‏إظهار الرسائل ذات التسميات رابعة لكل أحرار العالم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رابعة لكل أحرار العالم. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 14 أغسطس 2026

رابعة منصة الانطلاقة

 رابعة منصة الانطلاقة


أستاذ الفقه والسياسة الشرعية

لم أشأ أن أكتب عن رابعة في ذكرى الفض المؤلمة؛ ولعلكم تتفقون معي في أنّ رابعةَ حاضرةٌ في ضمير الأمة حضوراً حياً دافعاً مستمراً، وأنّها ستبقى لهذا الجيل وللأجيال القادمة مصدر إلهام، لا مجرد ذكرى يحييها المنتمون إليها مرة كل عام.

   أجل .. ستبقى رابعة مصدر الإلهام ومنصة الانطلاق إلى الآفاق البعيدة، ليس فقط لما تحمله من رمزية أولما تبثّه من المعاني الكبار التي تؤسس للأمجاد، ولكن لذلك ولأمر آخر لا يصح أن نجهله أو نتجاهله فتضيع الفرصة التاريخية، ألا وهو صناعة المنصة، منصة الانطلاقة الكبرى.

    لقد وقعنا جميعاً في خطأ كبير يوم أن حمَّلنا رابعة ما لا تحتمله، وعولنا عليها فيما هو خارج عن اختصاصها، وطالبناها بكسر الانقلاب وإعادة الشرعية وتحقيق أحلام الثورة والثوار؛ وربما نكون يومها معذورين بسبب وَقْعِ الصدمة، وبسبب الطبيعة البشرية التي يصعب التغلب عليها، وهي المشار إليها في قول الله تعالى: ( وَكانَ ‌الْإِنْسانُ ‌عَجُولاً).

    لكننا بعد أن وعينا السياق الكبير للأحداث؛ لسنا معذورين، وإذا كنّا قد أخطانا في تقديرنا للمواقف فيما مضى؛ فإنّ الاستمرار في البناء على هذا التقدير الخاطيء جريمة ترتكب من القادة في حق الجند، ومن أولي الأمر في حق الرعية، ومن الجيل الحاليّ في حق الأجيال القادمة.

    ها نحن قد أدركنا أنّ رابعة لم يكن منوطاً بها كسر الانقلاب، وأنّ ترتيب الخالق لها ليس كترتيب المخلوقين، فما الذي صنعته رابعة؟ وكيف صنعته؟ سؤال له ما بعده في تصور المرحلة، وفي الترتيب لها على نحو لا يجعل عجلة الحراك تدور في فراغ بلا تأثير.

    ومن المؤكد أنّ رابعة لم يكن منوطاً بها كسر الانقلاب؛ لأنّه ليس من العقل ولا من الشرع أن يكون عدوٌّ غاشم يملك السلاح ويهيمن على البلاد ويُدعَم دولياً وإقليمياً ومحلياً لا يواجَهَ إلا بتجماعات بشرية محصورة في (شعب رابعة العدوية) بلا عُدّة ولا عتاد ولا أُسس ولا عماد.

    وإذا كنّا يومها قد استسلمنا للوهم الكبير؛ فتخيلنا أنّ عدونا الذي أحرق مراكبه كلها؛ فلم يبق للعودة ثغراً يرتد منه آمناً يمكن أن يعطي ظهره للمواجهة أو يتردد في المضيّ قدماً لمجرد هتافات تدوي هنا وهناك ثم يمتصها الفضاء مثلما تمتص الصحراء الجرداء قطرات الماء .. إذا كنّا فيما مضى لم نر الصورة بوضوح فها نحن نراها اليوم كما يرى المرء منّا ما حوله من الشخوص والأشياء؛ فيجب - إِذَنْ - أنّ نصحح رؤيتنا للمسار كله؛ وإلا فنحن نرى بالعينين الشيء الواحد شيئين مختلفين، وهذا عوار بيّن.

    إنّ ما صنعته رابعة هو عين ما أنيط بها، هو - على وجه الدقة - صناعة المنصة، منصة الانطلاقة الكبرى، هذه المنصة تتمثل في النواة الصلبة التي يناط بها التغيير الحقيقيّ، إذا ما توافرت لها الظروف وتوفرت من حولها العوامل والمقومات اللازمة، هذه النواة الصلبة هي التي افتقدتها ثورة الخامس والعشرين من يناير، حيث توافرت فيها الكتلة الحرجة دون أن تتوسطها النواة الصلبة، فكانت ثورةَ اللحظة الخاطفة، استلهمت من الفطرة العامة وضمير الأمة العام طريقها قبل أن يقفز على ظهرها أصحاب المشاريع الخاصة، وفيما يبدو أنّ خزّان الخبرة لدى قوى الشرّ أمدّ العسكر ومن معهم بالحكمة اللازمة لمواجهة (الأزمة!) فلم يجدوا صعوبة في القضاء على الثورة، ولو كانت تلك الكتلة الحرجة مشدودة إلى نواة صلبة تتوسطها، ومقودة بقيادة حكيمة تنتمي إلى تلك النواة الصلبة لما وقع ما وقع، ولقد كان بإمكان الإسلاميين أن يرتبوا الأوضاع بما يفوت على المجرمين ما يرتبون له، وإذْ لم يفعلوا فها هو الحق تبارك وتعالى - بعد أن أذاقهم جزاء بعض ما قصروا فيه وعفا بفضله عن كثير - يعيد ترتيب الأوضاع بما يضمن لأهل الحق أن يمضوا في طريقهم على تؤدة؛ ليحققوا ما لم تحققه الموجة الأولى من الثورة، فوقع الانقلاب، ونزل الإسلاميون عن العرش المزيف إلى رابعة؛ ليبدأ المسير من جديد؛ فلتتشكل هنا المنصة، ولتتكون هنا القاعدة الصلبة، هنا في رابعة، محضن الجيل الفذّ الذي سيناط به التغيير.

    ولم يغب عن هذا المحضن عنصر واحد من عناصر البناء: التجميع - التصفية - الوحدة - الجماعية - التربية - التوعية – التعاهد .. فلقد تجمع أهل الخير والحق والعدل من كل مكان ومن كل فصيل، اجتذبتهم رابعة بقوة الحق وسلطانه، فلم تترك منهم أحداً يحجبه عنها حاجب ماديّ أو معنويّ، فمن لم يشهدها بنفسه شهدها بقلبه وشعوره ووجدانه، وكذلك نفضت رابعة بقوة النازلة وشدة الابتلاء كل من لم يتمتع بالصدق وينعم بالاستقامة، ثم طفقت تربي تربية إسلامية ميدانية مفتوحة، فتشكلت المنصة وتكونت القاعدة الصلبة وتعاهدت على التضحية وتبايعت على الموت في سبيل الله.

    ثمّ جاء الفضّ على هذا النحو ليتخذ الله تعالى من هذه القاعدة عربون النصر، وهو التمحيص للمؤمنين والاصطفاء للشهداء منهم؛ (وَلِيَعْلَمَ ‌اللَّهُ ‌الَّذِينَ ‌آمَنُوا ‌وَيَتَّخِذَ ‌مِنْكُمْ ‌شُهَداءَ ‌وَاللَّهُ ‌لا ‌يُحِبُّ ‌الظَّالِمِينَ، ‌وَلِيُمَحِّصَ ‌اللَّهُ ‌الَّذِينَ ‌آمَنُوا ‌وَيَمْحَقَ ‌الْكافِرِينَ).

    وخرجت هذه القاعدة من رابعة لتنطلق في فجاج مصر وتسيح في شوارعها؛ تلتمس الفتح الذي لا يعلم إلا الله متى سيكون، ولكنّ الذي نعلمه ولا نرتاب فيه أنّه كائن، وأنّ هذه القاعدة الصلبة سيتحقق بها وبما سيتكاثف على متنها من الخلق كل ما كان يحلق في سماء رابعة.

    وإذا كان الحراك اليوم قد فتر لعوامل كثيرة - ليس هنا موضع الحديث عنها - فإنه لم يمت ولن يموت؛ بل ليس من طبيعة الأمور أن يموت، وربما كان عدونا أكثر منا بصيرة بهذه الحقيقة؛ إذ يستمر في المطاردة ولو لأشباح الثائرين، ولا يصح أن نغرق في الخطأ فنعمى عن هذه الكتلة الصلبة رغم أنها بكل مكوناتها حاضرة وماثلة في عين الدنيا، حاضرة بالمكون البشريّ الذي - وإن غاب عن المشهد قليلاً - فإنه لم ولن ينسى قضيته، ومن باب أولى لن يستسلم لليأس أو ينساب في ركب الباطل، ومع المكون البشريّ مكون عقديّ وفكريّ ومنهجيّ، ربما لم يكن في يوم من أيام الصحوة الإسلامية بهذا الوضوح وهذا التجانس وهذه الصراحة.

    وإِذَنْ؛ فالواجب علينا شرعاً أن ننطلق من هذه المُسَلَّمة الواقعية، وأن نؤمن بأنّ لدينا قاعدةً صلبة تصلح لأن تكون عصبَ التغيير ومنصةَ التحرير ومنطلقَ التحولِ الكبير، ثمّ ننطلق من هذه المسَلَّمة إلى الأمام، وفي هذا الجو المتفائل الواعي، وبهذه الروح الواثقة المتحررة من الأوهام ندرس الظواهر على اختلافها، بما في ذلك ظاهرة عجز الحراك عن الحسم، وظاهرة افتقار الحراك للحاضنة الشعبية، وظاهرة تقلص المد الثوري وتراجعه، هل يستلزم لعلاج هذه الظواهر مراجعة الخطاب وإعادة صياغته؟ أم يستلزم تغيير الأدوات والآليات بما يناسب الظرف ويلبي الطموح؟ أم يحتاج إلى إعادة هيكلة للمشروع الإسلامي والثوري؟ أم يتطلب قيادة رمزية جديدة؟ أم غير ذلك مما لا بد منه؟ 

وهذا كله مما يجب على كبار الأمة وأهل الحل والعقد فيها، من العلماء المخلصين والدعاة النابهين والسياسيين الراشدين.

ويبقى أنّ سنة الله تعالى تقضي بتأجيل النصر ريثما يتأهل أهل الحق لتلقي هذا النصر وتوظيفه، فهل نحن على هذه الحالة التي نال بها الأوائل نصر الله: 

(يا أَيُّهَا ‌الَّذِينَ ‌آمَنُوا ‌مَنْ ‌يَرْتَدَّ ‌مِنْكُمْ ‌عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ      أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ      يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ)؟ وهل نحن مستعدون ومؤهلون - إن أعطانا الله التمكين - أن نكون على هذه الحالة: (الَّذِينَ إِنْ ‌مَكَّنَّاهُمْ ‌فِي ‌الْأَرْضِ ‌أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ)؟ والتساؤل هنا للكبار، لأنّ العهدة تقع عليهم أولاً.

    وإذْ أتقدم بهذا أَعُدُّ نفسي أول الملومين وآخر المحمودين، ولست بمتطاول بالنصح على المسلمين، ولكنها الاستجابة الضرورية لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة)، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

الخميس، 13 أغسطس 2026

مصر الساحل والمسحول

 مصر الساحل والمسحول



مثّل الرابع عشر من أغسطس/ آب تاريخاً يطارد المصريين في كل عام، الجناة قبل الضحايا، فيكتشف الجميع أن بقعة الدم لم تجف بعد، على الرغم من كل ما طرأ على مسرح المذبحة من تغييرات جذرية طالت اسم المكان ومعالمه الجغرافية. في مثل هذا اليوم من العام 2013 جرت الدماء أنهاراً في ميدان رابعة العدوية الشهير في شرق القاهرة، حين تحرّكت الآليات الحربية لتكتب نهاية دامية لصراع سياسي، كان بالإمكان أن يبقى سياسيّاً، غير أنه كان هناك من يريد شطب السياسة وإقصاء الجماهير من معادلات السلطة في بلدٍ لم يهنأ سوى أشهر معدودات بحصاد ثورةٍ شعبيةٍ بيضاء وقف العالم كله إجلالاً ، رفعت شعارات الكرامة الإنسانية والحرية والعدالة الاجتماعية.

مضت 13 عاماً على مقتلة حصدت آلاف الأرواح وصنعت من أجساد أصحابها طريقاً للعودة إلى حالة سلطة الفرد الواحد الباطش الذي أسبغ على نفسه صفات الفلاسفة والعباقرة والأبطال الأسطوريين، لتبدأ منذ ذلك اليوم مرحلة تصنيع المجتمع الوغد الذي يرقص بعضُه فوق جثث بعضه الآخر على موسيقى الوعود بالنماء والرخاء القادمين. 
كانت ذكرى هذا اليوم تصيب مرتكبي المذبحة بالفزع، إذ كان ضميرُ عالميٌّ لا يزال هناك قادراً على أن يرفع صوته ويشير بإصبعه على الجناة، ويسمّي الجريمة بالجريمة ويصف المذبحة بالمذبحة، ويجد من بعض الحكومات التي تدّعي اهتماماً بحقوق الإنسان وتبدي انشغالاً بالديمقراطية، بعض الانشغال بقضيةٍ عادلةٍ تؤرق العالم المتحضر، غير أن الذي حدث أن ذلك التسابق على ادّعاء الوصل بقضية الإنسان سرعان ما هدأ ثم انكمش ثم تبخّر مع سيادة منطق الربح على منطق العدل، ومعايير الصفقة على قيم الإنسانية، فسكت الكلام شيئاً فشيئاً عن الضحايا والجناة، بل ودخلنا مرحلة الاستثمار في مصائر من بقي على قيد الحياة من هؤلاء الضحايا، في بورصة التسليم والترحيل والإبعاد.

لم يعد الذين صنعوا المذبحة بحاجةٍ إلى محاولة الدفاع عن أنفسهم بنفي وقوع الجريمة أساساً، فانتقلوا من الدفاع إلى الهجوم، من خلال حملات مكثفة تتحدّث عن الجريمة باعتبارها إنجازاً حضاريّاً وعملاً ثوريّاً ووطنيّاً، فتتحول المجزرة إلى مفخرة، إلي الحد الذي صار فيه المتهمون بارتكابها يستخدمونها في الدعاية السياسية والانتخابية للزعيم الذي يريد أن يبقى في الحكم مدى الحياة ويهتف له جمهوره"معاك ليوم الدين".

مثيرُ للدهشة أن هذا التحول في تناول الرابع عشر من أغسطس/ آب جاء بعد مجازر العدو الصهيوني في قطاع غزّة، التي أخذت شكل الإبادة الجماعية والتطهير العرقي للشعب الفلسطيني بدءاً من العام 2023، حيث سمعتا كلاماً أقرب إلى الجنون يتردّد على ألسنةٍ احترفت لعق نعال الاستبداد، ليقول أحدهم عبر شاشة التلفزيون 
"الدولة لا تحتاج للترويج لمشروعات وهمية، وإنما تحقق الإنجازات على أرض الواقع والرئيس السيسي لا يحتاج للقطة، ويكفيه وقفة 3 يوليو و14 أغسطس من تطهير ميداني رابعة والنهضة من الإرهاب، ليظل زعيماً بهما".

مع التوسع أفقيّاً ورأسيّاً في عملية حرق التواريخ الموثقة ومحاولة تكريس رواياتٍ يشوبها الجنون في سرد ما حدث، ذهب آخر أبعد من ذلك، ليعلن أن اعتصام رافضي الانقلاب العسكري في ميدان رابعة العدوية كان بناءً على أوامر الغرب، حيث طلب من الإخوان المسلمين إنشاء دولةٍ جديدةٍ في أي مكان في رابعة أو سيناء، على أن يكون لهذه الدولة مقوّمات.

كان الذين سفكوا كل هذا الدم، والذين صفّقوا للمقتلة ونظّروا لها، يردّدون أنها كانت ضرورة لبناء الدولة القوية التي تبهر الكون بعظمتها، وها هم بعد 13 عاماً كاملة يتعثرون في ديون وفوائد ديون تنوء بحملها الجبال، ويتحوّلون من وضعية اللاعب الرئيس في كل قضايا المنطقة إلى وضعية الأدوار الهامشية الواعدة، ثم يحمّلون ضحاياهم المسؤولية عن هذا التردّي الذي قسّم المجتمع إلى نصفين: 
ساحل ومسحول، الساحل حيث طبقة الثراء الفاحش المسعور، والمسحول هو القطاع الأعظم من شعبٍ لا يقوى على الهتاف أو حتى الأنين، فقط يتفرّج علي "موائد الترند" التي تحفل كل يوم بأطباق جديدة تقول للمواطن المصري إن مجتمعك، بما فيه من جرائم يومية، هو العقبة في طريق النظام الذي لا يخطئ أبداً.

السبت، 27 سبتمبر 2025

شهادتي على مذبحة فض رابعة (5-5)

شهادتي على مذبحة فض رابعة (5-5)
ممدوح المنير

وقفتُ في الحلقة الماضية من هذه السلسة عند الرجل الستيني وكان يعرفني ولا ينتمي لأي تيار سياسي أو ديني، ودون أن أطلب منه، عرض عليّ عرضا اندهشت منه واستغربت من نُبل صاحبه.. قال لي هذا مفتاح بيتي الجديد لم يسكن فيه أحد بعد وهو قيد الإنشاء ولم يكتمل بعد، فأقم فيه ما شئت حتى تتحسن حالتك وترى المناسب لك، فوجودك في بيتك سيعرضك للاعتقال سريعا وأنت مصاب.


واندهشت من عرضه النبيل، فقد كان بعض من أقمت عندهم بعد إصابتي أشعر منهم بخوف أو تملل من بقائي عندهم خوفا من أن تداهم الشرطة منزلهم فيصيبهم ما قد يصيبني.

لكن هذا الرجل الكريم، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، والذي سأحتفظ باسمه حاليا، عرض عليّ بيته كاملا وأن أقيم فيه ما شاء لي أن أقيم حتى أتعافى من إصابتي وأرتب أموري، فشكرت له صنيعه هذا. وبالفعل انتقلت إلى بيته الجديد الذي كان أقرب لعمارة سكنية متعددة الطوابق.

تعمدت في هذه الشهادة ألا أحلل المواقف والأحداث بعقلية الباحث، وآثرت أن يكون الجانب الإنساني فقط هو الحاضر في تفصيلاتها حتى لا أشتت القارئ بين المعلومة والتحليل

وخشينا أن ننقل أثاثا بسيطا له فنلفت انتباه الجيران إلينا، فجئت بمرتبة صغيرة كنت أحتفظ بها من أيام الاعتقال في زمن مبارك حتى لا أنسى هذه الذكرى ووضعتها على الأرض في الطابق الأرضي، وأنام على بطني بسبب الإصابة. قضيت ما يقارب الشهرين في هذا المكان، وكان الأهل يترددون عليّ في مكاني هذا لعيادتي حتى أذن الله بتحسن حالتي مع صعوبة لا تزال في الحركة.

مداخلة مع الجزيرة

في هذا التوقيت بعد فض رابعة وما تلاها من أحداث ومذابح؛ كانت معظم القيادات والرموز السياسية الرافضة للانقلاب من الإخوان وغيرهم قد اعتقلت أو استشهدت أو اختفت، فوجدت الجزيرة تتصل بي وأنا على هذه الحالة في المنزل الذي أختفي فيه وتطلب مني مداخلة، فقمت بها معهم ورددت على أكثر من قناة فضائية.

فعاتبني بشدة أصدقاء وإخوة أفاضل شاهدوا المداخلة وقالوا لي من السهل تحديد مكانك واعتقالك وأنت بهذه الحالة، وأخذوا يعددون لي أسماء شخصيات اعتقلت مباشرة بعد مداخلات فضائية قاموا بها، وقالوا لي إن دورك كسياسي أو إعلامي لم يعد له مكان في مصر بعد الانقلاب وخاصة مع إصابتك التي تعيق حركتك، والأفضل أن تسافر للخارج وتكمل رسالتك ودورك كمعارض للانقلاب من هناك، وطلبوا مني ألا أرد على اتصالات الصحفيين وخصوصا أن بعضهم هو مخبر أمني في صورة صحفي، وقد كان.

نكران القريب

لقد تنكر لي بعض أقاربي ولم يرفعوا حتى سماعة الهاتف للسؤال على صحتي، خوفا من أن يربطوا أنفسهم بي رغم علمهم بإصابتي، وهذا الرجل الكبير في السن وليس له انتماء لأي حزب أو جماعة ولا تربطني به صلة من أي نوع غير الود والاحترام بيننا، يخاطر بنفسه من أجل سلامتي كما فعل باقي الأخوة الأفاضل معي طوال رحلة الموت هذه.

بقيت في المنزل حتى تحسنت قدرتي على الحركة نسبيا وبدأت التفكير والاستعداد للسفر، وفي هذه تفاصيل سأتخطاها حاليا، فخرجت منها خائفا يترقب في مغامرة أخرى، حتى قيل لي الحمد الله، نجوت من القوم الظالمين.

رفعت الأقلام وجفّت الصحف

لقد تعمدت في هذه الشهادة ألا أحلل المواقف والأحداث بعقلية الباحث، وآثرت أن يكون الجانب الإنساني فقط هو الحاضر في تفصيلاتها حتى لا أشتت القارئ بين المعلومة والتحليل.

وتعمدت كذلك ألا أذكر أسماء الشخصيات التي شاركتني التجربة لأني لم أستأذنهم في نشر أسمائهم، كما أن ذلك قد يعرضهم لضغوط أمنية داخل مصر هم في غنى عنها، لكني أسأل الله أن يتقبل جهدهم وبذلهم وتضحياتهم وأن يجمعني بهم في الدنيا على خير وفي الآخرة في جنات النعيم.

بكل تأكيد هناك آلاف الشهادات التي يمكن أن تروى عمّا حدث في فض الاعتصامين في رابعة والنهضة، وهناك آلاف القصص الإنسانية التي يجب أن توثّق حتى تستفيد الأجيال القادمة من هذه التجارب، لذلك أدعو من تتاح له الظروف أن يوثق شهادته حتى تكتمل الصورة.

فمهما كتبت فأنا أكتب فقط من زاوية التجربة التي عشتها، وهناك زوايا أخرى عديدة لم تغطها الشهادة يملك كل من شارك في الاعتصام نصيبا منها، بل إنّ شهادتي نفسها لم أتحدث فيها عن كل ما حدث، فهناك تفاصيل وأحداث لم أروها حتى لا تطول الشهادة، فقد بدأتها من ليلة الفض ولم أتحدث عن الاعتصام نفسه والذي استمر نحو شهرين، لذلك أوجزت قدر ما استطعت دون إخلال بالأحداث الرئيسية. وربما يكون قد حدث عندي التباس غير مقصود في بعض تفاصيل الأحداث الفرعية نظرا لظروفي الصحية وقتها.

رسالة إلى الأجيال القادمة

أخيرا، لقد ذكرت بعض المواقف التي تعرضت فيها لرحمات الله وحفظه ورعايته ويهمني أن أذكر عدة أمور حول هذه الرعاية الربانية:

أولا: أن حدوثها لا يعني تميزا لصاحبها في علاقته بالله، فهذه الرعاية الربانية قد تحدث لغير المسلم، بل حتى للملحد الذي لا يؤمن بالله، لسبب واحد فقط، هو أنّ من سنن الله في كونه التي لا تتغير ولا تتبدل أن العدل أساس الملك وأن الله ينتصر للمظلوم ويشمله برعايته، حتى لو غير مسلم، حتى يقتص له، فبالعدل قامت السماوات والأرض.

ثانيا: أهم درس يمكن أن يتعلمه أحد من هذه الشهادة ويجعله نبراسا له منها، بل يعلقها أمامه دائما، هو أنّ فريضة نصرة الحق والدفاع عن المظلومين والتمسك بالدين لا تقدم أجلا ولا تؤخر رزقا.

من لا يزال يظن بعد هذه الشهادة أن النفع والضر بيد أحد غير الله، فهو لم يستفد شيئا مما قرأ وأضاع وقته، لقد اجتمعت كل أسباب الدنيا لكي أموت يومها لكنّ تقدير الله كان النجاة لا الموت لي ولغيري، وهناك من استشهد منذ اللحظة الأولى. إنه الله ولا أحد سواه يقرر متى وكيف وأين.

لقد جاءني خاطر منه سبحانه انني سأصاب الآن وقد حدث، ثم خلعني من عالم الأسباب فسخّر لي اثنين حملاني على دراجتهما النارية دون طلب مني، وعندما جلست وحيدا خارج الميدان بعد أن تركاني سخّر لي من أعرف ويعرفني ليبقى معي، ثم سخر لي السيارة التي توقفت وفيها شابان لا أعرفهما، ثم مررنا بكمائن الموت فأعمى أبصارهم وطاشت رصاصتهم، ثم سخر لي الطبيبة الفاضلة تمرضني وتعودني، ثم المركز الطبي الذي تعامل مع الإصابة، ثم من يحملني خارج القاهرة، ثم من يكمل علاجي، ثم من يعطيني مفتاح بيته دون أن أطلبه!!

حين تتأمل كل هذه المحطات تجد أنني لم أفعل أي شيء ولم أبادر لشيء أو أسعى إليه للنجاة بنفسي! لقد أراد هو وحده أن أعيش وألا يصيبني أذى أكثر مما قدره، هو في السيناريو المكتوب في اللوح المحفوظ من قديم الأزل، فقال كن فكان بلا حول مني ولا قوة، وهناك من اصطفاه الله شهيدا أو أسيرا لأن هذه أيضا إرادته وليست إرادتهم، لقد كانوا الأداة فقط لإمضاء إرادة الله التي لا يغيّرها بشر.

الأمة في منعطف تاريخي كبير ويجب أن نكون جميعا على قدر المسئولية والتحدي، وإلا سندخل في التيه لعشرات السنين وسيلعننا أبناؤنا والأجيال القادمة على ما فرطنا فيه من واجبات تجاه فلسطين وتجاه أوطاننا، فانفضوا عن أنفسكم بواعث اليأس والجبن وقوموا نصرة للحق والمظلومين

"واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك.. واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف" (الحديث). فلماذا نخاف إذا من سلطان أو ظالم؟! ولماذا نسكت عن نصرة الحق والمستضعفين في غزة وفي عالمنا الإسلامي؟

اعتقال مؤيدي النظام

لقد كان هناك أناس لم يكونوا معتصمين، بل كانوا رافضين للاعتصام وضد الرئيس مرسي، واعتقلوا وبعضهم قتل بالخطأ على أيدي الشرطة، فلا الإقدام يقصّر الأعمار ولا الجبن يدفع الأقدار.

فإلى المعتقلين الذين يقرأ بعضهم كلامي هذا الآن وإلى أسرهم وأسر الشهداء والمطاردين، لا يسخطن أحدكم على أقدار الله، فهو وحده الضار والنافع ولا يصير في ملكه إلا ما يريده، فالرضا والتسليم بما أمر هو عين راحة القلوب والأبدان.

إنّ كثيرا ممن يسخطون على أمر الله فيهم؛ الدنيا في نظرهم متاع كبير فيحزنون على ما فاتهم منها ويقارنون أنفسهم بغيرهم، ولو علموا حقيقتها وأنها ظلّ شجر زائل لا محالة لاستراحوا وتحول بلاؤهم إلى نعمة بالرضا والصبر الجميل.

إلى الثائر أو المجاهد أو الأخ الذي باع قضيته أو تزاحمت عليه الهموم والغموم.. إلى الذي ربما انقلب على عقبيه فلم يبع القضية فحسب، بل انتقل الى الجانب الآخر مع الظالمين يبحث لنفسه عن الأمان والاستقرار بينهم كما يظن.. إلى من يشاهد ما يحدث من إبادة جماعية لأهلنا في غزة وهو صامت متخاذل حرصا على حياته ومعاشه، هذه المذكرات لك أنت تحديدا، تقول لك إن هناك يدا عليا تعمل في الخفاء، هي وحدها من تقرر ماذا ومتى وكيف.

إلى الذين تركوا فرائض نصرة المظلوم وإغاثة الملهوف، إيثارا للسلامة وبحثا عن الجهاد اللذيذ الذي لا تعب فيه ولا مشقة ولا مخاطرة ولا منغصات ولا كدر ولا تعكر في المزاج!!.. أقول لكم ولنفسي قبلكم: إن الأمة في منعطف تاريخي كبير ويجب أن نكون جميعا على قدر المسئولية والتحدي، وإلا سندخل في التيه لعشرات السنين وسيلعننا أبناؤنا والأجيال القادمة على ما فرطنا فيه من واجبات تجاه فلسطين وتجاه أوطاننا، فانفضوا عن أنفسكم بواعث اليأس والجبن وقوموا نصرة للحق والمظلومين.. انتهت.

للتواصل عبر الفيسبوك:
facebook.com/share/19Q8TQTgUB/?mibextid=wwXIfr

شهادتي على مذبحة فض رابعة (5-5)


ممدوح المنير يكتب: مهما كتبت فأنا أكتب فقط من زاوية التجربة التي عشتها، وهناك زوايا أخرى عديدة لم تغطها الشهادة يملك كل من شارك في الاعتصام نصيبا منها، بل إنّ شهادتي نفسها لم أتحدث فيها عن كل ما حدث، فهناك تفاصيل وأحداث لم أروها حتى لا تطول الشهادةالتفاصيل

شهادتي على مجزرة فض اعتصام رابعة (4)
15-Sep-25 - 01:09 PM


ممدوح المنير يكتب: أعتقد أن من أكثر الفئات معاناة خلال عملية الفض أو بعدها هم الأطقم الطبية، فقد كان الوضع داخل المستشفى الميداني غير المجهز كارثيا ومأساويا بمعنى الكلمة، فلا توجد معدات طبية لمعظم الإصابات الحرجة التي كانت تصل إليه، فضلا عن الأعداد الهائلة من المصابين الذين كانوا بالآلاف مع طاقم طبي بالعشرات. أعتقد أنها كانت تجربة إنسانية في غاية الصعوبة وتحتاج لتوثيق كامل لها، سواء لمحاسبة هؤلاء المجرمين يحين وقت الحساب أو حتى كدرس وعبرة للأجيال القادمةالتفاصيل

شهادتي على مجزرة فض اعتصام رابعة (3)
04-Sep-25 - 01:53 AM


ممدوح المنير يكتب: كانت العواطف جيّاشة والدموع رقراقه، فهم يتركون خلفهم عالمهم الجميل وقد أصبح خرابا، يتركون أحبتهم وإخوانهم وقد غيّبهم الموت في كل مكان، يتركون مصابين يتلوّون ألما لم يستطيعوا الوصول إليهم بسبب شدة إطلاق النيران، لقد كنّا نودع شهداءنا دون أن ندفنهم والمصابين دون أن نداوي جراحهمالتفاصيل

شهادتي على مذبحة فض اعتصام رابعة (٢)
25-Aug-25 - 09:52 AM

كان واضحا منذ البداية أن فض الاعتصام لم يكن الهدف الأول لدى السيسي وحاشيته، ولكن إحداث مجزرة دموية تجاه المعتصمين تجعل من الصعب على اركان الانقلاب العودة إلى الوراء بعدها والتخلّي عنه، فضلا عن إحداث صدمة نفسية عنيفة للشعب يفرض بها سطوته ويزرع الخوف في قلوب الناس.التفاصيل

شهادتي على مذبحة فض رابعة (١)
18-Aug-25 - 08:07 AM


إنها شهادة أدوّنها للأجيال القادمة، ليستفيدوا منها في معاركهم في سبيل الحق والعدل والحرية، لله أولًا، ولأوطانهم ثانيًة و لقد ركّزت فيها على الجانب الإنساني دون تعرض للجانب السياسي حيث إنني قد كتبت سلسلة مقالات على عربي ٢١ حول الجانب السياسي من كافة جوانبه، هذه المذكرات تركز على التجربة الإنسانية التي تحكي في تفاصيلها حجم المجزرة وبشاعتها.التفاصيل

الثلاثاء، 15 أغسطس 2023

توقف الزمن عند يوم الفض‼️

توقف الزمن عند يوم الفض‼️
لأول مرة .. شهادتي على مجزرة رابعة




الأحد، 13 أغسطس 2023

اقوي خطبة مع الشيخ حمد الحقيل

نعيد

اقوي خطبة عن رابعة 

الشيخ  حمد الحقيل 

وتم اعتقالة بعد هذة الخطبة..

استمع لقوة الكلمات عن مصــــر !

 



 



الخميس، 10 أغسطس 2023

ناجون من مذبحة "رابعة" يروون لـ"عربي21" مشاهد مؤثرة.. أفخاخ للموت

ناجون من مذبحة "رابعة" يروون لـ"عربي21" مشاهد مؤثرة.. أفخاخ للموت

تحل الاثنين 14 آب/ أغسطس الجاري، الذكرى العاشرة لمجزرة فض اعتصام أنصار الرئيس المصري الراحل محمد مرسي، التي ارتكبها رئيس النظام الحالي عبدالفتاح السيسي في ميداني "رابعة العدوية"، والنهضة" عام 2013.

المذبحة التي وصفتها منظمة "هيومن رايتس ووتش" بأنها "إحدى أكبر وقائع القتل الجماعي لمتظاهرين سلميين في يوم واحد في تاريخ العالم الحديث"، جاءت إثر انقلاب السيسي، ضد أول رئيس مصري منتخب ديمقراطيا في 3 تموز/ يوليو 2013، واعتصام أنصاره رفضا للانقلاب.

وبحسب وصف "هيومن رايتس ووتش"، فقد قام "أفراد الشرطة والجيش، باستخدام ناقلات الأفراد المدرعة، والجرافات، وقوات برية وقناصة، بالاعتداء على مخيم الاعتصام حيث كان متظاهرون، وبينهم سيدات وأطفال، قد خيموا لما يزيد على الـ45 يوما، وفتحوا النيران على المتظاهرين".


وقالت إن ما حصل "لم يكن مجرد حالة من حالات القوة المفرطة أو ضعف التدريب، بل كانت حملة قمعية عنيفة مدبرة من جانب أعلى مستويات الحكومة المصرية".

تقارير سلطات الانقلاب الرسمية قالت إن عدد قتلى عملية فض رابعة والنهضة بلغ نحو 650 قتيلا، ونحو 4400 مصاب، بينما رفعت "هيومن رايتس ووتش" العدد لأكثر من ألف، فيما أكدت جماعة الإخوان المسلمين أن العدد تجاوز الثلاثة آلاف قتيل وآلاف الجرحى والمصابين.

"عربي21"، تحدثت إلى إحدى نساء المعتصمين في رابعة، وإلى اثنين من السياسيين والإعلاميين الذين عاشوا وقائع مجزرة الفض بتفاصيلها القاسية وأحداثها المؤلمة والباقية في ذاكرتهم حتى بعد مرور 10 سنوات.

"البحث عن زوجي"

"أم عبدالله"، تقول في شهادتها لـ"عربي21": "كنت أبقى في الميدان يوما كاملا ثم أعود إلى بيتي أنا وابنتان لي في المرحلة الإعدادية وابن كان في الثانوية العامة حينها ومعتقل منذ العام 2014- لكن زوجي –معتقل منذ 2013- لم يغادر الميدان منذ بداية اعتصام رابعة العدوية وحتى يوم الفض".

وأضافت: "في هذا اليوم كان مقررا أن أعود لبيتي وأولادي، وفهمنا مع خروجنا من الميدان أن الأمن يهجم على المعتصمين وأن الفض بدأ، بعدما سمعنا طلقات الرصاص المرعبة، ومع ذلك قررت العودة بأبنائي إلى القرية، والبقاء مع زوجي في الاعتصام".

وأشارت إلى أن خيمتهم كانت في مقدمة الاعتصام، من ناحية النصب التذكاري، وهو أكثر الأماكن الذي تعامل فيه الأمن بوحشية مع المعتصمين، وقتل فيه الكثيرون، مشيرة إلى أنها حاولت الوصول إلى زوجها، وسط إطلاق النار الكثيف، والقنابل والفوضى، ومحاولات المعتصمين الدفاع عن أنفسهم بالحجارة ورد قنابل الدخان.

وأضافت: "خوفي زاد على زوجي، بسبب ضراوة الاشتباكات، وسقوط قتلى وجرحى، ولم أكمل البحث عنه، بعدما طمأنني شباب من قريتي أنه على قيد الحياة، رغم شعوري أنهم لم يخبروني بالحقيقة، لكن بعدما علمت بمقتل شاب من قريتي بالرصاص، جلست على الأرض مذهولة وفي حالة صدمة مما يجري".

وقالت إن بعض المعتصمين، طلبوا مني العودة إلى الوراء، والابتعاد عن الرصاص المتجه إلينا، والذهاب نحو النساء، وعدت حزينة على الرجل الذي قتل من قريتنا، والذي رزق حينها بمولودة، لم تكمل عامها الثاني، بعد أن حرم من الإنجاب سنوات طويلة.

ولفتت "أم عبد الله" إلى أنها علمت من أحد المعتصمين، أن زوجها مصاب برصاصة، ونقل للمستشفى الميداني، وبعد معاينة الإصابة تبين أنها سطحية في ذراعة.

وأشارت إلى أن المستشفى الميداني، ازدحم بالجرحى وجثث القتلى، وقام بعض المعتصمين بحمل زوجي وتمكنا من الخروج من الميدان، باتجاه القرية، لكن صوت الرصاص لم يفارق أذني بعد كل هذه السنوات.


وقالت إن الأمن لم يترك زوجها رغم إصابته، وقام باعتقاله، واعتقال ابنها منذ ذلك اليوم وحتى الآن.

"فض بشع"

أحد شهود يوم مجزرة الفض النائب البرلماني السابق طارق مرسي، قال في شهادته لـ"عربي21": "كنت بالميدان منذ بداية الاعتصام حتى يوم الفض، ووصلتنا بعض الأخبار قبل الفض بيوم أو ليلة الفض تقول إنه سيحدث هجوم من قوات الأمن على رابعة، لكن الخبر لم يكن مؤكدا وقلنا إنه يمكن أن يكون مسربا عن طريق الشؤون المعنوية للقوات المسلحة".

وأوضح أنه مع ذلك "قام المعتصمون ببعض التجهيزات داخل الميدان حيث وضعت كل خيمة برميل مياه أمامها على أساس ما ظنناه أن يتم الفض بالقنابل المسيلة للدموع وعلى أساس أي قنبلة تضرب يتم وضعها في المياه حتى لا يختنق المعتصمون، ولم يكن يتوقع أحد أن يكون الفض بهذه الطريقة البشعة".

وأضاف مرسي: "لكن كانت المفاجأة في الساعة السابعة إلا ربعا صباحا، حيث وجدنا قوات الأمن من الجيش والشرطة تحاصر ميدان رابعة من جميع الاتجاهات، وللأسف وبدون أية مقدمات وبجميع أنواع الأسلحة من قنابل مسيلة للدموع وبالرصاص الحي بدأوا بضرب المعتصمين من جميع الاتجاهات".

وتابع: "للأسف إلقاء بعض الحجارة هو ما كان المعتصمون قادرين على فعله، ولكنهم لم يستطيعوا الصمود كثيرا بسبب قوة ضرب النار من جميع الاتجاهات، بل وفوجئنا بعد ذلك بوجود طائرات، وبدأ الضرب من الجو، بجانب القناصين الموجودين على بعض أسطح المباني".

ويؤكد أنه "تم الضغط على المعتصمين حتى وصل أغلبهم إلى منطقة المنصة الإعلامية للاعتصام، والمستشفى والمسجد الذي يحمل اسم رابعة، وفي هذا الوقت سقط شهداء كثيرون ومصابون بأعداد كبيرة جدا، وعدد الأطباء لم يكن كافيا لمحاولة إنقاذ كل المصابين".

ولفت إلى أن أولوية العلاج كانت بحسب نوع الإصابة، وكان الأطباء يتعاملون مع من أصيب بطلق ناري في قدمه بربط الجرح ووقف النزيف مرحليا، حتى يباشروا الحالات الأخرى الأخطر المصابة بطلقات في البطن وغيرها.

ويواصل سرد شهادته: "بقيت في هذا المنطقة القريبة من المنصة حتى الساعة الـ10 ونصف صباحا، وكان ابني معي وهو في عمر الـ15، ولكن للأسف غاب عني من قوة الضرب وكثرة القنابل وأصبح في مكان وأنا في آخر، لكن ظللت أتابع معه بالهاتف، حتى وجدته وثلاثة من الشباب يحملون مصابا هو جارنا حتى أدخلوه المستشفى الميداني".

وأضاف مرسي: "صعدت حتى الدور الرابع من المستشفى الميداني، وما رأيته من مصابين وشهداء شيء صعب جدا، حتى رأيت الشهيدة أسماء البلتاجي نجلة القيادي في جماعة الإخوان محمد البلتاجي، يحملونها وهي مضروبة بالنار، ولما دخلت المستشفى لم يطل الأمر وتوفيت أمامنا".

وتابع: "بعد ذلك جاءني هاتف من أسرتي يقول، إن ابن عمي الدكتور خالد كمال وهو من الإخوان المسلمين، ومقيم في حدائق حلوان بالقاهرة، استشهد في رابعة، وهنا بدأت النزول والسؤال عنه بجميع الطوابق، فوجدت بعض الشهداء الذين تمت كتابة أسمائهم والبعض الآخر لم يتم بعد".

وقال مرسي: "ظللت أبحث في كل طابق في جثامين الشهيد عن ابن عمي، حتى نزلت إلى البدروم، ووجدت فيه عددا كبيرا من الشهداء والمسنين والشباب والأطفال والنساء والبنات، وفي كل الطوابق لم أجد ابن عمي، وابني بالطابق الرابع مع جارنا المصاب"، وفق مرسي.

وأشار إلى أنه فوجئ بأن الجيش والشرطة بدأوا الهجوم على المستشفى، وضرب مداخله من الخارج فلا أحد يمكنه النزول أو الصعود، حيث جرى ضرب المكان بالقنابل المسيلة للدموع، وكل الموجودين أسفل المستشفى شعروا بالاختناق من كثرة ضرب القنابل، وشعرت باختناق شديد وبعض من حاول الصعود للأدوار العليا من الاختناق تم ضربهم أمام عيني".

وقال: "أيقنت بأنني سأموت لا محاولة إن بقيت في المكان، لذلك جازفت بمحاولة الصعود حتى الطابق الرابع، وبقيت في المكان الذي تكدست الجثث فيه بصورة غير معقولة، فضلا عن الجرحى، حتى السادسة مساء، وعندها هددنا الأمن، بأنه في حال عدم الخروج من المكان خلال 10 دقائق فسيتم حرق المبنى بمن فيه".

وكشف عن أن إحدى الغرف الصغيرة، حولها الأطباء إلى غرفة عمليات عاجلة، وكان هناك عدد من المصابين، إصابات بالغة في بطونهم، وتحت العمليات، وبعضهم أمعاؤه في الخارج، لكن بعد تهديد الأمن، اضطر الجميع للخروج، بمن فيهم الأطباء مرغمين، وتركوا المصابين بتلك الحالة المأسوية".

وروى أنه لحظة نزوله من المستشفى، وهم يحمل جاره مع آخرين، كان الكثير من المصابين ينظرون إليهم ويطلبون العون لإخراجهم، لكن قلة العدد لم تسمح بإخراج كل من كان هناك.

ولفت إلى الأمن لم يكن يعرف أنه نائب بمجلس الشورى، وتمكن من الخروج أمامهم، وهو يحمل جاره المصاب، وقال: "الأسلحة كانت مصوبة علينا طوال خروجنا، حتى اجتزنا الميدان الذي دمر بالكامل، إلى مكان آخر ووضعنا المصاب على الرصيف، حتى وصول سيارة إسعاف".

وقال إن "البلطجية، استوقفونا مرارا خلال طريقنا إلى المستشفى، وهناك تركنا المصاب وحده، بعد نصيحة البعض بأن نغادر سريعا، وإلا فإنه سيتم اعتقالنا، ولم أتمكن من الوصول إلى بيتي سوى في الساعة الرابعة فجر اليوم التالي، بسبب إغلاق البلطجية للشوارع".

من جانبه يسرد الكاتب والصحفي قطب العربي، شهادته حول المجزرة، وقال إنهم في الأيام الأخيرة للاعتصام، كانوا يوقنون أن "الفض قادم لا محالة، وقام الأمن بحصد أرواح معتصمين سلميين عبر أفخاخ للقتل أطلق عليها الممرات الآمنة".

وأضاف: "مع بدء الفض توجهنا في حركة صحفيون ضد الانقلاب لمقر نقابة الصحفيين، ووقفنا نهتف على سلالمها ضد عملية الفض، واتجهنا إلى مقر الاعتصام في دروب وطرق صعبة ما تسبب في تفرقنا، وكانت عمليات الكر والفر في كل مكان، وملاحقات الشرطة والجيش أيضا".

وتابع: "دخلنا الميدان من ناحية نادي السكة الحديد، وعلمنا باستشهاد الصحفيين أحمد عبدالجواد الصحفي بجريدة الأخبار، وبعده حبيبة عبد العزيز، ومصعب الشامي، والمصور بشبكة سكاي نيوز العالمية مايك دين".

وأوضح العربي أنه "بينما كنا نحاول الوصول لقلب الميدان للمساهمة في جهود الإنقاذ، فقد تمت محاصرتنا بأرتال من سيارات ومدرعات الشرطة والجيش، في تلك اللحظة لذت مع آخرين بالمسجد الموجود في المكان والذي كان قد تحول إلى مستشفى ميداني اكتظ بالمصابين".


ولفت إلى أنه "خلال عملية الملاحقة الأمنية والاشتباك بالايدي بين رجال الأمن والمتظاهرين أصيب جنديان، وحملهما المتظاهرون للمستشفى الميداني للعلاج، ولكن القوة العسكرية التابعين لها ظنت أنهما تم اختطافهما، ففتحت نيرانها مباشرة باتجاه المعتصمين داخل المسجد وكنت من بينهم".

وقال: "أغلقنا الأبواب والنوافذ وتترس المعتصمون خلفها، لكن الرصاص لم يتوقف قادما من بعض النوافذ، طلب منا المسؤولون عن المستشفى الميداني الانبطاح أرضا باعتبارنا مصابين لعل ذلك يخفف النيران ضدنا، مرت رصاصة من فوق ظهري بسنيتمرات قليلة، واستقرت في جسد طبيب بجواري كان يعالج أحد المصابين فأردته شهيدا" وفق وصفه.

وأضاف: "لو أنني رفعت ظهري قليلا في تلك اللحظة، فربما كانت الرصاصة من نصيبي، وهذا المشهد لم أستطع محوه من ذاكرتي طيلة السنوات العشر الماضية، وإلى جانبه مشاهد مرعبة أخرى كنت شاهدا عليها".

اقرأ أيضا:

السبت، 5 أغسطس 2023

فيلم عالمي عن مجزرة رابعة يعرض في لندن

 فيلم عالمي عن مجزرة رابعة يعرض في لندن
شهادات حصرية ..نقاش حول وثائقي يكشف عن تفاصيل جديدة حول رابعة العدوية

ذكريات مجزرة: عرض فيلم وثائقي عن حملة رابعة المصرية في بافتا
يروي الفيلم الوثائقي لنيكي بولستر مقتل مئات المتظاهرين في ميدان رابعة بعد استيلاء عبد الفتاح السيسي على السلطة عام 2013.

بث فيلم وثائقي يؤرخ مقتل مئات المتظاهرين المصريين في ميدان رابعة العدوية في القاهرة في أعقاب انقلاب 2013 الذي أطاح بعبد الفتاح السيسي إلى السلطة ، في الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون (بافتا) يوم الخميس لاقى استحسانًا كبيرًا.

رافق عرض فيلم ذكريات مجزرة لنيكي بولستر حلقة نقاش ضمت نشطاء وصحفيين وشهود عيان من بينهم مراسل ميدل إيست آي خالد شلبى.

وقال شلبى شاهد عيان على المجزرة "كان واضحا أن الخطة منذ البداية كانت قتل الجميع".

أثار تصوير الفيلم الذي لا يتزعزع للقتل الجماعي ، الذي خلف ما لا يقل عن 900 قتيل ، ردود فعل عاطفية من الجمهور.

ومع ذلك ، اندلعت التوترات ، حيث تم إخراج مؤيدي السيسي ، الذين يقل عددهم عن خمسة ولكنهم نشروا منشورات للجمهور ، من العرض.

في يونيو 2013 ، في أعقاب الانقلاب الذي أطاح بأول رئيس منتخب ديمقراطيًا في مصر ، محمد مرسي ، نظم الإخوان المسلمون وأنصار الديمقراطية اعتصامًا جماهيريًا للمطالبة بإعادته إلى منصبه.

وفقًا لـ هيومن رايتس ووتش (هيومن رايتس ووتش) ، انضم ما يقرب من 85000 متظاهر إلى الاحتجاجات ، التي شهدت العديد من الأشخاص يعيشون وينامون في ساحتي رابعة والنهضة.

وشهدت روايات شهود العيان على الطبيعة السلمية للاحتجاج ، حيث أشار الكثيرون إلى الجو "السحري" في ميدان التحرير في عام 2011 أثناء انتفاضة الربيع العربي.

لكن مع مرور الوقت ، شعر أنصار الجيش بالإحباط وأمروا بالفض في رابعة في 14 أغسطس ، مع تقدم عربات مدرعة وجرافات ومئات من قوات الأمن.

على مدار الساعات الأربع والعشرين التالية ، قُتل ما لا يقل عن 900 متظاهر ، بينهم نساء وأطفال ، وفقًا لمنظمة هيومن رايتس ووتش

مذبحة مخطط لها

يبدأ فيلم Bolster بصورة ملتقطة لشاب يمشي وسط حطام الدخان ، ويتدلى من يده مقلاع. قال المصور إن هذا تم التقاطه قبل لحظات من وفاة الشاب.

كانت المذبحة واحدة من أكثر الأعمال الوحشية الموثقة بصريًا في التاريخ الحديث. فتحت قوات الأمن النار في وضح النهار.

تم توثيق الكثير من تلك اللقطات في الفيلم. جنبًا إلى جنب مع شهادات من ناجين ، ومجموعة من الرؤساء الذين يتحدثون من بينهم مسؤول إدارة أوباما السابق بن رودس ، ومراسل نيويورك تايمز ديفيد كيركباتريك ، ورئيسة هيومن رايتس ووتش السابقة في المنطقة سارة ليا ويتسن.

"لم تكن الخطة مجرد تفريق الاحتجاجات ، ولكن لمعاقبة الناس فعليًا وتقديم عبرة"

- عمرو مجدي ، هيومان رايتس ووتش

بعد سنوات ، وجد تقرير لمنظمة هيومان رايتس ووتش  أدلة على أن السلطات خططت للقتل الجماعي. وتشهد لقطات الفيلم على ذلك ، مع صور قناصين تم وضعهم بعناية على أسطح المباني المحيطة بالميدان وطائرات هليكوبتر تطلق النار من فوق.


تم تشغيل التحذيرات الحلقية المسجلة مسبقًا بشأن التشتت الوشيك من خلال مكبرات الصوت قبل لحظات فقط من الهجوم. كان التحذير الأول للكثيرين هو إطلاق الذخيرة الحية.

قال أسامة جاويش ، رئيس تحرير Egypt-Watch في مقدمته للفيلم: "كنت هناك".

"لا أستطيع أن أنسى صوت صفارات الإنذار الرهيب. ما زلت أتذكر الصوت المخيف [يطلب من المتظاهرين أن يتفرقوا]. لقد سمعت هذا الصوت منذ سنوات عديدة."

تتناقض الوحشية المحسوبة مع إنسانية المحتجين: لقطات  اللحظات الأخيرة لأسماء البلتاجي البالغة من العمر 17 عامًا على أرض المستشفى ؛ أجبرت الشابة على البحث في أكوام الجثث للعثور على أخيها ؛ وأخيرًا كلمات المصور ميك دين الحزينة ، "لقد تم إطلاق النار علي".

لغة الإبادة الجماعية

لكن الفيلم ليس مجرد وثيقة مجزرة. كما يرسم موت الديمقراطية المصرية ، وتحطيم الأحلام التي نشأت في ميدان التحرير في الأسابيع التي سبقت وبعد سقوط المستبد القديم حسني مبارك.

في رواية Bolster ، يمثل رابعة النهاية المفاجئة لتلك الأحلام. وسط النشوة التي أعقبت انتفاضة 25 يناير 2011 ضد مبارك ، استعد الإخوان المسلمون لأول انتخابات ديمقراطية في مصر.

أصبح مرسي ، مرشحهم المفضل ، أول زعيم منتخب في البلاد.

مجزرة رابعة: رواية شاهد عيان لأب ثكل
اقرأ أكثر "

لكن على الرغم من ذلك ، كانت البلاد لا تزال في قبضة الجيش. عانى حكم مرسي من نقص الوقود وانقطاع التيار الكهربائي وحالات اختفاء الشرطة من الشوارع. بمجرد خلع مرسي ، اختفت هذه المشاكل بأعجوبة. 

يلمح رواية الفيلم إلى دور "الدولة العميقة" في هندسة النقص وانقطاع التيار الكهربائي.

في يونيو 2013 ، أطاح السيسي بمرسي ، الذي كان يشغل منصب وزير الدفاع في ذلك الوقت. تميزت الأشهر التي أعقبت الانقلاب باحتجاجات واعتصامات. لكن مجزرة رابعة قضت على آخر بقايا الثورة.

يتضمن الفيلم شريطًا إخباريًا من الحملات العامة ضد الاعتصام ، حيث يُشار إلى المتظاهرين باسم "الصراصير" الذين يجب "سحقهم".

وقالت داليا فهمي ، أستاذة العلوم السياسية المساعدة في جامعة لونغ آيلاند ، خلال حلقة نقاش "هذه اللغة استخدمت في رواندا وسريبرينيتشا والمحرقة وكمبوديا ... كانت هذه إبادة جماعية".

Tinderbox

يسلط بولستر الضوء على دور تقاعس الجهات الدولية الفاعلة في ترسيخ سلطة السيسي ، مما سمح بالإفلات من العقاب الذي مارسه في رابعة لتحديد حكمه ، الذي شهد منذ ذلك الحين ما يقدر بنحو 65 ألفًا يقبعون خلف القضبان.

وقال عمرو مجدي ، الباحث في هيومن رايتس ووتش ، خلال حلقة النقاش: "أعتقد أن الخطة لم تكن فقط لتفريق الاحتجاجات ، ولكن لمعاقبة الناس فعليًا وجعل عبرة".

"وما سيحدث بعد ذلك ، في الأسابيع والأشهر والسنوات التالية هو في الواقع أسوأ تجربة للاستبداد."

أكثر ما يكشف عن ذكريات رودس ، الذي اعترف بأن السيسي كان يعلم أن الولايات المتحدة لن تتدخل بعد الانقلاب.

"لقد كانت واحدة من أكثر التجارب المخيبة للآمال ، والكآبة ، والغضب لأننا كحكومة اتخذنا قرارًا بأننا لن نتراجع عن حقيقة هذا الانقلاب. والآن نشهد أكثر عواقبه حدة. يتذكر في الفيلم الوثائقي.

وبحسب فهمي ، فإن "الاستقرار" في مصر يعني بالنسبة للإدارة الأمريكية "زيادة القمع" لشعبها.

قالت "لكن هناك نقطة انهيار". "أكبر هدية للثورة كانت كسر حواجز الخوف".

قال فهمي: "[كانت الولايات المتحدة] ستقبل الاستبداد لأن هذا هو المكان الذي سيحصلون فيه على الاستقرار" ، مضيفًا أن "مصر عبارة عن صندوق بارود ... خوفي هو أن الدورة التالية من التغيير قد لا تكون سلمية للغاية". .




دفن أحبائنا لا يعني دفن الحقيقة ': رواية أب عن مجزرة رابعة
احمد عبد العزيز
ا



هجوم هستيري من إعلام السيسي ضد فيلم عن "مجزرة رابعة"


موجة ردود واسعة وغضب في وسائل الاعلام التابعة للسيسي بسبب فيلم وثائقي عالمي باللغة الانجليزية تم عرضه في لندن، ويوثق لمجزرة رابعة في القاهرة سنة 2013.



عرض مؤثر لوثائقي عن مجزرة رابعة يخطف الأضواء في لندن

فيلم وثائقي خاص عن مجزرة "رابعة" يُعرض في لندن في ذكرى مرور عشر سنوات على المجزرة، وسط حضور كبير وتفاعل مؤثر مع الفيلم والشهادات التي وردت فيه.


ندوة حوارية مع شخصيات بارزة بعد عرض فيلم يوثق مجزرة رابعة (شاهد)

أعلنت منصة إيجيبت ووتش الحقوقية، عقد ندورة حوارية عقب العرض الأول لفيلم "ذكريات مذبحة" والذي يوثق قتل المعتصمين المناهضين للانقلاب العسكري في 


إعلان عن فيلم يوثق مجزرة رابعة يحصد أكثر من نصف مليون مشاهدة خلال يوم

حصد عرض تقديمي لفيلم يوثق مجزرة رابعة بمصر عام 2013، أكثر من 260 ألف مشاهدة خلال يوم 

تقرير MEE: ذكريات رابعة ليست توثيقا للمجزرة فقط بل لموت الديمقراطية في مصر
تم في الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون (بافتا) يوم الخميس، عرض فيلم يوثق قتل مئات المتظاهرين في ميدان رابعة العدوية في القاهرة بعد الانقلاب العسكري الذي أتى بعبد الفتاح السيسي إلى السلطة. وقد حاز الفيلم على الكثير من الإشادة والتقدير.

رافق عرض فيلم "ذكريات رابعة"، وهو من إخراج نيكي بولستر، ندوة حوارية شارك فيها نشطاء وصحفيون وشهود عيان بما في ذلك خالد شلبي الصحفي في موقع ميدل إيست آي.

وقال شلبي، الذي كان شاهد عيان على المذبحة: "كان واضحاً أن الخطة من البداية كانت تقضي بقتل الجميع".

استثار استعراض الفيلم بشكل حازم لعمليات القتل الجماعي التي راح ضحيتها ما لا يقل عن 900 شخص ردود فعل عاطفية من قبل أفراد الجمهور.

إلا أن توتراً حدث عندما قام أنصار السيسي، الذين لم يتجاوز عددهم الخمسة، بتوزيع المنشورات على الجمهور فاضطر المنظمون إلى إخراجهم من القاعة.

في شهر يوليو 2013، بعد الانقلاب الذي أطاح بمحمد مرسي، أول رئيس منتخب ديمقراطياً في مصر، نظمت جماعة الإخوان المسلمين وأنصار الديمقراطية اعتصاماً للمطالبة بإعادة الرئيس إلى منصبه.

طبقاً لمنظمة هيومن رايتس ووتش، انضم إلى الاعتصام ما يقرب من 85 ألف متظاهر، كثيرون منهم مكثوا في ميدان رابعة وفي ميدان النهضة ينامون ويقومون فيهما.

تشهد تقارير شهود العيان على الطبيعة السلمية للاعتصام، حتى إن الكثيرين عادت بهم الذاكرة إلى الأجواء "السحرية" التي اتسم بها ميدان التحرير في عام 2011 أثناء انتفاضة الربيع العربي.

ولكن مع مرور الوقت، سئم أنصار العسكر وتنامى السخط لديهم فأمروا بفض اعتصام رابعة في الرابع عشر من أغسطس (آب) باستخدام العربات المدرعة والجرافات والمئات من قوات الأمن الذين اقتحموا الميدان.

على مدى الساعات الأربع والعشرين التالية، قتل ما لا يقل عن 900 متظاهر، بما في ذلك عدد كبير من النساء والأطفال، بحسب ما ورد في تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش.

مذبحة خطط لها
يبدأ فيلم المخرجة بولستر بصورة التقطت لشاب وهو يمشي وسط الركام الذي يتصاعد منه الدخان، يتدلى من يده مقلاع. التقطت تلك الصورة قبل لحظات من موت ذلك الشاب، بحسب شهادة المصور نفسه.

كانت المذبحة واحدة من أكثر الفظائع توثيقاً بالصوت والصورة في التاريخ المعاصر، فقد فتحت قوات الأمن النيران على الناس في وضح النهار.

يتضمن الفيلم مقاطع مصورة كثيرة توثق الحدث، كما أنه يشتمل على شهادات أدلى بها الناجون وعلى تصريحات وتحليلات لشخصيات بارزة بما في ذلك بن روديس، المسؤول السابق في إدارة الرئيس أوباما، ودافيد كيركباتريك، مراسل "نيويورك تايمز"، وساره ليا ويتسون، المديرة الإقليمية السابقة في منظمة هيومن رايتس ووتش.

بعد مرور سنين على المذبحة، توصل تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش إلى ما يثبت أن السلطات خططت مسبقاً لعملية القتل الجماعي. يؤكد ذلك ما ورد في الفيلم من مشاهد مصورة يظهر فيها قناصون اتخذوا لأنفسهم مواقع فوق أسطح البنايات المحيطة بالميدان كما تظهر فيها طائرات عمودية وهي تطلق النار على الناس من فوق.

قبل لحظات فقط من الهجوم، كررت قوات الأمن بث تحذيرات مسجلة مسبقاً بأن الفض كان وشيك الوقوع. إلا أن التحذير الأول بالنسبة للكثيرين جاء مع بدء إطلاق الذخيرة الحية.

في حديثه أثناء تقديم الفيلم، قال أسامة جاويش رئيس تحرير إيجيبتووتش: "كنت هناك".

وأضاف: "لا يمكنني نسيان الصوت الرهيب لصفارات الإنذار. ما زلت أذكر الصوت المرعب [الذي أمر المعتصمين بالتفرق]. ظللت لسنوات عديدة أسمع ذلك الصوت".

في مقابل التوحش الذي دبر بليل هناك الإنسانية التي تحلى بها المعتصمون، ولا أدل على ذلك من المقطع المصور لآخر لحظات في حياة أسماء البلتاجي التي كانت في السابعة عشرة من عمرها وهي ممددة على أرض المستشفى، وكذلك المقطع المصور الذي تجبر فيه امرأة شابة على البحث عن شقيقها بين أكوام من الجثث، والكلمات الأخيرة الحزينة التي نطق بها المصور ميك دين، قبيل وفاته مباشرة، وهو يقول "لقد أصبت".

لغة الإبادة الجماعية
إلا أن الفيلم ليس مجرد توثيق لمذبحة، بل إنه توثيق كذلك لموت الديمقراطية المصرية وتحطم الأحلام التي تشكلت في ميدان التحرير خلال الأسابيع التي سبقت ثم لحقت سقوط الطاغية حسني مبارك.

في الرواية التي تقدمها بولستر، تمثل رابعة النهاية المباغتة لتلك الأحلام. ففي خضم النشوة والابتهاج الذي تلا انتفاضة الخامس والعشرين من يناير (كانون الثاني) 2011 ضد مبارك، استعدت جماعة الإخوان المسلمين لأول انتخابات ديمقراطية تجرى في مصر.

غدا مرسي، مرشحهم المفضل، أول رئيس منتخب في البلاد.

ولكن على الرغم من ذلك، لم تزل البلاد في قبضة العسكر. وأصيبت فترة حكم مرسي بنقص الوقود وانقطاع الكهرباء وغياب الشرطة من الشوارع. ثم ما أن أطيح بمرسي حتى اختفت هذه المشاكل بما يشبه المعجزة.

تلمح سردية الفيلم إلى دور "الدولة العميقة" في نقص الوقود وانقطاع الكهرباء.

وفي يونيو 2013 أطيح بمرسي من قبل السيسي، الذي كان في ذلك الوقت يحتل منصب وزير الدفاع. وشهدت الشهور التي تلت الانقلاب احتجاجات واعتصامات، إلا أن المذبحة التي ارتكبت في رابعة قضت تماماً على ما تبقى من الثورة.

تضمن الفيلم مقاطع من برامج إخبارية ضمن حملة عامة ضد الاعتصام، وصف المتظاهرون فيها بأنهم صراصير يتوجب أن يتم سحقهم.

أثناء الندوة التي أعقبت عرض الفيلم، قالت داليا فهمي، المحاضرة في العلوم السياسية في جامعة لونغ آيلاند: "استخدمت هذه اللغة في رواندا وفي سريبرينيشا، وفي المحرقة، وفي كمبوديا. كان ذلك بمثابة إبادة جماعية".

تسلط المخرجة بولستر الضوء على الدور الذي لعبه عدم مبالاة الفاعلين الدوليين في تكريس سلطة السيسي، ما سمح للحصانة من المساءلة التي مارسها في رابعة بترسيخ حكمه، والذي شهد منذ ذلك الحين احتجاز ما يقرب من 65 ألف معتقل لا يزالون قابعين وراء القضبان.

قال عمرو مجدي، الباحث في "هيومن رايتس ووتش"، أثناء الندوة: "أظن أن الخطة لم تقتصر فقط على تفريق المتظاهرين، وإنما معاقبة الناس فعلياً وجعلهم عبرة لغيرهم".

وأضاف: "ما حدث فيما بعد، خلال الأسابيع والشهور والسنين التالية، كان فعلياً أسوأ تجربة سلطوية".

ولا أدل على ذلك مما ذكره روديس من أن السيسي علم بأن الولايات المتحدة لم تكن لتتدخل بعد وقوع الانقلاب.

وقال في الفيلم الوثائقي: " كانت تلك التجربة من أكثر ما يسبب الاكتئاب وخيبة الأمل ويثير السخط لأننا كحكومة اتخذنا قراراً بعدم عمل شيء للوقوف في وجه هذا الانقلاب، وها نحن نرى أسوأ ما نجم عنه من تداعيات".

وبحسب ما تقوله داليا فهمي، فإن "الاستقرار" في مصر بالنسبة للإدارة الأمريكية يعني ممارسة "المزيد من القمع" ضد شعبها.

وقالت: "ولكن هناك نقطة انكسار، ولعل من أكبر منح الثورة كسر حاجز الخوف".

وأضافت: "كانت الولايات المتحدة سترضى بالسلطوية لأن ذلك يمثل بالنسبة لها مصدراً للاستقرار. مصر مؤهلة للانفجار من جديد، وجل ما أخشاه هو أن دورة التغيير القادمة قد لا تكون سلمية".

الجمعة، 21 يوليو 2023

"ذكريات مجزرة".. وثائقي حول "رابعة" ونهاية الثورة المصرية

"ذكريات مجزرة".. وثائقي حول "رابعة" ونهاية الثورة المصرية 

فيلم وثائقي يصادف الذكرى العاشرة لمقتل مئات المتظاهرين في ميدان رابعة بالقاهرة بعد الانقلاب الذي أطاح بالرئيس الراحل محمد مرسي.




ووصفتها صديقة أسماء البلتاجي بالفراشة التي حلقت بعيدًا "دون أن تودعها" ، في استعارة مناسبة لحظاتها الأخيرة على قيد الحياة.

تطفو عينا المراهقة وهي تحتضر على أرض المستشفى بهدوء بينما يحاول المتظاهرون المذعورون والمسعفون إنقاذ حياتها.

في السابعة عشرة من عمرها فقط ، أصبحت أسماء واحدة من مئات الأشخاص الذين أطلق عليهم القناصة النار ، وتم حرقهم وسحقهم بالجرافات في عملية قتل جماعي ارتكبتها قوات الأمن المصرية صباح يوم 14 أغسطس / آب 2013.

تم التقاط مشهد نهاية الشابة بالكاميرا وتم تضمينه في ذكريات مجزرة لنيكي بولستر ، وهو مؤثر بشكل لا يصدق.

لطالما أثبتت جماعات ونشطاء حقوق الإنسان الحقائق حول أسوأ مذبحة في تاريخ مصر الحديث ، والتي أسفرت عن مقتل حوالي ألف شخص.


كانت مذبحة رابعة أيضًا واحدة من أكثر الأعمال الوحشية الموثقة بصريًا في التاريخ الحديث ، مع الصور ومقاطع الفيديو التي التقطت المدى الكامل تقريبًا للدمار والذنب. تراكمت الجثث في المساجد ، والمتظاهرين الذين ينتحبون يسحبون جثثًا ملطخة بالدماء بعيدًا ، ومشهد القناصين المتمركزين على أسطح المنازل لا يحاولون إخفاء مواقعهم وهم يلتقطون طلقاتهم بهدوء لا يرحم.

على الرغم من مجموعة الأدلة هذه ، فإن الفيلم الوثائقي لبوليستر ، الذي يصادف الذكرى العاشرة لعمليات القتل ، هو شهادة باللغة الإنجليزية نادرة على المذبحة ، والتي على الرغم من عدد القتلى لم يقترب من شهرة عمليات القتل الأخرى المماثلة ، مثل مذبحة ميدان تيانانمين .

في فيلمها ، الذي أنتجته شركة Noon Films ، تصنع المخرجة المخضرمة التي شحذت حرفتها بإنتاجات لقناة BBC و ITN و Netflix و Apple TV ، من بين أمور أخرى ، سردًا يضع بشجاعة مذبحة رابعة باعتبارها الفصل الختامي لعملية الثورة المضادة.

قيادة الجيش المصري بعد سقوط الرئيس المصري الأسبق مبارك في يناير 2011.
من الأمل إلى الانقلاب


ينقسم النصف الأول بشكل فعال إلى جزأين ، حيث ينظر النصف الأول إلى تداعيات ثورة 25 يناير وروح الأمل التي ولدت فيها.

إن أوصاف أجواء المهرجان والتقاء المصريين من جميع مناحي الحياة ستكون مألوفة لأي شخص قضى وقتًا في ميدان التحرير في أعقاب سقوط مبارك مباشرة.

خلال هذه الفترة ، ذهبت البنية التحتية التنظيمية الفعالة للإخوان المسلمين للعمل استعدادًا لأول انتخابات رئاسية ديمقراطية في البلاد.
مصر: كيف حوّل نظام السيسي مجزرة رابعة إلى أسطورة تأسيسه

كان مرشحهم المختار أكاديميًا رقيق الكلام من "الفلاح" أو من خلفية ريفية يُدعى محمد مرسي ، والذي تمكن على الرغم من كونه شخصية غير معروفة في بداية حملته الانتخابية بفارق ضئيل في المنافسة وأصبح أول زعيم منتخب بحرية في البلاد.

كانت مهمة مرسي هائلة ، وبينما تولى السيطرة على أكثر المؤسسات احترامًا في البلاد ، ظل مقر السلطة الفعلي بيد الجيش.

هدد نقص الوقود والمخاوف من سيطرة الإسلاميين ، والتي ربما أذكتها الدولة العميقة ، قبضة الرئيس الجديد على السلطة وقوضت وعده بفجر جديد لجميع المصريين.

بعد تقديمه بما يعتبر كأسًا مسمومًا ، كان مرسي يأمل في التخفيف من خطر الانقلاب العسكري من خلال تعيين اللواء عبد الفتاح السيسي وزيراً للدفاع على ما يبدو.

السيسي ، كما علمنا منذ ذلك الحين ، كان ينتظر لحظته ، يلعب على الجانبين إلى أن أدت الاحتجاجات الجماهيرية التي نظمتها حركة تمرد ("التمرد") إلى توقف ميدان التحرير مرة أخرى.
كانت أسماء البلتاجي تبلغ من العمر 17 عامًا عندما قُتلت في ميدان رابعة 
(نون فيلمز).


انحياز السيسي "مع الشعب" ، اتخذ خطوته في أواخر يونيو 2013 ، أولاً في شكل إنذار أخير للرئيس للتوصل إلى حل وسط مع المتظاهرين ثم خلع مرسي.

اتسم الشهر الفاصل بين الانقلاب والمذبحة بمحاولات عقيمة من قبل الوسطاء الغربيين للتوصل إلى اتفاق سياسي بين مؤيدي مرسي والحكام العسكريين الجدد لمصر.

في غضون ذلك ، تجمع محتجون يطالبون بإعادة مرسي في ميدان رابعة العدوية بالقاهرة حيث اعتصموا رافضين المغادرة حتى تلبية مطالبهم.
مذبحة

أحد الإنجازات البارزة لبوليستر هو التمكن من نقل "مسألة الواقعية" التي ارتكبت بها السلطات المصرية المذبحة.

وسبق عمليات القتل تبني السيسي مجموعة من النظارات الشمسية على غرار بينوشيه وإعلانه بتنظيف الساحة في خطاب ألقاه.

في اليوم نفسه ، ظهرت القوات المصرية بالجرافات والمدرعات ، معلنة عزمها على تطهير المنطقة عبر مكبرات الصوت - محاولة فاترة لتجنب المجزرة الوشيكة ، التي لم تكن لتسمعها الغالبية العظمى من المتظاهرين في الاعتصام. في غضون دقائق بدأ إطلاق النار.
متظاهرون بميدان رابعة بالقاهرة صيف 2013 (نون فيلمز)


إن اللقطات التي تضمنها المخرج ، وخاصة الجنود المصريين الذين يلتقطون طلقاتهم من فوق أسطح المنازل ، تتسم بهدوء مزعج ومزعج ولها قواسم مشتركة مع الجنود الموجودين في ميدان الرماية أكثر من كونها جزء من عملية لمكافحة الإرهاب.

تجد هذه "المسألة الواقعية" مرآة مأساوية بين ضحايا رصاصات القناصة تلك ، التي تم التقاطها في التعبير السريالي على وجه أسماء البلتاجي في لحظاتها الأخيرة ، كما لو أنها قبلت حتمية وفاتها وفي ذكرى مصور سكاي نيوز ميك دين يقول لزميله كريج سمرز ، "لقد أصبت".

إن هذا الإحساس بالقسوة النابع من الجناة وتناقضه مع الاستقالة الهادئة لضحايا المجزرة هو الذي يترك في المشاهد بصمة أعمق من صور الدماء والدمار التي لا مفر منها.
موت ثورة

بالرغم من فعاليتها في العمل كسجل للفظائع التي ارتكبت في رابعة ، إلا أن ذكريات مذبحة هي أيضًا أكثر من مجرد سرد وقائع لعمليات القتل.

كما ترتبط روايتها بقصة موت الديمقراطية المصرية نفسها.

أفسحت الآمال بمصر جديدة بعد ثورة 25 يناير الطريق لنظام أكثر وحشية وقمعًا من النظام الذي أطاحت به انتفاضة 2011.

مع نجاح انقلاب السيسي ، واجه المصريون نظامًا عسكريًا قويًا ومتجددًا يعرف أنه يستطيع اتخاذ إجراءات وحشية ضد شعبه دون عقاب.
عين السيسي وزيرا للدفاع من قبل مرسي عام 2012 (نون فيلمز)

في الفيلم الوثائقي ، ينضم بن رودس ، المسؤول السابق في إدارة أوباما ، إلى قائمة رائعة من الرؤساء المتكلمين ، بما في ذلك مراسل صحيفة نيويورك تايمز ديفيد دي كيركباتريك ، والمديرة السابقة لـ هيومن رايتس ووتش سارة ليا ويتسن ، ومصعب الشامي ، المصور في وكالة أسوشيتد برس ، إلى جانب أصدقاء وأفراد عائلات القتلى.

بينما تقدم جميعها وجهات نظر ورؤى مهمة ، يلخص نائب مستشار الأمن القومي السابق للرئيس السابق أوباما الطريقة التي توقعها السيسي ومخطبو الانقلاب بشكل صحيح بأنه لن تكون هناك معارضة أمريكية للإطاحة بمرسي.


رودس يرسم الخط الفاصل بين هذا النقص في العمل وبين المذبحة النهائية في ميدان رابعة.

يتذكر رودس: "لقد كانت واحدة من أكثر التجارب المخيبة للآمال والإحباط والغضب لأننا كحكومة اتخذنا قرارًا بأننا لن نتراجع عن حقيقة هذا الانقلاب ، والآن نشهد أكثر العواقب حدة".

في الواقع ، لم يختف إحساس السيسي بالإفلات من العقاب في رابعة. بعد عقد من الزمان ، لا يزال عشرات الآلاف من المصريين في زنازين السجن ، حيث يتم احتجازهم دون أي مظهر من مظاهر المحاكمة العادلة أو الإدانة.

وكان من بين هؤلاء الرئيس المصري السابق محمد مرسي ، الذي توفي في المحكمة في 17 يونيو 2019 أثناء محاكمته بتهمة التجسس.

ستستضيف EgyptWatch العرض الأول لفيلم ذكريات مذبحة في الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون بلندن في 3 أغسطس 2023