‏إظهار الرسائل ذات التسميات د.محمد مورو. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات د.محمد مورو. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 3 أبريل 2026

نماذج واقعية من التقسيم الحديث للعالم الإسلامي

 نماذج واقعية من التقسيم الحديث للعالم الإسلامي

مفكر إسلامي .رئيس تحرير مجلة المختار الإسلامي


الدعوة الإسلامية عقد أساس من المشروع الإسلامي، وهي أولاً فريضة شرعية، وثانياً ضرورة للصعود الحضاري الإسلامي ولحماية الأمة من أعدائها، وضرورة أيضاً لتحقيق أكبر قدر من المنجزات العمرانية ورقي الأخلاق والسلوك لدى أفراد هذه الأمة.


والأمة الإسلامية طالما كانت موحدة كانت قوية وقادرة على تحقيق رسالتها، وطالما كانت مفككة كانت ضعيفة وغير قادرة على أداء رسالتها أو حماية نفسها من الأعداء، وغير قادرة على تحقيق إنجاز عمراني ذي شأن، ومنحطة أخلاقياً وسلوكياً واجتماعياً، ويمكننا أن نرصد بسهولة ذلك التلازم الحيوي بين الوحدة والصعود الحضاري للأمة الإسلامية.


الوحدة الإسلامية فريضة شرعية:

يقول الله تعالى في كتابه العزيز: {إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: ٢٩].


{وَإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون: ٢٥].


{وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [آل عمران: 101].


{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 103].


ونلاحظ في الآيات المذكورة سابقاً أن هناك ارتباطاً بين الوحدة والأمة الواحدة وبين عبادة الله في الأولى وتقواه في الثانية، وفي الثالثة وضع الوحدة والاعتصام كمقابل للكفر،  وحبل الوحدة والاعتصام هو الطريق إلى الصراط المستقيم.

وفي الآية الرابعة نرى أن الله تعالى جعل الوحدة والاعتصام وعدم التفريق نوعاً من النعمة، وهي بلا شك نعمة عظيمة، وجعلها أيضاً طرائق لتجنب الهلاك.

ويقول الله تعالى {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 105].


ولأن للوحدة هذا الشأن العظيم في الدنيا والآخرة، فإن الأعداء تربصوا دائماً بنا بهدف تفكيك بلادنا على أسس طائفية أو عرقية أو جغرافية أو ثقافية، واستخدموا في ذلك كل أساليب التآمر السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وحركوا جيوشاً، ودعموا زعماء وكُتّاباً وأحزاباً وحركات تمرد وغيرها لتحقيق هذا الهدف المريب.


نحن بالطبع ندعو ونسعى إلى توحيد العالم الإسلامي باعتبار ذلك فريضة، ونعرف أن ذلك ممكن ومتاح؛ لأنه رغم سقوط الخلافة الإسلامية كأسمى تعبير عن الوحدة الإسلامية، فإن الظاهرة الوحدوية في وجدان الشعوب الإسلامية ما زالت قوية، فنحن جميعاً نؤمن بإله واحد وكتاب واحد ورسول واحد، ونتجه جميعاً إلى قِبلة واحدة، والإحساس بمشاكل المسلمين موجود والحمد لله في كل مكان، ولولا هذا الشعور الوحدوي القوي لدى الجماهير لما رأينا التعاطف الشعبي الواسع مع القضية الفلسطينية في كل مكان من العالم الإسلامي من تركيا إلى جنوب إفريقيا، ومن طنجة إلى جاكرتا؛ وكذا ظهر هذا التعاطف في دعم الجهاد الأفغاني ضد الروس، ثم ضد حلف الناتو، وكذلك التعاطف مع مسلمي البوسنة والهرسك، ثم كوسوفو... وغيرها من المظاهر العدوانية التي عبّرت عن وجدان وحدوي قوي لدى جماهير المسلمين.. وحتى المسلمون في الغربة أو في دول الأقليات الإسلامية يتعاطفون مع قضايا العالم الإسلامي ويدافعون عنها.


وعلينا أن نبيّن هذا الشعور الوحدوي بكل وسيلة ممكنة، وعلينا أن نسعى إلى توحيد التقويم على الأساس الهجري مثلاً في كل البلاد الإسلامية، وتوحيد بدء الصوم والأعياد في كل العالم، وعلينا الاهتمام باتساع مؤسسات إعلامية ذات طابع عالمي إسلامي ونشر المواد الإعلامية التي تؤكد قيمة الوحدة، وعلينا أن نحقق اتحادات للمنظمات المهنية في العالم الإسلامي، وكذا اتحادات الهيئات الشعبية والنقابات وغيرها، وعلينا أن ندعم أي تنسيق وتعاون في أي مجال بين الشعوب الإسلامية، بل الحكومات الإسلامية إذا أمكن.


التقسيم والتفكيك جزءٌ من صراع شامل:

لأسباب ذاتية وموضوعية فإن مساحة - كبيرة جداً - من تاريخنا الإسلامي شهدت صراعاً طويلاً في الزمان والمكان بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية، ويخطئ من يتصور أن الحروب الصليبية على الشرق 1095 - 1295 هي المحطة الوحيدة في هذا الصراع؛ فلقد كانت الحروب الصليبية قبل هذه المحطة وبعدها، ونقصد هنا بكلمة الصليبية «المسيحية الشمالية» كما عرّفها الأستاذ محمود محمد شاكر في كتابه «رسالة في الطريق إلى ثقافتنا»، كتاب الهلال، القاهرة 1991، العدد 489؛ وهي مسيحية وثنية تستند إلى التراث اليوناني والروماني أكثر ما تستند إلى المسيحية المحرفة، ذلك أن القيصر الروماني قسطنطين حين دخل في المسيحية فإنه أدخلها في الوثنية الرومانية، ومع الاحتكاك بين الحضارة الإسلامية وأوروبا اكتشف الأوروبيون أن هناك منظومة فكرية وثقافية إسلامية شديدة التماسك، وأن المواجهة الصريحة والمباشرة مع الحضارة الإسلامية ستؤدي إلى هزيمة أوروبية لا شك فيها، ومن ثم فلا بد من اكتشاف وسائل لإضعاف القلعة الإسلامية من داخلها، وهذه الفكرة راودت لويس الرابع أثناء أسره في المنصورة بعد هزيمة الحملة الفرنجية على مصر، فقرّر إنشاء عين من الباحثين «المستشرقين» للبحث في وسائل إضعاف القلعة الإسلامية من داخلها، عن طريق عدد من الوسائل، منها: 

التجزئة والتقسيم عن طريق الأقليات الدينية والعرقية والمذهبية، وقد تطورت تلك الوسائل فيما بعد، إلا أنها تظل فكرة قديمة حديثة.


تقول الدكتورة سوسن إسماعيل في كتابها 

«الجذور التاريخية للأزمة اللبنانية - مكتبة نهضة الشرق - القاهرة 1988»، إن السياسة الأوروبية عهدت إلى ترشيح قدمها عن طريق غرس بذور الخلاف بين الطوائف مستعينة بالإرساليات والتآمر السياسي والثقافي والاقتصادي.


بل إن القوى الاستعمارية استخدمت موضوع الأقليات كثيراً للغزو والعدوان والاحتلال.


التقسيم والتفرقة عن طريق الأعراق:

الإسلام لا يفرق بين المسلمين على أساس اللون والعرق واللغة، وبالنسبة للتجمعات غير الإسلامية فقد استحدثت الشريعة الإسلامية لفظ أهل الذمة، وهو يختلف اختلافاً بيّناً في الأحكام والدلالات الأخلاقية والحقوق عن لفظ الأقليات.


والاختلاف بين الناس في الشكل واللون والجنس والعرق واللغة، بل في المفاهيم والتصورات؛ حقيقة لا يمكن القفز فوقها، ولكن استخدام هذا الاختلاف في تأسيس مفاهيم الصراع والتطاحن هو المشكلة، فالإسلام يدعو إلى التعارف {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]، وكان هذا التنوع مصدر ثراء في المجتمعات التي تقوم على العدل.


والمجتمع الإسلامي في ذاته كان مصدر ثراء كبيراً طالما كان هناك التزام بالشريعة الإسلامية الغراء التي تحقق الإنصاف، وإذا حدث انحراف من الشريعة الإسلامية، وكان هناك نوع من الظلم والتهميش، فإن ذلك كان يقع على المجتمع كله وليس على الأقليات فقط.. ومع سقوط الخلافة وتشوشر أفكار النخبة، فإن المشكلة برزت إلى السطح، ليس كحقيقة موضوعية، ولكن كطريق لتحقيق أهداف سياسية، أو استخدام خارجي، بل نكاد نقول إن المجتمع الإسلامي هو الذي صك التجربة التاريخية والحضارية بأفضل أنواع التعاون والثراء عن طريق التنوع، فالأسود والأبيض والأحمر والعربي والتركي والإفريقي وغير المسلم أيضاً؛ أسهموا وسُمح لهم بأن يسهموا في البناء الحضاري الإسلامي.


في يونيو 2006 نشرت مجلة القوات المسلحة الأمريكية تقريراً كتبه «رالف بيترز»، وهو كولونيل سابق في الجيش الأمريكي خدم في شعبة الاستخبارات العسكرية؛ 

تحدث فيه عن تقسيم الشرق الأوسط من جديد واقترح إقامة دولة شيعية في جنوب العراق وإيران ومناطق من السعودية والإمارات والكويت والبحرين، أو دولة مارونية درزية في جبل لبنان، وتفكيك إيران والسعودية وتركيا، ثم يأتي بعد ذلك الدور على مصر ليتم تفكيكها مع تفكيك السودان، والمغرب والجزائر... إلخ.


التقسيم على الأساس العرقي مثلاً يمكن أن يتضح من خلال الأكراد والأمازيج، والأكراد هم الشعب الكردي الذي يقطن في أجزاء متجاورة من العراق وتركيا وإيران وسورية، وهناك حركات انفصالية كردية موجودة وبقوة في العراق وإيران وتركيا، بل حتى في سورية، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية قد استخدمت الورقة الكردية بقوة وخاصة منذ عام 1991 وسمحت بإقامة مناطق أمنية كردية في العراق تمهيداً للتقسيم والتفكيك في أي لحظة، أو استخدامها كورقة ضغط إذا لزم الأمر مع تركيا وإيران والعراق وسورية.


أما الأمازيج، فهم مسلمون سنة لكنهم جنس عاش في بلاد البربر في شمال إفريقيا في المنطقة الجغرافية الممتدة من غرب مصر إلى جزر الكناري، ومن ساحل البحر المتوسط جنوب إلى أعماق الصحراء الكبرى في النيجر ومالي. 

ومع حلول الإسلام في إفريقيا استعربت غالبية الأمازيج بتبنّيها اللغة العربية بلهجاتها الأمازيجية.


والمتحدثون حالياً باللغة الأمازيجية ينتشرون في جميع الحواضر الكبرى وعلى شكل تكتلات قبلية أو عائلية في البوادي، وفي المغرب مثلاً فإن 30% من السكان يتكلمون اللغة الأمازيجية، وفي الجزائر20%، وفي ليبيا 2%، ويوجد أمازيج بنسبة قليلة في كل من تونس وموريتانيا ومالي والنيجر وبوركينا فاسو ومصر.

  منذ أن دخل الأمازيج في الإسلام قاموا      بدور كبير في نشر الدين والجهاد في سبيله، حتى إن أول المسلمين الذين فتحوا الأندلس  كان معظمهم من الأمازيج بقيادة الشاب الأمازيجي طارق بن زياد.            


وقد ظل الأمازيج جزءاً لا يتجزأ من الأمة الإسلامية، إلى أن حدثت اختراقات غربية، وبالذات فرنسية، تدعو إلى إقامة دولة أمازيجية وثقافة أمازيجية على حساب العرب والمسلمين.


التقسيم عن طريق البُعد الجغرافي:

يمكن أن تكون بنجلاديش مثلاً واضحاً في هذا الصدد، وبنجلاديش هي سادس دولة في العالم من حيث عدد السكان «160 مليون نسمة»، وفي الترتيب 94 على العالم من حيث المساحة «144 ألف كيلو متر مربع»، ويشكل المسلمون فيها نحو 99 ٪؛ 96 ٪ سنة، 3 ٪ شيعة، والباقي بوذيون أو مسيحيون أو غيرهما، ولغتها هي اللغة البنغالية، وعاصمتها دكا.


كانت بنجلاديش جزءاً من دولة باكستان التي استقلت عن الهند عام 1947، وكلها كانت تبعد عن باكستان الغربية نحو 1600 كيلو متر، ولعل إدارة المسألة بهذه الطريقة كانت تؤكد إمكانية انفصالها في أي لحظة، خاصة مع اختلاف اللغة عن باكستان الغربية، وكذلك وجود مشاكل اقتصادية وثقافية، ثم تآمر واضح من الهند والولايات المتحدة، حتى تم الانفصال عام 1971 بعد حرب دموية شارك فيها الهند ضد باكستان.


التقسيم على أساس ثقافي وعِرقي:

يمكن أن نأخذ جنوب السودان نموذجاً في هذا الصدد، وفي الحقيقة كان انفصال جنوب السودان عام 2011 محصلة تآمر إنجليزي منذ احتلال الإنجليز لمصر عام 1882، وتوقيع اتفاقية السودان عام 1899 التي أطلقت يد الإنجليز في السودان على حساب مصر، ومن يومها تم منع دخول الشماليين إلى الجنوب إلا بتأشيرة وكأنهم أجانب، وتم عمل غزو ثقافي وديني ولغوي لجنوب السودان، واستمر الدعم الكنسي للجنوب في إطار دفعه إلى التمرد، ثم دخلت أمريكا على الخط وكذا الاتحاد الأوروبي و«إسرائيل»، لكن الحقيقة الواضحة للعيان أن انفصال جنوب السودان تم عندما فُصل السودان عن مصر، وستتفاقم مشاكل التقسيم في شمال السودان وجنوبه إلى عشرات الدول والقبائل والأقاليم، ولن تُحل هذه المشكلة إلا بعودة الوحدة بين مصر والسودان.


التقسيم عن طريق المذاهب والطوائف:


تسعى الولايات المتحدة و«إسرائيل» إلى اختراق العالم الإسلامي عن طريق الأقليات المذهبية والطائفية، مثل الشيعة في العراق والبحرين والسعودية ولبنان، أو العلوية «شيعة أيضاً» في سورية، أو الزيدية في اليمن، أو حتى طوائف غير مسلمة مثل الموارنة في لبنان، فالشيعة مثلاً يتواجدون في إيران والعراق وأذربيجان والبحرين والكويت ولبنان والسعودية بنسب متفاوتة، وهؤلاء من الشيعة الإثني عشرية.


أما الشيعة الإسماعيلية فتتواجد في الهند، والزيدية في اليمن، وبخصوص الموارنة مثلاً فتتواجد في لبنان أساساً، ويبلغ عدد الموارنة في العالم ستة ملايين نسمة، منهم نحو مليون في لبنان وحده، وقد هاجر عدد كبير من الموارنة إلى مختلف بقاع العالم، لا سيما كندا وفرنسا.


:: مجلة البيان العدد 305 محرم 1434هـ، نوفمبر 2012م.



الإيمان والإرادة أقوى من الطائرة والدبابة





الخميس، 2 أبريل 2026

الإيمان والإرادة أقوى من الطائرة والدبابة

 الإيمان والإرادة أقوى من الطائرة والدبابة

 

الإيمان والإرادة أقوى من الطائرة والدبابة

الذي لا يكتفي بمراقبة السطح الخارجي للأحداث – خاصة بما يتصل بخبرات شعوبنا في مواجهة التحديات الاستعمارية وآخرها أمريكا وإسرائيل –، يدرك على الفور أننا نمتلك القدرة على المواجهة والصمود وتفشيل العدو ومنعه من تحقيق أهدافه بوسائل غير تقليدية اكتشفها المجاهدون على مدى الصراع، وأن قوة أمريكا وإسرائيل ليست قدراً، بل هي قوة يمكن مواجهتها وهزيمتها، ولو بمنعها على الأقل من تحقيق أهدافها؛ وأننا إن كنا نتألم من جراء ممارسات تلك القوى ضدنا، فإنهم يتألمون مثلما نتألم، أي أننا قادرون على إنزال الألم بهم أيضاً، لكننا نرجو رضا الله تعالى والجنة وهم لا يرجون شيئاً، وهذا عامل قوة لنا {فَإنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ} [النساء: 104].


حقيقة إمكانية مواجهة القوى الظالمة مهما كانت قوتها وجبروتها، وأن الإنسان أقوى من التكنولوجيا؛ هي حقيقة يؤكدها الإيمان بمدد الله تعالى الذي يأتي للمؤمنين المجاهدين الصادقين، الذين بذلوا غاية الجهد، ومن ثم فإن القعود عن الجهاد والمقاومة بدعوى عدم تكافؤ القوى، هو هجمة مرفوضة شرعياً ومرفوضة على مستوى دراسة تاريخ وحوادث الصراع، بل إن تلك الحجة ليست إلا وسيلة للهزيمة من قبل بدء المعركة وتوفير جهد الأعداء من ثم، وهي لا تحقق قطعاً حقن دمائنا، بل العكس هو الصحيح، فالاستسلام عادة ما يؤدي إلى مذابح “مذبحة صابرا وشاتيلا مثلاً، وكل المذابح التي تمت من قبل ومن بعد“.


من الناحية القرآنية يقول الله تعالى: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ} [المائدة: 52].. إنها نفس الحجج: الخوف من مواجهة الأعداء وانتقامهم بدعوى عدم تكافؤ القوى.


الخبرة التاريخية


في مراحل الصراع مع العدو الصهيوني والأمريكي، ومن قبل مراحل الصراع مع الاستعمار الغربي، أي منذ أن بدأت عناصر القوة تكون في صالح أعدائنا؛ فإن الخبرات المتراكمة تقول إن مواجهة العدو بجيوش نظامية أو بدول وحكومات فشلت إلى حد كبير، وأن الطريقة الوحيدة التي تم بها النجاح في المواجهة كانت الحرب الشعبية، والأمثلة كثيرة متواترة متكررة؛ فمع أولى الحملات الاستعمارية، مثلاً “الحملة الفرنسية 1798“، نجحت المقاومة الشعبية التي نظمها الأهالي بقيادة علماء الأزهر في إخراج الحملة وهزيمتها حين فشل المماليك “الحكومة والدولة“ في ذلك. والأمر نفسه تكرر في حملة فريزر على مصر 1807.


وفي التاريخ الحديث مثلاً فشلت الدول العربية متفرقة ومجتمعة في التصدي لإسرائيل، لكن المقاومة الشعبية في مدينة السويس بمصر 1973 نجحت في ذلك وهزمت القوات الصهيونية التي حاولت احتلال المدينة.


وفي الحملة العسكرية الأمريكية على العراق مثلاً 2003، فشلت حكومة العراق بجيشها الكبير وحزبها المنظم وقيادتها الصارمة، في التصدي للعدوان، واحتل الأمريكيون العراق، لكن المقاومة الشعبية اندلعت سريعاً ونجحت في إنزال أكبر الخسائر بجيش الاحتلال، بل إنها صمدت رغم الظروف السيئة، وخيانة أحزاب وطوائف وزعماء وقادة.


الأمر نفسه حدث في أفغانستان، فقد فشلت الحكومة والدولة بقيادة طالبان في مواجهة الاحتلال الأمريكي، ثم نجحت كحركة شعبية، وبعد أربع سنوات على الاحتلال الذي تم عام 2001، أي تحديداً منذ نهاية عام 2005، تزايدت قوة المقاومة التابعة لطالبان، أي أن طالبان ذاتها نجحت كحركة فيما فشلت فيه كحكومة.


الأمر نفسه تكرر مع حماس التي صمدت أمام كل أنواع ومحاولات التصفية، ولا تزال تنفذ عملياتها وتطلق صواريخها ضد إسرائيل.


لا يرجع ذلك بالطبع إلى قلة أو ضعف الإمكانيات لدى الجيش الصهيوني أو الجيش الأمريكي، بل يرجع إلى أن تلك الجيوش قد تنجح مع جيوش مثلها هي بالضرورة أضعف منها، أو تنجح في مواجهة دول وحكومات، لكنها تفشل بالضرورة في مواجهة حركات ومجتمعات. وهكذا؛ فإن الخبرة الكبرى تقول إنه من الممكن هزيمة الأعداء بحرب المجتمعات وليس الجيوش والدول، وبحرب المنظمات الصغيرة، وبحرب الشعب، وأن الإيمان والإرادة أقوى من الطائرة والدبابة. وهذا من رحمة الله طبعاً بنا وبالبشر جميعاً؛ لأن من سننه تعالى أن الإنسان أقوى من التكنولوجيا، وأن المجتمعات أقوى من جيوش الظالمين.


الإنسان أقوى من التكنولوجيا


مسألة أن الإنسان أقوى من التكنولوجيا حقيقة دلّلت عليها آلاف الحوادث، فما معنى أنه في ظروف صعبة للغاية تنشأ حركات مقاومة مثل حماس والجهاد، لا تملك إلا إمكانيات بسيطة، وتستطيع أن تقوم بعمليات استشهادية متكررة في الزمان والمكان، لمدة طويلة وفي كل مكان من أرض فلسطين التاريخية؟ وبديهي أن ذلك اقتضى اختراق تحصينات وتجهيزات واستخبارات صهيونية هي الأقوى من نوعها. وما معنى أن تفشل إسرائيل في منع تلك العمليات رغم جيوش العملاء، ورغم الاستخبارات، ورغم الميزانيات الباهظة، ورغم الجيش القوي والتحصينات الضخمة، ورغم الأقمار الصناعية، ورغم الدعم العسكري والاستخباراتي الأمريكي، وأن تصل تلك العمليات في كل الظروف الصعبة والسهلة إلى داخل إسرائيل؟ معناه ببساطة أن الإنسان أقوى من التكنولوجيا – وهذا من رحمة الله -.


ثم ما معنى أن تستمر حماس والجهاد رغم عشرات الحملات العدوانية واستخدام كل أنواع الطائرات والدبابات والمدفعية والمشاة، واقتحام المدن، وهدم البيوت والجسور والمرافق، والضغط على المدنيين... إلخ؟ وما معنى استمرار قصف إسرائيل بصواريخ بعد ذلك كله؟ معناه أن الإنسان أقوى من التكنولوجيا، والصاروخ نفسه يؤكد ذلك، فهو صاروخ بسيط صغير لا تستطيع شبكة الصواريخ الإسرائيلية “باتريوت وحيتس“ التي تكلفت المليارات من الدولارات، أن تتصدى له، ربما لأنه صغير! ويحقق نوعاً من الخوف وعدم الأمان بالنسبة للإسرائيلي، وهذا ينسف فكرة الصهيونية ذاتها.


الأمر نفسه ينطبق على سلاح الكاتيوشا، وكل من الكاتيوشا والقسام وجراد، سلاح بسيط يمكن تصنيعه بأبسط الوسائل والخبرات، بل يمكن لطلاب العلوم والهندسة تطويره وزيادة مداه، ولا يمكن كشفه أو التصدي له، وقد وصل إلى معظم المدن الإسرائيلية وحقق نوعاً من الردع وأسقط قتلى وجرحى.


إنه الإنسان أقوى من التكنولوجيا، وهناك طريقة ما يستطيع بها الإنسان مهما كان ضعفه أن يواجه أعتى القوى، إنها حرب النمل مع الفيل!


ليس هذا فحسب، فيمكننا أن نرصد عدداً من الحوادث دلّلت على أن الإنسان أقوى من التكنولوجيا، حتى في مواجهة الجيوش الأمريكية الصهيونية مباشرة.


عملية نسف مقر قيادة القوات الأمريكية “المارينز“ في بيروت عام 1984، وقتل وجرح مئات الجنود.. إنها عملية استشهادية نفذها فرد في مواجهة جيش محصن. وقد سئل وقتئذ الرئيس الأمريكي دونالد ريجان في الكونجرس: كيف يمكن حدوث ذلك؟ أين التحصينات؟ أين الاستخبارات؟ فأفاد بأن كل التحصينات في العالم قائمة على فكرة خوف المهاجم من الموت، فإذا انتفى هذا الخوف فإنه لا حل هناك.. صدق وهو كذوب.


عمليات نسف مقر الحاكم الإسرائيلي في صور عام 1985 وغيرها من العمليات المماثلة.


عملية أنصارية عام 1998، والتي جاءت فيها أقوى وحدة إسرائيلية على الإطلاق “وحدة خاصة يتكلف الجندي فيها 5 ملايين دولار“ عن طريق الإبرار الجوي، فوجدت رجال المقاومة بانتظارها ليبيدوها، وتضطر إسرائيل إلى إلغاء العملية.. كيف علمت المقاومة بمكان وزمان العملية؟ وكيف نجح رجالها في إبادة وحدة إسرائيلية من أفضل الوحدات العسكرية؟!.. إنه الإنسان أقوى من التكنولوجيا.

في عملية الوهم المتبدد “يونيو 2006“ حيث حفر المجاهدون خندقاً بطول 400 متر تحت الجدار العازل دون أن يحس بذلك العدو ولا استخباراته، ووصلوا إلى موقع عسكري إسرائيلي في “كرم شالوم“ وقتلوا وأسروا ورجعوا.. ما معنى ذلك؟ معناه أن الإيمان والإرادة أقوى من الجيش الصهيوني.


عملية

“الوعد الصادق“ التي تم فيها الهجوم على وحدة صهيونية في جنوب لبنان “زرعيرت“ في يوليو 2006، وتم قتل 9 جنود وأسر جنديين، وجرح العشرات.

صمود المقاومة اللبنانية 2006.

صمود غزة 2009.

صمود غزة 2012.

صمود غزة 2014.

معنى ذلك أنه حتى الجيش الصهيوني بات من الممكن إنزال الضربات به على يد المقاومة. ومعناه أن الإنسان أقوى من التكنولوجيا، وأن هناك مدد الله دائماً يأتي للمجاهدين الصادقين بعد بذل كل الجهد.

والوقائع من هذا النوع أكثر من أن تحصى.

:: مجلة البيان العدد  328 ذو الحجة 1435هـ، أكتوبر  2014م.


عاجل إلى المسلمين السنة


*د. محمد مورو   

رئيس تحرير مجلة المختار الإسلامي
مفكر إسلامي مصري
له حوالي 100 كتاب في مختلف قضايا التحديات الإسلامية المعاصرة ، تتميز بالاشتباك مع القضايا المثارة في الواقع العربي والإسلامي والعالمي
_
كتب في عدد كبير من الصحف المصرية والعربية والدولية ما بين عمود يومي ومقال أسبوعي ودراسات وأبحاث
_
ترجمت بعض كتبه إلى عدد من اللغات مثل التركية ، الإنجليزية ، الفرنسية و الأردية
_
له 55 مجموعة قصصية في أدب الأطفال وأدب الخيال العلمي
_
كتب بصورة مستمرة في عدد من المواقع الإليكترونية مثل الجزيرة " المعرفة " – المسلم – الإسلام اليوم – إسلام أون لاين – الشريعة – وكالة الأخبار الإسلامية – مفكرة الإسلام ، اليوم السابع - الوسط
_
يعمل مستشاراً إعلامياً لدى عدد من المواقع الصحفية الإليكترونية


الجمعة، 27 مارس 2026

في فهم المسألة الإيرانية بخصوص مصر

 

في فهم المسألة الإيرانية بخصوص مصر

د.محمد مورو
مفكر إسلامي .رئيس تحرير مجلة المختار الإسلامي  ، مدير مجلة العالم .


نتابع في بعض الأحيان تصريحات ومواقف إيرانية متضاربة أحياناً وغير مفهومة أحياناً أخرى.

وعلى سبيل المثال، تصريحات المتحدث الرسمي باسم الخارجية الإيرانية عندما أعلن انتقاد بلاده لما أسماه عنف النظام المصري ضد المتظاهرين، ثم ما لبث أن أعلن مسؤول أعلى أن هذا شأن داخلي مصري، وأن إيران ترى أن من حق الحكومة المصرية أن تتصرف كما تشاء، ثم أعلن أحد قادة الحرس الثوري الإيراني بأحد تجمعات قوات الحرس الثوري الإيراني في إحدى المدن الإيرانية؛ أن الحرس الثوري الإيراني سيقوم بإنشاء فرق له في مصر، أو بمعنى آخر أن مصر ستكون ولاية تابعة لإيران بعد أن يفتحها هذا الحرس الثوري أو يقوم الإسلاميون المصريون بإسقاط النظام لحساب المرشد الإيراني وليس المرشد المصري مثلاً، ثم
لماذا لا تكون إيران نفسها تابعة للمرشد المصري، أليس السنة أكثر من الشيعة؟ وأليس مصر سكانها أكبر من إيران مثلاً؟ ومصر هي التي تصدت للتتار والصليبيين... إلخ.. 
ثم عاد مسؤول أرفع مستوى في الحرس الإيراني فقال إن هذه التصريحات قد أسيء فهمها.

أياً كان الأمر فإن

الموقف الإيراني

يحتاج إلى قدر

من التحليل والفهم

لإدراك المسألة.


بداية، فإن الموقف الحقيقي الإيراني يظهره موقف الخلافة العراقية الموالية لإيران طبعاً، ويظهره أيضاً موقف قطاعات من الطرق الصوفية المصرية المعروفة بولائها الكامل لإيران، وهو قطاع من الصوفية وليس كل الصوفية، وهؤلاء يعلنون جهاراً نهاراً وقوفهم مع السيسي ومبايعتهم له، وقالوا نعم للدستور الأخير، وكانوا ولا يزالون ضد حكم الإخوان. وهذا هو الموقف الحقيقي لإيران، وطبيعي أن إيران لا ترتاح للإخوان المسلمين، لأسباب تاريخية ومذهبية، ولا تريد أن يظهر حكم إسلامي في مصر، حتى لا تنافسها مصر في النفوذ الإسلامي في المنطقة، سواء بمفردها أو بالتعامل مع الحكومة الإسلامية في تركيا، ويكفي إيران أن تتنافس مع تركيا فقط وليس مصر وتركيا أو مصر مع تركيا، وتصبح ممثلة للشيعة فقط في مواجهة ممثلين إسلاميين للسنة، وكذا فإنه بصرف النظر عن طبيعة نظام الحكم في مصر وتوجهاته فإن غياب مصر عن الساحة الإقليمية هو لمصلحة النظام الإيراني.

لكن إيران – وهذا جزء من تكوينها الداخلي - تقسم السلطة في داخلها إلى مواقع متعددة يتحرك كل جزء منها بمفرده في إطار تنسيق غير منظور؛ فهناك المرشد، وهناك الرئيس، وهناك المخابرات، وهناك الحرس الثوري، وهناك الملالي، وكل ملا له ميزانيته ومواقفه، وهذا يأخذ موقفاً، والآخر يعاكسه، فيمكن للرئيس أو وزير الخارجية أن يأخذ موقفاً يعارض موقف الحرس الثوري أو المرشد... إلخ، وهذا ليس أمراً خاصاً بإيران وحدها، فهذا يحدث في إسرائيل وأمريكا؛ فالخارجية ضد المخابرات مثلاً، والرئيس ضد الكونجرس أو مختلف عنه، وهذه لعبة تلعبها الدول ذات الطابع المؤسسي، إلا أن إيران تفوقت في هذا الصدد بشكل يثير الدهشة.

وكذا فإن حسابات إيران الإقليمية تقتضي التمسك بورقة حماس؛ لأن حماس تفيد إيران أكثر مما تفيد إيران حماس، صحيح أن إيران تدعم حماس مادياً بالمال والسلاح، لكن حماس ورقة سنية، ولعلنا ندرك هذا التناقض في المواقف الإيرانية إذا أدركنا مثلاً أن إيران تدعم بكل قوة ومال وسلاح وبشر ودبلوماسية نظام بشار الأسد، ومن المعروف أن الإخوان المسلمين في سورية والعالم يناضلون ضد بشار الأسد، وهذا بالطبع يغضب إيران، لكن إيران تعلمت أو اكتسبت خبرات تجعلها تقسم الأوراق وتؤيد من يدافع عن الإخوان المسلمين مثلاً أو يدافع عن قضايا السنة لأسباب تكتيكية، بل إن الإيرانيين وصلوا من الدهاء بحيث أقاموا علاقات مع بعض عناصر القاعدة ودعموها لأسباب معينة، وفي يوم من الأيام كان بعض قيادات القاعدة موجوداً في إيران، وهناك دعم مادي لبعض مؤيدي القاعدة في العراق أو سورية كورقة ضد أمريكا أولاً، ثم لكي تستخدمهم إيران ضد مصلحة وسمعة المشروع المناهض لبشار في سورية – ربما تكون “داعش” نموذجاً لهذا الأمر، والله أعلم طبعاً.

لكن في كل الحالات فإن فهم الموقف الإيراني من أي قضية يجب أن يأخذ في حسبانه أن هناك تقسيم أدوار حقيقياً متعمّداً أحياناً وغير متعمّد أحياناً أخرى، لكن لمصلحة المشروع الإيراني في النهاية.

:: مجلة البيان العدد  321 جمادى الأولى 1435هـ، مارس  2014م.

السبت، 20 مايو 2023

عاجل إلى المسلمين السنة

 عاجل إلى المسلمين السنة 

د.محمد مورو
مفكر إسلامي .رئيس تحرير مجلة المختار الإسلامي  ، مدير مجلة العالم .

إن علينا تحديد التحديات التي تواجهها الأمة الآن، والتحدي الأكبر والأخطر والأعمق، هو التحدي الاستعماري الصهيوني، والخطر الثاني هو الخطر الشيعي.


لماذا أوجه حديثي وندائي إلى المسلمين السنة؟ هل هذا نوع من الطائفية موجه إلى الشيعة أو الخوارج أو غيرهما من الفرق الموجودة في العالم الإسلامي أو المندثرة؟ أم أنه نوع من الاستقراء الصحيح للتاريخ والجغرافيا ومن ثم الاستشراف الصحيح للمستقبل وعدم خداع النفس بعناوين غير ذات مضمون؟

الحقيقي هو أنني أتمنى من كل قلبي أن يتوحد كل المسلمين على اختلاف طوائفهم في مواجهة الخطر المحدق بالأمة كل الأمة، ولكن السلوك الطائفي الإيراني والشيعي عموماً يحول دون ذلك، وإذا كان التاريخ يؤكد أن الإنجازات الكبرى التي تحققت للحضارة الإسلامية كانت على يد دول سنية وأن العكس كان صحيحاً بالنسبة للدول الشيعية في التاريخ الإسلامي، فإن الواقع المعاصر جاء ليؤكد ذلك، حيث قام أغلبية شيعة العراق بخيانة الأمة متعاونين مع الاحتلال الأمريكي، وكذا فإن الجمهورية الإيرانية قدمت المصالح الإيرانية أو الشيعية على مصالح الأمة حين دعمت الغزو الأمريكي لأفغانستان، وكذا سهلت الغزو الأمريكي للعراق. وهذا لا يمنع طبعاً أن توجد تناقضات بين إيران والغرب وأمريكا. ولعل الموقف الإيراني في أفغانستان والعراق قد أطاح بأي أمل في إمكانية أن يعود الشيعة إلى صفوف الأمة ويقدموا ما هو إستراتيجي على ما هو تكتيكي.

أوجه ندائي إذن إلى المسلمين السنة باعتبارهم الحاضن التاريخي لأهداف وآمال أمة الإسلام، ولأنهم أيضاً يشكلون 90 % من عدد المسلمين في العالم (حوالي 1500 مليون من أصل 1700 مليون نسمة). ولأنهم ليست لديهم عقد طائفية، ومن ثم فإن قيامهم بالواجب التاريخي لا يغلق الباب أمام من يريد العودة إلى صفوف الأمة من الشيعة أو غيرهم.

بداية فإن علينا تحديد التحديات التي تواجهها الأمة الآن، والتحدي الأكبر والأخطر والأعمق، هو التحدي الاستعماري الصهيوني، وهو جزء من الحرب الصليبية الممتدة في الزمان والمكان منذ بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم وحتى اليوم والغد، وهو تحدٍ واضح ومحدد ولا يحتاج إلى تحليل كبير، وإذا قلنا أو اعترفنا بأن الغرب كل الغرب (بقواه الفاعلة والقائدة والمؤثرة) مشارك في هذه المؤامرة، وأن هذا الغرب متفوق علينا تكنولوجياً جداً، فإن من العبث مثلاً أن نبحث عن القوة التقليدية أو النووية عن طريق هذا الغرب ومساعدته.

إننا بذلك نكرس الهزيمة والضياع، ولن تنفعنا هنا الحصول على طاقة نووية أو سلاح نووي أو طائرات أو دبابات أو أجهزة حديثة، لدينا سلاح واحد هو الإنسان، والإنسان أقوى من التكنولوجيا، لدينا الحرب الشعبية والفدائية لا أكثر ولا أقل، ومن ثم فإن اللهاث أمام بناء جيوش قوية وترسانة سلاح هائلة لن يجدي، لأن الفجوة واسعة، وهذا السلاح مصدره العدو إذن يجب دعم حركات المقاومة الإسلامية الشعبية في مواجهة إسرائيل وأمريكا، القوة الوحيدة التي نمتلكها هي حركات التحرر الوطني الشعبية في فلسطين والصومال والعراق وأفغانستان وغيرها، ومهما كانت خلافات الحكومات أو الجماعات مع هذه القوى، فإن الواجب الارتفاع على تلك الخلافات، لأنه ليس لدينا بديل آخر، وإذا ما أضعنا هذه الفرصة، فإن الجميع سيضيع الحكومات قبل الشعوب والأغنياء قبل الفقراء.

الخطر الثاني هو الخطر الشيعي، وهذا الخطر خطر تكتيكي وليس استراتيجي ويجب عدم تقديمه على الخطر الأمريكي الإسرائيلي، بل لعل تقديمه على الخطر الإسرائيلي الأمريكي يزيده قوة ويفعله، هذا لا يمنع أن يكون هذا الخطر حالياً شديد الأهمية. وعلينا أن ندرك في مواجهة هذا الخطر عدد من الملاحظات الهامة:
- أن التمدد الشيعي يحدث عندما ينحاز قطاع من مناهضي المشروع الشيعي إلى أمريكا والغرب أو التقليل من خطورة المشروع الأمريكي الصهيوني، فيبدو الأمر كما لو كان من يناهض المشروع الأمريكي الصهيوني هم إيران والشيعة وحلفائها، ومن ثم تتكاتف الجماهير العربية والإسلامية مع إيران وحلفائها بدعوى أن تلك هي معسكر الممانعة.
- أن إيران تدعم بالفعل حركات المقاومة في فلسطين وهذا خلل يجب إصلاحه، فلو أن حركات المقاومة الفلسطينية وجدت الدعم العربي والإسلامي السني لما لجأت إلى الخيار الإيراني، صحيح أن إيران تدعم هذه الحركات للإمساك بالمزيد من الأوراق، ولكن أياً كان السبب، فإن غياب الدعم العربي والإسلامي السني لحركات المقاومة الفلسطينية يعطي إيران ميزة إعلامية وسياسية هائلة.


- أن المشروع الشيعي لا يمكن أن ينجح إلا بالتفاهم مع الأمريكان، ولعل إيران تجمع الأوراق من ملف نووي إلي نفوذ في العراق ولبنان وفلسطين في محاولة للحصول على صفقة طيبة مع الأمريكان، صحيح أن التفاهم الأمريكي الإيراني لا يزال بعيد المنال بسبب رفض إسرائيل واللوبي الصهيوني في أمريكا لذلك، لأن صفقة مثل هذه ستكون طبعاً على حساب قيمة إسرائيل، ولكن إيران تريد هذه الصفقة، وعلي لاريجاني رئيس البرلمان الإيراني حالياً ورئيس هيئة الطاقة النووية الإيرانية سابقاً قال: "إننا لا نمانع في التفاهم مع الأمريكان ولكن المشكلة أنهم يريدون إعطاءنا مصاصة فقط"، أي أن إيران تريد ثمناً كبيراً في الخليج تحديداً والمنطقة عموماً من أجل التفاهم مع الأمريكان.

- يجب أن نفهم أن حرص إيران على الحصول على القوة النووية ليس موجهاً للغرب، فمهما فعلت إيران فإنها لن تحقق توازناً نووياً مع الغرب، وبديهي أنها لن تفكر في استخدام السلاح النووي لأن ذلك شبه مستحيل أولاً، وهو ثانياً يعني أن تمحوها أمريكا من على خريطة الأرض ثانياً، ومن ثم فإن السلاح النووي موجه لإخافة دول الخليج أساساً، كذلك فإن حرص إيران على تقوية جيشها التقليدي، والقيام بمناورات في مضيق هرمز وغيرها من وقت لآخر، ليس لردع الأمريكان عن التفكير في ضرب إيران، لأنه مهما كانت قوة الجيش الإيراني أو الحرس الثوري الإيراني، فإن ذلك لا يجدي أمام القوة التقليدية الأمريكية والإسرائيلية، والأوراق الحقيقية التي تمتلكها إيران لمنع أمريكا أو إسرائيل من ضربها هي صواريخ (حزب الله) في لبنان والتحالف مع المقاومة الفلسطينية وارتهان الجنود الأمريكان في العراق للعمليات ضدهم من ميليشيات الشيعة في العراق، وهكذا فإن قوة الجيش الإيراني موجهة أيضاً إلى دول الخليج.

كيف يمكن مواجهة هذا الخطر؟!
الحقيقة أن دول الخليج لا تفعل الشيء المناسب في هذا الاتجاه؛ فإعادة الاعتبار لقوة التدخل السريع الخليجية، أو الحصول على مزيد من صفقات السلاح الأمريكي أو الغربي لا يحل المشكلة، لأن كل ذلك لن يجعلها في قوة الجيش الإيراني، بل هي طريقة فقط لاستنزاف أموال الخليج لصالح مصانع السلاح الغربي، وكذلك فإن الارتماء في أحضان الأمريكان وتجاهل أو الخوف من دعم المقاومة الفلسطينية أو التصدي لإسرائيل يفيد إيران جداً، فهو يجعلها هي القوة المواجهة والممانعة للنفوذ الأمريكي الصهيوني، وبديهي أن هذا يزيد جماهيريتها ويدعم مشروعها، وإذا كان الغرب الصليبي هو العدو التاريخي للأمة، فإن الأمة ستتعاطف مع من يقف ضده ويناهضه مهما كانت درجة الخلاف معه.

وكذلك فإن الحديث عن أن أمن الخليج خط أحمر، هو قول لا يجدي ولا يسمن، فالسياسة هي أوراق وليس تمنيات، وإذا كان نتنياهو يصفع الدول العربية يومياً بتصرفاته ثم يصر العرب على المفاوضات معه ويحاصرون غزة ولا يدعمون المقاومة، فإن هذا يحرق الزعامات العربية ويرفع صورة أحمدي نجاد كزعيم يواجه العدو، ومع غياب الدور المصري، بل وقوع مصر في مشكلة مياه النيل التي تلعب أمريكا وإسرائيل وإيران في خلفية الصورة في هذا الأمر، فإن العرب لا يمتلكون أي قوة حقيقية أو أوراق لمواجهة التحدي الإيراني!!

هل المسألة وصلت إلى حد تداعي الأكلة إلى قصعتها أم أن هناك أوراق يمكن استخدامها قبل فوات الأوان:
 

- يجب دعم المقاومة الفلسطينية فوراً وبلا حدود لأن ذلك واجب شرعي أولاً، ولأن ذلك يمنع إيران من استثمار هذه الورقة لصالحها.
- يجب دعم الصومال ووحدته وإثارة قضية استعادة الأوجادين من أثيوبيا وبونتي من كينيا ومن ثم تكف هذه الدول عن إثارة المتاعب لمصر في حوض النيل.
على أن الورقة الكبرى في مواجهة المشروع الإيراني هو دعم المقاومة العراقية، لأن دعم هذه المقاومة يعطل المشروع الإيراني في العراق وهو ورقة هائلة لو أمكن استخدامها بطريقة صحيحة، والورقة المساوية لهذا هي طالبان، فيجب دعم طالبان لأن انتصار طالبان يعني بداية نهاية المشروع الشيعي في المنطقة، وإيران تدرك هذا جيداً.

بقي أن نقول أنه حتى لو كان هناك ملاحظات أو انتقادات أو مخاوف من طالبان أو المقاومة العراقية أو المقاومة الفلسطينية وأياً كان الرأي في هؤلاء، ومهما كانت أخطاؤهم وخطاياهم، فإنهم هم الورقة الوحيدة المتاحة وإلا فإن خطر الخضوع للنفوذ الإيراني أو الإيراني والأمريكي معاً أصبح أمر ممكن جداً، بل ماثل للعيان.

 نشر في 2013-01-27