‏إظهار الرسائل ذات التسميات عصام العريان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات عصام العريان. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 27 أبريل 2023

الطبيب المناضل السياسي عصام الدين محمد حسين العريان

 الطبيب المناضل السياسي عصام الدين محمد حسين العريان




وُلد عصام العريان في 28 أبريل 1954 بقرية ناهيا، بمحافظة الجيزة بمصر، وتوفى والده وهو ابن ٦ سنوات.

تخرج في كلية الطب بجامعة القاهرة سنة 1977م، وتخصص في أمراض الدم والتحاليل الطبية، ثم حصل على الماجستير في علم الأمراض السريري عام 1986م، وسجل للدكتوراه لكنها أعيقت بسبب اعتقاله المتكرر والمضايقات الأمنية من ناحية أخرى.

كان محبًّا للعلوم الإسلامية والإنسانية فدرس الحقوق والتاريخ بجامعة القاهرة، والشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر.

مارس العمل السياسي من وقت التحاقه بالجامعة، وممن شارك في التأسيس الثاني لجماعة الإخوان المسلمين في السبعينيات.

كان ممن اعتقلهم السادات في سبتمبر 1981م، وتكررت اعتقالاته في عهد مبارك وحوكم في بعضها محاكمة عسكرية، وعقب انقلاب 2013م وظل في محسبه في سجن العقرب حتى وفاته.

كان شعلة نشاط؛ إذ عُرف بنشاطه بنقابة أطباء مصر فكان عضوًا ناشطًا بمجلس النقابة ولم يكن قد تجاوز الثانية والثلاثين من عمره.

وكان أصغر عضو بمجلس الشعب عام 1987م الذي حله مبارك قبل استكمال مدته الدستورية.

تدرج في المناصب القيادية داخل جماعة الإخوان المسلمين في مصر حتى أصبح عضوًا بمكتب الإرشاد ومسؤولاً لمكتبها السياسي قبل ثورة 25 يناير.

شارك في العديد من الندوات والمؤتمرات الثقافية والسياسية على مستوى العالم، في أوروبا وأميركا والعالم العربي والإسلامي.

كان نائبًا لرئيس حزب الحرية والعدالة (الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين) منذ تأسيسه في 30 أبريل 2011 حتى 19 أكتوبر 2012.

وكان أحد أعضاء الفريق الاستشاري للرئيس الشهيد محمد مرسي.

شارك باعتصام رابعة العدوية، وبعد الفض الوحشي الدموي اختفى الدكتور عصام، فجد النظام الانقلابي في طلبه حتى اعتقل صباح يوم الأربعاء 30 أكتوبر 2013، وبقي قيد الأسر، وقد لفقوا له القضايا، وحكموا عليه بالإعدام والمؤبد في تلك القضايا، وتكالبت عليه الأمراض بالسجن فتعمدوا إهماله وقتلوه بالبطيء، وكانوا قبلها قد حرموا أولاده من زيارته ورؤيته.

وفي يوم الخميس 23ذو الحجة 1441هـ الموافق 13 أغسطس 2020م، صعدت الروح إلى بارئها تشكو الظلم إثر أزمة قلبية داهمته في محبسه -حسب زعم الأمن المصري، ودُفن ليلاً في مقبرة مرشدي الجماعة شرقي القاهرة بمدينة نصر، بحضور 12 شخصًا من أسرته وأقاربه، وهذا يثير الشكوك في وفاته وأنها لم تكن طبيعية.

كان ملء السمع والبصر، حافظًا لكتاب الله، محافظًا على وقته، مثقفًا، متحدثًا لبقًا، محبوبًا لدى الشباب، منفتحًا على كل التيارات السياسية مما كان يسبب له مشاكل عند بعض قادة الإخوان، لم يترك النضال السياسي يومًا رغم العداء الشخصي من النظام له، متصوفًا بينه وبين ابن عطاء الله السكندري صلة خاصة، وكانت القضية الفلسطينية حاضرة في ذهنه ويعمل له بكل جهد وإخلاص، وكان يقول للفلسطينيين: نحن لسنا معكم فقط بدعائنا ولا هتافاتنا ولا حناجرنا، ولكننا على الأقل نقدم لكم النزر اليسير من قوتنا وقوت أبنائنا، على أمل أن تفتح الحدود بيننا لنكون معكم بأجسادنا، ونقدم أرواحنا فداء للأقصى وفلسطين، وفداء للمستضعفين في الأرض.

وكتب لعدة صحف ومجلات ودوريات محلية وعربية ودولية، في موضوعات مختلفة، وكان له الحضور الإعلامي البارز في الفضائيات المحلية والعربية والدولية.

وقد ظنّ -رحمه الله- أن زمن الانقلابات العسكرية قد ولى بعد ثورة يناير، لكنه اصطلى مع الشعب بنيرانها، حتى توفي في سجون السيسي -عدو الله-.

الجمعة، 24 مايو 2019

عن دور المرأة المصرية.. تحية للصابرات المحتسبات


عن دور المرأة المصرية.. تحية للصابرات المحتسبات

عصام العريان

*في مطلع القرن العشرين، وعندما خرجت النساء المصريات لأول مرة في ثورة 1919 للتظاهر، سجل شاعر النيل حافظ إبراهيم الحدث في قصيدة قال:
خَرَجَ الغَواني يَحتَجِجــنَ وَرُحتُ أَرقُبُ جَمعَهُنَّه
وَإِذا بِجَيشٍ مُقبِلٍ وَالخَيلُ مُطلَقَةُ الأَعِنَّه
فَتَطاحَنَ الجَيشانِ ساعاتٍ تَشيبُ لَها الأَجِنَّه
فَليَهنَأَ الجَيشُ الفَخورُ بِنَصرِهِ وَبِكَسرِهِنَّه
فَكَأَنَّما الأَلمانُ قَد لَبِسوا البَراقِعَ بَينَهُنَّه
وَأَتَوا بِهِندِنبُرجَ مُخــتَفِيا بِمِصرَ يَقودُهُنَّه
فَلِذاكَ خافوا بَأسَهُــنَ وَأَشفَقوا مِن كَيدِهِنَّه

وكأنه يصور المشهد الآن، وبدلا من الخيل تكون الدبابات والمدرعات، وبدلا من هندنبرج القائد الألماني، ضع أي زعيم، ترى ماذا قال المراقبون والشعراء والأدباء اليوم عن دورهن في ثورة 25 يناير، وفي اعتصام رابعة العدوية، وفي مقاومة الانقلاب.

من قراءاتي أنه لم يتم اعتقال امرأة واحدة في ثورة 1919، أما محنة سجون ناصر فقد طالت بضع أخوات مجاهدات، على رأسهن زينب الغزالي وحميدة قطب (حكم عليهن بـ10 سنوات سجن) وآل الهضيبي، وفي عهد السادات فقد تحفظ على عدد أكبر في إجراءات سبتمبر 1981 أذكر منهن الأستاذة صافيناز كاظم، و د. لطيفة الزيات، وفي عهد مبارك رغم الثورة عليه – لا تسعفني الذاكرة بأسماء محددة.

واليوم تمتلئ زنازين الانقلاب وعتابر سجون النساء بحوالي مائتين من الشريفات الحرائر المجاهدات، والقاسم المشترك في التهم )مقاومة الانقلاب والسعي لتحرير الإنسان المصري من ربق الظلم والاستعمار ) "وليس تحرير المرأة فقط" – إعلاء لكلمة الله (ولقد كرمنا بني آدم).

لقد أثبتت حقائق التاريخ ومسيرة الدعوات أهمية دور المرأة في نهضة الأمم ونجاح الدعوات، وكان أبرز دور على مدار التاريخ هو دور المرأة في دعوة الإسلام وتجلى في أبهى صورة.

فكانت أول المؤمنين قاطبة هي السيدة خديجة أم المؤمنين –رضي الله عنها- آزرت وساندت وثبتت رسول الإسلام –صلى الله عليه وسلم-، ويكفينا تسجيل القرآن الكريم لدور النساء في سورة آل عمران " فاستجاب لهم ربهم.." آية195.

وحاد المسلمون عن هدي القرآن وسيرة النبي وصحبه الكرام، فكان ما كان من تهميش للمرأة وحجب لها عن المشاركة في شئون الدنيا والدين (بقيت قلة من حملة العلم تؤكد على أصل الدور العظيم)، وجاءت دعوة الإخوان المسلمين لتحيي من جديد دور المرأة المسلمة وتجدد ما انتهى من حقائق الإسلام التي حجبتها التقاليد عبر عصور التخلف والانحطاط، فأسس الإمام الشهيد قسما خاصا للأخوات المسلمات واهتم بتعليمهن، وأنشأ المعاهد ودور التربية لذلك، وكان من أصول العمل عند الإخوان تكوين بيت مسلم يقوم على دعامتيه الرجل والمرأة، ودور الزوجة أهم في تربية الأولاد، وأثمرت الجهود ثمرتها المباركة، فتحملت الأخوات المسلمات عبء البيوت التي غيب عنها رجالها في السجون 20 عاما طوالا.

وجاءت صحوة السبعينيات، وانتشرت دعوة الإخوان في الجامعات، فنشأ جيل جديد على مفاهيم الإسلام الصحيحة، وعم الحجاب الشرعي طالبات الجامعات، وأصبح الزي الأوسع انتشارا، وخرجت الأخوات للمشاركة الجادة في كل شئون الحياة والدعوة.

دخلت الجامعة في مطلع السبعينيات وبدفعتي طالبة واحدة محجبة، وتخرجت منها عام 1977 ونسبة الحجاب لا تقل عن 60%.

ثم كانت الثمرة المباركة في ثورة 25 يناير، وظهر القطاف في المشاركة الواسعة للأخوات والمرأة المصرية عامة في الميدان، ثم كانت المشاركة الأوسع والانطلاقة الأكبر في اعتصام رابعة العدوية، وهي ما عاصرتها وعايشتها بنفسي على مدار 48 يوما.

كان مشهد حضور المرأة في خيام الاعتصام هو الأبرز بل هو صلب الاعتصام، وكان ثباتها ومشاركتها من أقوى دوافع الصمود والاستمرار لاستكمال ثورة يناير من أجل تحقيق أهدافها، باستعادة الشرعية إلى صندوق الانتخابات، ورفض دهس الدبابات لإرادة المصريين، لأن ذلك هو الذي أدى فيما بعد إلى دهس أجسادهم.

ومبكرا بدأت المجازر الوحشية في صلاة الفجر أمام الحرس الجمهوري (أكثر من 60 شهيدا مصليا) ثم في شهداء المنصة (120 شهيد) وأنزل الله سكينته على الجميع وفي المقدمة النساء اللاتي يفزعن من مشهد الدماء ورؤية الموتى (تقاليد مصرية عريقة قديمة) وثبتت المرأة في الميدان ولم تنصرف، بل عادت أسر الشهداء الأبرار لتكون لهم خيمة خاصة بجوار منصة الخطابة.

ودعن الأحبة، أزواجا وآباء وأخوة وأبناء، وعدن لمواصلة الاعتصام، لم يجزعن ولم يهنّ، ولم يهربن، وتغلبت دواعي الإيمان بالله على الغريزة النسوية، تثبيتا لآلاف المعتصمين، بل شاركت الطبيبات في المستشفى الميداني لإسعاف المصابين ورعاية المرضى، أسر بكاملها كانت مشاركة في الاعتصام من كل أنحاء مصر..

*وكانت ذروة الوحشية في فض الاعتصام يوم 14 أغسطس 2013..

مجزرة يشيب لها الولدان، راح ضحيتها الآلاف بين شهيد وجريح، وكنت وسط الميدان تخنقنا الغازات المسيلة للدموع، وتوزع الأخوات الخل والمياه، ولم يهبن زخات الرصاص ولا قنابل الدخان الخانق، ولا أزيز الطائرات ولا هدير الدبابات والمدرعات.

أصررن على البقاء بجوار الرجال، وأمام قاعات المسجد كانت جموع منهن تحتمي بالسواتر وسألتني زوجة الشهيد طارق محمود. أستاذ الطب، الأخت إيمان حسين شحاتة ومعها أولادها: كيف أصنع؟ فأجبتها: إن الله جاعل لنا مخرجا، ولا بد من الخروج عندما تحين الفرصة، وقبل غروب شمس يوم الشهداء ذهبت إلى أمتعتي لأغير ملابسي المبتلة ولأتفقد الشهداء، فرأيت عجبا لم نشهده من قبل، وكأنها روايات من تاريخ الصحابيات، نساء يقفن بجوار أحبابهن الذين انطبعت على وجوههم الوضيئة ابتسامة الرضا قبل أن يفارقن الحياة بابتسامة البشرى التي تلقتهم بها ملائكة الرحمن، لا صراخ ولا عويل، حتى الدموع كانت قليلة عزيزة، لم يكن إلا الصبر الجميل والاحتساب للموقف والمرحلة بأسرها، وكأنهن يعاهدن الشهداء على مواصلة الطريق ومقاومة الانقلاب، والطبيبات يتجولن لإسعاف من لم يزل به رمق الحياة.

وكان للأخوات شرف الشهادة في قوافل يوم الفض، فهل ننسى أسماء البلتاجي، وحبيبة أحمد عبد العزيز، وغيرهن ممن يعلمهن الله؟

ويتكرر المجد مرة أخرى عند مسجد الإيمان، فكنت من الخارجين من الميدان وأدركت المسجد قبيل صلاة المغرب لأجد مئات الجثامين للشهداء تملأ ساحة المسجد، وصلينا المغرب ثم صلاة الجنازة على الأطهار الأبرار وأثناء المغادرة سألتني بعض الأخوات عن الإجراءات الرسمية والأوراق لإكمال الدفن فأكدت على ضرورة توثيق حالات القتل واستخراج تصاريح الدفن لإثبات جرائم القتل العمد للانقلابيين التي لابد أن يأتي يوم الحساب عليها في الدنيا قبل أن نمثل جميعا أمام الديان سبحانه وتعالى.
*وبدأت مقاومة الانقلاب عبر التظاهرات بعد أن اغتصب الانقلابيون وأعوانهم سلطة الحكم، وظهر جهاد النساء لأجل إعلاء كلمة الله وإحقاق الحقوق للمصريين جميعا، جهادا متواصلا حتى يومنا هذا في مواجهة طاغية مستبد، ظن أنه سيقضي على إرادة شعب ويقظة أمة، وثورة يناير، وأنه سيعيد عجلة التاريخ إلى الوراء.


وهيهات هيهات، وكانت المشاركة الأكبر للنساء، وكانت التضحيات:
هالة أبو سعيشع: طالبة دون العشرين، بنت المنصورة التي استشهدت بثلاث رصاصات،
سهام الجمل: النائبة في برلمان الثورة وزوجة د. محمد عبد الرحمن المرسي عضو مكتب الإرشاد وعضو المكتب التنفيذي لحزب الحرية والعدالة.. مزق رصاص الغدر قلبها وصدرها، فكانت المرأة بجوار الرجل.


الشاب عمار محمد بديع ابن فضيلة المرشد، أسر بكاملها تعرضت للمحنة والاختبار.
*وصمدت النساء في مواجهة الانقلاب رغم الدماء و الأشلاء، لم يرهبها رأس الذئب الطائر، فهن حفيدات سمية ونسيبة الصحابيات، ودخلت النساء سجون الانقلاب، وليس لها ذنب ولا جريرة إلا رفض ومقاومة الانقلاب، وكانت أولى من شاهدتها بنت بلدي سامية شنن التي كانت تلبس ملابس الإعدام وحصلت على تقدير عالمي لثباتها، وتوالت وجوه مشرقة بالصمود والأمل، لم يرهبهن السجن ولم يزعجها مفارقة البيت وغياب الأولاد (وبعضهن ودعن الأزواج إلى الزنازين والأبناء إلى الشهادة أو البرزخ) أو مثل زوجة النائب كمال مهدي نائب الزاوية الحمراء، ابنها شهيد وزوجها وابنها عبد الله رهن الحبس
رباب: أم لأربعة أولاد تعاني سرطان الكبد، منيرة: يسارية حكم عليها بسنة حبس ولها ولد رضيع، علا القرضاوي التي تم اعتقالها مع زوجها حسام خلف انتقاما من أبيها وتعزل وحيدة عن المسجونات، شيرين بخيت صحفية لها 4 أولاد، نجلاء، غادة،....الخ

وصل العدد في سجن القناطر إلى 140 شريفة مجاهدة، وريم الصحفية التي كانت تخضع لإجراءات احترازية وقبض عليها من المطار، ونتابع أخبار الأستاذة هدى عبد المنعم المحامية التي كانت تحضر جلسات محاكماتنا مع فريق الدفاع فإذا بها خلف الأسوار.


وابنتنا عائشة الشاطر
التي تم اعتقالها انتقاما من أسرة مجاهدة لم يكتف قائد الانقلاب بحبس ربّها المهندس خيرت الشاطر وابنيه سعد والحسن وأزواج بناته أحمد درويش وأحمد ثروت ومصطفى حسن، فكان حبس ابنته عائشة وزوجها المحامي محمد أبو هريرة، وغيرهن كثير قد لا تحضرني الأسماء، أو لم أتشرف برؤيتهن، أسر بكاملها تعرضت للابتلاء وانصهرت في بوتقة المحنة لتزداد صلابة، منحة من الله، يخلص نفوسنا من شوائبها كما يتخلص الذهب بالصهر من كل شوائبه فيخرج ذهبا إبريزا خالصا، ولنا في آيات آل عمران العبرة والدرس (قد خلت القرون من قبلكم.. 137-147).

فقد رأينا الموت رأي العين ونحن ننظر، واصطفيت ربنا أفضلنا ليكونوا شهداء وأبقيتنا للتمحيص، ونحن في انتظار موعودك الذي لا يتخلف، محق الكافرين، ونصر المؤمنين المجاهدين الصابرين، لم نخرج لدنيا ولم نحرص على مناصب زائلة ولم ننخدع بزخرف كاذب، ولم نركن إلى دنياهم، بل بذلنا المهج والأرواح ابتغاء مرضاتك، فثبتنا وتقبل منا جميعا واغفر لنا.. (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) )


وما زلنا مع الأسر الصابرة المحتسبة: أمل حسن غراب، بنت رئيس جامعة عين شمس –رحمه الله-،زوجة د. محمد زناتي المحكوم عليه بالإعدام في فض رابعة، والتي قدمت ابنها أحمد شهيدا طالب الهندسة في مذبحة رابعة، والسيدة نجفة (75 عام) من الغربية حكم على أولادها الثلاثة إبراهيم ويحيى وعبد الله بالإعدام في فض رابعة وعندما سألت أولادها عن أول زيارة لها بعد الإحالة سمعت عجبا لأم عادية من ريف مصر.

أم زبيدة التي التقيتها أثناء الجلسات بعد اعتقالها مع محاميها انتقاما من الـBBC التي روت القصة الحقيقية لابنتها، وكان معها أم عالية، د.هدى غنية النائبة في برلمان الثورة وعضو الجمعية التأسيسية للدستور التي خرجت من البلاد بعد الضغوط الشديدة عليها وعلى أهلها وأولادها بعد استشهاد زوجها هشام خفاجي في التصفيات الأولى لتسعة من قيادات الإخوان، فخرجت رحمة بأولادها وأهلها من البلاد لتواصل مقاومة الانقلاب.



سناء عبد الجواد زوجة أد.محمد البلتاجي التي تم تلفيق قضية لها وحبس زوجها ثم ابنها أنس ثم مطاردة خالد وحسام فخرجت لمواصلة الجهاد، بسمة محمود أبو زيد تم حبس والدها عضو مكتب الإرشاد وزوجها جهاد الحداد وحماها د.عصام الحداد...


*وجوه النساء تتوالى أمامي: ممنوعات من السفر للحاق بأزواجهن (خليدة، زهراء، هالة) مئات من الزوجات والبنات والأخوات ممنوعات من زيارة أهلهم وراء الأسوار، في مقدمتهن زوجة الرئيس الشرعي أد. محمد مرسي لما يقرب من ستة سنوات، الذي لا يرى إلا وجه السجان، ولكن في أنس مع الله تعالى، وزوجة فضيلة المرشد الأستاذة سمية محمد الشناوي وبنتها ضحى، وأسر عديدة، بل امتد المنع إلى الآلاف اللواتي يتم منعهن من حضور جلسات المحاكمات التي يكفل الدستور والقانون علانيتها، وعندما يسمح بعض القضاة بحضورهن وفق إجراءات شديدة يتم حجزهن في أقصى وأسوأ مكان بعيدا عن أقفاص المحتجزين المخطوفين، فيتم التواصل بصعوبة شديدة، ويكون التواصل بلغة الإشارة، وبذلك يرتكب قائد الانقلاب وجنوده من الطغاة والنيابة والشرطة جريمة سجلها الله في القرآن الكريم:" وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أولئك لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25) سورة الرعد.


نعم أعطوا المواثيق وأغلظوا الأيمان بألا يغدروا وألا يخونوا، فغدروا وخانوا ونكثوا أيمانهم من بعد عهدهم، وقطعوا الأرحام التي أمر الله أن توصل ومنعوا جمع شمل الأزواج، فلم يرتفعوا إلى مستوى كفار قريش الذين رقت أفئدتهم للسيدة أم سلمة أم المؤمنين بعدما فرقوا بينها وبين زوجها وابنها، فلم يلبثوا إلا قليلا ثم ردوا إليها ابنها وسمحوا لها بالهجرة، أما هؤلاء فقد خانوا رئيسهم وسجنوه وأثنين من أولاده عبد الله وأسامة الذي لايزال محبوسا.

*مشاهد تتوالى حفرت الأحداث بعضها في الذاكرة وبعضها لا يزال حيا ماثلا أمام العيان.
وكيف أنسى ما قالته لي أمي رحمها الله الصوامة القوامة التي ربت 4 رجال بعد فقد الزوج عندما رأتني لأول مرة محبوسا مرحلا من سجن القلعة (وما أدراك ما سجن القلعة، حيث كان التحقيق في قضية الانتماء الكبرى بعد أن تم التحقيق معي لأيام في قضية اغتيال السادات في سجن المرج) وفي مكتب المستشار وفيق الدهشان، فنزلت حكمتها بردا وسلاما على قلبي وهي تقول: "ولا يهمك يا ابني.. أنت على الحق".


زوجتي المجاهدة الصابرة منذ 40 سنة رغم توالي الحبسات والغياب، وبناتي سارة وسمية وأسماء الممنوعات من زيارتي لمدة 3 سنوات، فقد أنزل الله سكينته وفضله عليهن.


على مدار ست سنوات عجاف فهم كما أحبهم في كنف الله رغم التحفظ على الأموال وغياب الزوج والأب والأخ الوحيد الذي غادر البلاد لاستكمال الدراسة ومواصلة الجهاد وأحسبهم راضيات مستبشرات بفرج قريب للوطن والأمة بأسرها.. فهكذا بذلت في تربيتهن ولن يضيعنا الله أبدا.

فصبرا سمية سيعود محمد من سجنه، وصبرا خليدة فإن الله يجمع شملك على زوجك، وصبرا سارة ستتوقف المطاردات.


أقول لكم جميعا صبرا فإن الموعد الجنة، صبرا أيتها الصابرات المحتسبات جميعا، صبرا آل الشاطر، ولا تهنوا ولا تحزنوا ولا تلتفتوا إلى من يرمى التهم جزافا.

*ولنا جميعا مع حكم بن عطاء الله الدرس: "لا تستغرب وقوع الأكدار ما دمت في هذه الدار، فإنها ما أبدت إلا مستحق وصفها وواجب نعتها".

و"ليخفف ألم البلاء عنك: علمك بأنه سبحانه هو المبلي لك، فالذي واجهتك منه الأقدار: هو الذي عودك حسن الاختيار، ومن ظن انفكاك لطفه عن قدره فذلك لقصور نظره"، وأخيرا "لا يشككنّك في الوعد عدم وقوع الموعود وإن تعين زمنه، لئلا يكون ذلك قدحا في بصيرتك وإخمادا لنور سريرتك".



أيتها الصابرات المجاهدات المحتسبات: كما خاطبتكم من قبل في كلمة متلفزة: اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون، اثبتوا واذكروا الله كثيرا، الجنة حفت بالمكاره، نحن على يقين من نصر الله لدعوتنا "ويسألونك متى هو قل عسى أن يكون قريبا" "ألا إن نصر الله قريب" "ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز" "يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم".


فها هي رياح ثورية جزائرية تهب علينا من جديد تجدد الزلزال التونسي الذي بدأت به الجولة الأولى من الربيع العربي... لعل وعسى.

الأربعاء، 22 نوفمبر 2017

يا شعب مصر: أنقذوا مستقبل أولادكم

يا شعب مصر: أنقذوا مستقبل أولادكم

عصام العريان

يا شعب مصر أنقذوا الوطن من كابوس الانقلاب (الفشل في التنمية وفي تحفيز الاقتصاد يدمر المستقبل)

القائد التنموي العظيم الذي يرفو إلى المستقبل ويرسي لمصر دعائم مشروع تنموي غير مسبوق!!

بهذه العبارات الجوفاء روّج دعاة ورعاة الانقلاب الدموي في مصر لقائد الانقلاب؛ الجنرال الذي خان قائده الرئيس الشرعي للبلاد.. وها هي السنوات تتوالي وها نحن نقف الآن على أطلال السنة الخامسة الكبيسة من عمر الوطن المنكوب، فماذا كانت النتيجة؟!

لقد تم تدمير الحاضر، ومصادرة المستقبل، والتغول على حق الأجيال القادمة، وحرق الأرض تحت أقدام أي قيادة مستقبلية تأتي لمحاولة إنقاذ الوطن الجريح مما ألحقه به قائد الانقلاب وطغمته من تخريب وإهدار للمقدرات.

آلاف المصانع أغلقت أبوابها وسرحت عمالها فتشردت أسرهم، ومئات الآلاف من فلاحي مصر وملح أرضها يعانون شح مياه الري بعد أن شرعت إثيوبيا في ملء خزانات مياهها خلف سد النهضة بما يؤدي إلى الجفاف والتصحر وتغيير التركيبة الزراعية، والقادم - إن لم يتغمدنا الله برحمته- سيكون أسوأ!!

وعشرات الآلاف من العاملين في قطاع السياحة يكادون يفقدون وظائفهم بالكلية بعد الشلل التام في قطاع السياحة، نتيجة الإخفاق في تحقيق منظومة الأمن التي يتغنى بها الانقلاب ليل نهار كي يتحقق الأمن في ظل دولة الخوف والقمع والتسلط وحكم الفرد!!

وأما التفريعة الجديدة لقناة السويس التي امتصت أموال المصريين، وبعد اكتملت 35 كيلو مترا إذ بإيرادات القناة تتراجع تراجعا ملحوظا مقارنة بالأعوام السابقة وبغير وجود التفريعة الجديدة التي طنطنت لها أبواق الانقلاب ودعاية جوفاء وأبهة مصنوعة ويخت "المحروسة" ليعيد إلى الأذهان الخديوي إسماعيل. ولعل قائد الانقلاب لم يدرك نهاية إسماعيل المأساوية التي أعقبت الحفل الأسطوري لافتتاح القناة بأعوام قليلة!!

وما هذه الخيبة؟ وما ذاك الفشل إلا لأن الديكتاتور لا يعرف أن هناك شيئا يسمى دراسة جدوى، وأن مشروعا كهذا لابد أن تسبقه دراسة علمية معمقة ليس على مستوى القناة ومصر والمنطقة فقط وإنما لمتغيرات الاقتصاد العالمي وحركة التجارة البينية على مستوى قارات ودول العالم أجمع!!

وأما مشروع العاصمة الجديدة فهو إخفاق ومحاولة للهروب إلى الإمام من دون دراسة أو تفكير في العواقب، ويُسلم المشروع العقاري إلى الهيئة الهندسية بالجيش الذي يُراد له أن يتحول عن دوره كدرع وسيف للوطن إلى مقاول عقارات وإنشاءات وطرق وكباري!! وحتى إنشاؤه مصنع لألبان الأطفال.

وأما محطات الكهرباء الجديدة فبالرغم من كونها موجودة في الخطط السابقة على الانقلاب، إلا أن اتفاقاتها المجحفة بحق مصر أرهقت المواطن بفواتير باهظة لا تتحملها الطبقات المتوسطة والفقيرة وأغرقت البلاد في ديون لا تنتهي لتعاني منها الأجيال القادمة كما يعانيها المواطنون اليوم!!

وبعد مرور تلك السنوات من عمر الانقلاب يتبقى التساؤل الملح: ماذا بقي من هذه الدعاية الفارغة ومن تلك الطنطنة العابثة إلا الفشل الذريع؟! .. لندع المؤشرات تتحدث ولندع الأرقام تكشف الحقائق وتدحض الأكاذيب والترهات ولنركز على أهم المؤشرات:

أولا: التفاقم الشديد في الدين العام، والذي يلتهم أكثر من نصف الناتج القومي العام، حيث بلغت جملة الدين الخارجي في 30 يونيو 2017 79 مليار دولار بما يمثل 42% تقريبا من الناتج القومي، بينما وصلت جملة الدين الداخلي إلى 3.125 تريليون جنيه.

ثانيا: تجاوز بند خدمة الدين في موازنة 2017/2018 أكثر من ثلث الموازنة العامة للدولة، والتي بلغت 1.2 تريليون جنيه، فتجاوزت خدمة الدين 400 مليار جنيه مع تقديرات جادة تؤكد تجاوز هذا الرقم – الذي يمثل 30% من إجمالي الموازنة – عند الحساب الختامي، وبالتالي لابد من وجود ضغط رهيب على باقي بنود الموازنة سواء الأجور أو الدعم (الذي تبخر)، وحتى الاستثمار (الذي توقف).


ومن المثير أن مصر قد باتت مهددة بفقدان قدرتها على الاقتراض الخارجي، كما نضبت قدرة السوق المحلية على الوفاء بالاقتراض الداخلي – فهل هناك من يدفع الأوضاع في مصر/ الانقلاب إلى أن تكون تحت رقابة دولية من الدائنين، كما كانت مصر / إسماعيل في القرن 19؟ ! نسأل الله أن تخيب هذه الظنون، وأن يحفظ مصر من كل سوء.


يراهنون على الدعم الغربي الذي منح الانقلاب غطاء شرعيا، ويصوت له في مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو رهان خاسر


ثالثا: بلغ التضخم معدلات غير مسبوقة على مدى تاريخ مصر الحديث منذ الحرب العالمية الثانية، حيث تشير التقديرات الرسمية إلى نسبة 34.2% في يوليو 2017 (بينما يجزم مراقبون أن نسبة التضخم تجاوزت نسبة 40%)، مما أضعف القدرة الشرائية للمواطنين مع تسجيل العملة المصرية لثاني أسوأ على مستوى العالم خلال 2016، حيث فقدت 58% من قيمتها، وبالتالي تراجعت معدلات الادخار المحلي إلى ما دون الـ 6% سنويا مع ما يترتب على ذلك من آثار ضاغطة على معدلات الاستثمار.

رابعا: بلغ عجز الحساب الجاري بميزان المدفوعات (وهو أهم بند في ميزان المدفوعات) 13.2 مليار دولار خلال التسعة أشهر الأولى من العام المالي 2016/ 2017 (وهو ثلاثة أضعاف في فترة حكم الرئيس محمد مرسي 2012/ 2013)، وهو ما يترجم القصور الشديد الحادث في قطاعات التصدير والخدمات مثل السياحة، وعائدات قناة السويس، وتحويلات المصريين في الخارج.

خامسا: انهيار قطاع السياحة في مصر على مدار عامين متتاليين ليسجل ميزان السياحة - لأول مرة - عجزا، حيث بلغ دخل السياحة في مصر 2.8 مليار دولار في مقابل سياحة المصريين خارج مصر، والتي بلغت 4.1 مليارات دولار (بعدما كانت السياحة في فترة حكم الرئيس محمد مرسي قد بدأت تتعافى مما أصابها خلال عام الثورة).

سادسا: التراجع الشديد لتحويلات المصريين بالخارج، والتي وصلت لأعلى معدلاتها في عهد الرئيس محمد مرسي، فتجاوزت 20 مليار دولار (بما لذلك من دلالة سياسية وشعبية تشير إلى أمل المصريين في عهد الحرية فضلا عن دلالته الاقتصادية)، لتتراجع على مدى سنوات الانقلاب الأربع لأقل من 10 مليارات دولار (على الرغم من المحفزات والمغريات الكبيرة التي طرحها الانقلاب من رفع نسبة الفائدة في البنوك وطرح آلاف قطع الأرض حصرا على المقيمين في الخارج، فضلا عما يمثله تراجع قيمة الجنيه المصري مقابل العملات الصعبة التي يحولونها من إغراء لهم!).


يا أيها المصريون أنقذوا مستقبل أولادكم من ذل الانقلاب وضياع الأمن والاستقرار وفقدان الأمان.. أنقذوا وطنكم قبل فوات الأوان



هذا غيض من فيض في حديث المؤشرات العامة التي تتبعها المحللون والخبراء الاقتصاديون والمؤسسات الاقتصادية، فخرجوا بنتيجة مؤسفة، وهو أنه لا مجال للاستثمار في مصر (مثل مؤسسة بلومبرج)، بينما بدأت تظهر آراء وتحليلات أكثر تشاؤما تؤكد عدم القدرة على السداد بما قد يؤدي – لا قدر الله – إلى إعلان الإفلاس والحجر على وطن (كريم) يقوده الانقلاب الدموي المجرم ليتحول إلى دولة فاشلة، وتخنق الحريات وتحويل المواطنين إلى عبيد يستهلكون لا ينتجون ولا يحاربون.

علام يراهن قائد الانقلاب ورجاله؟! راهنوا على الدعم الذي لا يتوقف من الأنظمة الخليجية، وعدم توقفه وهم كبير، فإذا كان بعضهم قد أنفق بسخاء على الانقلاب إلا أنه يبق بالنسبة له فروعا (استثماريا) إذا فشل أو استنفذ أغراضه فسينفض يديه منه على الفور ويتركه لمصيره المحتوم يواجه غضبة الشعب، وحكم التاريخ، وفوق ذلك عقاب المنتقم الجبار سبحانه وتعالى.


يراهنون على الدعم الغربي الذي منح الانقلاب غطاء شرعيا، ويصوت له في مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو رهان خاسر كذلك، لأن الغرب لا يدعم دون شروط، ويمارس سياسة استعمارية (بقفازات حريرية ناعمة) يريد بها استنزاف موارد البلاد لمصلحته ولتحقيق شروط سياسية تتعلق بالأمن القومي لمصر والعالم العربي، وإذا ما سلّم له نظام الانقلاب بذلك فلن يُسلم له أحرار هذا الوطن أبدا.

يراهنون على الاقتراض من صندوق النقد الدولي بما يمثله له ذلك من شهادة صلاحية تمكنه من الاقتراض من البنوك وبيوت المال والدول العربية. وهنا نتوقف قليلا: فتجارب كل البلاد التي تعاملت مع الصندوق تجارب أليمة أدت جميعها إلى ازدياد الفقر وانهيار الطبقة المتوسطة، كما أدت إلى ثورات الجياع والاضطرابات الاجتماعية الخطيرة التي غالبا ما أعجزت قدرة الأمن والجيوش عن السيطرة عليها، إذ أنها تطال أفراد الجيش والشرطة أنفسهم وعائلاتهم!!

وللتاريخ، فقد زارت بعثة الصندوق مصر في عام حكم الرئيس مرسي ببرلماناتها المنتجة التي تجسد الإساءة الشعبية وتمثل قوى الشعب الحية، وقد التقيت بهذه البعثة عدّة مرات بحكم رئاستي للجنة العلاقات الخارجية ثم رئاسية للهيئة البرلمانية لحزب الأغلبية (حزب الحرية والعدالة)، لم تتغير قناعتي في الصندوق عما سطرته في هذا المقال على الرغم من أنهم استمعوا جيدا، وأظهروا تفهما لظروف البلاد في أعقاب ثورة يناير، وأبدوا مرونة ظاهرة، وخففوا من شروطهم، وكاد الأمر ينتهي إلى اتفاق على قرض بقيمة 4.5 مليارات دولار لولا وقوع الانقلاب الذي بدأ مفاوضاته معه ويرضخ منذ البداية صاغرا لشروط تعجيزية جديدة، وانقلبت الآية فأرسل الانقلاب وفوده لمقر الصندوق في حين لم تقم بعثة الصندوق بأي زيارة معتبرة لمصر في ظل الانقلاب. ولم تلتقي أحدا سوى الرسميين في نظام الانقلاب: محافظ البنك المركزي ووزراء المجموعة الاقتصادية، فقد أدركوا منذ البداية أن الانقلاب يملك السلاح وبطش الأمن فما حاجتهم لقوى سياسية مغيبة خلف الأسوار: إما أسوا السجون (وهي القوى الشرعية المنقلب عليها)، وإما أسوار الخوف والفزع (وهي أغلب القوى المتبقية بما فيها من هللوا للانقلاب في بداياته) إلا من رحم الله (وقليل ما هم!!).

راهنوا على تغيير العقيدة العسكرية للقوات المسلحة وتبديل دورها في البلاد!! فالجيش الذي هو درع وسيف حدد الدستور مهمته بوضوح في حراسة البلاد وحماية حدودها والدفاع عنها يُراد له أن يتحول إلى مؤسسة اقتصادية تنافس الشركات الوطنية وقطاع الأعمال وتحتكر اليوم أكثر من 60% من قطاعات الإنتاج والاستثمار حتى وصل الأمر إلى إنتاج ألبان الأطفال وصناعة الدواء (قبل الانقلاب كانت أكثر التقديرات تشير إلى 35% فقط ومعظمها يتعلق بالتسليح والإنتاج الحربي).

ناهيك عن تغيير العقيدة العسكرية، بحيث تعتبر أعداء الوطن والأمة: الصهاينة أصدقاء اليوم، بينما تتجه فوهة الأسلحة إلى صدور أبناء الوطن تحت مسمى خادع ماكر وهو الحرب على الإرهاب.

فإلى متى تستمر غفلة بعض قادة القوات المسلحة الذين دعموا الانقلاب عن الدور الرئيس للقوات المسلحة إزاء ما يتهدد الوطن من أخطار حقيقية على أمنه القومي من كل جانب؟!

رهانات خاسرة تبديها الحقائق على الأرض فماذا ينتظر المصريون الشرفاء بعد ذلك وحتى يصمت الشعب الصابر. لقد تم تجريف الحاضر وتدمير المستقبل أمام الأجيال القادمة، كل مولود يولد بمصر وفي رقبته نصيب من الدين العام الخارجي بـ (1000 دولار)، فضلا عن الدين الداخلي والمستقبل في مهب الريح.

يا أيها المصريون انقذوا مستقبل أولادكم من ذل الانقلاب وضياع الأمن والاستقرار وفقدان الأمان.. انقذوا وطنكم قبل فوات الأوان .. والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.