‏إظهار الرسائل ذات التسميات الشيخ عبد الله بن فيصل الأهدل. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الشيخ عبد الله بن فيصل الأهدل. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 15 مايو 2023

الانتخابات التركية بين أردوغان وضياع تركيا

 الانتخابات التركية بين أردوغان وضياع تركيا


الشيخ عبد الله بن فيصل الأهدل
 

مهما اختلف الإسلاميون وعامة العقلاء والمفكرون في شأن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان فإنهم يتفقون -ولا بد- في أن البديل من المرشحين للانتخابات التركية يعتبر تضييعا لتركيا، وإسلاما لها لعدوها، ونصرا لعموم الكفار والمنافقين.

تركيا في ظل حكم أردوغان

وحال تركيا لا يخفى على المتابع؛ فمنذ أكثر من قرن من الزمان -وعلى يد المجرم مصطفى كمال- انغمست تركيا في أنواع الكفر والفسوق والعصيان من جهة، والفقر والتخلف وشيوع صنوف الإجرام من جهة أخرى.

وما بدأ تراجع كل ذلك إلا بظهور أردوغان وتملكه لشيء من السلطة في تركيا.

لا نقول إنه حول تركيا لبلد مثالي – دينا وخلقا واقتصادا …-.

ولكن العودة للإسلام بدأت خطواتها؛ فقد وجدنا أردوغان:

 يبني المساجد، ويعيد مسجد آيا صوفيا لوضعه الحقيقي كمسجد – بعد أن حوله مصطفى كمال لمتحف لنحو مائة عام-.

– ويقيم الصلاة في جيش انغمس في الكفر فلا يعرف غيره نحو قرن من الزمان.

 ويفتح مراكز تحفيظ القرآن، ويكرم الحفظة، ويطبع المصاحف.

 ويعيد للحجاب والستر مكانته -بعد أن كان لا يسمح للنساء الفاضلات به في الجامعات والمراكز التعليمية والأماكن العامة ومقار الأعمال- بعد أن تعرت نساء تركيا وصارت مرتعا لكل فاجر يشبع نظره بما شاء من أجسادهن، ويمتدح الإسلام ويفخر بأمجاده ورجاله وأعلامه، ويتلو القرآن خاشعًا، ويرفع الأذان متحديا…

وفي مجال السياسة التركية الخارجية

في ظل حكم أردوغان سعى للدفاع عن قضايا المسلمين في كافة أنحاء الأرض حتى ذمه أعداؤه -بما هو مدح وفخر له- بإطلاق وصف “السلطان العثماني” عليه، في إشارة لسيره بسير بني خلفاء عثمان الذين كانوا يحكمون عموم المسلمين لعدة قرون حتى ضعف أمرهم وأطاح بهم المجرم مصطفى كمال.

 فساند أردوغان مسلمي إقليم أراكان ببورما المكلومة.

 وساند مسلمي تركستان الشرقية التي تعاني من محنة تسلط العدو البوذي الصيني الغاشم.

 وساعد المسلمين في الصومال في أسوأ أحوالهم -وما زال-.

 وقدم العون للمهاجرين والفصائل المقاومة السورية التي وقفت في وجه النظام النصيري الفاجر في دمشق.

 وبنى علاقات استراتيجية مع قطر وليبيا، وأقام علاقات جيدة مع دول عربية وإسلامية.

 وأصبحت تركيا لاعبًا هاما في السياسة الإقليمية والدولية كما شاهدناه في حرب أوكرانيا وغيرها.

وفي مجال الاقتصاد

فقد رفع تركيا من أسفل التصنيفات الاقتصادية إلى مصاف الدول الكبرى، وقد ذكرت مجلة إسبانية اسمها: موي نيغوثيوس واي إيكونوميا -المتخصصة في الاقتصاد- أن تركيا في وضعها الحالي في المرتبة الثالثة عشر بين دول العالم في قوة اقتصادها، وفي تقرير لها حول قوة الدول اقتصادياً خلال العام ٢٠٣٠م بناء على عدة مؤشرات- وضعت تركيا أردوغان في المرتبة الخامسة مؤكدة أن الاقتصاد التركي يثير الإعجاب …. وغير ذلك الكثير مما يسهل التعرف عليه لمن أراد.

وفي محنة الزلزال الذي اجتاح الجنوب التركي

انتصب وهجر النوم وسخر نفسه وكافة الأجهزة لإغاثة المتضررين وإعانتهم على تجاوز المحنة بأقل الخسائر بما لا يوجد على وجه الأرض مثله في زماننا هذا.

إن منظومة أردوغان -التي يزداد رصيدها دوما- تعتبر فخرا للأتراك، ويكفيهم النظر فيمن حولهم من بلدان المسلمين التي تخطو خطوات متسارعة نحو الفساد في كافة المجالات، بينما خطوات تركيا على العكس..

إن الانتخابات التركية تقسم الناس في زماننا هذا إلى فسطاطين:

فسطاط إيمان وصلاح، وفسطاط كفر وفساد.

ويكفي لمعرفة ذلك أن تطلع على ما يدور في الإعلام الغربي الكافر وذيوله من بني جلدتنا من تشويه كبير لأردوغان ودعم وتلميع لخصومه النكرات مما يشي بحجم المؤامرة الهائل.

ومن ذلك؛ تقول صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية -مظهرة رشوة واضحة للأتراك لينصروا خصوم أردوغان عليه-:

سيتم تمويل تركيا في حال فازت المعارضة بالانتخابات….

على الغرب أن يقدم المساعدة لتركيا في حال خسر أردوغان الانتخابات المقبلة…

الفوز المحتمل للمعارضة التركية يوم ١٤ أيار/ مايو يعني تغير قواعد اللعبة بالنسبة لتركيا وللغرب معا.

وفي المقابل؛ يرجوا المؤمنون أن يوفق الله أردوغان في الانتخابات -وفيما بعدها من إصلاحات وفي اقترابه من الشرع المطهر- ؛ يقول فاتح أربكان -نجل الراحل العظيم نجم الدين أربكان رحمه الله تعالى أكبر مكافح للعلمانية في تركيا الحديثة، والذي يعد أردوغان من أكبر تلامذته- في مؤتمر جماهيري في ولاية قونية:

نظام التعليم سيربي الأجيال على الحلال والحرام….

علينا أن نحمي عائلاتنا، علينا أن نحمي شبابنا، علينا أن نحمي أطفالنا، سنجعل نظام التعليم يولي أولوية للقيم الوطنية والمعنوية، وبتعبير أستاذنا أربكان؛ سنجعل نظام التعليم يعلم الطالب أن الحلال أكبر وأفضل من الحرام كما نعلمه أن العدد ٥ أكبر من العدد ٤.

نظام التعليم سيري أجيالا تولي اهتماما بآخرتها، سيربي أجيالا تخاف الله، سيربي أجيالا على التزكية وتربية النفس وليس على المادية واتباع الهوى.

ولن نكتفي بالتعليم، بل علينا إصلاح ما يبثه الإعلام مما يفسد الأخلاق، علينا أن نجعل الإعلام يبث ما يتناسب مع قيمنا وثقافتنا وتاريخنا وعائلاتنا، فللإعلام تأثير كبير على شباب الجيل الجديد. اهـ

تأمل ما يخطط له ويرجوه أردوغان ورجاله الصادقون -نحسبهم والله حسيبهم-؛ فهم -ولله الحمد والمنة- على ما يحب أهل الإيمان ويبغض أهل الكفر والنفاق.

ونرجو أن نرى هذا اليوم الطيب الذي يوفق فيه الطيب رجب أردوغان ذو النبرة الإسلامية المتصاعدة، والمشاعر الفياضة، ورقة القلب لذوي القربى وكل مسلم، ونرجو له أن تصدق فيه الأولى والثانية من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: … وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال….1.

فيا أهل تركيا الأفاضل

إن أردوغان خياركم الوحيد -المتاح حاليا- لترتقوا دينيا ودنيوياً، وإن من يريد وجه الله عز وجل يجب ألا يستسلم لما يروجه أعداؤه، ولا يضعف في مواجهة أعداء الإسلام، قال تعالى: (وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) [النساء:104].

فأنتم في مؤامرة ومعركة منظورة، وخيانات ومؤامرات غير منظورة، وكما يصيب الصابرين المتمسكين بدينهم الألم والأحزان والهموم فكذلك يصيب أعداء الإسلام الخسارة المادية الفادحة ونحو ذلك مما يكرهون؛ إلا أن المتمسكين بدين الله عز وجل يرجون منه الفضل العظيم في الدنيا والآخرة.

يقول الشيخ السعدي رحمه الله تعالى – في تفسير هذه الآية:

أي: لا تضعفوا ولا تكسلوا في ابتغاء عدوكم من الكفار، أي: في جهادهم والمرابطة على ذلك، فإن وهن القلب مستدع لوهن البدن، وذلك يضعف عن مقاومة الأعداء. بل كونوا أقوياء نشيطين في قتالهم…. ثم ذكر ما يقوي قلوب المؤمنين، فذكر شيئين:

الأول: أن ما يصيبكم من الألم والتعب والجراح ونحو ذلك فإنه يصيب أعداءكم، فليس من المروءة الإنسانية والشهامة الإسلامية أن تكونوا أضعف منهم، وأنتم وإياهم قد تساويتم فيما يوجب ذلك؛ لأن العادة الجارية؛ لا يضعف إلا من توالت عليه الآلام وانتصر عليه الأعداء على الدوام، لا من يدال مرة، ويدال عليه أخرى.

الأمر الثاني: أنكم ترجون من الله ما لا يرجون، فترجون الفوز بثوابه والنجاة من عقابه، بل خواص المؤمنين لهم مقاصد عالية وآمال رفيعة من نصر دين الله، وإقامة شرعه واتساع دائرة الإسلام، وهداية الضالين، وقمع أعداء الدين، فهذه الأمور توجب للمؤمن المصدق زيادة القوة، وتضاعف النشاط والشجاعة التامة؛ لأن من يقاتل ويصير على نيل عزه الدنيوي إن ناله ليس كمن يقاتل لنيل السعادة الدنيوية والأخروية والفوز برضوان الله وجنته، فسبحان من فاوت بين العباد وفرق بينهم بعلمه وحكمته، ولهذا قال: (وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) كامل العلم كامل الحكمة2.

فيا أيها الشعب التركي لا يكن تضييع وإضعاف تركيا وتسليمها لأعداء الإسلام على أيديكم.

واعلموا أنه بأردوغان أو بغيره فإن تركيا لن تضيع بعون الله تعالى فإن جذوة الإسلام لن تنطفئ منها ولا من أي بلد مازال أهله يدينون به ويتمسكون به ،ويحبونه، ولنا العبرة فيما شاهدناه في الجمهوريات الإسلامية التي رزحت تحت احتلال الروس المجرمين عقوداً طويلة، ثم لما انقشعت الغمة رجع الناس بشوق جارف إلى دينهم، وها هي تلك البلاد المسلمة تموج بحفظة القرآن وطلبة العلم ومحبيه مما يثير دهشة من لا علم له بسنن الله عز وجل ووعده بنصر المؤمنين.

نصر الله تعالى الإسلام، ووفق الله عز وجل أردوغان ونفع به.

الهوامش

(1) [رواه مسلم (٢٨٦٥) من حديث عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه].

(2) [تيسير الكريم الرحمن ص(۱۹۲)].

اقرأ أيضا

علماء الأمة يدعون إلى انتخاب أردوغان

خذلان قضايا المسلمين .. وسياق النفاق

المنافقون والقضاء على الدولة الإسلامية

الخميس، 4 مايو 2023

السودان على مفترق طرق

السودان على مفترق طرق


بقلم الشيخ عبد الله بن فيصل الأهدل

 إن الحرب في السودان وقودها المسلمون من الطرفين، وهي ضد مصلحة الشعب السوداني المسلم، وتزيد من مع اناته وضعفه وتبديد ثرواته، ولذا يجب أن تقف، وعلى الطرفين الجلوس للحوار والتوصل لحل يحقن دماء المسلمين ويحقق مصلحتهم.

ماذا يحدث في السودان؟!

في أواخر رمضان هذا ١٤٤٤هـ الموافق ١٥ إبريل ٢٠٢٣م يستيقط العالم على – خبر الاشتباكات التي اندلعت في السودان بين قوات الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان وبين قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي، والتي دخلت يومها التاسع عشر الآن، وأسفرت عن عدد من القتلى لا يقل عن ٥٠٠ قتيل، ونحو ٥٠٠٠ جريح، وعشرات الآلاف من النازحين، فما هو سبب هذه الاشتباكات؟ وما هي قوات الدعم السريع؟ وما سبب خلافها مع الجيش السوداني؟ وما أثر هذه الحرب على المسلمين والدعاة في السودان؟ وسنحاول بإذن الله أن نجيب على هذه الأسئلة…

طرفا الصراع في السودان

الصراع القائم اليوم في السودان هو صراع بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان وبين أحد فروع الجيش السوداني الذي هو “قوات الدعم السريع” والذي يقوده محمد حمدان المعروف باسم “حميدتي”، ومن أجل أن تتضح الصورة لابد أن نعود بالتاريخ إلى الوراء قليلًا..

ثورة الإنقاذ الوطني ووصول عمر البشير لرئاسة السودان

في عام ۱۹۸۹م قاد حزب “الجبهة الإسلامية القومية” بقيادة حسن الترابي انقلابا عسكرياً على رئيس الوزراء السوداني الحاكم آنذاك الصادق المهدي، واستطاعت الجبهة الإسلامية أن تنفذ هذا الانقلاب عن طريق بعض الضباط التابعين لها داخل الجيش السوداني بقيادة العقيد عمر البشير، الذي استطاع أن يطيح بالصادق المهدي، وعرف هذا الانقلاب باسم “ثورة الإنقاذ الوطني”، وأصبح عمر البشير هو رئيس السودان، وأصبحت الجبهة الإسلامية بقيادة حسن الترابي تشارك في إدارة السودان مع البشير، ولكن مع مرور الوقت بدأت الخلافات تتزايد بين عمر البشير والجبهة الإسلامية، وسيطر عمر البشير على الحكم بمفرده، وأعلن حالة طوارئ، وألغى الأحزاب، وعطل البرلمان، وساءت الأحوال في السودان في عهد عمر البشير.

بداية الأزمات من الجنوب إلى الغرب في السودان

ومما زاد الطين بلة انفصال جنوب السودان عن السودان، خاصة أن جنوب السودان يحتوي على ٧٥% من النفط الموجود في السودان، ومن الناحية الأخرى في غرب السودان وبالتحديد في دارفور كانت هناك مشكلة كبيرة، وهي أن السودانيين المتواجدين في دارفور من أصول عربية ومن أصول أفريقية، فالأفارقة السودانيون اتهموا عمر البشير وحكومته بممارسة التمييز العنصري ضدهم، وبالتفريق في المعاملة بينهم وبين العرب، وبتهميشهم وإهمال إقليم دارفور، فأسس بعض الأفارقة السودانيين المتواجدين في دارفور حركة أسموها “حركة تحرير السودان” وفي عام ٢٠٠٠م أسسوا حركة أخرى أسموها “حركة العدل والمساواة”، وبدأ الصراع بين هاتين الحركتين من جهة وبين الحكومة السودانية من جهة أخرى، وتحول هذا الصراع إلى صراع مسلح.

تأسيس قوات الدعم السريع للقضاء على التمرد في دارفور

فأسس البشير ميليشيات عسكرية من العرب المتواجدين في دارفور، من عشيرة المحاميد وعشيرة الماهرية، الذين ينتمون لقبائل الرزيقات المتواجدة في شمال دارفور، وعرفت هذه الميليشيات باسم “الجنجويد” والتي تعني: الرجل الذي يركب جوادا ويحمل مدفعًا رشاشا، وكانت مهمة هذه الميليشيات السيطرة على إقليم دارفور والقضاء على التمرد المشتعل هناك من حركة العدل والمساواة وحركة تحرير السودان، وكانت ميليشيا جنجويد في البداية تحت قيادة موسى هلال، وبعده أصبح القائد حميدتي، وحميدتي من دارفور من قبيلة الرزيقات، وكان في بدايته تاجر إبل، وقالت الـ”بي بي سي” في تقرير لها: أنه عمل بعد ذلك في تجارة الذهب، وأنه سيطر على منجم الذهب المتواجد في جبل عامر، وكون ثروة ضخمة -وهو كذلك-.

قوات الدعم جيش موازي للجيش السوداني

ونستطيع القول أن قوات الجنجويد استطاعت القضاء على التمرد الذي كان في دارفور، وأصبح حميدتي مقرباً بشكل كبير من الرئيس عمر البشير، لدرجة أن البشير أصبح يلقبه بـ”حميتي” -فيما ذكر- يعني: الذي يحميني، وعام ٢٠١٣م ضم الرئيس البشير قوات الجنجويد بشكل رسمي للجيش السوداني، وصار اسمها “قوات الدعم السريع” وبقيت تحت قيادة حميدتي الذي قام بجرائم ضد المواطنين في دارفور من عمليات قتل واغتصاب ومع مرور الوقت ازدادت قوة الدعم السريع، لدرجة أن وصل عددهم لأكثر من أربعين ألف مقاتل، وفي مصادر أخرى مئة ألف مقاتل، وازدادت قوتها أكثر بعدما تم تعديل القانون وأصبحت قوات الدعم منفصلة بشكل كامل – بقيادة حميدتي- عن الجيش السوداني، فأصبحت كالجيش الموازي للجيش السوداني.

أسباب الصراع بين البرهان وحميدتي

فقد كانت أحوال السودان تسوء يوما بعد يوم، فارتفعت الأسعار، وزاد معدل الفقر، والبطالة، والفساد، مما تسبب في اشتعال الثورة السودانية ضد نظام عمر البشير في ١٩ ديسمبر ٢٠١٨م، وكان شعارها الموجه لعمر البشير “تسقط بس”، وبعد أكثر من سنة وبالتحديد في 11 إبريل ٢٠١٩م أعلن الجيش السوداني خلع الرئيس عمر البشير، وتشكيل المجلس العسكري الانتقالي، الذي أصبح رئيسه وزير الدفاع عبد الفتاح البرهان، وأصبح نائبه حميدتي -قائد قوات الدعم السريع-، وقال المجلس العسكري: أنه سيدير السودان لمدة عامين، وبعدها سيتم تسليم السلطة للمدنيين، لكن بدأت الخلافات بين المجلس العسكري والثوار، الذين طالبوا بمجلس مدني يدير السودان، وتحولت هذه الخلافات إلى اشتباكات بين الطرفين، والتي كان من أشهرها الأحداث التي عرفت باسم “مجزرة القيادة العامة” يوم 3 يونيو ۲۰۱۹م، والتي راح ضحيتها ٦٦ سودانيا، وفي مصدر آخر ١٥٠ سودانيا.

تشكيل المجلس السيادي وتوقيع “الاتفاق الإطاري”

وبعد كثير من الأحداث اتفق الطرفان اللذان هما المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير -الذين يمثلون فصيلا من الثوار- على تشكيل مجلس سيادي مكون من ۱۱ عضوا، ٦ مدنيين و5 عسكريين، وأصبح عبد الفتاح البرهان هو رئيس المجلس وحميدتي نائب رئيس المجلس، وكانت مهمة المجلس السيادي إدارة شؤون السودان بشكل مؤقت، وبعد خلافات وكثير من الأحداث اتفق الطرفان اللذان هما المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير على توقيع اتفاق عرف باسم “الاتفاق الإطاري” وكان هذا في ديسمبر ۲۰٢٢م، وكان من أهم بنود هذا الاتفاق:

انتقال السلطة للمدنيين خلال سنتين، وأن يتم دمج قوات الدعم السريع داخل الجيش السوداني، ويصبح الجيش السوداني موحدا تحت قيادة واحدة.

 دمج قوات الدعم السريع داخل الجيش السوداني

وعلى الرغم من أن عبد الفتاح البرهان وحميدي كانا على وفاق بعد عزل البشير فقد ظهرت خلافات بشكل كبير بسبب نقطة دمج قوات الدعم السريع داخل الجيش السوداني، التي كانت ضمن الاتفاق الإطاري، فعبد الفتاح البرهان كان يريد دمج قوات الدعم داخل الجيش خلال سنتين، لكن حميدتي أراد أن يكون الدمج خلال ١٠ سنوات -ليتمكن من تقوية نفسه-، وكان هناك خلافات على بعض النقاط مثل: من الذي سيتقاعد من قوات الدعم السريع ومن سينضم للجيش، وما هي الرتب التي ستنضم من قوات الدعم السريع للجيش، وغيرها من النقاط التي كانت عليها خلافات.

حميدتي والاستقواء بالخارج

حميدتي كان يرفض دمج قوات الدعم السريع داخل الجيش السوداني لأنه لا يريد أن يفقد سلطته وقيادته لقوات الدعم السريع التي تعتبر قوة ضاربة، وخاصة أنه بسببها زاد نفوذه بشكل كبير، فأصبح مطمعا لدى رؤساء دول وأصبح يجلس معهم، وبات واضحا أنه يريد السيطرة على الحكم في السودان، كما توجهت اتهامات للبرهان بأنه يريد التفرد بالسيطرة على السلطة في السودان، والمهم أن الخلافات بدأت بالاشتعال بين البرهان وحميدتي، وكل طرف من الطرفين يخون الطرف الآخر، وبدأ حميدي -والذي أصبحت له صلات بالإمارات وفاغنر وروسيا- بنقل معدات وقوات من دارفور للخرطوم، وقد كان البرهان خرج وقال أنه سيتصدى لأي محاولات لتفكيك الجيش السوداني، فبدأت الاشتباكات بين قوات الدعم والجيش السوداني، وكل طرف من الطرفين يتهم الطرف الآخر بأنه هو من بدأ الهجوم، والصواب أن حميدتي (قوات الدعم السريع) هو من بدأ الهجوم في محاولة انقلابية -لقرائن كثيرة-.

وما زالت الاشتباكات إلى الآن مشتعلة داخل الخرطوم، إلا أن الجيش مسيطر على معظم السودان.

السيناريوهات المتوقعة في ظل استمرار الحرب

وفي ظل استمرار الحرب، وفشل “الهدن”، وغياب الحل السياسي، ووجود توازن نسبي بين القوتين في الفرص والمعطيات، فالاحتمالات المتوقعة أربعة:

الأول: أن ينتصر الجيش السوداني، وهو ما نتمناه؛ لكونه أقرب للحق، ولكونه المعتدى عليه، وهو المعول عليه في حماية السودان، وسيترتب على ذلك:

1- نزوع البرهان نحو الاستئثار بالحكم.

2- إعطاء هامش أكبر للإسلاميين، ونفوذ أكبر لقادة النظام السابق -ولو مؤقتا-.

3- نسبة احتمال إجراء انتخابات ستكون أعلى مما لو انتصر حميدتي الذي ينزع إلى الدكتاتورية والاستبداد.

الثاني: انتصار قوات الدعم السريع، ويترتب عليه:

1- قيام تحالف بينه وبين القوى العلمانية اليسارية -ولو مؤقتا-.

2- الاستبداد بالحكم.

3- دفع فاتورة الانتصار للجهات الداعمة العربية وغير العربية.

4- تصفية الإسلاميين من الجيش، وربما تفكيك الجيش لو طلب حلفاؤه ذلك -كما حدث في العراق- .

5- اعتقال الدعاة ومناصري النظام السابق.

الثالث: أن تطول أمد الحرب، وألا يكون هناك منتصر، ويترتب على ذلك:

1- مزيد من التدخلات الإقليمية والدولية الطامعة في موقع السودان وثرواته.

2- تفكيك الجيش السوداني وانتعاش الميليشيات، وتقسيم السودان، وهذا مطلب يسعى له أعداء السودان والأمة الإسلامية.

3- رجوع القوات إلى معاقلها في كردفان ودارفور.. كما في الحالة الليبية.

الرابع: اللجوء إلى الحل السياسي الذي يُرضي الأطراف المتنازعة، ويأخذ كل طرف حجمه الحقيقي في الدولة.

الموقف الشرعي من أحداث السودان

قد دل الكتاب والسنة والإجماع على حرمة القتال بين المسلمين على الدنيا، أو الحمية الجاهلية، وإنما يجوز قتال أهل البدعة والبغي وأشباههم إذا لم يمكن دفعهم بأقل من ذلك، وقد يجب بحسب المصلحة والحال؛ قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ) [البقرة:84-86].

وقال صلى الله عليه وسلم: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض»1.

وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار»2..

وأما إجماع علماء الإسلام فقد نقله شيخ الإسلام ابن تيمية3.

فهذه الحرب في السودان وقودها المسلمون من الطرفين، وهي ضد مصلحة الشعب السوداني المسلم، وتزيد من معاناته وضعفه وتبديد ثرواته، ولذا يجب أن تقف، وعلى الطرفين الجلوس للحوار والتوصل لحل يحقن دماء المسلمين ويحقق مصلحتهم، إن لم يكن ذلك بدافع الخوف من الله وحسابه، فعلى الأقل مراعاة للقيم الوطنية، وهذا يتطلب ضرورة توحيد المؤسسة العسكرية ودمج قوة الدعم السريع في الجيش في أسرع وقت ممكن، قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) [آل عمران:103].

اللهم احقن دماء المسلمين في السودان -وفي كل مكان-، واجمع كلمتهم على الحق، ورد كيد الكائدين، إنك أنت العزيز الرحيم.

الهوامش

(1) [رواه البخاري (۱۲۱)، ومسلم (۲۳۲)].

(2) [رواه البخاري (۳۱) ومسلم (۲۸۸۸)].

(3) [مجموع الفتاوى (٨٤/٣٥)].

اقرأ أيضا

الخميس، 27 أبريل 2023

دعاؤك يميز شخصيتك

 دعاؤك يميز شخصيتك

الشيخ عبد الله بن فيصل الأهدل

إن الدعاء هو الباب الأعظم لتحقيق حاجة العبد من كل خير ودفع المكروه والشر ، ومطالب العبد لا تتناهى ولا تنحصر في عد ولا تقف عند حد ولا يحيط بها إلا الخالق القدير العليم الرحيم.

أهمية الدعاء

ها هو شهر رمضان المبارك ينسحب بعد أن ملأ الدنيا خيرا، ونهل العباد من معين خيراته، والتي منها الدعاء، ومن أعرض عن الدعاء فقد تعرض لغضب الله تعالى؛ قال عَزَّ وجلَّ: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ۖ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا)[الفرقان:77].

قال السعدي: فأخبر تعالى أنه لا يبالي ولا يعبأ بغير هؤلاء، وأنه لولا دعاؤكم إياه دعاء العبادة ودعاء المسألة ما عبأ بكم ولا أحبكم فقال: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ۖ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا) أي: عذابًا يلزمكم لزوم الغريم لغريمه وسوف يحكم الله بينكم وبين عباده المؤمنين1.

والدعاء سبب عظيم لأبواب الخير كلها، وسبب لدفع كافة المكروهات والشرور والكربات؛ قال الله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) [البقرة:186].

قال الطبري: يعني تعالى ذكره بذلك: وإذا سألك يا محمد عبادي عني: أين أنا؟ فإني قريب منهم أسمع دعاءهم، وأجيب دعوة الداعي منهم2.

وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء بأنه هو العبادة؛ عن النعمان بن بشير عن النبي صلَّى الله عليه وسلم قال: «الدعاء هو العبادة، قال ربكم: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)»3.

وقد قال صلى الله عليه وسلم: «أعجز الناس من عجز عن الدعاء»4.

أقسام الناس في الدعاء

والناس في الدعاء أنواع متنوعة تنوعا كبيرا؛ فمنهم:

– من يعجل في دعائه بذكر طلباته دون ثناء على الله عز وجل، ودون الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

عن فضالة بن عبيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سمع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم رجلاً يدعو في صلاته لم يمجد الله ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عجل هذا» ثم دعاه، فقال له أو لغيره : «إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربه والثناء عليه، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو بعد بما شاء»5.

– ومنهم الأناني المتحجر سعة رحمة الله تعالى في دعائه

عن أبي هريرة قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة، وقمنا معه فقال أعرابي – وهو في الصلاة -: اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا. فلما سلم النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي: «لقد حجرت واسعا» – يريد رحمة الله –6.

– ومنهم من يستعجل إجابة دعائه وإلا ترك الدعاء

عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي»7.

وفي رواية لمسلم: «لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل» قيل: يا رسول الله ما الاستعجال؟ قال: «يقول: قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجيب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء».

– ومنهم من يعتدي في الدعاء

عن أبي نعامة عن ابن لسعد أنه قال: سمعني أبي وأنا أقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وبهجتها وكذا وكذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها وكذا وكذا، فقال: يا بني إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سيكون قوم يعتدون في الدعاء» فإياك أن تكون منهم؛ إن أعطيت الجنة أعطيتها وما فيها من الخير، وإن أعذت من النار أعذت منها وما فيها من الشر8.

قال ابن حجر: والاعتداء في الدعاء يقع بزيادة الرفع فوق الحاجة، أو بطلب ما يستحيل حصوله شرعا، أو بطلب معصية، أو يدعو بما لم يؤثر خصوصا ما وردت كراهته كالسجع المتكلف وترك المأمور9.

– ومنهم من لا يجزم في المسألة

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قال: «لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، وليعزم في المسألة، فإن الله لا مكره له»10.

– ومنهم من يتكلف السجع في دعائه

عن ابن عباس قال: “حدث الناس كل جمعة مرة فإن أبيت فمرتين فإن أكثرت فثلاث مرار، ولا تمل الناس هذا القرآن ولا ألفينك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم فتقص عليهم فتقطع عليهم حديثهم فتملهم ولكن أنصت فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه، فانظر السجع من الدعاء فاجتنبه فإني عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك”11.

قال الحافظ ابن حجر: قوله: “وانظر السجع من الدعاء فاجتنبه” أي: لا تقصد إليه ولا تشغل فكرك به لما فيه من التكلف المانع للخشوع المطلوب في الدعاء…

قوله: “لا يفعلون إلا ذلك” أي: ترك السجع….

قال الغزالي: المكروه من السجع هو المتكلف؛ لأنه لا يلائم الضراعة والذلة، وإلا ففي الأدعية المأثورة كلمات متوازية لكنها غير متكلفة. قال الأزهري: وإنما كرهه صلى الله عليه وسلم لمشاكلته كلام الكهنة..12.

– ومنهم الجافي الذي يسأل الله بظهر كفه

عن مالك بن يسار السكوني ثم العوفي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها»13.

– ومنهم من يدعو وهو مرتاب في الإجابة

وفي الحديث: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه»14.

فمن دعا الله بشرطه فلا بد أن يستجيب الله له؛ إلا أن ذلك وفق علمه وحكمته؛ قال صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم، ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها» قالوا: إذا نكثر، قال: «الله أكثر»15.

– ومن الناس من يهتم بالمشاكل الدنيوية وأمور المعاش في دعائه ويهمل قصايا الأمة

كقضية فلسطين والأقصى والمقدسات الإسلامية…

ومنهم من يهمل الدعاء للأسرى والمستضعفين من المسلمين.

ومنهم من يتجاهل الدعاء على الطواغيت الذين آذوا المسلمين في دينهم ودنياهم.

وفي هذا جملة نصوص؛ منها: قوله تعالى: (وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ ۖ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) [يونس:88] ..

وعن علي رضي الله عنه قال: لما كان يوم الأحزاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ملأ الله بيوتم وقبورهم نارا شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس»16.

قال الحافظ: وفي هذا الحديث جواز الدعاء على المشركين بمثل ذلك17.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو في القنوت: «اللهم أنج سلمة بن هشام، اللهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين. اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم سنين كسني يوسف»18.

وعن ابن أبي أوفى رضي الله عنهما قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأحزاب فقال: «اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب اهزمهم وزلزلهم»19.

قال النووي: فيه استحباب الدعاء عند اللقاء والاستنصار20.

ومما يستحب في الدعاء -أيضا-:

استعمال جوامع الدعاء

عن عائشة رضي الله عنها قالت: “كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يستحب الجوامع من الدعاء، ويدع ما سوى ذلك”21.

وعن أنس قال: كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلَّم: «اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار»22.

وفي رواية مسلم: وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، فإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه.

رفع اليدين والأصبع ومد اليدين

عن ابن عباس قال: “المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك أو نحوهما، والاستغفار أو تشير بأصبع واحدة، والابتهال أن تمد يديك جميعا”23.

و”الابتهال” التضرع، وقيل في قوله تعالى: (ثُمَّ نَبْتَهِلْ) أي: نخلص في الدعاء24.

وعن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: «إن ربكم تبارك وتعالى حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا»25.

وعن سعد بن أبي وقاص قال: مر على النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أدعو بأصبعي فقال: «أحد أحد»، وأشار بالسبابة26.

والدعاء باسم الله الأعظم

عن بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلًا يقول: “اللهم إني أسألك أني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد” فقال: «لقد سألت الله بالاسم الذى إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب»27.

وعن أنس أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا ورجل يصلي ثم دعا: “اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم”. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى»28.

وعن أسماء بنت يزيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين (وَإِلَـهُكُمْ إِلَـهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَـنُ الرَّحِيمُ) وفاتحة سورة آل عمران: (الم * اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)29.

(رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ * رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ۚ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) [آل عمران:191-194].

الهوامش

(1) [تيسير الكريم الرحمن ص (٥٨٧)].

(2) [جامع البيان (٤٨٠/٣)].

(3) [رواه أبو داود (١٤٧٩)، وصححه الألباني].

(4) [رواه البخاري في الأدب المفرد (١٠٤٢) وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٠٤٤)].

(5) [رواه أبو داود (١٤٨١) وغيره، وصححه الألباني].

(6) [رواه البخاري (٦٠١٠)].

(7) [رواه البخاري (٦٣٤٠) ومسلم (٢٧٣٥)].

(8) [رواه أبو داود (١٤٨٢) وغيره، وقال الألباني: حسن صحيح].

(9) [فتح الباري (٢٩٨/٨)].

(10) [رواه ابن ماجه (٣٨٥٤) وغيره، وصححه الألباني].

(11) يعني: لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب. [رواه البخاري (٦٣٣٧)].

(12) [فتح الباري (١٣٩/١١)].

(13) [رواه أبو داود (١٤٨٨) وغيره، وقال الألباني: حسن صحيح].

(14) [رواه الترمذي (٣٤٧٩) وغيره، وحسنه الحافظ المنذري، والألباني].

(15) [رواه أحمد (۱۱۱۳۳) وغيره، وصححه الحاكم والذهبي، والألباني].

(16) [رواه البخاري (۲۹۳۱) ومسلم (٦٢٧)].

(17) [فتح الباري (۱۹۸/۸)].

(18) [رواه البخاري (٢٩٣٢) ومسلم (٦٧٥)].

(19) [رواه البخاري (٦٣٩٢) ومسلم (1472)].

(20) [شرح مسلم (٤٧/١٢)].

(21) [رواه أبو داود (١٤٨٢) وغيره، وصححه الألباني].

(22) [رواه البخاري (٦٣٨٩) ومسلم (٢٦٩٠)].

(23) [رواه أبو داود (١٤٩١) وغيره، وصححه الألباني].

(24) [مختار الصحاح ص(٤١)].

(25) [رواه أبو داود (١٤٩٠) وغيره، وصححه الألباني].

(26) [رواه أبو داود (١٥٠١) وغيره، وصححه الألباني].

(27) [رواه أبو داود (١٤٩٥) وغيره، وصححه الألباني].

(28) [رواه أبو داود (١٤٩٧) وغيره، وصححه الألباني].

(29) [رواه أبو داود (١٤٩٨) وغيره، وصححه الألباني].

اقرأ أيضا