‏إظهار الرسائل ذات التسميات جمال حمدان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات جمال حمدان. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 4 يوليو 2022

د. جمال حمدان: لماذا فشلت كل الثورات المصرية على مدى التاريخ؟

د. جمال حمدان: لماذا فشلت كل الثورات المصرية على مدى التاريخ؟


“.. فخلال أكثر من خمسة آلاف سنة لم تحدث أو تنجح في مصر ثورة شعبية حقيقية واحدة بصفة محققة مؤكدة .. مقابل بضع هبّات أو فورات فطرية متواضعة أو فاشلة غالبا .. مقابل عشرات، بل مئات من الانقلابات العسكرية يمارسها الجُند والعسكر دوريًّا، كأمر يومي تقريبا منذ الفرعونية وعبر المملوكية وحتى العصر الحديث ومصر المعاصرة.

وهكذا بقدر ما كانت مصر تقليديا ومن البداية إلى النهاية شعـبًا غير محارب جدا .. أو إلى حدٍ بعيد في الخارج، كانت مجتمعا مدنيا يحكمه العسكريون كأمرٍ عادي في الداخل ..

وبالتالي كانت وظيفة الجيش (الحُكم) أكثر من (الحرب) ..

ووظيفة الشعب (التبعية) أكثر من (الحُكم) ،

وفي ظل هذا الوضع الشاذ المقلوب كثيرا ما كان الحُكم الغاصب يحل مشكلة الأخطار الخارجية والغزو (بالحل السياسي)…

وأخطار الحُكم الداخلية (بالحل العسكري) ..

أي كان يمارس (الحل السياسي) مع الأعداء والغزاة في الخارج ..

و(الحل العسكري) مع الشعب في الداخل ..

فكانت دولة الطغيان كقاعدة عامة استسلامية أمام الغزاة، بوليسية على الشعب”

شخصية مصر – الجزء الرابع – صفحة ٥٧٨

 ويضيف الدكتور جمال حمدان

“ولا شئ يقينا ككلمة ” الفرعونية ” يلخص ويشخص مأساة مصر السياسية المستمرة بلا انقطاع طوال التاريخ، والمجسدة بلا حياء، وما تزال في صميم حياتنا المعاصرة، فلقد صارت هذه الكلمة التعسة ” سيئة السمعة ” علما علي الطغيان المصري البشع البغيض في كل مراحله، وإن اختلفت التسميات والمسميات، أو تطورت الأشكال والشكليات .

فالسلاطين والمماليك في العصور الوسطي هم كما أوشك المقريزي أن يضعها فراعنة ولكن مسلمون، مثلما كان الفراعنة أنفسهم أباطرة وقياصرة وأكاسرة، ولكن مصريون، هذا بينما عد محمد علي بعد ذلك آخر المماليك العظام وأول الفراعنة الجدد.

 إن الفرعونية بوضوح مطلق الآن، هي لا شك أبرز، مثلما هي أسوأ مظاهر الاستمرارية في كيان مصر جميعا.

 أما العلاقة بين الحاكم والمحكوم فهي تقليديا علاقة قهر ومقت، إكراه وكره، استبداد وحقد، بينما العلاقة بين الحكومة والشعب هي الريبة والعداوة المتبادلة بكل التفاهم الصامت، إن لم تعد الأولي، فإنها – لسوء الحظ أكثر – عرفت غالبا العصابة، ولا نقول أحيانا ” الحثالة الحاكمة ” ، بمعني عصبة مغتصبة تستمد شرعيتها من القوة غير الشرعية.

 ومن هنا فلئن كانت مصر الطبيعية حديقة لا غابة، فقد كانت بشريا غابة لا حديقة، وإن كانت زراعيا مزرعة لا مرعي، فقد كانت سياسيا مرعي لا مزرعة للأسف، بالتالي فكثيرا ما كانت مصر إلي حد بعيد حكومة بلا شعب سياسيا، وشعبا بلا حكومة اقتصاديا.

وفي كتابه “إستراتيجية الاستعمار والتحرير” يصف حُكم العسكر لمصر وسائر دول العالم الثالث “بالاحتلال الداخلي” حيث يقول: –

 “فالعالم الثالث هو أكبر متحف عالمي للحفريات السياسية ومخلفات الطغيان والاستبداد الشرقي القديم والرجعيات البدوية البدائية العتيقة المتحجرة، فضلا عن أنه غدا أبشع معقل للديكتاتوريات العسكرية والفاشية اللاشرعية الاغتصابية الفاسدة نصف المتعلمة أو نصف الجاهلة، وكأنما قد حكم عليه بأن يستبدل بالاحتلال العسكري الأجنبي القديم أيام الاستعمار، الاحتلال العسكري الداخلي الجديد تحت الاستقلال، هذا استعمار خارجي وهذا استعمار داخلي .

 والواقع موضوعيا أن العالم الثالث كما هو اليوم إنما ينتمي سياسيا إلي الماضي السحيق، يعيش في القرن العشرين الميلادي بالهيكل السياسي للقرن 20 قبل الميلادي.

المؤسف أن أغلب هذه الديكتاتوريات العسكرية أو الرجعية يتم أو يقع تحت إدعاء ولافتة الديمقراطية، بل ويباهي بها أعرق الديمقراطيات الغربية بلا حياء ولا خجل، ولا عجب أن صك البعض لهذا كله تعبير “ديمقراطية العالم الثالث” ، “الديموكتاتورية” كنوع من السخرية السياسية.

“وسواء كانت مصر أم الدنيا أو أم الديكتاتورية، أو كان حاكم مصر هو أقدم أمراضها فلا شبهة في أن الديكتاتورية هي النقطة السوداء والشوهاء في شخصية مصر بلا استثناء، وهي منبع كل السلبيات والشوائب المتوغلة في الشخصية المصرية حتى اللحظة، وليس على مستوى المجتمع فحسب ولكن الفرد أيضاً، لا في الداخل فقط ولكن في الخارج كذلك.

 “ولقد تغيرت مصر الحديثة في جميع جوانب حياتها المادية واللامادية بدرجات متفاوتة، إلا نظام الحكم الاستبدادي المطلق بالتحديد والفرعونية السياسية وحدها، فهي ما تزال تعيش بين (أو فوق) ظهرانينا بكل ثقلها وعتوها وإن تنكرت في صيغة شكلية ملفقة هي ” الديمقراطية الشرقية ” أو بالأحرى “الديموكتاتورية”.

 والمؤكد أن مصر المعاصرة لن تتغير جذرياً ولن تتطور إلى دولة عصرية وشعب حر إلا حين تدفن الفرعونية السياسية مع آخر بقايا الحضارة الفرعونية الميتة”.


د. جمال حمدان

الثلاثاء، 28 يونيو 2022

قراءة في كتاب استراتيجية الاستعمار والتحرير

قراءة في كتاب استراتيجية الاستعمار والتحرير


 

أسم كتاب : استراتيجيه الاستعمار و التحرير

تأليف : جمال حمدان

الناشر: مؤسسة دار الهلال


نبذة عن الكتاب
الكتاب موسوعي يحمل بين طياته دراسة مستوفية لاستراتيجية الإستعمار و التحرير علي مدار التاريخ و أبعاد الجغرافيا يحتاج الكتاب إلى الكثير من المجهود في قرائته فهو يتناول بالسرد و التحليل الإستعمار و التحرير منذ العصور القديمة مرورا بالعصور الوسطي و حتي قرن الإستعمار (التاسع عشر ) ثم ينتقل الي عصر ثورات التحرير و الإنقلاب النووي و يقدم في الجزء الأخير من الكتاب تحليلا لاستراتيجية عدم الإنحياز و وضع العالم الثالث ثم ينتقل الي حلول "سياسية - اقتصادية - علمية " يحتاجها العالم الثالث حتي يدخل عصر التقدم- النصف الثاني من الكتاب هو الأهم فالأول قد لا يزيد عن كونه تأريخا للاستعمار في العصور السابقةاضاف الكتاب لي كثيرا في فهم توازنات القوي العالمية و العلاقات الدولية و تأثير البعد التاريخي و الجغرافي علي العلاقات المستقبلية بين الدول.
يحلل لماذا قامت الامبراطوريات و الممالك الحربيه و العوامل المساعده في كل عصر .. بدايه من الهكسوس إلى تاريخ اصدار الكتاب عام 1968 ماذا تعني اسرائيل بالنسبة لطالب الجغرافيا السياسية ؟؟؟ الصهيونية في بدايتها حركة سياسية في الحقيقة (الصهيونية السياسة )و لكنها تقنعت منذ اللحظة الاولي بالدين (الصهيونية العاطفية ) لتخلق من "روايا العودة الي ارض الميعاد ) ايديولوجية تاريخية و دينية تجمع يهود الشتات حولها , و كذالك قناعا و شعارا تخفي به حقيقة اهدافها عن العالم الخارجي ....

و كان من المستحيل ان يتحقق الحلم الا بالمساعدة الكاملة من قوي السيادة العالمية و من هنا التقت الامبريالية العالمية مع الصهيونية لقاء تاريخيا علي طريق واحد و هو طريق المصلحة الاستعمارية المتبادلة : فيكون الوطن اليهودي قاعدة تابعة و حليفا مضمونا ابدا يخدم مصالح الاستعمار , و ذلك ثمناً لخلقه اياه و ضمانا لبقائه ...فكات بريطانيا هي التي خلقت اوطن القومي منذ بداية الحرب العالمية الاولي , بينما خلفتها الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية ثم عدد الكاتب بعض المدخلات التي ادت له للحصول علي هذه النتائج التي سوف اركزها 
1- اسرائيل كدولة ظاهرة استعمارية صرفة 
2- اسرائيل استعمار طائفي بحت و دولة دينية صرفة 
3- اسرائيل استعمار عنصري مطلق 
4- اسرائيل قطعة من الاستعمار ااوروبي عبد البحار 
5- اسرائيل استعمار سكني من الدرجة الاولي و هي حالة استعمار فريدة بين كل الاستعمارات السكنية فهي تجمع ما بين اسوأ ما في هذه النماذج ثم تضيف اليه لتقدم الاسواء هي كأستراليا و الولايات = ابادة , مثل جنوب افريقيا = عزل السكان الاصليين , , و تختلف عن الجميع حيث طردت السكان الاصليين ليصبحوا لاجئين 
6- استعمار مثلث الابعاد ( جانب سكني , استعمار استراتيجي , استعمار اقتصادي ) 
7 - اسرائيل استعمار توسعي و اطماعها معلنة بدون مواربة (من النيل الي الفرات ) شعار الامبراطورية الصهيونية الموعودة 
8- اسرائيل عبارة عن استعمار من الدرجة الاوليو الثانية معا , استعامر بالاصالة و بالوكالة في ان واحد
لم ينل هذا الكتاب الموسوعي الصادر عن دار الهلال قبل نحو أربعين عاماً (عام 1983)، والذي كان رداً على على دعوة رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي حينها أرييل شارون، دول العالم للاعتراف بـ"دولة إسرائيل"، من الشهرة عشر ما تحقق لكتابه "شحصية مصر: عبقرية المكان" المكون من 4 أجزاء، الذي ألفه رداً على هزيمة 1967. فالكتاب الأخير غطى على أعماله الأخرى، التي كان لبعضها من القيمة ما لا يقل عنه.
كتاب "استراتيجية الإستعمار والتحرير" يحتاج إلى جهد كبير لقراءته حيث يسرد بشكل عميق الإستعمار و التحرير منذ العصور القديمة مروراً بالعصور الوُسطى وحتى قرن الاستعمار (التاسع عشر). 
ثم ينتقل الى عصر ثورات التحرير والانقلاب النووي، ويقدم في الجزء الأخير من الكتاب تحليلاً لاستراتيجية عدم الإنحياز ووضع العالم الثالث ثم ينتقل إلى حلول "سياسية – اقتصادية – علمية" يحتاجها العالم الثالث حتى يدخل عصر التقدم.

ويساعد الكتاب في فهم توازنات القوى العالمية والعلاقات الدولية وتأثير البعد التاريخي والجغرافي على العلاقات المستقبلية بين الدول. يقول جمال حمدان في الكتاب "قد نعد الإستعمار قديماً قدم الإنسان، فمن الممكن أن ننظر إلى التاريخ القديم على أنه فصول متلاحقة أو متداخلة من الهجرات والغزوات.

خطر الولايات المتحدة الاميركية


يشخّص حمدان في كتابه "استراتيجية الاستعمار والتحرير" خطر الولايات المتحدة في أنها أول دولة في التاريخ اجتمعت فيها ولها كل عناصر القوة ومقوّماتها، ولكن -أيضًا- كل أعراضها وأمراضها. ويرى أنها مرت بثلاث مراحل هي:

مرحلة الطفولة حتى آواخر القرن 19، ثم مرحلة الشباب حتى حرب فيتنام ، ثم أخيراً مرحلة النضج منذ الوفاق في سبعينيات القرن الماضي.

ويعتبر حمدان أن الولايات المتحدة، وهي بريطانيا القرن العشرين، تمر بنفس المرحلة التي كانت عليها بريطانيا منذ أواخر القرن 19 نحو أعوام 1870/ 1880 وما بعدها حتى الحرب الأولى. فهناك من يرى مثل المؤرح البريطاني اَرنولد توينبي أن الولايات المتحدة هي روما العصر بينما يسجل أحد قادة الولايات المتحدة قوله: "إننا أصبحنا نقوم بالدور الذي كانت تقوم به الإمبراطورية البريطانية القديم ويؤكد أن عناصر القوة الأميركية لم تعد مفتاحاً أساسياً من مفاتيح السياسة العالمية فقط، بل وأخطر عناصر الصراع والصدام الدولي المحتمل. فالذي يساعدها على ذلك وجودها العسكري من قواعد عسكرية وأساطيل منبثة حول العالم كله حتى كادت بذلك تصبح جغرافياً وسياسياً "جاراً" غير مرغوب فيه تشترك حدوده مع حدود كل دولة. ويكمل حمدان: حتى صارت شريكاً طفيلياً لها في وجودها بمخابراتها السرية وعملائها وتكنولوجيات التجسس والأقمار الصناعية، حتى قال البعض يأساً أو سخرية: أينما تكونوا تدرككم الولايات المتحدة.

ويضيف: "بغض النظر عما تدعيه الولايات المتحدة عن مثاليتها وفروسيات قوتها أو أنها ظل الله على الأرض أو أن "الله أميركي" كما يسخر منها البعض كما سخروا من بريطانيا، فإن الواقع الموضوعي يوضح أن عناصر القوة قد تحولت أحياناً في يد الولايات المتحدة إلى أعلى مراحل غرور القوة، إن لم يكن حقاً نوع من جنون القوة.

ويناقش حمدان رؤيته هذه عن الولايات المتحدة بقوله: أياً كانت النظرة العلمية إلى هذه الاَراء التي قد تكون عاطفية أكثر مما هي خاطئة، فلا جدال بأن هناك كثيراً من الموضوعية في نظرة الرئيس الفرنسي الراحل شارل ديغول الذي أعلن كرجل مسؤول، أن أخطر ما يواجه العالم في القرن العشرين هو تضخم قوة أميركا خارج كل الحدود.

يؤكد حمدان أن عقدة فيتنام وصدمة الوفاق تمثلان تغيراً كيفياً أكثر منه كمياً. ففي أتون فيتنام انصهر غرور القوة والغطرسة الأميركية، ثم أنضجتها بسياسة الوفاق الدولي فاستيقظت الولايات المتحدة على الحقيقة القاسية وهي أنها إزاء تحديات لم تعرفها من قبل، كما عبّر الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون وقتها أنها لم تعد وحدها وأن هناك قادمين جدد على الطريق ومنافسين أقوياء على الصدارة العالمية.

يرى حمدان كعالم جيوبولتيكي أن أميركا قد انتقلت بعد حرب فيتنام وعبر بوابة الوفاق من مرحلة الشباب إلى مرحلة النضج. ويعتقد حمدان أن ثقل أميركا يتضاءل في ميزان القوة العالمية بعد أن وصل إلى الذروة، لأن عالم القوى قد اتسع كثيراً عما كان عليه حتى قريب، وذلك بظهور تعدد المراكز وبات العالم من حولها ينمو سريعاً.

إن أميركا تمر من مرحلة الشباب إلى مرحلة النضج أي الاستقرار وهي المرحلة التي تكون فيها الدولة قد بلغت قمة القوة ولا تملك بعدها أن تخسر. لذا تجد كل مصلحتها في المحافظة على مواقعها المكتسبة، ساعية إلى سلامها الذي كانت فرضته بالقوة، وذلك من دون الالتجاء ما استطاعت إلى مزيد من الحروب والصدمات. أي ان الدولة باختصار تقبل بالوضع الراهن لتفرض منه الأمر الواقع وتستبدل بالعنف المباشر الخداع العنيف. وتلك هي حقيقة الحقائق في كل الموقف الأميركي الراهن، مثلما هي الحقيقة المفتاح في سياستها المقبلة.

يخلص حمدان رؤيته حول اميركا إلى أنه كما كانت الحرب العالمية الثانية بداية النهاية للإمبراطورية البريطانية ونهاية النهاية لها كانت مع ثورة محمد مصدق عام 1951 وثورة عبد الناصر عام 1953، جاءت حرب فيتنام كبداية النهاية للسيادة العالمية لأميركا وجاءت نهاية النهاية لها مع الثورة الإسلامية في إيران عام 1979.

لقد رحل حمدان باكراً عام 1993 بعد سنوات قليلة من انهيار الإتحاد السوفياتي وبروز الاَحادية القطبية الأميركية، ففاته التغول الأميركي في العالم ومحاولة فرض هيمنتها العالمية عبر حروب وغزوات. وبالتالي تجاوزت مرحلة النضج والإستقرار ودخلت في مرحلة التهور والطغيان.

إن مؤلفاته كلها وبالأخص منها كتاباه: "استراتيجية الاستعمار والتحرير" و"شخصية مصر: عبقرية المكان" لا تقل قيمة من حيث المنهجية وشمول الرؤية، حول استراتيجيات الصعود الإمبراطوري وهبوطه، عن كتب المفكرين الاستراتيجيين الأميركيين زبيغينو بريجنسكي وبول كينيدي صاحب كتاب "صعود وسقوط القوى العظمى" الصادر عام 1987. وكتب برنارد لويس وصامويل هنتنغتون، صاحب كتاب "صدام الحضارات"،التي كانت الأكثر رواجاً بعد هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001، فقد شاعت هذه الكتب المهمة في فضاء الفكر العالمي لوقت طويل لمجرد أن مؤلفها أميركي وأنه ينطلق من منظور غربي ليكرس المركزية الغربية. فقد احتضنت المؤسسات السياسية الغربية والأميركية كتابات هؤلاء، واستفادتْ منها، وجعلتْ من المعرفة التي يقدمونها في الدراسات الجيوبولتيكية الأساس الذي تنطلق منه.

"مشكلة" جمال حمدان أنه بقي شبه مغمور لانه يكتب بالعربية ويكافح ضد المركزية الغربية، مثلما يواجه استراتيجيات الإستعمار التي أخذت تدور في الفلك الأميركي باستراتيجيات تحرر قومي دارت في الفلك المصري طيلة الثلث الأوسط من القرن العشرين. و"مأساته" أنه حُورب من أنصاف المتعلمين، ورأى كيف يُمسك هؤلاء بمقاليد المراكز المهمة داخل الجامعة وخارجها، فقرر أن يعتزل الجامعة كلها في منتصف ستينيات القرن الماضي.

لهذا بقيت أكثر أفكار حمدان المهمة حبيسة. فلم يُستفد منها بشأن العلاقات العربية - العربية، أو تعمير سيناء، أو الثراء الثقافي العربي الناتج عن التنوع والتعدد، أو الصراع مع قوى الاستعمار الجديد، وغيرها كثير.رحل حمدان عن عالمنا في 17 نيسان/ أبريل عام 1993 بعد أن ترك 29 كتاباً و79 بحثاً، منها "المدينة العربية"، "اليهود انثروبولوجيا"، "العالم الإسلامى المعاصر"، "دراسات فى العالم العربي"، "إفريقيا الجديدة"، و"شخصية مصر ــ عبقرية الزمان والمكان".

 قراءة بقلم علي العدوي 

تكلم الكتاب في اول ابوابه عن العصور القديمة والحديثة وذكر بأن الصراع موجود من قديم الأزل , وأن الصراع يأخذ شكل البيئة الجغرافية صراع بين الجبل والسهل . الرمل والطين , الاستبس والغابة .

ذكر توجه الاستبس للصين أكثر من توجهه للهند وذلك بسبب حماية جبال الهيمالايا للهند , لكن الصين كانت مباحة لهجماتهم وكان ذلك سببا في بناء الصين لسور الصين العظيم .

ذكر أيضا قوة الدول الإسلامية رغم خروجها من الصحراء ولكن تغلبت علي القوي البرية والبحرية بسبب ارتباطها ومثلت أول (كومونولث) في التاريخ , ثم ذكر بعد ذلك اسباب سقوط الدولة الأسلامية وكان سبب ذلك هو ضخامة الدولة واستقلال ولايات منها علي مر العصور , وايضا وجودها بين قوي البر والبحر سهل استراتيجية الكماشة أو الرحي .

ثم ذكر الحملات الصليبية وقال انها اتخذت من المسيحية غطاء لأهداف اخري , ذكر التتار والمغول والاتراك واللي اطلق عليهم الأستبس الأسيوي . 


 يعتبر الكتاب مدخلا مهما للمهتمين بالجغرافيا - السياسية - تاريخ العالم والعلاقات الدولية

يأخذنا الكتاب بحنكة ودهاء لنبحر معه في رحلة إستكشافية لقوانين الجغرافيا والتاريخ السياسى في قالب واحد , ويحلل لماذا قامت الامبراطوريات والدول بداية من فجر التاريخ إلي تاريخ إصدار الكتاب كما يعرض تاريخ الاستعمار لفهم دوافعه ومآلاته ثم يعرض حركات التحرر التي هدمت بنيانه.

ثم يعود التساؤل لماذا تعارضت ظاهرة التحرير في العالم عموما ؟ وهنا يكمن الرد في روح التحرير الذي أصبح هو ايدويوجية الشعوب التي طال كبتها وروح العصر السارية السائدة .

وان التحرير هو المناخ السياسي الذي جعل من الثورة علي الاستعمار ظاهرة كوكبية في كل أرجاء العالم ولا علاقة لتوقيتها بعمر الاستعمار هنا او هناك دون التقليل من دور الكفاح الوطني , ثم تطرق الكاتب الي كشف مصير الكيان الصهيوني وربطه في نهاية المطاف بمصير الإمبريالة العالمية فما دام هذا الكيان باق فإن الإمبريالية ستظل مقيمة لا تديم في العالم الثالث ولكن يوم تذهب إسرائيل فسوف تكون تلك بداية النهاية المطلقة للإمبريالية .

حقيقة أن الاستعمار هو أعلي مراحل الرأسمالية وهو امتداد خارج الحدود الطبقة 

والخلاصة : أن هذا الكتاب بمثابة رحلة قصيرة قد تطول فتأخذك عبر الأزمنة والأمكنة ويطوف بك حول العالم بداية من أعماق الماضي السحيق مرورا بالحاضر ثم أطياف المستقبل , رحلة متعبة وشاقة ولكنها تستحق .

جمال حمدان اثبت برؤيته الثاقبة أن التاريخ لا يعيد نفسه ولكن الانسان هو من يكرر أخطائه , رحم الله هذا العقل وهذا القلم اللامع .


قراءة كتاب استراتيجية الاستعمار والتحرير تأليف جمال حمدان اضغط 




كتاب استراتيجية الاستعمار والتحرير

  قراءة اون لاين   


 

الثلاثاء، 5 ديسمبر 2017

شخصية مصر| جمال حمدان | مصر والعرب

 شخصية مصر    جمال حمدان    مصر والعرب  


• لن أقف أمام ما حفلت به الموسوعة من دراسات حول الشخصية الاقليمية، وخريطة الاقتصاد المصري، والصناعة المعدنية والتعدين، والسد العالي، والسياحة، والزراعة.. فما يعنيني هو الصفحات التي تبدأ من (13) وحتى (146)، حيث تحدث جمال حمدان عن الانسان المصري في تطلعاته لاستلهام المستقبل من خلال البعد القومي لمصر.
يقول جمال حمدان: ومهما اختلفت التسميات بين الطغيان الفرعوني أو الاقطاعي، وسواءً عُدَّ هذا اقطاعاً عادياً بنمطه المعروف، أو عُدَّ قمته أعتى صورة كما يرى الكثيرون، وأياً كانت النظريات المطروحة، فإن الطغيان والاستبداد الغاشم هو من أسفٍ حقيقة واقعة في مصر، من بدايته اليوم مهما تبدلت أو تعصرت الواجهات والشكليات.
وسواءً كانت مصر أم الدنيا أو أم الديكتاتورية – هي النقطة السوداء والشوهاء – في شخصية مصر بلا استثناء، هي منبع كل السلبيات والشوائب المتوغلة في الشخصية المصرية حتى اللحظة، ليس على مستوى المجتمع فحسب بل والفرد أيضاً، لا في الداخل ولكن في الخارج كذلك.
ثم يقول: لقد تغيرت مصر الحديثة في جميع جوانب حياتها المادية واللامادية بدرجات متفاوتة، إلا نظام الحكم الاستبدادي المطلق بالتحديد والفرعونية السياسية وحدها، فهي ما تزال تعيش بين (أو فوق؟) ظهرانينا بكل ثقلها وعتوها، وإن تنكرت في صيغة شكلية ملفقة هي الديموقراطية الشرقية، أو بالأحرى (الديموكتاتورية).
والمؤكد أن مصر المعاصرة لن تتغير جذرياً ولن تتطور الى دولة عصرية وشعب حر، إلا حين تدفن الفرعونية السياسية مع آخر بقايا الحضارة الفرعونية الميتة.
تلك سلسلة متداعية من السمات والخصائص الأساسية البارزة أو الكامنة في شخصية مصر على مستوى الموضع أو من الداخل. غير أن هذه الشخصية لا تقل في خصائصها تبلوراً أو تميزاً وتفرداً على مستوى الموقع أو من الخارج.
ويقول جمال حمدان: وهكذا جمعت مصر في آنٍ واحد بين قلب أفريقيا وقلب العالم القديم، وأخذت من المداريات زَبَدَها دون زِبْدها، فظفرت من النيل بجائزته الكبرى دون موقعه الداخلي الصحيق المعوق، واستبدلت به موقع البحر المتوسط المتقدم المتألق، واكتفت من العروض السفلى واستبدلت بحرارتها الحيوية المشرقة دون تطرفها الوائد، ثم استكملتها بمؤثرات عروض الخيل الملطفة المنعشة، فكان صيفاً بلا سحاب وشتاءً بلا صقيع هي أصلاً حياة بلا مطر.
وفي جميع الأحوال فإن مصر هي واسطة كتاب الجغرافيا تحولت الى فاتحة كتاب التاريخ. وفي جميع الأحوال أيضاً فإن السبق الحضاري ملمح أساسي بلا نقاش في شخصية مصر.
ثم هي – مصر – وإن تكن إفريقية بأرضها ومائها، إلا أنها قوقازية أوروبية بجنسها ودمائها، والمصريون بهذا المعنى أنصاف أو أشباه أوروبين. هي إذاً قطعة من إفريقيا، لكنها بضعة من أوروبا، في إفريقيا وليست منها، ومن أوروبا وليست فيها. غير أنها الى ذلك آسيوية التوجيه والتاريخ والتأثير والمصير، إنها بآسيا وإليها. وفي المحصلة الصافية فإن مصر نصف أوروبية، ثلث آسيوية، سدس إفريقية. وفي داخلها تبدأ أوروبا عند الاسكندرية، وآسيا عند القاهرة، وإفريقيا عند أسوان. وكما أن تعدد هذه الأبعاد يعني تعدد الجوانب وثراء الشخصية لا انفصامها، فإن مصر لا تشعر بينها، بدوار جغرافي – قط – إنما تظل في التحليل الأخير وفي نواتها الدفينة، مصر العربية فقط دون ازدواجية.. كيف، ولماذا؟.
فرعونية هي بالجد، ولكنها عربية بالأب. غير أن كلا الأب والجد من أصل مشترك ومن أعلى واحد. فعلاقات القرابة والنسب متبادلة وسابقة للاسلام بل والتاريخ. وما كان الاسلام والتعريب إلا إعادة توكيد وتكثيف وتقريب.. ولهذا فإن التعريب وإن كان أهم وأخطر انقطاع في الاستمرارية المصرية، إلا أنه لا يمثل ازدواجية بل ثنائية. فلا تعرض ولا استقطاب بين المصرية والعربية، إنما هي اللحمة والسُداة في نسيج قومي واحد.
ويؤكد جمال حمدان على تمسكه الشديد بعروبة مصر: 
والواقع إن مصير العرب مصري حضارياً، كما أن مصير مصر عربياً سياسياً. فالعرب بغير مصر كالجسم بلا رئة، ومصر لا مستقبل عالمي لها خارج العرب.
ومصر بالذات محكوم عليها بالعروبة، ولكن أيضاً بتحرير فلسطين، وإلا فبالاعدام. فمصر لا تستطيع أن تنسحب من عروبتها حتى لو أرادت – كيف؟ - وهي إذا نكصت عن استرداد فلسطين العربية كاملة من البحر الى النهر وهادت وهادنت، خانت وحكمت عليها بالضياع، فقد حكمت أيضاً على نفسها بالاعدام، بالانتحار، وسوف تخسر نفسها ورصيدها الماضي، والمستقبل، والتاريخ، والجغرافيا.
لكن مصر، رغم ثلاثية النكبة والكارثة العظمى، لا يمكن أن تركع وتستسلم للعدو تحت أي شعار زائف أو ستار كاذب. ومصر مستحيل أن تكون خائنة لنفسها ولشقيقاتها، وليس فيها مكان لخائن أياً كان موقعه. ورغم كل شيء فإن كل انحراف حدث في مصر – الى زوال – وإن عجز الشعب، يفعلها التاريخ نفسه.
غير أن على مصر، كما على العرب، أن ترتفع وترتفع الى مستوى التحدي والمسؤولية: الأولى: بأن تعطي العرب قيادة عبقرية جديرة قادرة، لا قيادة قميئة عاجزة خائرة، والثانية: بأن تعطي مصر كل شحنة وطاقة من القوة المادية والمعنوية تدير بها الصراع. إن مصير مصر ومكانتها في العالم سيحددها مصيرها ومكانتها في العالم العربي، ومصيرها ومكانتها في العالم العربي سيحدده مصير فلسطين.
ثم يسترسل جمال حمدان بهذا التحليل القومي المتوهج.. والذي أشرت الى أجزاء منه في مقالتي (كامب ديفيد رأس الحية يا قادة مصر) فيقول: 
ولقد خلق البترول العربي نمطاً جديداً، وقد كان ثانوياً مؤقتاً من توازن القوى السياسية داخل العالم العربي، وهذا الاختلال أثار وعرَّى كل كوامن الحساسيات الوطنية بين العرب، حتى ليوشك أن يتحول الى عامل تفريق للعرب بعد أن كانت مأساة فلسطين عامل تجميعهم. وبين هذا وذاك فإن فلسطين نفسها مهددة بخطر الضياع المطلق، ولكن كذلك مصر، فضلاً عن العرب عموماً.
فحجم مصر بين العرب مهدد في عصر البترول الخرافي بالتضائل النسبي (لا المطلق): الدخل القومي والموارد والانتاج، والموقع الاستراتيجي، وقناة السويس، والرقعة الزراعية، حتى عدد السكان.. الخ. وليس أمام مصر من فرصة ذهبية لاستعادة كامل وزنها وزعامتها إلا بتحقيق نصر تاريخي مرة واحدة والى الأبد بتحريرها فلسطين كاملة، تماماً كما فعلت مع الصليبيات والمغوليات في العصور الوسطى. ولن تصبح مصر قط دولة حرة، قوية، عزيزة، متقدمة، يسكنها شعب أبي كريم متطور إلا بعد أن تصفي وجود العدو الاسرائيلي من كل فلسطين. فهذا وبه وحده تنتقم لنفسها من كل سلبيات تاريخها وعار حاضرها. الى أن تحقق هذا فستظل دولة مغلوبة مكسورة راكعة في حالة انعدام وزن سياسي تتذبذب بين الانحدار والانزلاق التاريخي، دولة كما يصمها البعض شاخت وأصبحت من مخلفات التاريخ تترنح وتنزاح بالتدريج خارج التاريخ. وذلك – نحن نثق – لن يكون.
• ورد ذلك في صفحة (80 – 81 – 82) من كتاب شخصية مصر لجمال حمدان.
بالطبع سيشمر دعاة التطبيع!!.. والذين يؤمنون أن اسرائيل وجدت لتبقى!!.. وأن التاريخ لا يعود الى الوراء!!.. وإن اسرائيل ورائها أمريكا وأوروبا!!.. سيشمرون عن سواعدهم: ليقل ذلك من يريد قوله، فما جئت عليه كتبه مفكر مصري في موسوعة تُعد من أفضل الدراسات التي كُتبت عن مصر وعن شخصيتها.