أنحاء العالم...! 
وتؤكد ليزا هوجارد أن هذه الكتب تشتمل على شرح أساليب بث الخوف .. والاعتقال غير القانوني للأفراد المشتبه فيهم .. وتبيح التعذيب والقتل .. وخطف أعضاء أسر الهاربين الذين لا تُعرف أماكن وجودهم أو إيوائهم، وذلك لإجبارهم على تسليم أنفسهم للسلطات[ وهكذا لم تغادر هذه الكتب صغيرة ولا كبيرة مما يحدث في سيناء وفى غيرها من أماكن إلا أحصتها ، يعنى التطبيق يسير بنجاح على قدم وساق في كل مكان] ..
تقول ليزا هوجارد:
" لقد اعترفت وزارة الدفاع الأمريكية أن هذه الكتب كانت غلطة...! و بعد أن قامت بتحقيقاتها جمعت الوزارة نسخ هذه الكتب لحرقها .. ولما كانت هذه الكتب قد سبق توزيعها على دول أمريكا اللاتينية طلبت الوزارة سحبها من حكومات هذه الدول ، لأنها حسب زعمها لم تعد تمثّل السياسة لأمريكية تجاه أمريكا اللاتينية .."
وهنا تسجل ليزا هوجارد في تقريرها ملاحظة بالغة الأهمية حيث تقول: " إن اثنين فقط احتفظا بنسخهما فلم يسلماها للوزارة هما: دافيد أدنجتون و[ ديك تشيني].. " .. ونحن نعرف من هو ديك تشينى هذا .. إنه نائب الرئيس بوش الأصغر.. وصاحب مشروع القرن الأمريكي للسيطرة على العالم ، وكان وراء مخططي حرب أفغانستان وحرب العراق
 (انظر مقالي عنه بعنوان: (ديك تشينى هو الرئيس).
أودّ أن أشير هنا إلى الجهد الخارق الذي تبذله امرأة أمريكية لمحاربة المدرسة المشئومة والمعهد الذي يتابع مهمة مدرسة السفاحين ، ومن غير ليزا هوجارد التي دأبت بلا كلل ولا ملل على قيادة حملات وتنظيم مسيرات ومظاهرات ضد المدرسة ثم المعهد..
وأرى أن من أهم منجزاتها وأبرز وسائلها في حربها الإعلامية أنها تحتفظ بقاعدة معلومات تحتوي على أسماء جميع الخريجين وتتابعهم في كل ممارساتهم الإجرامية في بلادهم .. تحذيرا لكل من يقترب من المعهد أو يحاول الالتحاق به.. وقد أثّر هذا الجهد المتواصل في تغيير أساليب المعهد وسياساته ، فقد أصبح يتوخى الحذر ، ويلجأ إلى السرية في حركاته تجاه العالم الخارجي ، فبدأ يرسل مدربيه سرا إلى الدول [الصديقة..!]
بدلا من استقبال بعثاتها إلى المعهد فيصبح أعضاؤها معرضين للرصد والمتابعة من جانب نشطاء حقوق الإنسان .. وسنعرض نماذج من آثار برامج تدريب الخبراء الأمريكيين فى البلاد الصديقة...
(3)
في مقال طويل يقطر بالحزن والألم والمرارة يتعجب كاتبه من سلوك من نحسبهم (وفقا لوظائفهم) إنهم هم القائمون على تنفيذ القانون، وإقرار العدالة بين الناس، ورعاية حقوق المواطنين، والمظلومين، فإذا بهم يفعلون عكس ذلك تماما ..
المقال للكاتب الصديق الدكتور محمد عباس منشور تحت عنوان (اتخذها ياربّ شهيدة) في موقع العرب نيوز..
يقول مستنكرا: "إما أن ينهاهم الإسلام عن محاربة الله ورسوله والمسلمين أو أن يدفعهم حربهم وطواغيتهم إلى الردة؛ في هذه النقطة بالذات يجب أن يبحث الباحثون: كيف جعلوها تزني وتصلى..؟ وكيف جعلوه يصلي وينكّل بمن يصلى..؟! كيف اجتمع هذا وذاك.. ؟ أي عقار رهيب مثبّـط لمناعة القلب والروح أعطوه لهم كي يجمعوا بين الشيء وضده.. دون عذاب للضمير.. ودون انهيار..؟ ..كان يمكن أن أفهم لو أنهم فعلوا كعسكر أتاتورك ووزرائه.. لو أنهم أعلنوا الكفر وجهروا به.. وارتدّوا عن الإسلام وسخروا منه.. أما أن يجمعوا بين هذا وذاك فأمر محيّر...! وفي بحر الحيرة المتلاطم سقطت البديهيات وتعارضت المسلّمات... والتجأت الأسرة المسلمة للكنيسة لا للمسجد.. للقسيس.. لا للشيخ...!".
والحقيقة أننا جميعا تدور في عقولنا نفس الأفكار ونفس التساؤلات، ولكنني معني أكثر بتأصيل مصادر هذا الخلل المروع في سلوك وشخصيات الأفراد الذين يقومون بتعذيب الضحايا الأبرياء دون أن تهتز فيهم الضمائر والمشاعر الإنسانية ..!! وأعتقد أن في مقالي السابق عن مدرسة الأمريكتين لتدريب السفاحين، جزء هام من الإجابة على هذه التساؤلات، وفى مقالات أخرى سابقة لي إجابات مؤسسة على دراسات علمية لبعض جوانب أخرى لهذه الظاهرة .. تناولتها تحت عناوين مختلفة منشورة في مجلاّت ومواقع كثيرة منها: (الفاشية الناعمة) و(ظاهرة جنجر يتش في السياسة الأمريكية) و (كيف يختار الرئيس المستبد أعوانه) و(تفكيك الشخصية).
وأحاول هنا أن أعيد إلى الأذهان بعض ما كتبته في المقال الأخير تصويرا لما يدور في بعض برامج تدريب الضباط لتحويلهم إلى أدوات تعذيب، فالمسألة يا صديقي الدكتور محمد عباس ليست مجرد عقار سحري لتثبيط مناعة القلب والروح، إنها أعمق من هذا بكثير إنها عملية لاقتلاع الروح والقلب أصلا، وإحلال أنواع من الحجر على هيئة قلوب وأرواح صناعية، واستبدال وجوه إنسانية طبيعية بأقنعة صناعية ، والنتيجة: كائنات ممسوخة لها أظافر وحوش تختفي تحت جلود بشرية ناعمة، ومع ذلك يظنون أنهم يحسنون صنعا، وأنهم حماة الأمن وحماة الوطن..
ولو قُدِّر لك أن تشهد وتتابع كيف تطورت حياة شاب بريء متخرج حديثا من الكلية، مليء بالوطنية والحماس والمثل العليا، ومن أسرة كريمة، ثم ألقاه حظه العثر في واحد من هذه البرامج التدريبية، وكيف تحول أو مسخ في بضع سنوات إلى شخصية أخرى لهالك الأمر ولما صدّقتَ عينيك: تلاشى الوجه البريء .. زحفت عليه تجاعيد الشيخوخة المبكرة، وتناثر في رأسه شعر أبيض.. إنه لا يشعر بالأمن إلا في مكتبه بقلعة التحقيقات الأمنية.. أما في خارجها فقلبه يرتعد كالفأر المذعور.. رغم أن تسعة من الرجال يتناوبون على حراسته كل يوم، ويملئون جعبته بمعلومات مفصّلة عن كل ما يحدث أو يتحرك حول مسكنه ..! إنه يتنقّل في سيارات مرسيدس يتغير لونها من وقت لآخر للتمويه.. فهي مرة بيضاء ومرة سوداء.. ولا تراه يسير على قدميه في الطريق أبدا.. ولا يمكن أن تراه ماشيا مع زوجته أو أولاده .. حتى لا يتعرف عليهم أحد ويترصدهم بعد ذلك.. لا حياة اجتماعية مثل بقية الناس، فلا أصدقاء ولا معارف .. ولا شعور بالأمن..عقله مسكون بالخوف من أعداء مجهولين .. تتقاذفه الشكوك والهواجس وعدم الثقة في كل الناس وفى كل الأشياء.. فهناك عدو أو أعداء بتربصون به في كل ركن وفى كل لحظة.. إنه يمثل حالة مرضية يعرفها علماء الطب النفسي باسم (بارانويا الشيزوفرنيا) أو نحو هذا ..
كم أرثى له ولأمثاله ، فمثل هذه الشخصية تنتهي حياتها عادة بمأساة أو بأمراض مستعصية، وآلام عضوية رهيبة في فراش الموت الطويل.. والعياذ بالله... وتلك بعض آثار برامج تفكيك الشخصية في مجال الإنسان الفرد..
أما في الحياة العامة فإنها كارثة.. إنها تنتج عاهات مستديمة في حياة الأسر وحياة المجتمعات...!
[ فقد لوحظ أن الضباط المتدربين يحملون معهم أسلوب العقاب العنيف نفسه في التعامل مع ذويهم عندما تنشأ الخلافات بينهم .. فهذا هو الأسلوب الذي لم يعودوا يتقنون غيره في مواجهة المشكلات العائلية الطارئة .. وقد ذُكرت أمامي قصة ضابط اختلف مع حماه فجاء به إلى الزنزانة مع حماته وأمرهما بالوقوف ووجهيهما إلى الجدار رافعين أيديهما إلى أعلى لمدة أربع ساعات.. ونعْم النسب..!.
وفى أمريكا ساد العنف في مواجهة المشكلات الأسرية بين ضباط المارينز العائدين من الميدان.. وكثرت حوادث قتل الزوجات والأبناء على أهون الخلافات...!].
(4)
في المقال السالف ذكره (وهو دراسة لبرنامج واقعي تم تنفيذه بالفعل) كتبت أقول: " اشتمل برنامج التدريب على عقوبات رادعة لمن يتردد في إطاعة الأوامر أو التراخي في تعذيب المعتقلين.. وكان التهديد مستمراً: أن كل من يخفق أو يتوانى في إيقاع أشد الآلام بالمعتقلين المُعَذَّبين سوف يتعرض هو نفسه للتعذيب الأليم.. كذلك كان الضباط يحرّضون المتدربين على أن يكون كل واحد منهم جاسوساً على الآخرين.. ويشجعونه على تقديم تقارير عن كل بادرة من زملائهم إذا تراخى أحدهم عن تعذيب المعتقلين...
من ناحية أخرى كان هناك إلى جانب العقوبة والعصي جزرة مؤكدة، فقد كان القادة يفاخرون بالمبتدئين ويقولون لهم: كم أنتم محظوظون لأنكم أصبحتم أعضاء في مجموعة الأقوياء المهمين الذين يدافعون عن النظام.. ويوحي إليهم القادة بأنهم قد أصبحوا من صنف آخر من البشر لا يخضعون للأخلاقيات والفضائل السائدة بين العوام.. وأن لديهم (بحكم وضعهم الجديد) حصانة أن يتصرفوا بجرأة ضد أي شخص ولو كان من الضباط الأعلى رتبة إذا تشككوا في ولائه للنظام...
كان شعورهم بالانتماء إلى مجموعة خاصة من النخبة المتميزة يتأكد من خلال اللغة الخاصة المتداولة، والمحاضرات اليومية التي يجرى فيها التأكيد على خطورة الأعداء الذين يحاربهم النظام .. وأن هؤلاء الأعداء ليسوا إلا ديدان وحشرات ينبغي سحقها بالأقدام.. كانوا يطلقون على أساليب التعذيب المروِّعة أسماء لطيفة تجعلها محبّبة إلى قلوب القائمين بالتعذيب: فالضرب العادي لأحد المعتقلين باللكمات الجماعية هو "حفلة شاي" أما إذا كان الضرب المطلوب بالعصي الغليظة فهذه "حفلة شاي بالجاتوه"... وهكذا نجد بين هذه المجموعة الخاصة قاموس مصطلحات خاص بها، ورموز خاصة، ولغة تعبير مختلفة عن بقية الناس.. الضحايا لهم أرقام وأوصاف مختلفة معروفة فقط لأفراد المجموعة.. إنهم مجرد أشياء وسلع للتداول بل للسخرية والتندّر.. ولا حصر لما نسمع من مساخر في هذا المجال...!
الطاعة التامة والإخلاص في تنفيذ أوامر الضابط المختص هما المعيار الذي توزن به كفاءة القائمين بالتعذيب، فالذين يثبتون طاعتهم وإخلاصهم على طول الخط يُعفون من قواعد النظام الصارم الذي تخضع له حياة الجنود العاديين؛ حيث يُسمح لهم بإطالة شعر الرأس كما يحلو لهم ، وأن يغادروا المعسكر حين يرغبون دون استئذان أو تصريح.. وأن يستخدموا السيارات الرسمية لقضاء شئونهم الخاصة ، ويستطيعون الحصول على وجبات غذائية متميزة بالمجان من المطاعم .. وكانوا يحصلون على وعود مؤكدة بمنحهم وظائف مدنية محترمة بعد انتهاء مدة الخدمة العسكرية..
(5)
منظومة متكاملة:
هكذا نجد أنفسنا أمام منظومة حياة كاملة مقطوعة الصلة تماماً عن سياق الحياة العامة العادية.. منظومة لها أسرارها وقوانينها الخاصة ولها لغتها ومصطلحاتها الخاصة.. ولها قيمها ومعاييرها وأساليبها في العمل مختلفة عما تعارف عليه الناس في المجتمع العام.. والوظيفة الوحيدة لهذه المنظومة هي القمع والتعذيب، فيها تتم صناعة فئة من البشر ليكونوا آلات تعذيب وحشي إلى حد إزهاق الأرواح.. أدوات تجرّدت من العقل والشعور والضمير، ثم أُطلقت على طائفة أخرى من البشر قُدّر لهم – بلا ذنب ولا جريرة – أن يخضعوا لأهوال من التعذيب وأصناف من الآلام البدنية والنفسية المروعة .. لا حدود لها ولا أمل في توقّفها .. لا شاهد هناك يشهد ولا قانون يردع .. فالقانون الوحيد السائد هو قانون الغاب: المفترس والفريسة ، القاتل والضحية معا وجها لوجه.. ولا ثالث يقف حائلا بينهما...! فهل يمكن أن نتحدّث هنا عن قلب ومشاعر وضمير...؟!.
إذا لم تكن مقتنعا بعد فتعال معي نقلّب بعض صفحات من كتابي (البوسنة في قلب إعصار) لنرى بعض النماذج الوحشية في التطبيقات العملية لبرامج التدريب الصربية في حرب التطهير العرقي ضد المسلمين.. أقول: "في القرى والبلدات التي كان يعيش فيها الصرب الأرثوذكس والبشناق المسلمون جنبا إلى جنب في وُدّ وسلام، جيرانا متعارفين ومتعاونين، كان المدنيون الصرب في أول الأمر يستنكرون ما تقوم به المليشيات الصربية المسلحة من أعمال عنف وإرهاب ضد السكان المسلمين .. فلما دخلت المليشيات الصربية بلدتهم انقلبت الأمور رأسا على عقب .. فما الذي حدث...؟! لمّا رفض السكان الصرب الانضمام إلى هذه إلى المليشيات كان قادتها يقتحمون بيوت الرافضين عُنوة فيخرجون رجلا من الأسرة ويقدّمون إليه سلاحا .. قد تكون بندقية أو مجرد سكّين حادّ .. ثم يأمرونه بالذهاب فورا إلى منزل جاره ليقتله، فإذا امتنع الرجل قتلوه بالرصاص أمام أسرته وبصقوا عليه.. ويعترف جنود المليشيات الصربية للصحفيين الأجانب باستهانة واستخفاف شديدين
 [بأن قتل اثنين أو ثلاثة من الصرب الرافضين كفيل بجعل الرابع والخامس يُذعن للأوامر بلا مناقشة .. بل يأتي الواحد منهم إلينا بعد أن قتل جاره ليسألنا: من تريدوننى قتله من المسلمين ..؟؟].. وهكذا بمجرد أن يمارس الشخص العادي عملية القتل مرة أو مرتين حتى يدخل في دائرة العنف الجهنمية التي لا تنتهي عند حدّ.." ، فقط لي هنا ملاحظة في تفسير هذه الظاهرة الصادمة .. وهى أن الإنسان العادي يمكن تحت [ظروف معينة] أن يتحول إلى كائن شرس مفترس حتى لجيرانه .. وتتميّز هذه الظروف بانهيار الضبط الاجتماعي؛ فعندما يرى المجرم أن السلطة التي يفترض فيها أنها تنفذ القانون وتحمى أفراد المجتمع من العدوان هي التي تشجع وتأمر بارتكاب الجرائم ضدهم..! تتغير كل قيم الدنيا في عينيه .. فماذا يحدث بعد أن يرتكب القاتل جريمته وهو يعلم أنه لا يترتب عليها أي عقاب، بل يلقى التشجيع والاستحسان..؟! هنا تكون كل القيم الأخلاقية والاجتماعية التي نشأ عليها في أسرته وتربّى عليها في المدرسة والمجتمع قد انهارت تماما، وحلّت مكانها أوامر السلطة الجديدة التي تدعّم سلوكه.. لقد أصبحت سلطة الإرهاب والعنف والاستبداد هي مرجعيته المقدّسة ... لعل هذا يفسر لنا الكثير من حوادث التعذيب والعنف والقتل التي يمارسها بعض أفراد الشرطة في مواجهة الأهالي لأوهى الأسباب وبلا أسباب على الإطلاق.. ثم يقال في تبريرها إنها حوادث فردية..! لا .. هذا مجرد هراء.. ويجب بحث الأمور بجدية أكثر قبل أن يكتسح الجميع طوفان العنف والفوضى.. فالمجتمع كله على حافة الهاوية...!
(6)
سألني بعض القراء أين يجدون مقالاتي؟؟ والحقيقة أنها مبعثرة في مواقع كثيرة ولكن يمكن الوصول إليها ببساطة عن طريق جوجول: فقط اكتب اسم المؤلّف كاملا ثم عنوان المقال المطلوب.. كذلك سأل أحد القراء هل من مخرج من هذا البلاء أم أنه قدرٌ أبديّ لا فرار منه..؟ 
وأقول: إن الله الذي قدّر الهوان والشقاء والمذلّة، على المتهاونين المتكاسلين السلبيين المستسلمين، هو هو نفسه الله الذي قدّر العزة والكرامة والنصر للمجتهدين المناضلين العاملين، الرافضين للظلم والاستبداد، والصابرين على التضحيات والأذى في البأساء والضّراء..
لقد أطلق ابن الخطاب واحدة من عباراته الخالدة حين قال:
" يعجبني الرجل إذا سيمَ الخسفَ أن يقول لا.. بأعلى صوته" .. تصوّر لو أن مليونا واحدا من ثمانين مليون من البشر في نفس واحد ولحظة واحدة صاحوا بأعلى أصواتهم جميعا: [لا .. ]
لزلزلت الأرض تحت أقدام الطغاة.. {إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم} تلك هي القاعدة الذهبية والقانون الإلهي الذي لا يتغيّر ولا يتبدّل.. كذلك يجب أن نفهم أن نصف الطريق إلى حلّ أي مشكلة هو وضع المشكلة وضعا صحيحا .. بحيث يتم فهمها فهما صحيحا من أكبر عدد من الناس .. وبذلك تحتشد الإرادات الجمعية في طريق المقاومة والتغيير الصحيحين ..
وتلك هي مهمة الكاتب والمفكر والمثقف المخلص..
 يجب أن نفهم على وجه التحديد من هو العدوّ الحقيقي الذي يريد تفكيك هذه الأمة إلى قبائل وطوائف وأعراق متعاكسة متصارعة متقاتلة..
فإذا لم تكن أمريكا والكيان الصهيونيّ على رأس هذه القائمة ووجدْت أسماء أخرى مما ترشّحه لك وسائل الإعلام الناطقة بلسان السلطات المستبدّة .. وتروّج له فرق المنافقين والمرتزقة وأصحاب الهوى والمصالح .. وأنصاف المتعلمين .. وأشباه المثقفين.. والمتفيهقين ..
إذا وجدت هذا فيجب أن تراجع أولوياتك فورا لأنك واقع في خطأٍ جسيم..
يجب أن نفهم أن الحرية لا ينالها إلا الذين يسعون إليها وهم مستعدون لخوض التضحيات من أجلها ، فإذا لم تتحقق لهم في حياتهم القصيرة فإنهم بتضحياتهم قد وفّروا على أبنائهم دفع ثمن أغلى للحصول على الحرية المؤجّلة..

أقرأ

الأحد، 4 مايو 2025

مدرسة الأمريكتين لتدريب السفاحين [1]

مدرسة الأمريكتين لتدريب السفاحين [1]

محمد يوسف عدس 

الاثنين، 30 يونيو 2014

في مدينة سراييفو عاصمة البوسنة في يوم 6إبريل2010 بمناسبة عيد استقلالها قُدّم عمدة المدينة إلى رويْ جوتمان Roy Gutman جائزة مجلس المدينة مع مفتاح مدينة سراييفو التاريخي .. ذلك لأن هذا الكاتب والصحفي الأمريكي الحر كان أول رجل في العالم يكتشف معسكرات الصرب لتعذيب وإبادة المسلمين البوسنويين؛ فنبه بذلك الرأي العام الأمريكي والعالمي إلى هذه المجزرة الدائرة بعيدا عن أعين البشر، وطارت صور هذه المعسكرات لتملأ الصفحات الأولى في صحف العالم .. ورأى الناس لذهولهم المعتقلين المسلمين خلف الأسلاك الشائكة، هياكل عظمية، لا تسترها إلا أسمال بالية، وقد خط الجوع والأمراض على وجوههم وأبدانهم آ ثارا جعلته أقرب إلى الموتى أو الأشباح...
(1)
ليس هذا هو موضوع المقالة على كل حال، ولا هو جوتمان الذي أردت أن أستشهد بكتاباته في موضوع هذه المقالة؛ فقد تبين لي أن المسألة لا تعدو أن تكون مجرد تشابه في الأسماء؛ فالرجل الذي عرض لحقيقة مدرسة السّفاحين، وكشف اللثام عن مهمتها الإجرامية في العالم، وعلى الأخص في بلاد أمريكا اللاتينية هو دبليو. إى. جوتمان W.E. gutman، قرأت له مرة مقالة عن نتنياهو، وحديثا آخر ألقاه في جامعة إسرائيلية، تميز بجرأته، يتنبأ فيه بأنه لا أمل في حل للقضية الفلسطينية ، على يد هذا الرجل الصهيوني المتعصب ضد العرب، الذي سيخذل كل آمال أوباما، وينسف كل وعوده المتواضعة لا في السلام فحسب، ولكن حتى في مجرد التهدئة المؤقتة ..!
والعجيب في الأمر هو أن هذا الكاتب الأمريكي يتحدث من واقع صداقته لإسرائيل، وهو نفسه كان يعمل لفترة من الوقت متحدّثًا صحفيا للقنصلية الإسرائيلية في نيويورك، والأدهى من ذلك أنه كان عضوا سابقا في عدد من المحافل الماسونية بالولايات المتحدة .. حيث يعتبرون هذه العضوية شرفا لا يرقى إليه إلا كبار المفكرين ، ولعل هذا يفسّر لنا في العالم الثالث عموما والعرب منهم أن من أبرز المؤهلات للوصول إلى المراكز العليا كمركز الوزارة مثلا أن يحتوى ملف المرشح على تقرير أمني يؤكد انتسابه إلى محفل ماسوني معتبر...!
ولكن ما هو سرّ اهتمامي بمدرسة السفاحين الأمريكية...؟!
أولا: قرأت مؤخرا مقالا مطولا لصديق عزيز هو الدكتور محمد عباس عن عمليات التعذيب والترويع والتدمير المادّي والمعنوي لمواطنين أبرياء على يد الشرطة.. يبدو فيها أن الكاتب يعبر عن اندهاش شديد وواضح لهذه القسوة المروّعة.
ثانيا: أنني عانيت من هذه الدهشة من قبل ، وحاولت البحث عن إجابة مقنعة لما أثاره الموضوع عندي من تساؤلات، وكانت نتيجة دراستي أنني كتبت عددا من المقالات نُشرت في مواقع مختلفة منذ بضعة أعوام منها: تفكيك الشخصية، والفاشية الناعمة، وظاهرة جنجريتش في السياسة الأمريكية وغيرها ...
ولكن هذه المقالات كانت مبنية على دراسات لعلماء النفس الاجتماعي يغلب عليها الجانب النظري، مع إنها لم تخلُ من أمثلة عملية قويّة الدلالة...
(2)
أما هذه المقالة فتتناول تحقيقا ميدانيا لخبير معنيّ بشئون هذه المدرسة ، وقد استطاع جمع حقائق لا حصر لها في مجال التطبيق العملي، بينما كان يعيش ويكتب تقارير في جولات طويلة بأنحاء دول أمريكا الجنوبية كمراسل دبلوماسي، يقول جوتمان:   "التخلص من شخص ما أمر سهل، أما تحطيم آمال الشعوب فيحتاج إلى جهود أكبر... لكنك تستطيع أن تقول واثقا بأن بعضا من الناس سيتطوّع للقيام بالعمل القذر مقابل مغريات ثلاثة: المال والجاه والسلطة... وعندما تفشل الأساليب الاعتيادية فيمكن الاعتماد على مدرسة الأمريكتين"؛ هكذا يبدأ جوتمانمقالته فيتساءل: "مَنْ مِنْ دول العالم أكثر من أمريكا تملك قوات عسكرية ومالية وتنظيمية وإعلامية هائلة..؟! وتملك خبرات تآمرية طويلة قائمة على العلم والتكنولوجيا الحديثة..؟!
من مثل أمريكا له مصالح هائلة متغلغلة في كل أنحاء العالم، وعينها على ثروات الدنيا تسعى لنهبها من كل بلد..؟! [أمريكا ليس لها أصدقاء، فهذه مجرّد خرافة شاعت وذاعت في وسائل الإعلام] ... أمريكا تبحث دائما عن رعاع ومجرمين عُتاة من أبناء هذه البلاد لتصنع منهم السلاح القاتل الذي تقتل به آمال شعوبهم ...! وتقطع بهم ألْسنة مواطنيهم فتخرسهم حتى لا يجرؤ أحد على المطالبة بحقه في ثروة بلاده ...؟!... ثم تبدأ أمريكا بالرموت كنترول عملياتها للامتصاص من بعيد، ودون أن تلطخ يدها مباشرة بالدم إلا إذا اقتضت الضرورة ذلك..
هذا البحث الأمريكي عن الأراذل من أبناء كل شعب وصقلهم وتجهيزهم للقيام بأدوارهم المستقبلية اتخذ أكثر أشكاله تنظيماً وصراحة في مؤسسة بشعة السمعة هي"مدرسة الأمريكتين".. صمّمتها وزارة الدفاع الأمريكية لتحقيق هدف أساسي هو صناعة كوادر عسكرية وإرهابية عالية الكفاءة لتضيفها إلى الحثالات الأخلاقية من أصدقائها المزعومين في دول أميركا الجنوبية والوسطى، ومن ثم استعمالها لإحكام السيطرة الأمريكية على القارة بأسرها..
(3)
يقول جوتمان: "الطلاب في هذه المدرسة لا يتعلمون كيفية الدفاع عن أوطانهم، بل إشعال الحرب ضد مواطنيهم.. يتعلمون فنون تشويه الحقائق، وإخراس الشعراء والكتاب والصحفيين، وترويض المفكرين، وإسكات الناشطين، وعرقلة النقابات، وتكميم أصوات الاعتراض والاحتجاج، وتحييد الفقراء والجائعين والمنبوذين.. وإطفاء أحلام العامة حتى في مجرد مسكن آمن يأويهم مع أسرهم وأبنائهم تحت سقف واحد .. وإغراق حقول الوفرة بدموع المجتمع المقيد الجائع المقهور الذي يئن تحت وطأة الفقر والغلاء والأمراض.. وتحويل المحتجّين إلى عملاء مطيعين للنظام الدكتاتوري المستبد..."
أُسِّسَتْ مدرسة الأمريكتين في بنما عام 1946 بعد الحرب العالمية الثانية بعام واحد، ثم تم نقلها إلى "حصن بينينج" في الولايات المتحدة بعد عامين، عندما طردها الرئيس البنمي ووصفها بأنها "أكبر قاعدة لإثارة القلاقل في أميركا اللاتينية ..ومنذ تأسيسها حتى سنة 1955كان قد تخرج منها ما يزيد عن 60 ألف عسكري من دول أميركا اللاتينية..
(4)
اشتهر العديد من خريجي مدرسة الأمريكتين بأعمال الإرهاب والاغتيالات السياسية، مثل ما حدث عام 1989 عندما دخلت مجموعة من الجيش السلفادوري
إلى "الجامعة الأمريكية المركزية"Universidad Centroamericana) واغتالت ستة من القساوسة ومديرة منزلهم وابنتها، وقد تبين أن 19 من العسكر الـ 27 المشتركين في المذبحة كانوا من خريجي مدرسة الأمريكتين، حسب تقرير لجنة كشف الحقائق التابعة للأمم المتحدة .. ومنذ ذلك الحين يقوم الناشطون الأمريكيون الأحرار المطالبون بإغلاق المدرسة بالتظاهر سنوياً من أجل لفت الأنظار إلى معهد تفريخ الإرهاب هذا، ولكن بلا جدوى...
لم تكن تلك هي المذبحة الوحيدة لهم ولا حتى أكبرها، فقد كان خريجو المدرسة يشكلون حوالي ثلاثة أرباع الضباط السلفادوريين المتورطين في سبع مذابح أخرى خلال الحرب الأهلية في السلفادور، ومنها اغتيال القس الأكبر اوسكار روميرو... وفي كولومبيا وُجد أنه من الـ 246 ضابطاً الذين ارتكبوا جرائم مختلفة وفق محكمة دولية لحقوق الإنسان عام 1992، كانت حصة المدرسة 105 ضابطا .. وكان أكبر ثلاثة ضباط من المساهمين في انقلاب رئيس جواتيمالا السابق سيرانو عام 1993 من خريجي تلك المدرسة أيضاً، منهم وزير الدفاع السابق هوسيه دومينكو جارسيا ورئيس موظفي الرئاسة سيئ الصيت لويس فرانسيسكو اوريتجا ، و كان قد تدرب على نشاطات الأمن العسكري عام 1976 فيها.
ومن الأسماء الشهيرة من خريجي المدرسة أيضاً كان وزير الدفاع الجنرال ماريو إينريك ورئيس البرلمان الجنرال هوسيه إفرين ريوس مونت، والذي حكم جواتيمالا عامي 1982 إلى 1983، واشتهر بسياسة "الفاصوليا أو الرصاص": [الفاصوليا للمطيعين والرصاص للمتمرّدين]
(5)
ويواصل جوتمان سرد أسماء مجرمي هندوراس من خريجي المدرسة .. ويبين لنا كيف سميت بـاسم "مدرسة الدكتاتوريين" أو السفاحين.. وذلك لتخريجها ضباطا تمكنوا من الاستيلاء على السلطة بمساعدة المخابرات الأمريكية .. استولى كل منهم على السلطة بعد الإطاحة بحكومة مدنية منتخبة بصورة ديمقراطية في بلاده..
ويمضى جوتمان في سرد أسمائهم واحدا واحدا، فيذكر منهم مثلا: الرئيس هوجو بانزر سواريز الذي حكم بوليفيا بالحديد والنار، وسحق المعارضة وعمال المناجم بقسوة وحشية.. ويذكر روبرتو دوبوسيون، قائد إحدى فرق الموت السلفادورية والمخطط لاغتيال القس الأكبر روميرو.. والذي اتهم بالمشاركة في مذبحة "الموزوت" التي راح ضحيتها تسعمائة من الرجال والنساء والأطفال.
كان نورييجا من أول أمره شخصاً مؤهلا للتلمذة في مدرسة الأمريكتين .. فقد بدأ حياته السياسية جاسوسا لحساب الـ سى آي إي على الطلبة اليساريين من رفاقه في أحد التنظيمات.. ويذكر دبليو إي توجمان أسماء رؤساء آخرين ارتبطت أسماؤهم بالفساد والاستبداد وتجارة المخدرات، كان اسم واحد منهم لا يزال مسجلا في قائمة الشرف بمدرسة السفاحين حتى عام 1988! ... ويُذكر أنه في جواتيمالا التي يبلغ تعداد سكانها10 ملايين نسمة كان لشعب المايا من سكان البلاد الأصليين حصة الأسد من المعاناة، حيث قُتل منهم خلال 30 عاماً في الحرب الأهلية ما يزيد عن 200 ألف مواطن.. وكان معظم الجنرالات الذين شاركوا في الانقلابات الدموية وأعمال الإرهاب خلال تلك الفترة، من أولئك الذين تدربوا في مدرسة الأمريكتين...!
استجابة للضغوط المتزايدة لإغلاق المدرسة سيئة السمعة، قام الكونجرس بحركة التفافية لإنقاذ المدرسة فقد صوّت عام 2000 على إغلاقها ثم إعادة فتحها في عام 2001 باسم أخر هو "معهد نصف الكرة الغربي للتعاون الأمني" .. واشترط أن يضاف إلى منهج الدراسة فيها دروساً عن حقوق الإنسان لا يقل مجموعها عن 8 ساعات...! وذلك للتمويه أو ذرّ الرماد في العيون .. وقد وصف الناشط بورجوا، أحد مؤسسي منظمة (رقابة أميركا) هذه المحاولة بأنها: أشبه بإلصاق ورقة كتب عليها (بنسلين) على قنينة للسم".
(6)
 ومنها مانويل نورييجا دكتاتور بنما السابق المشهور.. الذي كان يحكم ويدير تجارة المخدرات بالتعاون مع إدارة ريجان عندما كان بوش الأب مديرا للمخابرات المركزية، حتى اضطرت الإدارة الأمريكية للتخلي عنه والانقلاب عليه بعد افتضاح أمره أكثر مما يجب.. وأصدر الكونجرس قانوناً ضده رغم اعتراض الإدارة، وحين لم تجد الإدارة الأمريكية طريقاً لإنقاذه (وكان يفاوضها على ذلك مقابل اغتيال مسئولي الساندينست في نيكاراجوا) هاجمت القوات الأمريكية بنما ... وفي النهاية سلم نورييجا نفسه حيث حُكم عليه بالسجن لمدة أربعين عاماً بتهم تتعلق بتجارة المخدرات!..مدة سجن مبالغ في طولها حتى يموت في السجن قبل أن يُتاح له فرصة من الزمن للحديث عن شركائه في تهريب المخدرات من كبار رجال الإدارة الأمريكية ..
 
(7)
يحاول اليوم بعض المعتدلين استبدال القواعد العسكرية الأمريكية في العراق مع الاكتفاء بتدريب القوات العراقية من جيش وشرطة في هذه المدرسة تحت اسمها الجديد، .. وهكذا مازال "معمل تفريخ الدكتاتوريات والسفاحين" يستقبل أسوأ إفرازات مجتمعاتنا العربية، ليعيدهم إلى بلادهم مرة أخرى وقد تسلحوا بالمعرفة اللازمة والتدريب المناسب لخنق أي تطلع في بلادنا التعيسة نحو الحرية أو الديمقراطية، مما لا يتناسب مع أنشطة ومصالح الشركات الكبرى، والتكتلات الاحتكارية الأمريكية وطموحاتها، التي تتركز في: السيطرة على العالم، ونهب ثرواته وموارده .. وتجريد الشعوب من كرامتها وإنسانيتها وأخلاقها الدينيِة .. وكل ما تعتز به في تقويم هويّتها... ولك أن تفهم لماذا لا يستطيع أوباما ولا أي رئيس أمريكي آخر أن يقدم على إغلاق مدرسة السفاحين..؟! لو كان قادرا لاستطاع إغلاق معسكر التعذيب في جوانتنامو، بعد أن وعد وأكد أنه سيغلقه... لماذا لم يفعل..؟ لأن مثل هذا الأمر ليس بيده .. ليس من اختصاصه ولا من اختصاص أجهزة دولته كلها .. الأمر بيد من يسيطر على التكتلات الاحتكارية.. ومدرسة السفاحين جزء من آليات هذه المؤسسة الكونية ..
(8)
ثم اعلم أنه [فيما يخصّنا هنا على الأقل]ستجد إن خبراء التدريب في هذه المدرسة يركزون هناك على تدريب ما يسمّونهم ب[المدرِّبين]، أي الذين سيقومون بعد ذلك بتدريب غيرهم .. وهكذا يمتدّ تأثير أفكار هذه المدرسة الجهنمية إلى أوسع نطاق .. ولتشمل أعدادا من البشر أكبر مما تتصوّر .. إنهم يغسلون عقولهم وينفثون في أرواحهم كراهية عميقة لتراث شعوبهم الثقافيّ، وعلى الأخص احتقار رجال الدين وكراهيتهم.. ويعلّمونهم أن الإرهاب نابع من القرآن نفسه.. ويستشهدون على ذلك بالآية القرآنية: { وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، ترهبون به عدوّ الله وعدوّكمْ} ثم يضيفون:
عليكم أن تفهموا وتتنبّهوا.. فأنتم أعداء هؤلاء المتشددين الإرهابيين .. فإذا سمحتم لهم باستلام السلطة أو الاقتراب منها فستكونون أول ضحاياهم ... [ لا حظ أن لديهم من أبناء جلدتنا عدد من خبراء اللغة والثقافة الدينية يعملون كمستشارين يتقاضون رواتب هائلة .. ويقدّمون لهم النصائح القاتلة .. ولست أستبعد أن الأستاذ الأزهري الذي أعلن عن تنصّره.. ثم هرب إلى أمريكا قد وصل الآن واستقر في مدرسة السفاحين]....!
 
(9)
لعل فيما ذكرت آنفا ما يلقى الضوء على بعض الجوانب الغامضة في سلوك رجال الأمن مع الشيوخ الأفاضل .. لعله يفسر بعض الظواهر الغريبة التي بدأت تتمدّد على صدر مجتمعاتنا .. من هذا: الأسرة المسلمة في العريش التي لجأت إلى الكنيسة بعد أن يئست في محاولاتها إنقاذ ابنها البريء المحتجز لدى رجال الأمن.. بعد أن يئست كل محاولاتها في استنفار المشايخ والسياسيين والمحافظ... ثم كيف استقبلها رجل الأمن وهى في حماية القسيس بالترحاب والابتسام .. والتحية بالمشروبات الساخنة والباردة.. ثم أطلق سراح ابنها تكريما لمقدم القسيس المبارك... أليست هذه دعوة صريحة لتيئيس المسلمين من دينهم وتوجيه نظرهم إلى دين آخر تتحقق به المصالح وتنحل به المشاكل والمآسي ...؟؟ إذا كان الأمر غير ذلك فدلوني عليه مشكورين..!
قل لي يا صديقي الكاتب الألمعيّ الأستاذ جمال سلطان، فأنت الذي أثرت موضوع لجوء الأسرة المسلمة للكنيسة في العريش .. هل لديك تفسير آخر ..؟! إذا لم يكن لديك فانظر إلى هذا الجانب للقضية نفسها .. يرصده مركز النديم للعلاج والتأهيل النفسي لضحايا العنف.. إنه فيما يذكر صديق آخر وكاتب شجاع هو الدكتور محمد عباس في مقالة له يقول فيها: يرصد المركز كيف يعامل ضابط الأمن المهذب الرقيق مع الكهان والقساوسة وكيف ينقلب على رأسه في التعامل مع الشيوخ... يسرد المركز وقائع تعذيب أحد شيوخ المساجد... ويروي حكاية علقة ساخنة لإمام مسجد داخل أمن الدولة بالعريش بعد خطبة له عن رعاية اليتيم . وقد نشرت صحيفة  "المصريون بعض التفاصيل: حيث تم استدعاء  الشيخ محمد عبد الحميد بعد إلقائه خطبة الجمعة المذكورة بالعريش وانهال ضابط مباحث أمن الدولة عليه بالسب والشتم وسب الأم والأب ثم قام الضابط محمد رضا بضرب الشيخ على وجهه وعلى صدره ضربا مبرحا وهدده بالاعتقال إذا رآه مرة ثانية في مكتبه ..[الحقيقة أنني لم أفهم من تفاصيل الجريدة ولا من كلام الدكتور محمد عباس لماذا يعاقب شيخ على حديثه عن الأيتام..!]
ونتابع الخبر: حيث يشير إلى أن الضابط نفسه قد قام باستدعاء الشيخ المثالي بالمحافظة وإمام وخطيب مسجد أبو هريرة بالعريش الشيخ عبد الله القطب وقام بسبه وشتمه بأفظع الألفاظ الجارحة وشتم الأب والأم ، وقام بتهديده بتلفيق قضية أموال عامة واعتقاله وصعقه بالكهرباء وتعذيبه ، وتتطاول على أئمة المساجد كلهم بالجملة بأفظع الألفاظ.
وقام الشيخ محمد عبد الحميد والشيخ عبد الله القطب بتقديم بلاغ إلى المحامي العام بنيابة شمال سيناء وتم تحويل البلاغ إلى النيابة ...[أيضا هنا لم أفهم ما هي المشكلة.. أم أن المسألة مجرد استعراض عضلات حتى يفهم الجميع من هو صاحب السلطان.. وأنه لا سبيل للحياة إلا بالخضوع التام والالتزام بالأوامر بلا فهم ولا مناقشة..!! أيّ جهنم هذه التي يعيشها الناس..؟! وهل نشهد اليوم آخر ثمار المنظومة السياسة وقد نضجت وتعفنت، وأصبحت في طريقها إلى التحلّل والانهيار...!هل هذه خلاصة ما تبقى في قاع هذه المنظومة من قاذورات... قبل إن تذبل وتموت...! ]
(10)
تعجّب الشيخ قطب من موقف مدير عام أوقاف شمال سيناء الذي يقف موقفاً متخاذلاً أمام ما يتعرض له الأئمة من انتهاكات وإهانات من الأمن، وقال إننا أرسلنا فاكسات عاجلة لكل من وزير الداخلية ووزير الأوقاف وشيخ الأزهر ومحافظ شمال سيناء لإطلاعهم على ما نتعرض له على يد رجال الأمن... يا شيخ قطب الله وحده هو الوليّ وهو الملاذ وهو مالك الملك، يحيى ويميت، وهو على كل شيء قدير.. أعرف أنك لست بحاجة إلى موعظتي..إنها مجرد تذكرة .. ولكن إذا أردت أن تعرف في أي عالم نعيش اليوم فاقرأ هذا المقال... ولله الأمر من قبل ومن بعد 

الجمعة، 27 أغسطس 2021

من أخطر مقالات صناعة الوعي: عقول ميّتة

 من أخطر مقالات صناعة الوعي: عقول ميّتة






بقلم: محمد يوسف عدس*

منذ عدّة سنوات قمت بدراسة مستفيضة للأساليب الأمريكية في السيطرة على عقول البشر وسلوكهم ، وقد نُشرت هذه الدراسة فى العديد من المواقع تحت عنوان جامع هو “الفاشية الناعمة” .. أما في هذا المقال فإني أستعرض فقط بعض نتائج هذه الدراسة لسبب جوهري، وهو أن أساليب التحكم هذه قد تم تطبيقها في مصر خلال السنوات الأخيرة ، فجاءت بنتائج مبهرة -في نظر أصحابها- .. وكارثية في نظر ضحاياها .. لأنها أثمرت عندنا عقولا ميّتة ، لا بالمعنى المجازي، ولكن في الحقيقة والواقع .. وإليك بيان ذلك مفصّلا:

(1) لقد تبيّن لي من دراسات قام بها علماء في أمريكا على عينات كبيرة من المواطنين أن تكرار مناظر معينة في التليفزيون تسبّبت في إغلاق جهاز التفكير المركزي في المخّ تماما .. وفى دراسات أخرى أثبتت أن الإدمان على في مختلف القضايا الساخنة مشاهدة البرامج التليفزيونية من شأنها إضعاف القدرة على التفكير النقدي لما يُعرض على شاشة التليفزيون .. ويرى أصحاب هذه الدراسات أن مجرد ورود الصور على الشاشة خصوصًا إذا كانت في سياق برنامج إخباري أو وثائقي يجعل لهذه الصورة مصداقية ، ويخلع عليها شعورا بأنها هي الواقع الحقيقي .. ولم يَرَى أصحاب هذه الدراسات ما يستوجب الاستهجان ، بل يعترفون بأن التليفزيون ينتج أجيالاً من الناس بعقول ميتة .. وأن هذا أنسب وضع لنجاح خطة كوكبية أكبر للسيطرة الاجتماعية ، تحشد لدراستها مؤسسة “تافستوك” وفروعها المنتشرة في أنحاء العالم إمكانات هائلة..

فنرى مثلا الخبيرين “تريست” و “كنج” (من معهد) تافستوك يحثّان على ضرورة شنّ حملة لإعادة تربية البشر.. لكسر آخر معاقل المقاومة الوطنية لصالح العولمة والنظام العالمي الجديد .. (في هذا السياق اقرأ كتاب إمرى وتريست Choosing a Future )

(2) في سنة 1981 قدّم “برْترام جروس” ورقة بحث إلى “مؤتمر المستقبل” أشار فيها إلى ولادة نظام عالمي جديد .. قال : في الأيام القادمة سوف يُطرح على العالم ما يسميه معهد تافستوك بـ “الاختيار الحاسم” وهو اختيار بين عدد من البدائل كلها سيئة .. ولكن بسبب الرعب الذي سيسود في ذلك الوقت وتحت ضغوط أحداث متلاحقة فسيضطر الناس إلى اختيار أقل البدائل سوءًا .. وهو يرى أن المجتمع الصناعي الغربي في طريقه إلى التمزق والانفجار.. وسيؤدى هذا إلى فوضى عارمة .. تؤدى بدورها إلى ظهور نظام فاشي استبدادي .. إما على النمط الذي ظهر في ألمانيا النازية أو نظام أكثر إنسانية يمكن تسميته بـ”الفاشية الناعمة”.
ويعتقد جروس أن هذا النوع الثاني من الفاشية هو الاختيار الأفضل .. وذلك لأنه يتضمن مشاركة جماهيرية وحرية أكثر .. وسيكون هو الشكل الديمقراطي المتاح لأكبر عدد من الناس.. تلك هي الفاشية الناعمة التي ستغرق المجتمعات البشرية بنظام معلومات كونى يشتمل على شبكات هائلة من تلفزة الكابلات والفضائيات والأقمار الصناعية وشبكات التواصل الإلكترونيّ .. فمن سيدير هذه الفاشية الناعمة..؟
– يجيب جروس قائلًا : “إنهم نخبة عالمية مستنيرة من أبرزهم أصحاب صناعة وتكنولوجيا الاتصالات متعددة الجنسيات .. وستحكم هذه النخبة كتلا هائلة من الجماهير مُستمرة ليلها ونهارها أمام شاشات التلفزة .. هذا النوع من الجماهير يمكن كسبهم بسهولة كرعايا طيبين للنظام العالمي الجديد .. وذلك عن طريق إغوائهم بالمسلسلات والبرامج المسلية .. وإغراقهم بطوفان من المعلومات والتفاصيل التي لا حصر لها ، لا تسبب لهم إلا الارتباك والحيرة ، ثم التبلد الذهني المزمن .. ومادمنا قد استطعنا كسب هذه الأعداد الهائلة من الجماهير الغائبة عن الوعى – من خلال الإعلام والتعليم – فإن المقاومة التي ستبديها الفصائل الوطنية المعارضة أو المتمردة سوف تنهار” … انتهى الاقتباس من كلام “برترام جروس” ..

(3) يبدو أن الأمر ليس فيه “هزار” وإنما هو جدّ كل الجدّ .. ففي سنة 1989 أقام معهد تافستوك ندوة في جامعة “كيس وسترن رزيرف” الأمريكية لمناقشة أساليب تحقيق “فاشية عالمية بلا دولة” .. وفى سنة 1991 كرّس معهد تافستوك مجلة “العلاقات الإنسانية” لأبحاث هذا المؤتمر الذي ترددت في أوراقه الدعوة إلى تسخير الإعلام الجماهيري لتحقيق مشروع الفاشية الناعمة .

(4) تساءل بعض المفكرين عن الإدمان التليفزيوني قال : تُرى ماذا سيحدث عندما يشبّ هذا الجيل من الأطفال المدمنين على مشاهدة التليفزيون ويتولى السلطة في بلادنا؟ هل سيكونون مؤهلين للقيام بهذه المهمة ؟ هل سيكونون قادرين على التفكير ومعالجة المشكلات ؟
-استبعد “إِمْرى” وأصحابه السؤال من أساسه بحجّة أنّه سيكون هناك وقت كافٍ لتدريبهم على الحكم !!.. وقد بقيَ السؤال معلقا بلا إجابة شافية حتى جاء “لينتز” .. وكان أستاذاً في جامعة ولاية بنسلفانيا .. جاء ليحذّر الأمة بأن مستقبلها كارثي ، فقد لاحظ خلال دراسته لمهارات القراءة والكتابة عند الطلاب أن الإعلام الجماهيري ، والتليفزيون بصفة خاصة قد دمّر هذه المهارات تماما ، فلم يعد معظم الطلبة يكتبون كتابة منطقية متماسكة ولا يتكلمون بعقلانية .. لا لقصور في برامج التعليم ، ولكن لأنهم ليس لديهم الرغبة في التفكير أصلا .. فقد رسّخ التليفزيون في عقولهم أن الصورة وحدها هي الحقيقة وهى المعرفة المنشودة .. وما عداها لا قيمة له ؛ لا أسئلة ولا استفسارات ولا جهد للتعمّق في عقول الآخرين وأفكارهم.. وإنما الصورة ، والصورة فقط وما يدور حولها من تعليقات.. وينتهى “لينتز” إلى هذه الخلاصة فيقول:

لأننا سلمنا رؤوسنا وأنفسنا لهذا الوهم الذي يصنعه التليفزيون فإننا سائرون حتما إلى جنون جماعي ، سيكون له انعكاساته المنظورة وغير المنظورة على مستقبل هذه الأمة .. سوف نبدأ نرى أشياء لا وجود لها في الواقع .. وسوف نسلِّم لغيرنا أن يصنع لنا الوهم -على أنه هو الحقيقة- والنتائج لكل ذلك مروّعة“.

هكذا يرى “لينتز”: أن النتائج ستكون مروّعة ، ولكن الذين يرسمون الخطط للسيطرة على البشر، والذين يروجون لفكرة الفاشية الناعمة يرون الأمور بمنظار آخر؛ فهذه الشخصية السلبية المسلوبة الإرادة التي طرحت التفكير المنطقي والنقدي جانبا ، والتي تعتمد على آخرين ليصنعوا لها قراراتها ويرسموا مستقبلها هي الشخصية المطلوبة في المجتمع ، والتي يعملون على صنعها من خلال وسائل الإعلام .. لا شكّ أنّها الشخصية التي تتوافق تماما مع منظومة “الفاشية الناعمة” .. أو الديمقراطية الموهومة.

(5) ” الوهم الضروري” الذي استخدم هذه المصطلح لأول مرة هو “راينهولد نيبور” ، وخلاصة فكرته هي : أن غالبية الجماهير من العوام والجُهّال .. وبحكم هذا الوضع فهم غير قادرين على التفكير الذي يستند إلى المنطق والتحليل ، فتلك خصوصية لا يتمتع بها إلا النخبة؛ وهؤلاء [يقصد النخبة] عليهم خلق هذا “الوهم الضروري” القائم على التبسيط والعاطفية من ذلك النوع الذي تبثه وسائل الإعلام عن طريق الصور المكرورة والقصص الخيالية وبرامج التسلية اللاهية.
وهكذا يرى “نيبور” أن الجمهور العام لا قدرة له على صناعة قرارات معقولة .. فهم لا يعرفون ماذا يحتاجون .. ومن ثم فإنه من غير الأخلاقي ولا اللائق إشراكهم في الشئون العامة.. فإن هذا يشبه السماح لطفل ذي ثلاث سنوات أن يلعب بسكين المطبخ .. وحتى لا يتورط هؤلاء العوام في مشاكل لا قِبَلَ لهم بها يجب علينا إلهاؤهم والحيلولة بينهم وبين الإنشغال بالشأن العام.
فمن يصنع القرارات إذن ؟ … يجيب “نيبور” : إنهم النخبة من الفئات المتخصّصة .. القلّة الذكية، هؤلاء المراقبون الهادئون هم القادرون على اتخاذ القرارات التي تخدم مصالح أصحاب السلطة الحقيقية ، والمقصود هنا هم كبار رجال الأعمال والمال المسيطرون على الاقتصاد والسياسة.

*** يرد إلى ذهني في هذا السياق تصريح أدلى به حسنى مبارك في أوّل زيارة له إلى الولايات المتحدة الأمريكية ، بعد [مبايعته] رئيسا للدولة -عندما سأله أحد الصحفيين عن موقفه من الديمقراطية في بلاده ، وهل تتوقّف السلطات عن تزييف الانتخابات والخضوع لإرادة الشعب ؟
فأجاب الرجل ساخرًا : أنت تتحدث عن بلادي وكأنّها أمريكا .. يجب أن تفهم أن أكثر من نصف شعبنا أمّي لا يعرف القراءة والكتابة .. ثم تابع قائلا : فماذا تتوقّع أن تكون صورة الديمقراطية التي يمكن أن يختارها .. ! هكذا تفكر النخبة المتسلّطة على الحكم في بلاد العرب ، إنّهم لا يفكرون حتى في (الفاشية الناعمة) فهذا ترف لا يقدرون عليه ، وما لديهم هو فاشية من العيار الثقيل ، فاشية الرّصاص والسّجن والدبّابة..!

(6) يضيف “والتر ليبمان” إلى فكرة “الوهم الضروري” فكرة “القبول المصنوع” فهو يرى أنه في المجتمعات الديمقراطية لا تستطيع أن تتحكّم في الناس بالقوّة كما تفعل السلطات المستبدّة في بلاد العالم الثالث التي لا تمارس الديمقراطية ..ولكن عليك أن تتحكّم في تفكيرهم. وهو يؤمن أن هذا من صميم النظرية الديمقراطية الليبرالية ، في هذه الديمقراطية يجب أن يُسمع صوت الجماهير .. ومن ثمّ عليك أن تتحكّم في صناعة هذا الصوت مُسبّقًا بحيث يأتي مطابقًا لما تتوقّع منه بمحض إرادته وحريته !.. يتسق مع هذا التوجّه اعتقاد ليبرمان أن الجماهير العامة ليسو إلّا قطعانا هائمة – وعلينا أن نحمى أنفسنا من غضبة هذه القطعان .. وهذا لا يتأتّى إلّا عن طريق صناعة القبول أو “هندسة الموافقة” .. وهو هنا يميّز بين فئتين من الناس : النخبة الحاكمة والجماهير المحكومة .. ويرى أن كلّ فئة تحتاج إلى نوع مختلف من التعليم والإعلام.

فالنخبة المتميزة لابدّ أن يكون لديها فكرة دقيقة عن العالم حتى لا يتخذوا قرارات خاطئة .. ولابدّ لهم أيضا أن يتشرّبوا عقيدةً مَا قبل أن يبدؤوا عملهم في خدمة الكبار .. فسواء كانت هذه النخبة ممن سيديرون سياسات الدولة أو من فرق المثقفين الذين يروّجون لها … يجب أن تكون عقيدتهم جميعًا هي خدمة مصالح الأسياد الكبار .. ومن أجل ذلك فقط يُسمح لهم بالاطلاع على وسائل المعرفة الخاصة بالنخبة.

أما بالنسبة للجماهير العامة فإن وسائل الإعلام الموجّهة إليهم تلعب معهم دورا مختلفًا ؛ فهؤلاء يجب وضعهم خارج دائرة الاهتمامات الحقيقية الجادّة… إنّهم يمثلون من 80 إلى 90 في المائة من الشعب .. وعلى وسائل الإعلام إلهاؤهم بالأفلام والمسلسلات ونجوم الكرة والموسيقى والغناء حتى لا يفكّروا في المشاركة في صنع القرارات السياسية …

ويكمّل دور التليفزيون وسائل تسلية أخرى كثيرة من منتجات الثقافة الشائعة في عصرنا الحاضر من : كاسيت و”سى دى” و”دى فى دى” .. وكلّها من حيث الشكل والمحتوى تتبع نمطا واحدا .. وكلّها تستهدف خلق جمهور من الناس مجرّد من التفكير ومن القدرة على النّقد؛ مستهلك سعيد ببضاعته حتى لو كان محتواها مجرّد نفايات ضارّة .. إذ يبقى تأثيرها على عقول الناس وعواطفهم جدّ خطير..!

    المصدر    

الأحد، 4 يوليو 2021

المفكر والمترجم«المستشار محمد يوسف عدس»

المفكر والمترجم
«المستشار محمد يوسف عدس»

محاضرةالمفكر والمترجم «محمد يوسف عدس
 عن حياة وفكر الرئيس الراحل والمفكر علي عزت بيجوفيتش 
بتاريخ: 9-12-2011




الجمعة، 2 يوليو 2021

مقالات المستشار محمد يوسف عدس(3)

 

 مقالات المستشار محمد يوسف عدس (3)



الجذور الأمريكية للانقلاب العسكري








مقالات المستشار محمد يوسف عدس (2)

 

 مقالات المستشار محمد يوسف عدس (2)



الشيخ الأفَّاك مجرّد نموذج











مقالات المستشار محمد يوسف عدس (1)

 مقالات المستشار محمد يوسف عدس(1)






قراءة في كتاب بروتوكولات حكماء العرب

دراسة نقدية لرواية "بروتوكولات حكماء العرب"

قراءة محمد يوسف عدس بروتوكولات حُكّام العرب للدكتور محمد عباس

خرافة مذبحة الأرمن

"بوكاسا" إمبراطور أفريقيا الوسطى الراحل ، و"بوكاسا إمبراطور مصر الراهن

الدكتورة زينب عبد العزيز

الوداع الأخير لشهداء الحرية"

السقوط الأمريكي وزوال إسرائيل

الفُقّاعة الكبري توشك على الانفجار.









الاثنين، 15 مارس 2021

قراءة في كتاب بروتوكولات حكماء العرب

 

 قراءة في كتاب بروتوكولات حكماء العرب




أسم الكتاب: بروتوكولات حكماء العرب


الكاتب :الدكتور محمد عباس
الناشر: دار الماحى للنشر والتوزيع
 

بروتوكولات حُكّام العرب للدكتور محمد عباس .. هي أهم وأروع رواية عربية أُلّفَتْ فى نصف القرن الأخير.. وقد شرّفنى صاحبها بكتابة تقديم لها فسعدت بهذا الشرف؛ إذ قرأت الرواية كاملة وأنجزت مقدّمتها فى يوم ٢٥ فبراير سنة ٢٠١٣م. إنها رواية غير عادية وقد ألهمتنى تقديمًا غير عادي.. ولكنها للأسف الشديد لم تُنشر حتى هذه اللحظة.. وأظن أنه قد آن الأوان لننفض عنها غبار النسيان ونستحضرها إلى الأذهان.. ولقد وجدت أن المؤلف قد ضمَّنها فى موقعه الخاص .. واستجابة لرغبة الكثيرين من الأصدقاء أضع المقدمة ورابط الرواية أمامكم.. حسبةً لله ؛ فالرواية تلقى ضوءًا كاشفًا على الأوضاع الراهنة، كأنها قد وُضعت خصيصًا لتعميق فهمنا لما يحدث الآن.. قلت فى المقدمة:
أحد خصوصيات هذه الرواية المتفرِّدة هو استخدام الإيهام بطريقة عبقرية ؛ فالدكتور محمد عباس، يتخذ من الإيهام تكتيكًا فنيًّا للدفاع والهجوم والمراوغة فى آن واحد.. وهنا ينبغى ألَّا ننسى ثلاثة حقائق تشكل الخلفية المتميزة لهذه الرواية:
أولها- أنه شرع يكتبها وينشر حلقاتها فى الصحف إبتداءً من سنة ٢٠٠٠م خلال فترة من أبشع عهود الطغيان والاستبداد التى مرت بمصر،
وثانيها- أن المحتوى الموضوعي الأساسي يتضمن هجوما كاسحًا على النظام الحاكم؛ يُعرِّى فلسفته ومواقفه، ويكشف أساليبه الخفية، وآلياته فى القهر، والنهب و الإفساد،
وثالثها- أنه ينطوى على رسالة لا تخطئها عين الخبير؛ خلاصتها أن الأمر لا يمكن السكوت عليه، وأن ثورة شعبية تلوح فى الأفق البعيد، لا مفرَّ منها، وأن المسألة هى مسألة حياة أو موت، مسألة وجودية؛ فإما أن يستمر هذا النظام فى االحياة ويموت الشعب، وإما أن يهبَّ الشعب ليستخلص وجوده ويقضى على النظام.. وليس هناك اختيار ثالث..
ومن هنا نفهم الوظيفة الحتمية للإيهام بشكل مكثَّف: حيث يستخدم المؤلف فيه تكتيك الحلم برموزه وتهويماته اللامنطقية درْعًا واقيًا لامتصاص الصواعق المحتملة من قِبَلِ السلطة الغاشمة؛ فالحلم يضع على الوقائع الصارخة غلالة ضبابية ويخلع على الحقائق تهويمات تزعزع من صلابتها فى عيون المتربصين، ويأتى فى هذا السياق، إيراد أسوأ الأخبار على ألسنة الآخرين، وبث النوادر والفكاهات الّلاذعة الساخرة فى ثنايا الرواية على سبيل التمويه، ولكنها ترد دائما كجزء لا يتجزأ من التطور الدرامي للرواية..
نعرف من أساليب المراوغة الشهيرة المنديلَ الأحمر الذى يلوّح به مصارع الثِّيران الأسباني أمام الثور الهائج، فيطيش صوابه ويهرول مندفعا ذات اليمين وذات الشمال ينطح المنديل حتى ينهك قواه ، وفى لحظة خاطفه يخرج المصارع سيفه ليهوى به على رقبة الثور المنهك فيسقط صريعًا على الأرض.
الجمهور المشاهد يعرف الحيلة؛ فهو يرى السيف طول الوقت فى اليد اليُمنى للمصارع الرشيق مختفيا وراء ظهره، ويمسك أنفاسه من الرَّوْعِ حتى تأتى اللحظة الفاصلة.. وهكذا يعبث المؤلف بعقل الطاغية ورجاله، مستفيدًا -إلى أقصى المدى- بهامش الحرية الذى أتاحه النظام، بينما جمهور القراء فاهمٌ لأبعاد المعركة غير المتكافئة، ومدرك لمرامى المؤلف، ويتجاوب مع أحداث الرواية على أساس هذا الإدراك...
إنها لعبة خطرة، محفوفة بالمهالك بالنسبة للمؤلف، يدركها تمامًا ويعلم أنه معرض لأهوال محتملة، ولكن ماذا تفعل الأهوال فى قلب جسور يؤمن بأن الحياة والموت فى قبضة خالق الحياة والموت، وأن الشهادة فى سبيل غاية نبيلة هي أقصى ما يتمناه إنسان مؤمن عميق الإيمان.. وأن الأمانة التى حُمِّلت إليه، لا يمكن التخلص من تبعاتها مهما كانت الأعذار والصعوبات..
فى تاريخ الأدب العربي والعالمي سنجد نماذج قريبة الشبه من رواية محمد عباس من حيث استخدام تكتيك الإيهام لظروف سياسية واجتماعية مشابهة؛ نضرب لذلك مثلا بـ"مزرعة الحيوان" لجورج أورويل ، و كليلة ودمنة التى أجراها صاحبها على ألسنة الحيوانات، حتى لا يقع تحت طائلة السلطة الباطشة..
ولكن الإيهام الأوقع فى كتاب "كليلة ودمنة" ليس هو استخدام الحيوانات لتقوم بدور الشخصيات الإنسانية، وإنما لأن مؤلّفه الحقيقي ليس بيدبا الفيلسوف الهندي كما جاء فى مقدمة الكتاب على لسان عبد الله بن المقَفَّع، الذى ذكر أنه ترجم الكتاب فقط، ولم يفطن العرب أن المقدمة الافتتاحية كانت جزءًا لا يتجزأ من هذا العمل الأدبي المتفرِّد، أتاحت لصاحبه أن ينتقد مجتمع عصره دون أن يتعرَّض للأذى، وقد انطلت الحيلة على الأجيال العربية على مدى ثلاثة عشر قرنا من الزمان، حتى جاء باحث عبقري متخصص فى الأدب الشعبي هو "الدكتور محمد رجب النجار" الذى أكّد –فى دراسة تحليلية متعمِّقة- نسبة الكتاب إلى ابن المقفع تأليفًا على الأصالة، وأنه ليس ترجمةً لكتاب هنديّ، لا وجود له فى تاريخ الأدب الهنديّ.
هذه الحيلة الفنية هى بذاتها التى لجأ إليها الدكتور محمد عباس ليوهمنا أنه تلقَّى نصوص "بروتوكولات حكماء العرب" من شخص مجهول الهوية أرسلها إليه على شكل مخطوط غريب، فى ظروف غريبة وبشروط مفروضة عليه هى أكثر غرابة؛ فهو لا يستطيع أن يبوح حتى عن كيفية وصول البروتوكولات إليه، إلا إشارةً أو تلميحًا، بل يوهمنا أكثر من ذلك بأنه تورَّط فى الأمر دون إرادة منه، ولا رغبة فيه.. لقد جاءته "البروتوكولات" بالبريد ولكنه فشل فى معرفة البلد التى صُدِّرَت منها، ولم يستطع أن يستنبط من كلامها من أيّ البلاد جاءت، ولا حتى الفترة الزمنية التى كُتِبت فيها..
يقول:
" أثناء قراءتي كنت أظن أحيانا أنها كتبت أمس أو اليوم وأن من كتبها قد تعمد أن يدسَّ فيها أحداثا قديمة تنصُّلًا مما قد تجرّه عليه من متاعب.. وفى أحيان أخرى كنت أؤكد أنها كُتبت منذ ألف عام.. لكن المرسل المجهول دس فيها ما حدث بالأمس وما يحدث اليوم وما قد يحدث غدا ... بل أحيانا كان يشير إلى حرب بالصواريخ زمن السيف... وكان يرمز إلى حرب بالسيوف زمن الصواريخ.. ولست أدرى لماذا فعل ذلك؟.. لماذا حرص على كل هذا الغموض.. أهو مجرد الإخفاء لأصْلِ نصٍّ خطيٍر كهذا؟ .. أم أنه بالغموض يُعَظِّمُ تأثير قوة الأسطورة فيما يكتب..؟!"
هذه الأسئلة نفسها هى ما يجب أن نوجِّهها إلى المؤلف، وهى التى يجب أن نحاول استخلاص الإجابة عليها من قراءتنا للنص.. الذى يصفه بقوله: "أصارحكم القول يا قراء.. أنني في كل مرة كنت أشعر بخيبة أمل فظيعة.. إذ ما أكاد أضع يدي على يقين حتى يختفي.. رغم أن السطور تَشِفُّ حتى تكاد تنطق.. والمعاني تَرِقُّ حتى تكاد تُرى.. لكنها لا تنطق أبدا ولا تُرى..".
هذه الخاصية الزئبقية المتقلِّبة بين الشفافية الناطقة المرئية وبين الغموض الملتبس المبهم، يرتبك المتربّص فى حيرته، كما يرتبك الثور أمام المنديل الأحمر، وينعم القارئ الفطن بوضوح رؤيته السِّرية المُخْتَلَسَة، حتى ليكاد يلمس بيده أحداثا واقعية ، ويرى شخصيات بعينها وأسمائها؛ يتعرف عليهم من واقع خبرته اليومية فى الحياة.
هناك خصوصية أخرى ينفرد بها هذا النص الأدبيُّ، لا بد أن نلفت النظر إليها؛ فوظيفة الإيهام عند محمد عباس على نقيض وظيفته فى الروايات التقليدية الأخرى؛ ففى هذه الروايات -رغم أنها من صنع الخيال- إلا أن المؤلف يحشد فيها أسماء أشخاص وأماكن وعادات وأحداث اجتماعية أو تاريخية مألوفة، مما يكتنف حياتنا اليومية؛ بحيث نظن واهمين أن المؤلف يسرد لنا قصة حياة واقعية لأناس حقيقيين وأحداث حقيقية.
أما محمد عباس فإنه يفعل عكس ذلك تماما فهو يبدأ من الحقيقي والواقعي؛ بمعنى أنه يلتقط من الواقع كتلة من الحقائق التى قد تكون صادمة بالغة الإيلام، ثم يمضى فى عرض تفاصيلها، ويحلل أبعادها ومراميها، ويكشف لنا عن تأثيراتها الخطيرة فى حياتنا ومستقبلنا.. ولكنه –فى كل هذا- يقدّمها إلينا فى إطار درامي ، يريد بذلك أن نتمثّل واقعنا نحن المأساوي، لا لِنُمَصْمِصَ شفاهنا يأسًا ثم نمضى، ولكن لكي نعقد العزم على أن هذا الواقع لا يمكن أن نستهين به أو نغفل عنه، وأننا لا يمكن .. ولا ينبغى أن نتملَّص من مسئوليتنا تجاهه، وأنه قائم فينا حتى نعمل على تغييره فى عقولنا وفى واقع حياتنا على السواء.. !!
محمد عباس يبدأ بنفسه كمثال على الموقف الذى يتلطَّف فى دعوتنا إليه حيث يقول: " أقرأ فأفهم فأعلم وأعرف فتلزمني الحجة أمامكم وأمام المُرْسِل المجهول وأمام الأمة وأمام التاريخ، وأمام الله يوم القيامة فيهولني عِظَمُ الأمر الذي وقعت فيه..."
لم أحاول التعريف بالدكتور محمد عباس فهو معروف لدى قُراء العربية من مؤلَّفاته الغزيرة الجسورة، و من كتاباته الصحفية المتدفقة كالسيل، والتى ملأت القلوب والأسماع وحرّكت الجماهير الغاضبة ضد السلطة الباغية المنحرفة فى موقعة " وليمة لأعشاب البحر".. لقد أصبحت مؤلفاته ورواياته علامات بارزة فى طريق ثورة الجماهير ضد الظلم والطغيان، فهو مؤلف كتب: "رأيت الملك عاريا" و " الحاكم لصًّا" و "الوعى ينزف من ثقوب الذاكرة" و "مباحث أمن الدولة" و "اغتيال أمة" و " من مواطن مصري إلى الرئيس مبارك"..
وهو الذى وصف ثورة الشعب فى ميدان التحرير -بتفاصيلها المذهلة- كما وقعت بعد ذلك بسنوات، وهو الذى تجرَّأ على مخاطبة الدكتاتور مبارك فى أوج سطوته، وسأله مجابهًا مستنكرًا فى العديد من كتبه ومقالاته: كيف يواجه خالقه وسيده عندما يسأله يوم القيامة عن ظلمه ، وجرائم رجاله فى حق هذا الشعب الذى استأمنه على الحكم فخان أمانته..؟!
فى حوار له مع صحيفة الوسط اللندنية، يكشف لنا سر الشخصية الرئيسية الغامضة التى تهيمن على المشهد خلال فصول الرواية؛ توحي لحكام العرب كيف يسيطرون على شعوبهم وكيف يستمرون فى السلطة..؟ وكيف يتصرفون فى المواقف المختلفة والأزمات الطارئة..؟ وكيف يخاطبون الناس..؟ وكيف يتعاملون مع شعوبهم..؟ وكيف يختارون مساعديهم..؟ والأهداف التى يجب أن يسعوا إلى تحقيقها..؟. يقول:
" كنت أتخيل فيها أن لكل مهن الدنيا مراجعها فمن يريد أن يتعمق فى مهنته يرجع إلى هذه المراجع.. كما يوجد العباقرة الذين يشكلون مراجع حية.. كل المهن ما عدا حكم الشعوب.. تخيلت أننى عثرت على عبقرى راح يعلِّم مجموعة من الناس كيف يحكمون عالمنا العربى.. والحقيقة أننى كنت أرمز به للشيطان.. وراح الشيطان يوسوس للحكام.. وكان مما وسوس به لأحدهم: كيف يخدع شعبه حتى يجعل هذا الشعب هو الذى يطالب ويلح فى أن يتولى ابنه الرئاسة من بعده..."
ليس الشيطان إذن هو المرجعية العليا لحكام العرب فحسب ولكنه الشخصية الأساسية الملهمة والمسيطرة فى هذه الرواية، والأستاذ الوحيد للمدرسة التى يتخرجون فيها ، فهم تلاميذ دائمون للشيطان قبل التخرج وبعده، لا يمكنهم الاستغناء عن نصائحه وتوجيهاته وتحذيراته، وقد بيّن لهم بالأمثلة كيف ضيَّع بعضهم سلطانه وانتهت حياتهم بالقتل أو السجن لغبائهم.. ولأنهم لم يتبعوا نصائحه ويخضعوا لحكمته، ويتنبّهوا لتحذيراته.
توجد قاعدة جوهرية فى بروتوكولات حكماء العرب كما يعرضها المرجع الأعلى فى حديثه لهم حيث يقول: "الأمل الوحيد في احتفاظكم بأماكنكم هو أن تفكروا بطريقة مختلفة اختلافا كليا عن طريقة تفكير العامة والدهماء والجماهير... فعندما أقول كلمة الحرية مثلا.. فلابد أن يختلف المعنى عند الحاكم عنه عند المحكوم.. بل هو التضاد الكامل.. فعندما نتكلم -فيما بيننا فقط وليس أمام الدهماء- عن الحرية فإننا نقصد حريتنا نحن في الحكم وليس حريتهم.. بل إن أي قدر من الحرية يُمنح لأولئك السوقة هو انتقاص واستلاب لحريتكم .. [ولكن انتبهوا] لإنكم إن منعتم الحرية تماما عن رعاياكم فإنهم سيثورون عليكم لتفقدوا الحكم.. فإذا ما أسرفتم في منحهم الحرية سيثورون أيضا عليكم وستفقدون الحكم ... إن الجماهير كالعبد الخسيس.. إذا جاع سرق وإذا شبع زنَى.. لذلك فإنكم مع مثل هذا العبد يجب أن تعطوه من الطعام ما يكفى بالكاد لأغراضكم في استخدامه بحيث لا يجوع ولا يشبع...".
ثم يؤكّد هذا المعنى فيقول: "عبقريتكم ونجاحكم يعتمد على استعمال نفس الكلمة للدلالة على المعنيين المتناقضين.. أن تقول الكلمة تقصد بها معنى في رأسك بينما يفهم سامعك نفس الكلمة لكنه يفهم منها المعنى المضاد تمامًا.. وأن تطبقوا هذا المفهوم على كلمات: الاستقلال والرفاهية والديمقراطية والتنوير والدستور والسلام والحرب والإرهاب والتعصب والتطرف والتمدن والحضارة والعلم والجهل والبداوة والتقدم والرحمة والأمن والأمان والأمانة والإيمان والتنوير والعلم ونزاهة الانتخابات وحرية التعبير وحرية المرأة.. "
يستتبع هذا فى منطق البروتوكولات أنه لا يوجد حق وباطل، ولا خير و شر.. ولا أمانة و خيانة.. ولا صواب و خطأ.. ولا حلال –بالطبع- ولا حرام.. إنما يوجد فقط قوة وضعف.. مفيد وضار.. مكسب وخسارة..
الصواب فى منطق البروتوكولات هو كل ما تستطيع أن تثبته بالقوة مهما كان خطؤه.. والباطل هو كل ما يقوله الآخَرُ الذى لا يملك سيفا يهددك به دفاعا عن حقه مهما كان صوابه..
الدين نفسه لا يخرج عن هذه القاعدة، وبها يمكن استخدامه والتلاعب به حتى لتكفير الجماهير بالدين الصحيح، ولكن هذا "لن يكون تحت راية الكفر بل تحت راية الإيمان؛ فالدهماء يحتاجون للإيمان لأنه عزاؤهم الوحيد من التعاسة والحرمان، ولكن الإيمان الذى تسمح به البروتوكولات ليس هو الإيمان بالله بل الإيمان بالحاكم، والكفر لا يعنى الكفر بالله بل الخروج على الحاكم.. "
هذا الانقلاب فى القيم والمعايير لا بد أن نستخلص منه أن خير النتائج في حكم الشعب هى "ما يُنتزع بالعنف والإرهاب والتزوير وتعذيب المعارضين، لا بالمناقشات والحوار معهم ... ولكن بشرط ألَّا تعترفوا أبدا أنهم معارضون أو أنكم إرهابيون."
لا ينبغى أن ننسى أبدا أن صانع هذه الشخصية الشيطانية المروِّعة هو المؤلف نفسه، وأن صناعتها لم تأت من فراغ وإنما من تحليل عميق لواقع السلطة المستبدِّة فى علاقتها بالشعوب، إن المؤلف هو الذى يضع على لسان الشيطان المعلّم نصائحه للحكام.. ولكى يجسِّدها للقارئ يقتحم مجرى حديثه من وقت إلى آخر ليجرى على لسانه شاهدًا من الواقع الملموس كمثال على صدق تحذيراته و العبرة المستخلصة من مخالفتها.. يقول الشيطان:
"لقد بلغ انزعاجي مبلغا عظيما عندما لا حظت أن بعضكم مثلا مارس بغباء منقطع النظير تزوير الانتخابات بطريقة لم تحدث في التاريخ عندما استدعى جيشه كله ليحول بين الناس وبين الوصول إلى صندوق الانتخاب.. وكان العالم يرى ويصور ويعرض.. والغبيّ يظن أنه كسب المعركة بينما هو قد خسر شرعيته كلها في نفس اللحظة.. " هنا نحن أمام مشهد واقعي يعرفه كل الناس، ويعرفون زمن حدوثه ومكان حدوثه ويعرفون أن الرئيس المخلوع مبارك هو المعنيُّ بهذا المثال..
فى هذه الواقعة وأمثالها -التى تتكرر فى ثنايا الرواية كثيرا- يشعر القارئ بحضور قويّ للمؤلف الذى يمسك بخيوط اللعبة من وراء ستار، وفى هذه اللحظة بالذات يتزايد التفاعل بين المؤلف والقارئ، الذى لم يعد مجرد متلّقٍّ برّانيٍّ، بل مشارك متوحِّدٍ مع المؤلف فى رُؤيته ومشاعره ليصبحا معًا عنصرا من عناصر الحدث الدرامي.. غاضبيْن من واقع شرِّيرٍ لا بد من القضاء عليه.. وفى هذا تتمايز الأعمال الدرامية درجات كثيرة تتراوح بين الدراما "الرسالة" والدراما "المُتْعة الخالصة"؛ ولا أضمِّن فى هذا التصنيف القصص والروايات الهابطة التى تخاطب الغرائز السفلى فى الإنسان، فهذه لا يمكن اعتبارها أدبًا حقيقيا، وإنما تصنف مع السفاهات التى تعكس أمراض المجتمع....
بروتوكولات محمد عباس ليست مجرد رسالة ، ولا " آنا كارنينا" تولستوي مجرد متعة أو "الفن من أجل الفن"، وإلا فَقَدَ كلاهما جدارته الأدبية و قيمته الإنسانية.
ولكن يمكن القول بأن موقعهما بين الطرفين مختلف؛ فالأولى أقرب فى موقعها من الرسالة، والثانية أقرب إلى الفن الخالص، ولكنهما معا منغمسان فى الواقع بدرجات مختلفة، وكلاهما يتوجَّه بقوة لنقد مجتمع بعينه نقدا كاسحا، رافضا للأسس االفاسدة التى قام عليها؛ يركز محمد عباس على نظام الحكم الفردي الجائر، ويركز تولستوي على نفاق الطبقة الأرستقراطية، ويزدرى القيم المتكلّسة والقيود التى تفرضها على المجتمع كنيسة عقيم متسلطة، ، لقد كانت "آنا كارنينا" الشخصية الأساسية فى الرواية ضحية لقاعدة أرثوذكسية تحرم الطلاق وتحرم الزواج الثانى، تضطر إلى الانفصال ماديا عن زوجها، بعد أن انفصلا عاطفيا ووجدانيًّا سنين عددًا؛ فقد كان زواج مصالح طبقية، غاب عنه الحب الحقيقي وانعدم التوافق والتراحم، ولكنها تجد أن الطلاق محرّمٌ فى الكنيسة .. ومنكرٌ فى المجتمع، وأن الزواج الثاني أشد إنكارا، فتقع فى صراع نفسي ينتهى بها إلى جنون، يدفعها إلى الانتحار تحت عجلات القطار..
نهاية مأساوية مدوِّية.. تحمل إلى المجتمع دعوة لتغييرٍ واجبٍ.. وهذه رسالة لا يمكن إنكارها، رسالة تعززها معرفتنا بفكر تولستوى الفلسفي فقد كان مناهضا للكنيسة وأفكارها الجامدة المتخلِّفة، ونعرف هواه الإسلامي الذى لم يصرِّح به ولكنه عبر عنه فى روايتين، يحملان عشقا فطريا للعيش فى مجتمعات القوقاز المسلمة يسماحتها وعفويتها وشجاعتها واستهانة أبنائها بالموت دفاعا عن حريتهم، كانت الرواية الأولى بعنوان "القوقازيون"، والثانية بعنوان "الحاج مراد" التى لم تُنشرفى حياته وإنما تمّ نشرها بعد وفاته..
كتب تولستوي سنة ١٨٦٥ رسالة إلى صديق له قال فيها: " يهتم بعض الأدباء بقضايا تحرير المرأة وغيرها من القضايا، ولكن هذه القضايا الاجتماعية غير ذات قيمة فى عالم الأدب، بل لا يصح أن يكون لها مكان فيه على الإطلاق فحلّ هذه المشكلات ليست من وظائف الفنان، فليس للفن أهداف اجتماعية، ولكن مهمته الأساسية أن يجعل الناس يحبون الحياة بكل أبعادها.
فإذا قيل لى أنه يجب عليّ أن أكتب لعرض الرأي الصحيح فى جميع المشكلات الاجتماعية، فلن أضيع من عمري ولا ساعتين فى كتابة مثل هذا الكلام فى رواية لى ، ولكن إذا قيل لى أن أكتب ما يجذب أطفال اليوم لقراءة رواياتى بعد عشرين عاما ، وأنهم سوف ينفعلون بها سرورا وحزنا فسوف أكرّس حياتى وكل طاقتى لها".
وكانت رواية "آنا كارنينا" نتاج هذا التكريس؛ نعم فيها المشكلات الاجتماعية ولكنها منسوجة بحياة ومصائر شخصيات حية ومتألقة..
كانت رسالة تولستوي إلى صديقه بهذه الحرارة والتأكيد تعبر عن اقتناعه وطموحاته الفنية، ولكنها فى نفس الوقت تمثِّل نوعًا معقَّدا من الإيهام، يحب أن يُشاع عنه، لتغطية ميلٍ فى أعماقه لنقد المسيحية الأرثوذكسية، دون التعرُّض لسطوة الكنيسة المتربِّصة..
وقد يتمادى الأديب فى إيهام واضح متعمّد -ومنحرف فى نفس الوقت- كما فعل فولتير الذى كان يكره الكنيسة الكاثوليكية ويريد مهاجمتها ولكنه لم يجرؤ خوفا من محاكم التفتيش الرهيبة فكتب مسرحيته "التعصب" يصبُّ جام غضبه على شخصية النبي محمد بدلا من الكنيسة.. وكان يعتقد فى ذلك الوقت أن محمدا ليس بأفضل من نبي من أنبياء العهد القديم الذين لا يحظون باحترامه..
كان فولتير ناقمًا على الكنيسة الكاثوليكية وعلى كهنتها و خرافاتها وتسلّطها ، ولكنه لم يكن ملحدًا كافرا بالألوهية فهو القائل: " يجب أن يكون لنا دين، ولكن يجب ألا نؤمن بالكهنة" وهو القائل:" أنا أؤمن بوجود إله واحد إيمانًا مبنيًا على العقل"..
هذا الإيمان العقلى هو الذى دفعه لمزيد من البحث عن الحقيقة فى الإسلام ونبي الإسلام.. وقد بهرته الحقيقة التى غابت عنه؛ فكتب ينصف الإسلام وينصف نبيه وكأنه يعتذر إليه" ولذلك نستطيع بكل اطمئنان وثقة أن نقول أن فولتير لم يكن يقصد بمسرحية "التعصب" الهجوم على شخصية محمد التاريخية الواقعية، وإنما كان يقصد الكنيسة الكاثوليكية، وقد اتخذ من محمد درعا واقيا للإيهام والتَّخفِّى من سطوة الكنيسة، ومع ذلك فقد أدرك معاصروه هذه الحيلة وصوَّب إليه أنصار الكنيسة نقدًا مريرًا..
يعجب الإنسان كيف تمكن حُكَّامُ العرب من السيطرة على جماهير شعوبهم، وخداعهم وسحقهم وإفساد حياتهم على هذا النحو المذهل.. ولكن يزول هذا العجب بقراءة بروتوكولات محمد عباس، فهذه البروتوكولات تجيب على أسئلة كثيرة تؤرِّق عقولنا و لا نجد لها إجابة شافية فى أى مصدر آخر.
من هذه الأسئلة : مالذى يجعل حاكما يعين وزيرا شاذًا جنسيًّا..؟ وكيف سيتعامل معه زملاؤه فى مجلس الوزراء..؟ وكيف ستتسرَّب سيرته العفنة لتلوِّث الألسنة والأفئدة والمجتمع بأسْره، ويصبح الشذوذ والانحراف مادة مألوفة يتناولها الناس بجرأة بعد أن كان الحديث عنها أو حتى الإشارة إليها من المحرمات والرذائل المنكرة.
إنها تجيب أيضا على سؤال: إذا كان الملك أو الرئيس يعرف أن فريقا من شعبه قد كشف أنه لص وجلَّاد وخائن لشعبه، ومجرم وكافر، فما الذى يجعله مطمئنا محافظا على توازنه، قادرا على قلب الحقائق بحيث يبدو أعداؤه هم المجرمون واللصوص والجلادون والكفرة..؟!
وتجيب على سؤال آخر على جانب كبير من الأهمية وهو لماذا يتعامل صاحب السلطان مع العدوّ الخارجيّ بالاستسلام والتبعية إلى درجة الانسحاق .. ومع أعدائه فى الداخل وهم جماهير الشعب بالقهر والتمزيق والسحق والفتنة والقتل..؟!
وما هى الحكمة فى أن يحيل الحاكم عملية قتل أعدائه إلى النيابة والقضاء..؟ وكيف ينجح فى تطويعهما لخدمة أغراضه وتحقيق مآربه..؟ وكيف يطوّع رجال الدين أيضًا لنفس الغرض..؟ إذ يحاصر المعاندين و المعارضين منهم والمتمردين على سلطته، ويختار أكابر شيوخهم ليصبحوا مجرد موظفين عنده يوجهون فتاويهم لخدمة مصالحه.. فيحرِّمون الحلال ويحلِّلُون الحرام..؟
محمد عباس يجيب فى روايته بتحليلاته الدقيقة وباقتداره المعهود عن هذه الأسئلة فلا يدع مجالا لحيرةٍ أو شكّ..
بهذا التحليل والاقتدار يقتحم العلاقة المعقدة شديدة التناقض بين الحاكم العربي وبين أعدائه فى الخارج والداخل لكي يحتفظ بسلطته الدائمة: فهو مضطر للخضوع والاستسلام للعدو الأجنبي، ولكنه دائم الإنكار لهذه التبعية أمام شعبه.. ولأنه لم يأت إلى السلطة عن طريقها الشرعي وباختيار الإرادة الحرة للجماهير، فهو مضطر إلى استخدام أبشع أساليب القهر والعنف والإفساد لشعبه ، ومع ذلك تجده منكرًا –على طول الخط- استخدامه لهذه الأساليب.. تساعده فى إنكار الحقيقة وتزييف الواقع كل الأجهزة والمؤسسات التى دأب على إفسادها وتطويعها لخدمة مصالحه..
هذه الإشكالية بالغة التعقيد لا تكاد تتضح معالمها أمام المستفسر الحائر، ولكنها تتجلى بتفاصيلها الدقيقة وتناقضاتها المثيرة فى رواية محمد عباس؛ ولا ينبغى هنا أن ننسى ونحن نقرأ الرواية إن الأمر فى موضوع السيطرة على الشعوب ليس بالبساطة التى نتصورها، بل هو كما يرد على لسان الشيطان بطل الرواية: " معقد بدرجة لا يمكن أن يفهمها إلا داهية.." ويأتى الالتباس من حقيقة أنه "ليس هناك فارق حقيقي بين السياسة والحكم من ناحية وبين النصب والاحتيال من ناحية أخرى.." وتلك هى القاعدة الذهبية للحكام .. لذلك لا يدخر بطل الرواية نصيحة تمكِّنهم من السيطرة إلا قدّمها، مصحوبة بتحذير واضح لعدم الانحراف قيد أنملة فى تنفيذها..
من أبرز نصائحه لهم مراعات خصلة العبودية واستمرائها فى كل من يعمل تحت إمرة الحاكم: إبتاداءًا من الوزراء، والشيخ الأكبر، والمحافظين ورؤساء تحرير الصحف وجميع المسئولين الكبار فى الإعلام والثقافة والتعليم والصناعة والتجارة والزراعة..
هذه الإلهامات الشيطانية لا بد أن تقودنا إلى تحذير مركزي من "الإيمان بالله" ؛ فالله عنصر خطر.. علينا أن نعزله عن حياتنا كلها..!" والسبب ببساطة شديدة كما يحذر الشيطان:
"لِكَيْ يكون كل شيء مُبَاحًا لكم .. عليكم أن تبتعدوا عن فكرة الله.. فبغيابه لا تصبح الفضيلة فضيلة ولا الرذيلة رذيلة ولا الخير خيرا ولا الشر شرا ... ولا الحق حقا ولا الباطل باطلا... ثمة تعارض كامل بين استمراركم واستمرار الإيمان بالله.. وفى وجود الله لا توجد لكم أي مشروعية وليس مباحا لكم أن تحكموا وتسودوا... (الشيطان وليس الله) هو ما يجب أن يعتمد عليه كل حاكم..!"
هذه النقطة بصفة خاصة تحظى بتأكيد غير عادي من صاحب البروتوكلات فهو يرى أن الكفر هو الهيكل الخرساني للحكم والكفار هم لَبِناتِه... وأن كل عضو جديد في نادي الكفر سيتحول إلى داعية، وبهذا التراكم المستمر تتشكل قوة هائلة كقوة الإعصار تعصف بالمجتمعات ووحدتها عصفا شديدا.
ويمضى فى نصائحه مفصّلًا تفصيلًا مذهلًا حيث يقول: "فإن عجزتم عن ذلك فإن عليكم أن تقتحموا الدين من الداخل.. انشروا البدع..روِّجوا للكفار على أنهم مفكرون إسلاميون كبار.. وتحدثوا عن (الإسلاميين الحقيقيين على أنهم إرهابيون..) ثم دعوا أجهزتكم تروِّج للفاحشة وتنشرها فليس أقدر من الكبائر على هدم إيمان المؤمنين.. قد تعجزون مع الجيل الأول من المؤمنين.. لكنكم ستصيبونهم في مقتل عندما تستدرجون أبناءهم وأسرهم لتخيّبوا آمالهم ولتحطموا قلوبهم..
هوِّنوا من أمر الكبائر واجعلوها حرية شخصية كما جعلتم من الدين علاقة خاصة بين الإنسان وربه.. اجعلوا الزِّنا حبًّا.. والخَنا تقدُّمًا.. والخمر مشروبا روحيا والدعارة شطارة والتحرير تعهيرا.. والعفة جمودا.. والطهارة انغلاقا.. باختصار: ادفعوهم إلى الخجل مما درجوا على الفخر به، وإلى الفخر بما درجوا على الخجل منه..."
لا تعجب بعد هذا كله إذا قلت لك: أن فى البروتوكولات دور للإيمان بالغيب؛ يتظاهر به الحكام أمام الرعية، ولكنه إيمان من نوع مختلف تماما عن الغيب الذي يؤمن به الرعية.. فغيب الحُكّام يعني أن كوارث الإهمال كغرق العبّارة المعيبة وعلى متنها ألف إنسان، وحرائق قطارات الصعيد كلها قضاء وقدر.. وأن الناس تُعساء محرومين لأنهم أَخْيار، لا لأن حكامهم أشرار، ولأن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر.. وأن الأيام القادمة أسود من الأيام الماضية؛ والدليل فى الحكمة الشائعة (لو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع..).
يقول الشيطان لتلاميذه:"لا تعارضوهم في هذه المفاهيم أبدا.. لكنكم ستحاولون دائما تدمير إيمان الناس دون أن تظهر لأي واحد منكم أي بصمة.. هل سمع واحد منكم أنه أمكن التقاط بصمة للشيطان..؟! .. أريدكم أن تفعلوا مثله..."
ليس فى البروتوكولات قصة حب بشري مثيرة مثل بقية الروايات التقليدية، وهذه خصوصية تميز هذه الرواية ؛ فالإثارة لها مصادر أخرى تتسق مع موضوعها الخطير، من أبرزها اكتشاف الحقائق المزلزلة تحت أستار كثيفة من فنون التمويه والتنكّر والتزييف.. إنما هناك دور خطير للكراهية يوصى بها المعلم الأكبر حيث يقول للحُكَّام:
"اكْرهوا ما استطعتم.. فبِمَدَى قدرتكم على الكراهية يطول حكمكم وتدوم انتصاراتكم.. انثروا حولكم الكراهية والحقد والبغضاء والحيرة والحسد.. بالكراهية تفتِّتون قوة الآخرين وتفرقون جموعهم... غذُّوا الصراع في كل مكان.. بين الأغنياء والفقراء.. بين الطوائف والأحزاب والهيئات... بين الأحزاب السياسية.. بل بين الأفراد بعضهم البعض.."
إنه يثنى على الحكام براعتهم فى تسخير الصحافة والإعلام لتبييض صحائفهم وتسويد صفحات معارضيهم: " إنكم تستطيعون اختلاق الحكايات وتدبير الشهود وتزوير الوثائق واصطناع المستندات وحتى شرائط التسجيل بالصوت وبالصورة.. نعم.. الكذب ليس عيبا وعليكم أن تمارسوه بقدر ما يفيد .. وكذلك اللصوصية وكافة الموبقات الأخرى.."
ولأن كل هذا يعبر عن منظومة واحدة متكاملة لا يفتأ المعلم الأكبر يذكِّر الحكام بنصيحة جوهرية طالما أشار إليها فى دروسه.. يقول: "إن أعظم استثمار للرؤساء والملوك والأمراء .. ليس الاستثمار في الصناعة والزراعة والتكنولوجيا .. وليس حتى في عمولات السلاح وصناعة المخدرات وتهريب الذهب .. وإنما في توظيف القضاء والنيابة ورجال الدين لصالح سياسة الحكم...!"
والمعلم الأكبر عبقرية ملهمة -يرى المستقبل بوضوح رؤِيته للماضى والحاضر- لا ينسى أن يدعم تلاميذه بنصائحه لمواجهة المخاطر المحتملة إذا ساءت العلاقة بين الحاكم وجماهير شعبه إلى درجة الانفجار، وأعلن الرعاع والدهماء الثورة.. يقول لهم: " في البداية يجب أن نواجههم بمنتهى القسوة والعنف.. اسحقوهم بالدبابات والطائرات.. وتذكروا أن فائدة الجيوش القصوى ونتائجها المبهرة تقبع في مواجهة الشعوب وليس في مواجهة جيش خارجيّ..".. ثم يمضى يصف الخطوات التالية فى المواجهة كأنه ينظر إلى ماحدث بعد ذلك فى تونس ومصر وليبيا وما يحدث الآن فى سوريا...!!
هذا المعلم العبقري لا يفرط فى أداء واجباته –فى أي مناسبة سانحة- نحو إعداد تلاميذه وخلصائه من الحكام، فتراه يستدعى أحد الملوك الجدد إلى جواره ليدشِّنه فى بداية عهده، بأداء القسم الأعظم أمام زملائه.. وياله من قسم مروِّع، إنه يتألف من ثمانية وخمسين بندًا، كل بند منها جريمة كبرى أو خيانة عظمى أقل عقاب لها فى عدالة الدنيا هى الإعدام شنقًا أو رميًا بالرصاص، و فى العدالة الإلهية الدرك الأسفل من النار.. هذه بعض عينات منها:
•" أقسم بالقسم الأعظم ألَّا تكون هناك دولة في العالم أقرب إلىّ ولا أحب إلى قلبي من دولة إسرائيل .
• أقسم بالقسم الأعظم ألا أتوانَى عن إضعاف جيش بلادي وإفساد تدريبه واستبعاد كل عناصر الخبرة والفكر والدين والوطنية والقومية منه ، وكذلك إحالة كل الكوادر المحترفة إلى التقاعد [المبكر] .. خاصة أولئك الذين اشتركوا في حروب ضد إسرائيل.. وأن نتعقبهم ونضطهدهم وننكِّل بهم جزاء وفاقًا على ما ارتكبت أيديهم.. ولكي يكونوا عبرة لمن يعتبر..
• أقسم بالقسم الأعظم .. أن أنتقى أسوأ القواد وأغْبى الوزراء و أخس المستشارين .
• أقسم بالقسم الأعظم أن أولّى من القضاة شرارهم وأن أصفِّى خيارهم، حتى أفسد القضاء .
• أقسم بالقسم الأعظم أن أُعْلى القوانين الدولية على قوانين الإسلام وأن أجعلها حاكمة عليه متحكمة فيه .. وأقسم أن أفْصِمَ عرى الإسلام عروة بعد عروة حتى لا يبقى منها شيء.
• أقسم بالقسم الأعظم أن أجعل من محاولة أي فرد أو فئة أو جماعة أو حزب يحاول إحياء الإسلام عبرة لمن يعتبر .. وأن أجعل من هذه المحاولة أكبر الجرائم وشر الفتن.. وألا تأخذني رأفة ولا شفقة بمن يرتكبها..
•أقسم بالقسم الأعظم .. أن أكون مخلصا في هدم الأمة الإسلامية.. وأن أبذل الرخيص والغالي لمنع وحدتها .."
كنت فى السابق أندهش من حاكم مثل المخلوع مبارك وهو لا يدع فرصة أو مناسبة إلا ويلقى باللوم على الشعب؛ فالشعب هو المسئول عن نقص القمح والطعام لإفراطه فى الإنجاب وزيادة عدد السكان.. وفى نقص السلع الغذائية بالأسواق وارتفاع أسعارها لسوء استخدامه لها، وهو المسئول عن كل أنواع الفساد والرشاوى فى المجتمع... وكان يزعم دائما أنه يتعب ويسافر كثيرا إلى الخارج ليوفر للشعب احتياجاته.. ولولا سفرياته لجاع الناس.. حتى قرأت البروتوكولات وفهمت مصدر هذا الخبث وهدفه .. فسيده وأستاذه الأكبر يقول فى نصائحه:
" سوف تتحدثون عن تخلّف الشعب.. عن جهله.. عن قلة إنتاجيته وزيادة استهلاكه.. عن غبائه وعدم قدرته على الفهم... وكل هذا مجرد تمهيد للبطش والقمع لشعب لم يربّ ويجب أن يساس بالحديد والنار... نعم .. عليكم أن تدفعوا شعوبكم للشعور بالإثم والعار لأنهم سبب كل هزيمة وأنه لولاكم لساءت الأمور إلى غير حد.. عليكم أن تزرعوا في أذهان الناس أن العار يجلِّلهم والخطيئة تحيط بهم وأنهم هم المسئولون عن كل ما حدث.. وأنكم تعالجون المصائب التي تسببوا فيها .. بحكمة الفلاسفة وصبر أيوب.. نعم .. يجب – والحال ذاك - على الشعب الجاحد أن يقوم بالتكفير الدائم عن تخلفه لمحرريه ومنقذيه.. هذا الشعب المحكوم عليه بالذنب الدائم ، لن يعارض ولن ينتقد ولن يطمع في الكثير .. فإن أقصى ما يطمح إليه هو التوقف عن ارتكاب ذنوب جديدة، أما ما حدث فقد حدث ولا غفران له.. إن الملك أو الرئيس يقوم هنا بدور المخلِّص.. بدور من يحمل خطايا شعبه على كاهله ويقوم هو بدفع ثمن أخطاء غيره.. فطوبى لمن يفعل ذلك..!"
ألمحت إلى مصدر من مصادر الإثارة فى رواية البروتوكولات، التى تختلف عن الروايات التقليدية فى أنها تخلو من قصة حب بشري يدغدغ العواطف، ولكنها تنطوى على ألوان أخرى من الإثارة تتسق مع الطابع الجاد للقضايا التى تتناولها، وتحفر تحت الأبنية السطحية الظاهرة لتصل إلى المضامين والأعماق بعيدة الغور؛ فى التركيبة العقلية والتشكيل النفسي لطبقة من البشر شديدة الخطورة بالغة التعقيد، من الحكام الذين استمرأوا الاستبداد والتسلط على شعوبهم..
من أهم مصادر الإثارة فى هذه الرواية العجيبة: الغموض والسرية التى أحيطت بالمخطوط الذى تضمّن النص الأصلى للبروتوكولات، وفى الحيرة والاضطراب بل الفزع الذى أصاب الكاتب الذى أوكلت إليه مهمة تبليغ محتواها إلى الناس، وقد ألمحنا إلى هذا فيما سبق..
ومع حتمية التبليغ وإعلان محتواها للناس كرسالة أخذها الكاتب على عاتقه تبقى أسرار أخرى، ومغامرات تكتنف هذه المهمة، وتتطلّبها ضرورة الإبقاء على سريتها بعيدا عن أعين الشرطة وأمن النظام حتى لا يدمروها.. وهى مهمة شاقة أوقعت صاحبها فى مشاكل لا حصر لها.. يتجلى هذا فى واحدة من حوارات المؤلف إذ يصرح بأنه : احتار أين يمكن أن يخفيها..؟! لقد فكر أن يخفيها في قمة مئذنة الأزهر لكنه اكتشف أن الأزهر قد اخترق الأعداءُ رأسه .. وأن من اختُرق رأسه فَقَدَ مناعته وبأسه.. ويقول: حذرني المجهول من أن أخفيها حتى في الكعبة .. " فقواعد الأعداء هناك قريبة .. وما من أحد يعلم مخططاتهم...!".
وهكذا يبلغ الصراع ذروته فى أعماق نفس ممزقة بين الرسالة التى أخذ صاحبها على عاتقه تبليغها للناس.. كل الناس.. وإصراره على إخفائها عن أعين السلاطين ورجال الشرطة حتى لا يدمروا المخطوط .. وبين المحاذير الغليظة من جرَّاء إذاعتها على الملأ ، من ناحية، وبين يقينه أن ما يذيعه أمر جللٌ يحرص مصدره الأعلى على ألا يعرف ما فيه إلا ملك أو رئيس.. وأن من يكشف أي حرف فيه محكوم عليه بالموت.. عبٍّر المؤلِّف عن موقفه الرعيب فيقول وهو يتوقع أسوأ مصير: " وها أنذا واحد من الرعاع وقد عرفت.. ونسخت .. وكتبت .. ونشرت.. تُرى.. ماذا سيفعلون بي وقد أذعت سرهم وهتكت سترهم وكشفت أمرهم...!
لقد عانى فى أحلامه و كوابيسه المروعة مطاردات الشرطة المتواصلة، وتلقَّى أشد أنواع الرعب والتعذيب على أيديهم لإجباره على الصمت وتسليم المخطوطة إليهم .. فيراوغ ويحاول الهرب دائما.. ولكن تظل كوابس الشرطة تلاحقه بلا هوادة ولا ملل..
وإذ يصل الصراع إلى ذروته وتستبد الحيرة بصاحب الرسالة يأتيه إيحاء المرسِل المجهول فيدعوه إلى الذهاب إلى الحج.. فيستجيب مسرورا لهذه الدعوة التى جاءت فى وقتها المناسب.. يقول معبِّرا عن مكنون مشاعره: إنه يذوب شوقا إلى لقاء ذلك الرجل المجهول.. وجها لوجْه، ليستفسر منه عن أشياء كثيرة مغلّفة بالغموض، ولكن الرجل لم يصرح بأنه سيلقاه.. يقول:
بعد أن ألححت عليه بالسؤال تلو السؤال لم أجد عنده إجابة سوى عبارة واحدة مكررة: "-اذهب إلى الحج.. اذهب.. قلت هل ألقاك هناك..؟ قال: اذهب.. قلت هل أسمعك هناك.. ؟.. قال : اذهب.. قلت هل تفسر لي هناك.. ما لم أستطع عليه صبرا..؟.. قال: اذهب.. قلت هل تعلمني كيف نواجه مخطَّط الشيطان ..؟ قال: اذهب.. قلت هل تبصِّرني كيف أنقذ أمتي مما ورد في البروتوكولات..؟!" ...
ثم يتابع متوجِّها إلى القراء: " هل سيكتفي بكشفها كي تبحثوا أنتم عن ترياق لها..؟.. أم أنه سيمنحني الترياق..؟ أم أن الترياق سيأتي في ومضة كشف مذهلة قد تومض في رأسي بغتة و أنا واقف في عرفات .. أو وأنا أطوف وأسعى..؟!
بهذا الشوق فى قلبه وتلك التساؤلات المُلِحّة فى رأسه يذهب إلى الحج .. وفى المقابل الموضوعيّ يذهب الدكتور محمد عباس بالفعل إلى الأراضى المقدسة فى عمرة خطط لها أن تكون زيارة طويلة، يتفرَّغ فيها للعبادة فى رحاب الحرمين الشريفين يبثهما مكنونات قلبه ويفتح أعماقه لما تجود به الأجواء المقدّسة من وجدانات.. ويستلهم فى رحاب رسول الرحمة صلى الله عليه وسلم، الحلول التى يطمئن إليها عقله وقلبه كنهاية لأزمته المستغلقة..
فى خضم هذه الأجواء غير العادية: في المدينة المنوّرة حيث توجد الرحمة كلها وأمام الكعبة حيث يوجد الجلال كله.. تنبثق الحلول غير العادية، وأول ما انكشف له هناك أن رسالته قد تحدّدت بشكل قاطع لا شك فيه ولا غموض، فيعبر عن هذا بقوله: " أصرخ في كل من ركع لله ركعة أو صام يوما أو نطق بالشهادتين: قم واجه معي بروتوكولات حكام العرب..أقولها مُعّذّبًا مُمَزّقًا نازِفًا.. لكنني لا أفقد الأمل في النصر الموعود أبدا.. قم واجه معي بروتوكولات حكام العرب...!"
هَهُنا: فى رحاب الحرمين تُسْكَبُ العبرات.. ولقد بكى كثيرا حتى غسلت الدموع الحارة من قلبه كل ماسوى خشوعه وتبتله لله، وكل ما سوى حبه وأشواقه إلى نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم.. حتى اهتمامه بالمُرْسِلِ المجهول الذى ذهب أملا فى لقائه قد تضاءل..
الأجواء الروحانية التى تهيمن على الإنسان فى رحاب الحرمين الشريفين وتنزعه انتزاعا من علائق الدنيا كلها لتضعه مباشرة أمام عالم الخلود الأزلي يصورها محمد عباس تعبيرا عما استجدَّ فى مشاعره من تحولات وهو جالس فى الحرم المكيّ يقرأ القرآن.. فيقول:
"ساعتها كنت أحس كما لو أن خواصًّا جديدة أضيفت إلى سمعي وبصري وقلبي وعقلي؛ فأصبحت أسمع ما لم أكن أسمع و أرى ما لم أكن أرى و أحس بما كان لا يمكنني الإحساس به؛ فأفهم ما لم أكن أفهم، بل حتى صوتي قد تغير وأصبح لنبراته في ترتيل القرآن رنين لم أسمعه قبل ذلك أبدا. كان الصوت طوفانا ملموسا ومحسوسا من النور ولم تكن الحنجرة مصدره بل من القلب كان يأتي .. ولم أكن-ساعتها- أسمع بأذني وحدها.. كان القلب أيضا هو الذي يسمع وكانت نياطه هي التي تهتز... كنت أبحر في بحر القرآن ذلك الإبحار الممتع الذي يجعلني لا أريد أن أعود إلى الشاطئ أبدًا، تمنيت أن أظل على هذا النحو حتى أموت ".
انكشف له هناك أيضا شيء جديد، لم يكن قد فكر فيه من قبل، فقد استغرقه التركيز سابقا على أصحاب الجلالات وفخامة الرؤساء.. ولكنه هنا شرع يتساءل: " لماذا وَقَرَ بخاطري أن الأمر قد اقتصر على ذلك الحكيم الشيطاني الذي يعلمهم حكمة الرؤساء والملوك.. لماذا لم أتصور أن لذلك الحكيم الشيطان أتباعا وتلاميذ ومساعدين.. وأن هؤلاء الأتباع والتلاميذ والمساعدين أقل قدرا من أن يحاضروا بين الملوك.. لكنهم يذهبون إلى الآخرين.. لماذا لم أضع بين احتمالاتي أن واحدا منهم يذهب إلى علمائنا كي يمسخ من يستطيع أن يمسخه منهم خنازير وقردة..؟ لماذا لم أضع في حسباني أن واحدا منهم يذهب ليعلم الصحفيين كيف يكذبون وكيف ينافقون..؟ وأن آخر يذهب إلى القضاة يدربهم كيف يكونوا من قضاة النار..؟ كيف يتعلمون القانون لا ليطبقوه بل ليهدروه..؟!"
" لماذا لم أتصور أن واحدا منهم يذهب إلى جهاز العسس.. فيعلمهم كيف يكونون أشد ضراوة من الوحوش وأكثر شراسة من كلاب الصيد..؟ لماذا لم أتخيل أن آخر يذهب إلى الوزراء.. وآخر لوكلائهم.. وآخر للشعراء وآخر للكتاب وآخر.. وآخر .. وآخر.....! كيف جاز لي أن أتصور أن الرجل الشيطانيّ كان فردًا لا هيئة أخطبوطية تحيط بنا كما تحيط خيوط العنكبوت بذبابة.. كيف انطلى على عقلي الكليل أن يحسب ولو للحظة أنه واحد وليس مؤسسة هائلة.. وأنني إذا انتويت الجهاد والتصدي لن أواجه فردا.. بل جيشا عرمرما.."
وهكذا يتضح لمحمد عباس [هناك] أن المهمة أوسع وأكبر من أن يحملها فرد واحد وأن ثورة الشعب بل الأمة باكملها هى المطلوبة ..!!
فى اللحظات المناسبة قرب النهاية التى حدد محمد عباس مقدماتها، يظهر الرجل المجهول فجاة فى الواقع.. أو الحلم.. لا يهم.. فالرؤي هنالك يمتزج فيها الواقع بالأحلام، المهم أنه يظهر فى قلب الشعائر وهى تتبلور وتتجسد فى ذروتها بالصعود فى اتجاه عرفة.. يتعرف عليه المؤلف فيهرول نحوه مسرعًا ولكن قبل أن يصل إليه إذا به يصرخ صرخة هائلة فيسقط على الأرض.. يقول متابعا:
" أنْكَبُّ عليه فيسُرُّ لي بكلمات فأنكبُّ على يديه .. فتهولني برودتهما، وأكتشف أنه قد قُبِض، فأصرخ صرخة عظيمة وأسقط مغشيا عليَّ، فيحملني الرهط إلى الخيمة تصرعني الحمى فأفيق على الثلج على رأسي وقدميَّ فيُغْشَى عليَّ فأفيق فأسمع من يقول منهم: أنت إذن؟! فأقول : أنا ماذا؟.. فيقولون: قلتَ كل شيء تحت وطأة الحمى فيُغشى علىّ.. فأفقت فسمعتهم يقولون: انتشرت البروتوكولات جميعها بين الحجاج جميعهم.. فغشى علىّ فأفقت.. فسمعت من يقول لن يستطيعوا حبسها عنا بعد اليوم .. فجزاك الله عنا خيرا .. فالآن فهمنا ما التبس علينا فغشى علىّ فرأيت الرجل.. كان حيا.. وكان يطير في الهواء ويحلق في السماء فنظر إلىّ باسما.. قال : أولم تفهم..؟ قلت بلى..."
لم تنته ملحمة البروتوكولات بعد؛ فلا يزال الرجل المجهول حيًّا، وما زال المخطوط الأصلي فى خطر ورجال الشرطة يبحثون عنه ويتعقبونه فى مطاردة مشهودة أمام أعين الحجاج .. صرخ فيهم الرجل: "احملونى إلى جبل الرحمة.. العسس يتبعونا ورجال السلطان يحاصروننا.. سيستولون على أصل المخطوط.. الغوث الغوث والنجدة النجدة.. ساعدوني يا حجاج عرفات.. في يدكم أن تغيِّروا التاريخ لكن افهموا واجتمعوا واتحدوا.. النجدة..! يكادون يصلون إلينا..... احملوني إلى جبل الرحمة".. فحملوه وهو يهتف ويهمس ويبكى هاتفًا: " لبيك اللهم لبيك..لبيك.. لن أترك المخطوط يقع في أيديهم أبدا.. سأنقذه .. سأضعه حيث لا يستطيعون الحصول عليه أبدا.." وأخيرا يجد أصل المخطوط فى مكانه الذى خبَّأه فيه.. فيبعثره فى كل اتجاه وهو يصيح:
" هذا هو أصل المخطوط.. هذا هو السم والترياق.. لا تضيعوه أبدا.. وتذكروا أن هذا هو الأصل.. لا أصل غيره.. أصول المخطوط معكم جميعا.. كل واحد منكم يمسك ورقة منها.... ولن تعودوا [إلى الأصول] إلا إذا اجتمعتم جميعا.. اللهم قد بلغت.. اللهم فاشهد.."
وتمضى الرواية تسجل لنا المشهد الأخير قبل أن يسدل الستار على النهاية حيث يقول الراوى: " في تلك اللحظة فوجئنا بفرقة من الشرطة مدججة بالسلاح تصعد بسرعة نحونا يهتفون في مكبر صوت:
- " إرهابي.. سلم نفسك..سلم نفسك..! وفي وقت قليل جدا كانوا قد حاصروه.. لم يُبْدِ أي مقاومة.. فقبل أن يدركوه كان قد سقط على الأرض.. وضعوا القيود في يديه.. لكننا سمعنا قائدهم يقول: لا داعي للقيد.. إنه ميت.. وحملوه معهم بعد أن تركوا بعضهم يسألون الناس: هل يوجد من يعرفه فأنكر الجميع وأنكرنا... كانت الشمس على وشك الغروب.. فهرعنا إلى الخيمة فكتبنا هذا الإقرار على عجل ليشرح للناس اللحظات الأخيرة لأخينا.. وأخذنا أغراضنا وأغراض الشهيد –نحسبه كذلك- وغادرناها وبدأت النفرة ونحن نتهامس بأن ننهي المناسك بأقصى سرعة قبل أن يصل العسس إلينا.. وكان الهواء ما زال يردد الأصداء: اللهم قد بلغت.. اللهم فاشهد.. اللهم قد بلغت.. اللهم فاشهد..!".