‏إظهار الرسائل ذات التسميات ناصجون. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ناصجون. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 20 مارس 2026

هل يملك أهل السنة مشروعًا ينافس الليبرالية والشيعية؟

 هل يملك أهل السنة مشروعًا ينافس الليبرالية والشيعية؟

د. عبدالعزيز كامل.

تعددت المشاريع، واشتد التنافس، فظهر الشيعي، وتغلغل الليبرالي، وتراجع السني…
لكن هل حان الوقت لبناء مشروع سني جامع؟ وما ملامحه؟

تثبِت الأحداث أن المشروعات المنسوبة للدين تحتاج إلى فرز

تثبِت الأحداث أن المشروعات المنسوبة للدين تحت مسمى (المشروع الإسلامي)، تحتاج إلى فرز يُنتخب فيه الأصيل من الدخيل، حيث إن هناك مشروعات أو طرائق منسوبة للإسلام أو محسوبة عليه وما هي منه في شيء؛ كمشروع الإسلام الشيعي، أو الإسلام المدني الديمقراطي، أو الإسلام الليبرالي، أو إسلام المدرسة العقلية، أو العصرانية، أو إسلام التوجه القومي العروبي، أو الصوفي.. ونحو ذلك..

المشروع السني…أما آن الآوان

يشهد العالم تطورات متلاحقة تسير في اتجاه التمايز والفصل بين الناس في سباق يبدو محموماً نحو مرحلة الفرز الاعتقادي التي قد تكون – خاصة في بلاد المسلمين – مقدِّمة للزمان الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم، والذي (يصبح الرجل فيه مؤمناً ويمسي كافراً حتى يصير الناس إلى فسطاطين، فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه)١. ومن الواضح أن تتابع التحديات وتراكمها سيفرض على المسلمين المنتسبين لمذهب أهل السنَّة – خاصتهم وعامتهم؛ أن تكون لهم وجهتهم وطريقتهم الخاصة بهم في مشروع يميِّزهم عن بقية أصحاب المشاريع، سواء على المستويات العالمية أو الإقليمية أو المحلية.. وإذا كان الخطاب الدعوي فيما مضى قد ركز على استمرار الصراع بين الإسلام وغيره من الملل حتى أصبح ذلك معلوماً مشهوراً؛ فإن ما لم يُعلم عند الكثيرين أو يشتهر هو الصراع بين أهل السنة وأهل الأهواء والنحل، وكلا الصراعين يمثلان صورةً من النزال بين الدين الحق الذي خُتمت به الرسالات، وبين الباطل المخترع في الأهواء والخيالات.

تثبِت الأحداث أن المشروعات المنسوبة للدين تحت مسمى (المشروع الإسلامي)، تحتاج إلى فرز يُنتخب فيه الأصيل من الدخيل، حيث إن هناك مشروعات أو طرائق منسوبة للإسلام أو محسوبة عليه وما هي منه في شيء؛ كمشروع الإسلام الشيعي، أو الإسلام المدني الديمقراطي، أو الإسلام الليبرالي، أو إسلام المدرسة العقلية، أو العصرانية، أو إسلام التوجه القومي العروبي، أو الصوفي.. ونحو ذلك.

أهل السنة طائفة في مواجهة طوائف

لقد تعمَّدْتُ التعبير بـ (المشروع السُّنِّي) تخصيصاً من عموم (المشروع الإسلامي)؛ لأن جملة كبيرة من المشاريع المعادية قد نصَّبت نفسها في مواجهة مشروع أهل السنة على وجه الخصوص، رغم أنهم لم يتأهلوا بعد جيداً للقيام به، فضلاً عن الدفاع عنه.

لا ينبغي هنا أن نستنكف عن الانتساب للسنَّة تجنباً للاتهام بأننا طائفيون، فالحقيقة أنه مثلما أننا أصحاب دين حق بين أديان باطل، فنحن طائفة في مواجهة طوائف، شئنا أم أبينا، غير أن أهل السنة يمثلون الطائفة المنصورة التي قال النبي صلى الله عليه وسلم عنها: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس)٢، وفي رواية (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة حتى يأتي أمر الله)٣، والتي أخبر عليه الصلاة والسلام أنها هي الناجية من بين ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة (قيل يا رسول الله من هم. قال: الجماعة)٤.

غياب المشروع السني رغم الصحوة

من أغرب الأمور، أننا – وبعد أكثر من ثلاثين عاماً من بَدء ظاهرة (الصحوة الإسلامية) مع بدايات القرن الهجري الخامس عشر؛ لم تتبلور لنا رؤية لمشروع سني واضح له أبعاده وخططه وإمكاناته وأهدافه والجهة القائمة على إنفاذه، مثلما هو الشأن مع (المشروع الصهيوني) المكتمل الرؤى والأهداف والمراحل منذ أكثر من قرن، و(المشروع الصليبي التغريبي) النشط على أرضنا منذ عدة قرون، و(المشروع الشيعي) المدفوع بالطموح والجموح منذ عدة عقود، بل حتى هذا الاسم: «المشروع السني».. لا يزال غريباً على الأسماع، نادراً على الألسنة.

جوهر المشروع السني: إعلاء كلمة الله

المشروع السنِّي – في حال اكتماله وتكامله – هو في جوهره مشروع لإعلاء كلمة الله على منهاج رسول الله بما يقتضيه ذلك ويستدعيه من نهوض سياسي واقتصادي وعسكري واجتماعي وعلمي وتعليمي وإعلامي وثقافي، فلا شكَّ أن تلك المجالات صارت ميادين تنافس، ومنصات اختراق، يحاول بها أصحاب كل مشروع منازلة الآخر ومصاولته في مضمار سباق كثيراً ما يتحول إلى ميدان صراع، خاصة بعد أن تتضح الحقائق، وتتمايز الصفوف.. فالحق والباطل بعد التمايز لا يتعايشان، بل يتنافسان، ثم يتصارعان، ويتغالبان، لكن العاقبة دائماً للحق وأهله كما نطق الكتاب المبين في قوله تعالى: {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: ٨٣].

المشروع السني ضرورة وجودية

تفكيك الإسلام الصحيح وإضعاف أهله هو الهدف المشترك للمشروعات المناقضة للسنة والمناهضة لها، سواءً أكانت تلك المشروعات المناوئة ذات طبيعة كفرية أم بدعية (قديمة أو عصرية)، فكل تلك المشروعات – في حال سيطرتها وقوتها – تأتي على المنهجية الإسلامية الصحيحة فتنقصها من أطرافها، أو تنقضها من أسسها، لتبني على ركامها دعائم مغايرة من العقائد والطرائق والمفاهيم، فإذا كان كل مشروع وراءه فكرة للتغيير، أو سبيل إلى بديل، فإن محل ذلك التغيير أو التبديل هو الإنسان في عقيدته وعبادته وسلوكه وطريقته في التفكير. لذلك فإن المشروع السنِّي ضرورة لحفظ الإنسان المسلم بالإسلام الصحيح في حياة إسلامية حتى لا تتبدل عقيدته، أو تزيف عبادته، أو ينحرف سلوكه ويشوه فكره، فهو ليس مشروعَ تدبير معيشي حياتي فقط، بل هو ارتفاع بالحق ودفاع عنه ضد الباطل، الذي لا يستهدف غزو الأراضي والأوطان فقط، بل يرمي إلى غزو القلوب والعقول.

مثال: المشروع الشيعي

لنأخذ المشروع الشيعي الإيراني مثالاً في الضرر والخطر إذا حلت أو استفحلت أفكاره في ساحة سُنية مستباحة، كما حدث في العراق، ويحدث في البحرين ولبنان، وكما يراد حصوله في اليمن وإمارات الخليج وفلسطين.. إن ذلك المشروع يحاول اختطاف الإسلام فيقدِّم نفسه في منظومة فكرية بديلة قائمة على الأساطير، لكنها مدجَّجة بالأساطيل؛ منظومة تنتظم أمور الدنيا والآخرة لتقول للناس: هذا سبيل النجاة والنجاح.

فعند الشيعة: الآخرة لهم.. وصحة الديانة وقف عليهم.. والعاقبة في الدنيا لطائفتهم.. وغايات الرسالة لا تُحمى إلا بهم.. وحُرمات أهل البيت من اختصاصهم.. وحماية المقدسات موكولة إليهم.. ورعاية (مشاريع المقاومة) من أهم غاياتهم.. بل إن فهم أسرار القرآن ومقاصد الإسلام منحة إلهية لم تمنح لغيرهم!! هكذا يدَّعون.. وهكذا يروجون.. ولهذا ينشطون في الهدم والبناء.. الهدم عندنا، والبناء عندهم!

ماذا يبقى من قواعد الإسلام الصحيح وأصوله وفروعه حينما يُمكَّن لمشروع أعداء الصحابة في البلدان التي فتحها الصحابة؟!.. ولماذا لا يقوم أحفاد هؤلاء الصحابة وأتباعهم بما قام به أجدادهم من الاجتماع على السنة التي أوصى بها رسولهم صلى الله عليه وسلم عندما قال بلفظ صريح فصيح: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ)٥.. وقال: (تركت فيكم أمرين، لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه)٦.. إن السُنة هنا ليست مرادفة للنافلة أو التطوع، بل هي مكافئة للحق المبين والطريق المستقيم.

مثال: المشروع الليبرالي

لنأخذ مثالاً آخر لمشروع آخر يتعاظم خطره ويتفاقم ضرره كلما تمكَّن في بلاد المسلمين في غياب المشروع الإسلامي السنِّي؛ إنه المشروع الليبرالي، سواءً بقي على وصفه الغربي ذي النشأة النصرانية والنزعة اليهودية، أو بالغ في الخداع فكساه أصحابه بلبوس إسلامية. لنتأمل حجم التفتيت وكمَّ التفكيك في مفاهيم الإسلام الصحيح وأصوله إذا ذاعت ثم شاعت مفاهيم تلك الليبرالية التدميرية، ولننظر في تلك السلسلة المتواصلة من عوامل الهدم المنهجي لقواعد الإسلام وأصوله عندما تحل المفاهيم العَلمانية الليبرالية محله:

– وحدانية الإله وتفرُّده بالخلق والأمر ليست هي الحقيقة الأخيرة عند الليبراليين العَلمانيين، فالله الذي له الخلق والأمر ليس له عندهم إلا الخلق، أما الأمر والتشريع فمن حق البشر وحدهم بلا شريك! وهذا الإله – عندهم – يقبل أي دين من أي إنسان، فكل البشر عنده سواء، في جنبات الأرض أو في ملكوت السماء، سواء كانوا مؤمنين أو كافرين!

– عصمة النبوة وكمال الرسالة غير مسلَّم بها عندهم، فمحمد صلى الله عليه وسلم أُرسل إلى قوم قدامى بما ناسبهم، فتلك أمة قد خلت.. ولذلك؛ فرسالة الرسول عندهم لا تصلح لكل زمان ومكان، وليست شاملة ولا كاملة، ولا مكان لها في الدساتير إلا من قبيل «الديكور»!

– الالتزام بـ (العبودية لله) عندهم أمرٌ مفزع، ويمثل ردةً عن التقدم والمدنية، والبديل أن يكون الإنسان هو القائد القائم بنفسه لنفسه، بل هو مركز الكون، ومنشأ التشريع، ومصدر الإبداع، ومنه وإليه ترجع أسباب السعادة ومعايير الصواب والخطـأ، بل الحق والباطل!

– الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – كما يصرِّحون – موروث ثقافي قاصر مستورد من بيئات متحجرة غير متحررة! وإطلاق الحريات الشخصية؛ الاعتقادية منها والسلوكية، هو المعروف الأكبر في ظل إعمال القوانين الوضعية البشرية التي تمثل عندهم البديل الحضاري المعاصر للشرائع الإلهية؛ ولو كانت تلك القوانين الوضعية أمراً بالمنكر ونهياً عن المعروف!

– الاستقامة الأخلاقية والسلوكية قضية شخصية ترجع إلى ضمير كل فرد، ولكل إنسان الحرية المطلقة في اختيار السلوكيات التي تناسبه وتناسب أسرته ما لم تتعارض مع حريات الآخرين، أما إذا تعارضت مع قيم الدين القيّم فلا يهم، فهي ليست ملزمة له ولا للآخرين!

– المبدأ (المدني) – بمعنى اللاديني – هو البديل الوحيد المقبول لكل ما هو (ديني)، فلا مكان لما كان يُسمى (المجتمع الإسلامي)، بل المقبول هو (المجتمع المدني) الذي لا مكان فيه للشريعة.. فالمجتمع المدني لا يحكمه إلا القانون المدني الذي لا صلة له بالوحي ولا بالرسالة، وحتى تشريعات الأحوال الشخصية، وعلى رأسها تشريعات الزواج والطلاق؛ لا بدَّ أن تؤول – مع تبنّي الليبرالية – إلى قوانين «مدنية» تقوم على (الزواج المدني) الذي يبيح زواج المسلمة بغير المسلم، وزواج المسلم بالمشركات الوثنيات، والذي أوصل في الغرب إلى مرحلة إجراء عقود الزواج «الرسمية» بين الرجال والرجال وبين النساء والنساء!!

– رابطة الإسلام لا قيمة لها عند الليبراليين، والبديل عنها في ملَّتهم رابطة (المواطنة)، «فالمواطن» مهما كان كافراً أو فاجراً أو مرتداً، له كل الحقوق في موطنه الذي ولد فيه بمنطق «الانتماء الطيني». أما الانتماء الديني فلا يُعطى «غير المواطن» به – مهما علا كعبه في العلم والإيمان – إلا الفتات وربما الرفات من الحقوق.

– في المنظومة الليبرالية يجرى اختيار الحاكم وفق المعايير المنصوصة في الدساتير الوضعية العَلمانية، حيث لا علاقة لها بالشروط المعتبرة في الإسلام لولي الأمر.. وهذه الدساتير التي تشترط «المواطنة» حتى في والدي الحاكم؛ لا تشترط فيه الديانة ولا العدالة ولا حتى الرجولة، فيمكن أن يكون أنثى أو خنثى أو كافراً أو فاجراً!!

– من يختارون الحاكم من الشعب هم عموم العامة والدهماء، ويدخل معهم «عددياً» المفكرون والعباقرة والعلماء – وهم في الاختيار على حدٍّ سواء، فلكل شخص من الشعب «صوت» يستوي في ذلك السكير العربيد الجاهل مع العالم الزاهد المجاهد، فـ «كثرة العدد» هي البديل عن أهل الحل والعقد!

هكذا تفعل الليبرالية بمفاهيمها و«قيمها» في ثوابت الإسلام عندما يتمكَّن مشروعها في بلاد الإسلام، فماذا يبقى للدين الصحيح في بلاد السنَّة إذا غاب أو غُيِّب حكم القرآن والسنَّة؟

اقتران السلطان بالقرآن

إن الضمانة الوحيدة لحفظ حياة المسلمين في أوطانهم على نظام الإسلام، هي اقتران السلطان بالقرآن، ولذلك خوَّف النبي صلى الله عليه وسلم من زمان ينفصل فيه السلطان عن القرآن، لأنه إذا لم يكن الكتاب هو المنهاج في الحكم؛ فإن محكمات الدين تنحل وتتحلل رويداً رويداً، بدءاً من السياسة وانتهاءً بالشعائر؛ لهذا ربط صلى الله عليه وسلم بين إقامة الحكم وإقامة الصلاة فقال: (لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما نقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضاً الحكم، وآخرهن الصلاة)٧. وقد جاء الربط قبل ذلك في القرآن، حيث قال الله عز وجل: {الَّذِينَ إن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ} [الحج: ٤١]. ودعا الله المؤمنين كلهم أن يدخلوا في الإسلام كله، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} [البقرة: ٢٠٨].

لقد حذَّر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم من التفريط في شيء – أي شيء – ممَّا أنزله إليه من الشرائع نزولاً على آراء أصحاب الأهواء، وسمَّى ذلك فتنة فقال: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ فَإن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} [المائدة: ٤٩].

معالم المشروع السني العالمي

المشروع السني إذاً – في جانبه المنهجي – مشروعُ هداية للحق وحماية من الباطل، ولذلك فإن هناك أموراً مهمة لا بدَّ من تأصيلها نظرياً، ثم تفصيلها عملياً، عند الإقبال على إطلاق ذلك المشروع الذي لم تعد أحوال الأمة تحتمل المزيد من تأخيره وتعطيله:

أولاً: هو مشروع أكبر من الساسة ومن السياسة

إذا كان مصطلح (المشروع الإسلامي السُّنِّي) يفيد معنى إعلاء كلمة الله، فالتعبير القرآني الأقرب لذلك المصطلح هو (إقامة الدين)، ولذلك فهو مشروع أكبر من الساسة ومن السياسة، فلا يتوقف عمله على قبول رسمي لحزب أو جماعة، ولا ينتظر فوزاً في انتخابات برلمانية أو رئاسية، أو مدد حكم مفتوحة أو مؤقتة، ولا يحتاج في شرعية اعتماده إلى دساتير أو مراسيم أو فرمانات.

و(المشروع السني)، أو مشروع إقامة الدين الحق، لا يخاطَب به إلا أهل الحق، كما قال الله تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْـمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ} [الشورى: ١٣]، لذلك فإن تفاصيل معاني «إقامة الدين» هي تفاصيل مباني ذلك المشروع.

ثانياً: قائم على المنهج السلفي الصحيح

المشروع السني – في شقه الاعتقادي – يعتمد منهاجاً لا يحتاج إلى زيادة أو نقصان، فهو المنهج القائم على الكتاب والسنة والمتلقى عن القرون الثلاثة المفضَّلة من الصحابة والتابعين وتابعيهم .. وتثبيت هذا المنهج واعتماده مرجعيةً للمشروع يمثل ضمانةً لعدم الانحراف عنه أو الاحتيال فيه، لأنه في النهاية يمثل الشريعة بمعناها العام المرادف للدين، كما في قول الله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} [الجاثية: ١٨].

ثالثاً: إصلاح للدنيا بالدين

المشروع السنِّي ليس مقصوراً على الأمور الحياتية، بل إن الجانب الديني والأخروي أصيلٌ فيه بل أصل له، لكن شقه الدنيوي لا يجافي شقه الديني؛ لأنه مشروع إصلاح للدنيا بالدين، وتقويم للحياة بشرع الله، لإسعاد الناس في معاشهم وربط دنياهم بآخرتهم: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: ٨٣].

رابعاً: مشروع أمة لا جماعة

المشروع السُّنِّي ليس مشروع شخص ولا جماعة ولا حزب، بل ولا دولة، لكنه مشروع أمة هي خير أمة أُخرجت للناس، ولذلك فإن جماعته هي (الجماعة الأم) بمعناها الكبير الرحب الذي تنضوي تحت لوائه كل التيارات والفصائل والجماعات المنتسبة بحق إلى طائفة الحق. ورغم عدم افتقار هذا المشروع إلى مشروعية من حزب أو جماعة أو دولة؛ فإنه يحتاج للقيام به إلى قوة تحميه، سواء كانت دولة أو عدة دول – كما هو حاصل في المشروعات الأخرى، فإن لم توجد هذه القوة الحامية؛ فإن الضرورة تقضي بأن تتبنّاه – ببُعديه الديني والدنيوي – جماعات كبرى ذات تيار عظيم في الأمة يقوم به وينافح عنه، وبخاصة في ظروف التحدي وعلو المستكبرين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مكة عندما كان مقبلاً على الخروج للعالم بدعوته: (من ينصرني ويؤويني حتى أبلغ رسالات ربي وله الجنة)٨.

خامساً: يحتاج لجهود جميع العاملين

لأن المشروعَ السُّنِّي مشروعُ أمة الإجابة؛ فهو مشروعُ كل الجماعات والتجمّعات السُّنِّية على اختلاف أدوارها ووظائفها وتخصُّصاتها، لأنها كلها توزعت عليها الفروض العينية والكفائية، لذلك فهو يحتاج إلى جهود كل هذه الجماعات لتأدية كل تلك الفروض: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: ١٠٣].

سادساً: الإعداد الشامل المبكر

ليس من أولويات المشروع السُّنِّي في مراحل انطلاقه ونهوضه الصدام أو المواجهة مع المناوئين له، إلا إذا فرضت عليه المواجهة، فأمامه مشوار طويل من البناء وتثبيت الأقدام والتسلح بكل أسباب القوة المعنوية والمادية، وبخاصة ضلعيها (القوة الاقتصادية) و(القوة السياسية) المحميتين بالقوة العسكرية.. فالإعداد المبكر بمعناه الشامل هو السبيل الأوحد – بعد الاستعانة بالله – لتفادي سياسات «الإجهاض المبكر»: {وَخُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء: ١٠٢].

ومن التسطيح للأمور الناشئة عن الجهل بسنن الله، التوهم بأن مشروع إقامة الدين مستغنٍ عن الإعداد والجهاد، وأنه سيمضي في طريق «سلمية» إلى النهاية فيتسلم رايات التمكين للدين تحت هتافات المظاهرات فقط، أو يأتيه نصر الله والفتح بفتح صناديق الانتخابات فحسب، لذلك فلا مناص للمشروع من يدين عاملتين، إحداهما للبناء والأخرى للفداء: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} [الأنفال: ٦٠].

سابعاً: المواجهة الفكرية

الحرب المنهجية (حرب الأفكار) في مواجهة السنة وأهلها ليست بأقل خطراً من الحروب الميدانية المفتوحة ضدهم في كل مكان منذ زمان، فمعارك التفكيك الفكري أو الاختطاف المنهجي ستظل تلاحق كيانات أهل السنة لتسبي قطاعات من المنتسبين إليها عن طريق الاستدراج إلى البدع القديمة أو المعاصرة، الناقلة عن الملة أو السنة، وستظل تلك السُّنة غرضاً للمعادين لنهج الإسلام الصحيح، يرمونها بسهام ضلالات الأديان، وخرافات البدع الشيعية أو الصوفية أو العقلانية العصرانية، أو يحقنون أهلها – باسم الحرية – بسموم التوجّهات الإلحادية، وعلى رأسها العَلمانية، بشقي الشقاء فيها: الليبرالية واليسارية، ولذلك لا بد من استراتيجية مواجهة فكرية تشمل الدفاع والهجوم، لأن الدفاع عن حدود الله ليس بأقل قدراً من الدفاع عن حدود الوطن.

ثامناً: الثبات على المحكمات

لأن المشروع السُّنِّي اعتقاديٌ في جوهره، وشرعيٌ في مظهره، ولأن المنهج هو عامل القوة الأكبر فيه؛ فإن أصحاب هذا المشروع والقائمين عليه لا تسوغ لهم الاستجابة للابتزاز المنهجي من الكارهين لما أنزل الله بالتنازل عن محكمات الدين، أو التجاهل للمحاذير الاعتقادية أو التشريعية بحجة (احترام الآخر)، أو (المحافظة على اللحمة الوطنية)، أو (السلام الاجتماعي)، أو (الشراكة السياسية)… إلخ، فكل ذلك إن كان مهماً، فإن أهميته لا تساوي شيئاً أمام وهن القوة المنهجية التي لأجلها يجتمع الناس حول أهل الإسلام.

المشروع السني… أين؟ وإلى أين؟

– أين هو في العراق، وأين هو في لبنان؟ وأين هو في البحرين ودول الخليج وسورية؛ لمواجهة تغوّل المشروع الشيعي الإيراني؟!

– أين هو – في وضوحه وقوته ووحدته – في مصر وليبيا وتونس واليمن وبقية بلاد الثورات – التي قامت والتي لم تقم بعد؟ أين هو كي يتصدى لحالة الاستنفار والتأهب لدى جماعات (الخشب المسنَّدة) من العَلمانيين الليبراليين الساعين بإصرار إلى استعادة السطوة والنفوذ، مستندين بذلك إلى جدار الحماية والغواية الغربي النصراني؟!

– أين هو في باكستان بشعبها السني المحكوم بشرذمة عَلمانية ذات أصول شيعية منذ عقود؟..

– أين هو في إندونيسيا ونيجيريا وبقية بلدان آسيا وإفريقيا التي استوطنت فيها الصوفية الغالية حتى كادت تُخرِج فئاماً كثيرة من البسطاء عن الملة بعد أن أخرجتهم عن السنة؟

– أين هو في صيغته الإقليمية، وصبغته العالمية؟

أإلى غير شِرعة الله نلجأ وقد جعلنا أمة وسطاً، وجعلنا خيار خير أمة؟!.. أم إلى غير السنة نتجه ونحن المخصوصين دون غيرنا بمسمى (أهل السنة)..؟

إنها دعوة لأهل العلم والفكر والدعوة للتلاقي حول مشروع (واحد واضح) لحماية السنة والنهوض بأهلها في بلادها، حيث لن تقوم قائمة لأهل السنة بغير مشروع قائم على القرآن والسنة.

الهوامش

[١] أخرجه  الإمام أحمد في مسنده (٩/٢٤) وصححه أحمد شاكر; وأخرجه أبو داود في سننه وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤١٩٤).

[٢] أخرجه مسلم برقم (١٠٣٧).

[٣] أخرجه ابن جرير الطبري في مسند عمر (٢/٨١٤) وقال إسناده صحيح.

[٤] أخرجه ابن ماجه، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه برقم (٣٢٤١).

[٥] أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجه وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه رقم (٤٠).

[٦] أخرجه مالك في الموطأ (١٣٩٥) والحاكم وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٧٦١).

[٧] أخرجه البوصيري في إتحاف المهرة (٨/٣٥) وقال سنده صحيح وله شاهد، وصححه الألباني في صحيح الترغيب برقم (٥٧٢).

[٨] أخرجه البوصيري في إتحاف المهرة (٧/٣٥٢) وقال: إسناده صحيح؛ وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة برقم (٧٦) وقال الذهبي في المهذب: إسناده جيد.

المصدر

مجلة البيان العدد: ٣٠١، د. عبدالعزيز كامل.

اقرأ أيضا

الصف الإسلامي العام ..هل آن الأوان؟

الأربعاء، 28 أغسطس 2024

يا علماء الملة لمن تتركون الأمة





العلماء الربانيون يعيشون هموم الأمة ويعرفون أحوال الناس وواقعهم، وهم الذين تفزع الأمة إليهم بعد الله – عز وجل – في ملماتها ونوازلها، فتجد عندهم القيادة الرشيدة والتوجيه السديد والمأمن من الشرور والفتن، وإذا احتاج الأمر إلى المقارعة والجهاد فهم الذين يقودون الناس ويشعلون فيهم الحماس ويحرضونهم على ذلك.


العلماء ورثة الأنبياء وصمام الأمان لأمتهم

والتاريخ مليء بالحوادث والنوازل التي قاد العلماء فيها أمتهم ووجد الناس عندهم الجواب المطمئن لكل نازلة؛ إذ كشفوا الحيرة والاضطراب بأقوالهم السديدة التي انطلقت من فهم للشريعة ومقاصدها وفهم لواقع الناس وأحوال الأمة، كما شاركوا أمتهم النضال والنزال وقادوهم إلى بر الأمان.

إمام السنة أحمد ابن حنبل

ولا يخفى على المتأمل لحياة السلف هذه الأحوال والمواقف المشرفة لهم؛ فهذا إمام السنة أحمد ابن حنبل – رحمه الله تعالى – وكيف حمى الله به الدين في وقت عصيب قلّ فيه النصير وقلّ فيه المتكلم بالحق، فثبته الله – عز وجل – وقاد الأمة في مواجهة فتنة الاعتزال والقول بخلق القرآن حتى انتصر الحق وزهق الباطل.

شيخ الإسلام ابن تيمية

وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – وكيف كشف الله – عز وجل – به الحيرة على الناس أيام التتار وشرح به صدور الناس لقتال التتار، فحمّسهم وحرّضهم على القتال بقوله وفعله، وكان من نتيجة ذلك أن رد الله – عز وجل – كيد الكفار الغزاة في نحورهم وأعز دينه ونصر أولياءه.

الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب

وكذلك الحال في الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله تعالى – وكيف أنقذ الله به الأمة من الظلمات إلى النور ومن الشرك إلى التوحيد، وجاهد مع الإمام محمد بن سعود وأولاده – رحمهم الله تعالى – حتى مكّن الله تعالى لهم في الأرض.

عندما تكون الأمة في واد وأهل العلم والدين في واد آخر

وهكذا كان دور العلماء المجاهدين في تاريخ الإسلام الطويل، وهذا ليس بمستغرب على العلماء الربانين الصدّيقين؛ فهم ورثة الأنبياء، وهم صمام الأمان لأمتهم، وهم مرجعها في سِلمها وحربها، وفي كل شؤونها. وكلما كان العالِمُ يعيش هموم أمته ويعرف أحوالها وواقعها وما يُكاد لها ويخطط من قبل أعدائها؛ كلما كان ذلك حاجزاً لها من الانحراف والفتنة والمهانة والذلة، والعكس من ذلك؛ فما من فترة من فترات المسلمين تمر عليهم وتكون الأمة في واد وأهل العلم والدين في واد آخر لا يعلمون إلا القليل عن الأمة وهمومها وواقعها، إلا كان من جراء ذلك فتنة وفساد كبير على الأمة بأسرها علماء وعامة، حكاماً ومحكومين.

وهل هناك فتنة على الناس أشد من أن يترك العلماء قيادة الأمة ورعايتها ليتولى أمرها وقيادتها أهل النفاق والفساد؟! إن هذا هو الحاصل اليوم في أكثر بلدان المسلمين.. إن بُعد أكثر العلماء عن واقع الأمة ومعرفة أحوالها واستبانة سبيل المجرمين الذين يكيدون لها؛ هو من بين الأسباب التي أدت إلى هذا الواقع المرير الذي تعيشه الأمة الإسلامية في أكثر البقاع اليوم في عقائدها وشرائعها وأخلاقها.

عندما يبتعد العلماء عن الأمة وعن قضاياها الكبرى

وحين يبتعد العلماء عن الأمة وقضاياها الكبار ونوازلها العظام، فإنهم في أغلب الأحوال يسلمونها إلى فئتين من الناس: إحداهما توجه العامة، والأخرى توجه شباب الدعوة والصحوة.

الفئة الأولى: الداعون إلى التميّع في أخذ الإسلام والتحلل من أحكامه

هي فئة المفسدين من المنافقين الذين يفسدون عقيدة الأمة وأخلاقها ويربطونها بأعدائها ويزيّنون لها التبعية للغرب أو الشرق، مجندين في ذلك كل وسائل الإعلام المختلفة التي تمر بالناس بالليل والنهار، كل ذلك في غيبة الدعاة الربانين من العلماء والدعاة الصادقين، ما ترك الأمة كالشياه المطيرة لترعاها الذئاب الضارية، وكفى بذلك فتنة للساكتين من أهل العلم من وزر السكوت وإسلام الأمة لأعدائها.. وكفى بذلك فتنة للناس في عقيدتهم وأخلاقهم وأموالهم عندما يتولى توجيههم في ذلك المفسدون في الأرض، قال الله تعالى: {لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [المائدة: ٦٣]، أي لبئس ما كان يصنع العلماء الربانيون بسكوتهم.

والفئة الأخرى: المتسرعون في اتخاذ مواقف دعوية وجهادية دون مراعاة الضوابط الشرعية

فئة المتسرعين من بعض الدعاة الذين لم يكن لهم حظ من العلم والفقه وتصدروا في بعض البلدان قيادة الشباب في الدعوة والجهاد في سبيل الله – عز وجل –، فوجدوا أنفسهم في منأى عن أهل العلم، وجدَّت في واقع الدعوة والأمة قضايا كبيرة لا يتصدى لها إلا أهل العلم المجتهدون، فاقتحموا هذه النوازل وتجرؤوا على الإفتاء فيها، فكان من جراء ذلك فتنة لهم ولمن تبعهم؛ نظراً لسيطرة العواطف والحماس عليهم وليس العلم والفقه١.

أثر الفئتين على الأمة

وإن كلا الفئتين على ما بينهما من فرق في النوايا والمنطلقات، فإنهما يشتركان في كونهما يجران المفاسد على الأمة؛ سواء بالتميّع في أخذ الإسلام والتحلل من أحكامه كما هو الشأن في مقاصد الفئة الأولى، أو في التسرع والانطلاق في اتخاذ مواقف دعوية وجهادية دون مراعاة الضوابط الشرعية كما هو شأن الفئة الأخرى. وكما أن كلتا الفئتين لا تسلمان من إثم هذه المفاسد كل بحسبه، فإن من سكت من العلماء المجتهدين يشتركون في إثم هذه الفتن؛ وذلك لبعدهم عن واقع أمتهم وما تحتاج إليه من معرفة الحق في نوازلها وقضاياها الكبار، التي لم تجد الأمة أمامها إلا هاتين الفئتين، فأسلمت لهما القياد.. والله المستعان.

بعض القضايا والنوازل التي تنتظر رأي العلماء وتوجيههم

وتأكيداً لخطورة هذه الأمور وتصويراً لواقع الأمة وما تحتاج إليه من علمائها؛ أسوق بعض الأمثلة من القضايا والنوازل التي تتوق الأمة وتهفو إلى سماع كلمة العلماء الربانين فيها ومعرفة المواقف العملية إزاءها:

– النظام العالمي الجديد والشرعية الدولية

 كثر الحديث في السنوات الأخيرة عما يسمى النظام العالمي الجديد والشرعية الدولية، ولا يخفى على المسلم الواعي حقيقة دينه وحقيقة أعدائه ما في هذا النظام من رفض لأحكام الإسلام الدولية وتعطيل ذروة سنامه؛ ذلك أن الواضعين لهذا النظام والمطالبين بضرورة التزامه من جميع العالم، يقصدون به ترك الدين جانباً وعدم اعتباره في أي موقف دولي، وأن يُعَطَّلَ الجهاد وتحترم حدود اليهود الغاصبين في فلسطين، وأن يتحاكم الجميع إلى شريعة هذا النظام وليس إلى شرع الله – عز وجل – وأحكامه؛ و هذا أخطر ما في النظام؛ لأن الرضى به هو تنكر للإسلام ورفض لأحكامه التي تتضاد مع هذا النظام وتأباه.. فأين علماء الإسلام من النصح للأمة وبيان كفريات هذا النظام ومطالبة الأمة برفضه والانقياد له؟ ولا يكفي في إنكار هذا النظام إفتاء السائلين عنه أو إنكاره في حلقات العلم الخاصة. بل إن هذا النظام الطاغوتي من الخطورة بحيث يتطلب قومة لله – عز وجل – صادقة من أهل العلم يعلنون فيها رفضهم نظام الطاغوت؛ بصورة جماعية تسمعه الأمة الإسلامية في كل مكان، حتى لا تنخدع من قبل أعدائها المتربصين في الداخل والخارج.

– السلام الدائم مع اليهود

– ومن القضايا التي تنتظر الأمة موقفاً صريحاً من العلماء فيها، قضية السلام الدائم مع اليهود وإقرارهم على احتلالهم وتطبيع العلاقات معهم.

فإلى هذا الوقت لم نسمع حول هذه الفتنة إلا مواقف فردية غير معلنة ولا تأتي إلا عند السؤال والاستفتاء، وإنما الذي تسمعه الأمة وتروَّض على قبوله هو مكر الليل والنهار من أعدائها وبني جلدتها الذين يزيّنون هذا الاستسلام، ويلبِّسون ويغلطون في طرحه ومناقشته.

فأين موقف العلماء وكلمتهم المعلنة حول هذا الاستسلام المهين؟ وما حكم إقرار اليهود في مقدسات المسلمين؟ وما حكم السلام الدائم معهم وعقد المعاهدات الدائمة على وضع أوزار الحرب معهم واحترام حدودهم وفتح بلدان المسلمين لاستثماراتهم الاقتصادية وثقافاتهم الإلحادية وسلوكياتهم المنحرفة؟

– محنة المسلمين في بلدانهم التي يُضطهد فيها الدعاة والمصلحون

– كما تحرص الأمة على سماع كلمة أهل العلم في قضايا المسلمين وما يواجهونه في بلدانهم من محن وبلاء من أعدائهم الكفرة. ولو أن علماء المسلمين لهم مواقف صريحة معلنة من محن المسلمين المختلفة يعلنونها للعالم ويطالبون أعداءهم الكفرة برفع الأذى والنكال؛ لكان لذلك – والعلم عند الله عز وجل – أثر كبير على علماء المسلمين، ومن أهم القضايا محنة المسلمين في كشمير المحتلة، وفي فلسطين، وفي الفلبين، وبورما، وأفغانستان، والعراق، ومصر، وسورية… وغيرها من بلدان المسلمين التي يُضطهد فيها الدعاة والمصلحون.

– رفع الالتباس عن حقيقة الإرهاب

– كما كثر الحديث في الآونة الأخيرة عما يسمى (الإرهاب)، والمقصود بالدرجة الأولى المسلمون ودعاتهم ومجاهدوهم، حيث حصل خلط عجيب بين ما تقوم به الفئات المتسرعة تحت ضغط الواقع في البلدان دون مراعاة للمفاسد المترتبة على فعلهم – وهو اتجاه خاطئ ومردود -، وبين السواد الأعظم من دعاة المسلمين ومجاهديهم ممن يرفضون هذه التصرفات لكنهم يجاهدون الكفرة الغزاة المحتلين لبلدان المسلمين، لكن أعداء الملة لا يفرقون بين هذا وهذا – مع علمهم بذلك -؛ لأن الخطر عندهم يكمن في الإسلام نفسه ومن يدعو إليه، ويكمن عندهم في إعلان الجهاد في سبيل الله – عز وجل – ليكون الدين كله لله.

الإرهاب الحقيقي هو ما يقوم به الغرب الكافر و الشرق الملحد واليهود الغاضبون

وقد قامت وسائل الإعلام في أكثر بلدان المسلمين بتأييد هذه النظرة وترديدها حتى تأثر بذلك فئام من الناس. فما أحوج الأمة إلى سماع كلمة أهل العلم في هذه القضية.. وما أحوج الأمة إلى أن تسمع دفاع العلماء عن الإسلام ودعاته المضطهدين وأن لا يسلموهم للكفرة وأتباعهم يشوهون صورة الدعاة إلى الله – عز وجل – وقصدهم من ذلك كله الإسلام والقضاء عليه.. وما أحوج الأمة إلى أن يرفع العلماء رأسها وتخاطب الكفرة أعداء الدين بنفس خطابهم وأن الإرهاب الحقيقي هو ما يقوم به الغرب الكافر أو الشرق الملحد واليهود الغاضبون من قتل مئات الآلاف من الأبرياء من المسلمين، ومن هتك وتشريد وسجن.. يا ليتنا نسمع هذا الكلام من ورثة الأنبياء من علمائنا الأجلاء في عالمنا الإسلامي، ويعلنونها صريحة يرهبون بها عدو الله وعدوهم، ويسهمون في رفع الظلم والاضطهاد الذي يتعرض له دعاة الإسلام في أكثر بلدان المسلمين اليوم.

– الفرقة والاختلاف بين المسلمين

ولا يخفى على العلماء المخلصين ما يعيشه المسلمون اليوم من فرقة واختلاف وشحناء وعدوان، خاصة بين دعاتها ومجاهديها وأهل الخير من أبناء السنة فيها.. وإن الحاجة إلى تدخل أهل العلم أصبحت ملحة وضرورة ماسة للحفاظ على الدين والأنفاس والأعراض وحمايتها من مفاسد هذا الاختلاف وهذه الفرقة المشينة.. وإن كلمة أهل العلم في هذا الشأن مهمة وكفيلة – إن شاء الله تعالى – بحسم مادة هذا الاختلاف أو تقليل أثره في معظم الاحتمالات.

– دراسة أسباب الاختلاف

وإن الأمة لا تكتفي من علمائها بكلمة أو كلمات يقولونها في جواب عن سؤال من أحد الأطراف المختلفة، وإنما المطلوب دراسة أسباب الاختلاف وأن يجتمع أهل العلم المخلصون المحايدون على بيان واضح معلن ينصحون به أهل الاختلاف ويعلنون فيه موقفهم من مسائل الخلاف، ما يسع منها وما لا يسع، ويسعون فيه إلى جمع الكلمة ورد المعتدي، ولا يدعون المجال لطرف معين ليقوِّم الطرف الآخر، حيث يعز العدل ويدخل الهوى، وإنما يقطعون الطريق بموقفهم المعلن على كل طرف يريد التشهير أو النيل من الطرف الآخر بغير حق، وإنها لفتنة تستحق أن تحظى باهتمام أهل العلم بها؛ لأنها تعد من النوازل التي إن غاب أهل العلم عنها فسيزداد اشتعالها وخطرها، وفي هذا فتنة وإثم على المسلمين عامة.

– المبدلين لشرع الله عز وجل

– إن الأمة تنتظر الموقف الحاسم والمعلن من علمائها تجاه الذين يبدّلون شرع الله – عز وجل – في أكثر بلدان المسلمين، ويحكمون فيها بدلاً من ذلك حكم الطاغوت من القوانين الوضعية والدساتير الكفرية.

– حكم من ظاهر الكفار والمشركين وعاونهم ونصرهم على المسلمين

– إن الأمة تنتظر من علمائها الموقف الحاسم والفتوى الصريحة في حكم من ظاهر الكفار والمشركين وعاونهم ونصرهم على المسلمين في احتلال ديارهم وفرح وشمت بما يصيب المسلمين من أعدائهم الكفرة.. إن أبناء الأمة يطالبون علماء الأمة بإعلان ما كانوا يعلمونه لطلابهم في حلق العلم من أن مظاهرة الكفار على المسلمين ناقض من نواقض الإيمان وردة عن الإسلام، وإنزال هذا الحكم على من يمارس ذلك من المنافقين من إعلاميين وساسة.

– استخدام المنتسبين للعلم والعلماء

أخيراً نذكّر علماءنا الأجلاء بأن يحذروا من الاستجابة لبعض طروحات المغلطين والملبسين من ساسة وغيرهم، وذلك في استفتاءاتهم التي يريدون بها الاتكاء على رأي العالم وموقفه إزاءها في تحقيق أغراض سيئة يفتنون بها الأمة! ويبررون بها ظلمهم! فحين لا يتفطن أهل العلم لأغراضهم الماكرة ويجيبونهم عن طروحاتهم إجابات مجردة دون معرفة بمقاصدهم ومآلات أمرهم؛ فإن آثار فتوى أهل العلم في مثل هذه الحالات تكون غير محمودة في الغالب، وعن هذا الموضوع يقول الإمام ابن القيم – رحمه الله تعالى – في حديثه عن فوائد تتعلق بالفتوى والمفتي: (الفائدة الرابعة والأربعون: يحرم عليه إذا جاءته مسألة تحيُّل على إسقاط واجب أو تحليل محرم أو مكر أو خداع، أن يعين المستفتي فيها، ويرشده إلى مطلوبه، أو يفتيه بالظاهر الذي يتوصّل به إلى مقصوده؛ بل ينبغي له أن يكون بصيراً بمكر الناس وخداعهم وأحوالهم، ولا ينبغي له أن يحسن الظن بهم، بل يكون حذراً فطناً فقيهاً بأحوال الناس وأمورهم، يؤازره فقهه في الشرع، وإن لم يكن كذلك زاغ وأزاغ، وكم من مسألة ظاهرها ظاهر جميل وباطنها مكر وخداع وظلم، فالغر ينظر إلى ظاهرها ويقضي بجوازه، وذو البصيرة ينقض مقصدها وباطنها. فالأول يروج عليه زغل المسائل كما يروج على الجاهل بالنقد زغل الدراهم، والثاني يخرج زيفها كما يخرج الناقد زيف النقود. وكم من باطل يخرجه الرجل بحسن لفظه وتنميقه وإبرازه في صورة حق! وكم من حق يخرجه بتهجينه وسوء تعبيره في صورة باطل! ومن له أدنى فطرة وخبرة لا يخفى عليه ذلك، بل هذا أغلب أحوال الناس، ولكثرته وشهرته يستغنى عن الأمثلة)٢.

تحذير ابن القيم رحمه الله تعالى للعلماء العاملين

وقال رحمه الله تعالى أيضاً في موطن آخر وهو يتحدث عن أنواع المسائل التي ترد على المفتي: (… وتارة تورد عليه المسألة الباطلة في دين الله في قالب مزخرف ولفظ حسن، فيتبادر إلى تسويغها وهي من أبطل الباطل، وتارة بالعكس؛ فلا إله إلا الله، كم ههنا من مزلة أقدام، ومجال أوهام، وما دعا محق إلى حق إلا أخرجه الشيطان على لسان أخيه ووليه من الإنس في قالب تنفر عنه خفافيش البصائر وضعفاء العقول، وهم أكثر الناس، وما حذر أحد من باطل إلا أخرجه الشيطان على لسان وليه من الإنس في قالب مزخرف يستخف به عقول ذلك الضرب من الناس فيستجيبون له، وأكثر الناس نظرهم قاصر على الصور لا يتجاوزونها إلى الحقائق، فهم محبوسون في سجن الألفاظ مقيدون بقيود العبارات، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنسِ وَالْـجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ} [الأنعام:١١٢-١١٣].

هي المسألة المعينة وإن خرجت في عدة قوالب

وأذكر لك من هذا مثالاً وقع في زماننا، وهو أن السلطان أمر أن يلزم أهل الذمة بتغيير عمائمهم، وأن تكون خلاف ألوان عمائم المسلمين، فقامت لذلك قيامتهم، وعظم عليهم، وكان في ذلك من المصالح وإعزاز الإسلام وإذلال الكفرة ما قرت به عيون المسلمين، فألقى الشيطان على ألسنة أوليائه وإخوانه أن صوّروا فتيا يتوصلون بها إلى إزالة هذا الغبار، وهي: ما تقول السادة العلماء في قوم من أهل الذمة ألزموا بلباس غير لباسهم المعتاد وزي غير زيهم المألوف فحصل لهم بذلك ضرر عظيم في الطرقات والفلوات، وتجرأ عليهم بسببه السفهاء والرعاة، وآذوهم غاية الأذى، فطمع بذلك في إهانتهم والتعدي عليهم، فهل يسوغ للإمام ردهم إلى زيهم الأول وإعادتهم إلى ما كانوا عليه مع حصول التميز بعلامة يعرفون بها؟ وهل في ذلك مخالفة للشرع أم لا؟ فأجابهم من مُنِعَ التوفيق وصُدَّ عن الطريق بجواز ذلك، وأن للإمام إعادتهم إلى ما كانوا عليه، قال شيخنا: فجاءتني الفتوى، فقلت: لا تجوز إعادتهم، فذهبوا ثم أتوا بها في قالب آخر، فقلت: هي المسألة المعينة وإن خرجت في عدة قوالب. ثم ذهب إلى السلطان وتكلم عنده بكلام عجب منه الحاضرون، فأطبق القوم على بقائهم. ولله الحمد)٣.

هذا هو تحذير ابن القيم في زمانه، فكيف لو خرج في زماننا اليوم الذي بلغ فيه المكر والخداع مداهما في كثير من بلدان المسلمين؟

الحاجة إلى ترابط أهل العلم وإعلان موقفهم الموحد إزاء بعض القضايا

وختاماً: وبعد ذكر بعض مظاهر الفتنة التي تنشأ من بُعْدِ أهل العلم عن واقع الأمة وأحوالها، وبعد ذكر الأمثلة التي تتوق الأمة إلى سماع أهل العلم ومواقفهم منها؛ فإنه لا بد من الإشارة إلى أنه لا يزال – والحمد لله – في الأمة وعلمائها خير كثير، ولا يزال فيها أولو بقية ينهون عن الفساد ويعون واقع أمتهم، وقد قال بعضهم كلمته في مثل هذه القضايا المطروحة سابقاً، لكن الأمر من الخطورة والأهمية ما لا يكفي فيه قول فردي يقال في جلسة أو استفتاء، ولا يكفي فيه قول واحد ولا اثنين، ولا عشرة؛ إنما الأمر من الأهمية بحيث يحتاج إلى ترابط أهل العلم وإعلان موقفهم الموحد إزاء هذه القضايا وغيرها حتى يصل إلى الأمة وتسمعه كما يسمعه أعداء الإسلام، ليدركوا أن للأمة رجالها وعلماءها الربانيين الذين قادوها في القديم ورفعوا رأسها، وسيقودونها – إن شاء الله تعالى – في هذا الزمان؛ حتى تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى.

الحذر من الوقوع في أعراض العلماء والتشهير بهم

وهنا لا بد من الإشارة إلى مسألة مهمة تتعلق بالأدب مع العلماء والاعتذار لهم؛ فقد يوجد بعض العلماء المخلصين الذين يعون أحوال أمتهم وما تحتاج إليه وما يراد لها، ومع ذلك فلا يرى لهم أثر كبير في نصح الأمة وبيان الحق لها، ما يدفع بعض المستعجلين والمتحمسين من الدعاة أو طلبة العلم إلى رمي هذا الصنف من العلماء بالجبن أو المداهنة وحب الدنيا، وهذا غلط، بل فيه فتنة وجور؛ لأن مثل هؤلاء العلماء الذين لا يشك في إخلاصهم وغزارة علمهم، قد يرون ما لا يرى غيرهم، وقد يغلب على ظنهم أن في إعلان مواقفهم فتنة، وقد يكون بعضهم قد حيل بينه وبين قول الحق، والبعض الآخر قد التبس عليه الأمر.. إلى آخر هذه الأعذار، والمهم أن من عُرِفَ عنه العلم والإخلاص وعدم المداهنة وله البلاء الحسن في الإسلام والدعوة إليه؛ فلا ينبغي النيل من عرضه والتشهير به، بل يلتمس له العذر ما استطيع إلى ذلك سبيلاً.

الهوامش

[١] ولا يعني هذا أن كل المتصدرين للدعوة اليوم كذلك – معاذ الله! –، فلقد رأينا في بعض بلدان المسلمين من جمع بين الدعوة والعلم والحكمة، وظهر أثرهم في استقامة الدعوة وشبابها.

[٢] إعلام الموقعين ٤/٢٢٩.

[٣] إعلام الموقعين ٤/١٩٢-١٩٤.

اقرأ أيضا

دور العلماء العاملين في تحقيق النصر والتمكين

العلماء ومسؤولية البلاغ

الأمة تفتقدكم .. فأين أنتم يا معشر العلماء

مصيبة العلماء في واقعنا المعاصر