‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد البشير الإبراهيمي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد البشير الإبراهيمي. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 25 يناير 2023

حالة المسلمين

 حالة المسلمين

محمد البشير الإبراهيمي

نشر عام (1372هـ)

 

تردَّد على أقلام الكتَّاب العرب وعلى ألسنة خطبائهم منذ عهد قريب، كلمات: (الوعي)، (اليقظة)، (النهضة)، منسوبة إلى الإسلام أو مضافة إلى المسلمين، والكلمة الأولى منهن حديثة الاستعمال في المعنى الاصطلاحي المراد منها، وإن كانت عريقة النسبة في معناها الوضعي، و(الوعي) في معناه الاجتماعي الذي يعنيه هؤلاء الكتَّاب والخطباء؛ إدراكٌ بعد جهلٍ، و(اليقظة) في قصدهم تنبُّهٌ بعد غفلة، و(النهضة) معناها حركةٌ بعد ركود.

فهل هذه الأقلام والألسنة متهافتة في هذه الكلمات تصف حقيقة، أم تصور خيالاً؟ فإن الصفات لا تتحقق إلا بظهور آثارها في الخارج، وبشهادة الوقع الذي لا يمارى فيه لها.

والوعي الحقيقي: يصحبه رعي ويعقبه سعي، واليقظة الحقيقية: يصحبها علم لا هوينا فيه، ويتبعها عمل لا تردد فيه، والنهضة الحقيقية: يصحبها حزم لا هوينا فيه، ويتبعها عزم، ويسوقها إقدام لا إحجام فيه، إلى غاية لا اشتباه فيها، وهل هذه الآثار وهذه الدوال موجودة حقيقة في المجتمعات الإسلامية؟

لا نثبت فنكون متفائلين في موضوع لا ينفع فيه التفاؤل، ولا ننكر فنكون مثبطين في مقام ينفر فيه التثبيط، إنما نقول مقررين للواقع إن شاء الله: إن المعاني الحقيقية للألفاظ الثلاثة لا تظهر إلا إذا سبقتها إرهاصات أو أمارات، كما يسبق الفجر طلوع الشمس، وأدلُّها تقارب القلوب وتعارف الشخوص، أو تجاوب الشعور، وتجانس الأفكار، وتعاطف الأرواح، وتهيؤ الطباع إلى الاستحالة من صبغة إلى صبغة، وإلى الانسلاخ من جلدة إلى جلدة، وصدق التوجيهات من النتائج إلى المقدمات، ومن الوسائل إلى الغايات، وسهولة التغلُّب على المضائق، وسرعة الاستجابة إلى داعي الحق إذا دُعيَ إليه، وخفَّة الإقدام إلى الأمام، وتلمُّس القيادة الرشيدة، والشعور بالحاجة إلى توحيدها، وغير ذلك من العوارض التي تظهر لمثل هذه الأطوار من حياة الأمم، وهل هذه الإرهاصات موجودة؟ نعم يوجد بعضها القليل، ولكن آفته الكبرى أنه متَّجه إلى غير القبلة المشروعة، وإن الرياح تسوق سُحُبه إلى غير أرضنا!!

لنخرج من النفاق الغرَّار الخادع إلى الصدق والصراحة فنقول: الموجود من تلك الأشياء الثلاثة هو السماء مفسرة في الغالب بغير معانيها، مصوَّرة بغير صورها الحقيقية، وإذا فسد التصور فسد التصوير؛ لأننا ما زلنا نبني تصوراتنا على أُسس من الأماني، ونزجها بالفال ومعاني الفال، فلا تنتهي بنا إلى الأعمال، وإنما تنتهي إلى الخيال ثم إلى الخبال، وما زلنا على بقية من الافتتان بالتفسيرات القاموسية التي تقول لنا مثلاً: إن اليقظة هي الصحو من النوم، ولو أن نائماً صحا من نومه صحواً كاملاً، ولم يبق في أجفانه فتورٌ ولا ترفيفٌ، ولكنه بقي في مضجعه لم يعمل عملاً، ولم يأت شيئاً من مستلزمات الصحو ونواقض النوم، لكان هذا كافياً في تحقيق المعنى القاموسي، ولكنه لا يفيد المعنى الاجتماعي، بل يُعد كما لو كان يغطُّ في نومه، وكذلك تقول في معنى اليقظة ومعنى النهضة، تصحيح معاني هذه الكلمات يستلزم إصلاحاً شاملاً للمفاسد النفسية، ويتغلغل إلى مكامن الأمراض فيها، فيطهرها ليبني العلاج على أصلٍ صحيحٍ وإلى عروق الشر منها، فيمتلخها ليأمن النكسة، ومردُّ ذلك كله إلى الأخلاق، فهي أول ما فسد بيننا، فتكون أول ما أفسد علينا كل شيء، فلتكن هي أول ما نصلح إن كنا جادين في تثبيت الوعي واليقظة والنهضة... لأن الأخلاق إذا استقامت تفتَّحت البصائر للوعي وتهيَّأت الشواعر لليقظة، وانبعثت القوى للنهضة. فكان الوعي بصيراً، وكانت اليقظة عامَّة، وكانت النهضة شاملة وكانت الحياة لذلك كله كاملة.

نعترف أن نومنا كان ثقيلاً، وبأن عمر أمراضنا كان طويلاً، نعرف أن النوم الثقيل لا يصحو صاحبه لا بصوتٍ يصخ أو بضرب يصك، وأن المرض الطويل لا يشفى المبتلى به إلا بتدبير حكيم، قد يفضي إلى البتر أو القطع، وقد أصابنا من القوارع ما لو أصاب أهل الكهف لأبطل المعجزة في قصتهم، ومما كانوا به مثلاً في الآخرين. ولكننا لم نصحُ من نومٍ إلا لنستغرق في نومٍ، ولم ننفلت من قبضة منوِّم؛ إلا لنقع في قبضة منوِّم، صحونا من نوم الاتكال، فنُقِلنا إلى نومِ التواكل، وخرجنا من نوم الجهل ومن نوم الركود إلى طفرةٍ تدق الأعناق، وانفلتنا من تنويم تجار الدين، فوقعنا في تنويم تجار السياسة، أولئك يمنُّوننا بسعادة الآخرة من دون أن يسلكوا بنا سبيلها الواضحة، وهؤلاء أصبحوا يُغنُّون لنا.. بسعادة الدنيا دون أن يدلُّونا على نهجها الصحيح، وكانت العاقبة لذلك كله ما نرى وما نحس وما نشكو.

وما أضلنا إلا المجرمون الذين يدعونا بعضهم إلى الجمع بوسيلة التفريق، ويدعونا بعضهم إلى النجاة بطريقة التغريق، والأولون هم رجال الدين الضالون الذين فرَّقوه إلى مذاهب وطوائف، والآخرون رجال السياسة الغاشُّون الذين بدَّلوا المشرب الواحد، فجعلوه مشارب.. فهل هبَّةٌ من روح الإسلام على أرواح المسلمين، تذهب بهؤلاء وهؤلاء إلى حيث ألقت؟ وتجمع قلوبهم على عقيدة الحق الواحدة، وألسنتهم على كلمة الحق الجامعة، وأيديهم على بناء حصن الحق، على الأسس التي وضعها محمد صلى الله عليه وسلم، ولا مطمع لنا في الوصول إلى هذه الغاية إلا إذا أصبح المسلم يلتفت إلى جهاته الأربع، فلا يرى إلا أخاً يشارك في الآلام والآمال.. فهو حقيق أن يشاركه في العمل.

إن الوسائل إلى هذه الغاية كثيرة، وأقربها نفعاً، وأجداها أثراً أن تُربَّى الأحداث من الصبا على غير ما ربَّانا آباؤنا، وأن نحجب عليهم نقائصنا، فإن اطَّلعوا عليها سميناها باسمها، وأنها نقائص وأنها سبب هلاكنا، وحذَّرناهم من التقليد لنا فيها، فإذا شبُّوا على هذه الهداية سلكنا بهم سبيل الحق الواحدة، ووجَّهناهم بتلك القابلية إلى وجهةٍ واحدة، وحميناهم من هذه التيارات الفكرية التي تتجاذبهم، ومن الذئاب الغربية التي تتخطفهم.

إن شبابنا اليوم يتخبط في ظلماتٍ من الأفكار المتضاربة، والسبل المضلة، تتنازعه الدعايات المختلفة التي يقرأها في الجريدة والكتاب، ويسمعها في الشارع وفي المدرسة، ويرى مظاهرها في البيت وفي المسجد. 

وكل داعٍ إلى ضلالةٍ فكريةٍ أو إلى نحلةٍ دينيةٍ مفرِّقةٍ، يرفع صوته، ويجهر ويُزيِّن ويغري ويعد ويُمنِّي ونحن ساكتون؛ كأن أمر هؤلاء الشبَّان لا يعنينا، وكأنهم ليسوا منا ولسنا منهم! ولا عاصم من تربيةٍ صالحةٍ موحَّدةٍ، يعصمهم من التأثر بهذه الدعايات، ولا حامي من مذكِّر أو معلِّم أو مدرسة أو قانون يحميهم من الوقوع في هذه الإشراك.

إن شبابنا هم هدف هذه الدعايات، وهم ميدان الصراع، وموضوع النزاع بين دعاة الفكرة الجامعة، وصوتهم ضعيف، وعملهم ضئيل، وبين دعاة الشيوعية والإلحاد والوطنية الضيِّقة والعنصريات المحدودة وأصواتهم عالية وأسنادهم قوية، ومحركهم الأول واحد، وإن لم يشعروا به أو غالطوا أنفسهم وغالطونا فيه، وما هم إلا أسلحة في يده موجهة إلى شبابنا، إن لم يُصِب بواحد منها أصاب بالآخر، وهو الظافر على كل حال، إن لم تعالجه بما يبطل كيده ويفلُّ أسلحته كلها، وهو حماية هذا الشباب وتحصينه بالمعوذات من فضائل الإسلام وأخلاقه وروحانيته، وإن فيه العوض المضاعف عن كل ما تمنِّيه به الدعايات الخارجية.

إذا كان الشباب لا يفهم الدين من البيت ولا من المسجد ولا من المدرسة ولا من المجتمعات، فإن فهم شيئاً منه في شيء منها؛ فهِمه خلافاً وشعوذة وتخريفاً، ففي أي موضع يفهم الإسلام على حقيقته طهارة وسموًّا واتحاداً وقوة وعزة وسيادة؟ 

إن عاملناه بالإنصاف نقول: إنه معذور إن زلَّ وضلَّ بالانسياق مع هذه التيارات الخاطئة، التي تختلف بالأسماء والمبادئ، وتتفق في الغاية، وهي حرب الإسلام في أبنائه لتحاربه بعد ذلك بأبنائه...

وإذا كان الشاب يجلس إلى أبويه وذويه فلا يسمع إلا المذهب والخلاف، ولمز المخالفين بالمذهب قبل المخالفين بالدين، ثم يجلس إلى العالم الديني فلا يسمع إلا (عندنا وعندهم)، ثم يجلس في المدرسة فلا يسمع ذكراً للإسلام، ولا تمجيداً لمبادئه وعظمائه وتاريخه، ولا يرى فيها شيئاً من مظاهره، بل لا يسمع إلا تحقيراً لماضيه وغضًّا من أمجاده، إذا كان لا يسمع في مضطربه إلا هذا، ولا يرى إلا هذا، فكيف نطمع أن ينتصر مع هذه الدعايات الجارفة؟ إننا حين نطمع في هذا لفي غيٍّ بعيد...

إن شبابنا لجهلهم بالإسلام أصبحوا لا يثقون بماضيه، وكيف يثقون بماضٍ مجهولٍ وهذا حاضره؟!!

أم كيف يدافعون عن هذا الماضي المجهول إذا عرض لهم الطعن فيه في الكتاب الطاعن؟ أم سمعوا اللعن له من الأستاذ اللاعن؟ أم كيف يفخرون بالمجهول إذا جُلِّيت المفاخرُ الأجنبية في كتابٍ يقرِّره قانون ويزكيه أستاذ؟!

اعذروا الشبَّان ولا تبكوا على ضياعهم، فأنتم الذين أضعتموهم، ولا تلوموهم ولوموا أنفسكم!.

أهملتموهم فذوقوا وبال الإهمال، وأنزلتموهم إلى اللجة، وقلتم لهم: إياكم أن تغرقوا.. ثم استرعيتم عليهم الذئاب، ومن استرعى الذئب ظلم..

لا أحمق منا: نلقِّن أبناءنا الخلاف في الدين والدنيا بأعمالنا؛ ونقول لهم بألسنتنا: اتحدوا!!

وإنَّ صالحةً يأخذها الابنُ عن أبيه بطريق القدوة خير من ألف نصيحة باللسان.

النهضاتُ الصادقة تبدأ من الأخلاق، وتنتهي إلى الأخلاق، وما زادت بحوث الفلسفة ماضيها وحاضرها في الأخلاق شيئاً على ما جاء به الإسلام، وأقرَّته الفطر السليمة، ويزيد الإسلام على هذه الفلسفات، ويشق بقوة العرض للفضيلة والتشويق لها وشرح آثارها في الفرد والجماعة وبيان صلتها الوثيقة بالأقانيم الثلاثة: الحق والخير والجمال.

وإن شعراء العرب الفطريين لأدقُّ تصويراً للفضائل، وأصدقُ تعبيراً عليها، وتفسيراً لآثارها، وحثًّا على التحلِّي بها من جميع الفلاسفة النظريين، وقد أثَّرت المادياتُ في هذا العصر على عقول فلاسفته، ورانت عليها العصبيات الجنسية والإقليمية، حتى انعكس نظرهم في فهم الفضيلة، فسمَّوْها بغير اسمها! فأصبحت القوة فضيلة يُدعى إليها بدل الرحمة، والظلم فضيلة يتمجد بها بدل العدل، والاستعباد فضيلة يُتغنى بها بدل الحرية، وكل هذا يدل على أن الفضيلة في نظر الفلسفة العملية الجديدة هي لباسٌ للعقل، لا نبع منه، وأنها خاضعةٌ للحُكم لا للحكمة.

أما الفضائل في نظر الإسلام وحكمه: فإنها صبغةٌ لا تتحول وحقيقة لا تتغير ولا تتبدل، فالصدق في معناه الإسلامي هو الصدق؛ لا تتصرف في معناه المصالح والمنافع، ولا تتلاعب به الأهواء والمطامع، والوفاء هو الوفاء، والعدل والإحسان والرفق والعفو عند القادر، كل أولئك من الفضائل الثابتة ثبوت الحقائق، لا تنال منها تصاريف الأيام، ولا يتصور أن يأتي على الناس يوم تُجمع فيه عقول العقلاء على أن الصدق مثلاً رذيلة، تصِمُ صاحبها بالذم، إلا إذا جوَّزنا مجيء يوم يخرج فيه الكون من تدبير الله إلى تدبير الشيطان، ويكون أفضل الذكر فيه أن يقال كلما ذكر الشيطان: رضي الله عنه!!

فالموازين القرآنية للفضائل هي التي يجب أن تحكم في العقول، حتى تأمن على الفضيلة ما يجري بيننا على (الأوراق النقدية) ونحن أهل القرآن أحق الناس بالدعوة إلى هذا وتبيينه ونشره في هذا العالم المضطرب، الذي فقد الفضائل الإنسانية، فانحدر إلى حيوانيةٍ عارمةٍ، تُوشك أن تفضي به إلى الفناء.

نحن أهل القرآن الذي وضع الموازين القسط للفضائل، وحثَّ عليها، وجعلها أساساً للسعادة، وسلَّماً للسيادة- أولى الناس بأن نزن النهضات بحظوظها من الفضائل، وأن نبني بأيدينا أساس نهضتنا على صخرة الفضائل، طبقاً عن طبق ، ونحن- لو أجَلْنا بصائرنا في القرآن- أبعد الناس عن فساد التصوُّر في تسمية هذه الحركات المتهافتة في المجتمعات الإسلامية نهضة.

المصدر: (آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي) ((4/219)), دار الغرب الإسلامي، ط1، 1997م.

محمد البشير الإبراهيمي

(ت 1384هـ - 1965م)

الخميس، 23 يوليو 2020

فلسطين (2) وصف قرار التقسيم


فلسطين (2) وصف قرار التقسيم
محمد البشير الإبراهيمي 
صدع ليل فلسطين الداجي عن فجر كاذبِ العيان، وتمخَّض مورد الطامعين في إنصاف أوربا القديمة وأوربا الجديدة عن آل لماع يرفع الشخوص ويضعها في عين الرائي لا في لمس اللامس، وباء الظانون ظن الخير بالضميرين الأوربي والأمريكي بما يستحقونه من خيبة تعقبها حسرة، تعقبها ندامة، وتكشِفُ ذلك اللبس الذي دام عشرات السنين عن الحقيقة البيضاء، وهي أن حقَّ الشرق لا ولي له في الغرب ولا نصير، وجاء بها هذا المجلس الذي يسمونه -زورا- مجلس الأمم المتحدة شنعاء لا توارى من أحكام القاسطين، وأحلام الطامعين.

 تراءى الحق والباطل في ذلك المجلس، لا العرب واليهود، وجاء أهل الحق يحملون المنطق، ويخطبون المعدلة ويخاطبون الضمير والعقل، ويحتكمون إلى الشعور والإحساس، وما منهم إلا من هو في الخصام مبين، وجاء أهل الباطل يحملون الإبهام المضلل، والكيد المبيت، والمكر الخفي، والدعاوى المقطوعة عن أدلتها، ومع كل أولئك الرنين الساحر يستهوون به الأفئدة الهواء والضمائر الخربة، وأنصَت التاريخ ليسجِّل الشهادة، واستشرف الكون لينظر هلْ تخرق للأقوياء عادة، ونُشر الأصل والدعوى، وتعارضت البينة والشبهة، وأفصح الحق واتضح، ولجلج الباطل وافتضح، ولكن تلك الدول المتحدة على الباطل ألجمها الحق بحججه، وأجرتها الحقيقة بوضوحها، فحكَّموا الانتخاب ...وليت شعري أي موضع للانتخاب هنا؟ إن تحكيم الانتخاب هنا كتحكيم القرعة بين أصحاب الحظوظ المتفاوتة، كصاحب العشر مع صاحب النصف، كلاهما باطل لا يسيغه عقل ولا شرع...وأي فرق بين ما نعيبه من تحكيم الجاهلية للأزلام الصماء وحصى التصافن، وبين تحكيم أصوات من أموات وويلات، سموهم ممثلي دويلات؟

أسفر الانتخاب عن تقسيم فلسطين تحدِّيا للعرب وحقِّهم وللمسلمين ودينهم، فكان حظ اليهود منها -بغير انتخاب ولا قرعة- الجهات الخصبة المتصلة بالعالم، القريبة من الصريخ، الموطأة الأكناف، المأمونة الأمداد والمرافق، وكان حظ العرب منها الجهات الرملية القاحلة والجبلية الجرداء، وكان حظ البيت المقدس ميراث النبوة عن النبوة أن يُصبح إرثا لأحفاد الصلبيين، وذِيد عنه الخصمان المحق والمبطل ؛ فلا اليهود به فازوا ولا العرب إياه حازوا، وإنا لنعلم الاعتبارات التي بُني عليها هذا التقسيم، والمكائد التي انطوى عليها، والمقاصد التي رمى إليها، وإنا لنعلم الدواعي التي حَملت الناطقين على النطق والساكتين على السكوت، وإننا لا نغتر بما حاكوا وما لاكوا، ولا نرتد على أعقابنا بما حذَّروا وما أنذروا، ولا نعتبر الحياد إلا كيادا، وإننا نعتقد أنهم جميعا سيذوقون وبال أمرهم، وأن مكرهم سيحيق بهم، وأن تشتيتهم لشمل فلسطين فاتحة لتشتيت شملهم، وأن النار التي أشعلوها في فلسطين ستلتهمهم جميعا.

إيه يا فلسطين!! لقد كنت مباركة على العرب في حيالك! في ماضيك وحاضرك! كنت في ماضيك مباركة على العرب يوم فتحوك فكمَّلوا بك أجزاء جزيرتهم الطبيعية، وجملوا بك تاج ملكهم الطريف، وأكملوا بحرمك المقدس حرميْهم، ويوم اتخذوك ركابا لفتوحاتهم وبابا لانتشار دينهم ومكارمهم ومرابط لحماة الثغور منهم ...أنت عتبتهم إلى مصر، ومعبرهم إلى إفريقيا، ومنظرتهم إلى بحر العرب، لم تطأك بعد أقدامالنبيين أطهر من أقدامهم، ولم يحمك بعد موسى أشجع من أبطالهم ...وكنت مباركة عليهم في حاضرك المشهود فما اجتمعت كلمتهم في يوم مثل ما اجتمعت في يوم تقسيمك، ولقد فرَّقهم الاستعمار الخبيث في عهدهم الأخير، فما تنادوا إلى الاتحاد مثل ما تنادوا إلى الاتحاد في سبيلك، ولقد تخوف أوطانهم من أطرافها، فما تداعوا إلى الذود عن قطعة من أرضهم مثل ما تداعوا إلى الذود عنك .

أما والله يا فلسطين، لكأن أعداء العرب أحسنوا إليهم بتقسيمك من حيث أرادوا الإساءة، ولكأن المصيبة فيك نعمة، ولكأنَّهم امتحَنوا بتقسيمك رجولتنا وإباءنا ومبلغ التضحية بالعزيز الغالي فينا، ولكأنهم جسُّوا بتقسيمك مواقع الكرامة والشرف منا، وكأن كل صوت من أصواتهم على التقسيم صوت جهير ينادي العرب: أين أنتم؟ فلا زِلْت مباركة على العرب يا فلسطين!

أيها العرب! قُسِّمت فلسطين فقامت قيامتكم ...هدرت شقائق الخطباء، وسالت أقلام الكتاب، وأرسلها الشعراء صيحات مثيرةً تحرك رواكد النفوس، وانعقدت المؤتمرات، وأُقيمت المظاهرات، فهل كنتم ترجون من الدول المتحدة على الباطل غير ذلك؟ وهل كنتم تعتقدون أنه مجلس أمم كما يزعم؟ كأن تلك الأمم وَحَّد بينها الانتصار على الألمان النازي واليابان الغازي؛ فجعلت من شكر الله على تلك النعمة أن تنظم أمم العالم في عقد من السلام والحرية تستوي فيه الكبيرة والصغيرة؛ ودولهُ في مجلس تستوي فيه القوية والضعيفة ليقيم العدل وينصف المظلوم، وكأنَّكم ما علمتم أن ذلك المجتمع يمشي على أربع، ثلاث موبوءة والرابعة موثوءة.

يا قوم! ما ظُلمت فلسطين يوم قُسِّمت، ولكنها ظُلمت يوم بذَل بلفور وعْده للصهيونيين باسم حكومته، وما منا –أهل هذا الجيل-إلا من شهد يوم الوعْد، وشهد يوم التقسيم، وشهد ما بينهما، ومن عرف مصادر الأمور عرف مواردها، فانظروا -ويحكم- ماذا فعل الصهيونيون من يوم الوعْد إلى يوم التقسيم، وانظروا ماذا فعلنا .

عَلِم الصهيونيون أن الوعد لا يعدو كونه وعدا، وأن نصَّه الطري اللين هو :"أن انكلترا تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطن قومي لليهود بفلسطين"، فأعدوا لتحقيقه المال، وأعدوا الرجال، وأعدُّوا الأعمال، واتخذوا من الوقت سلاحا فلم يضيعوا منه دقيقة، واستعانوا بنا علينا...فاكتسبوا من ضعفنا قوة ومن جهلنا قوة، ومن تخاذلنا قوة ، ومن غفلتنا قوة، ومن أقوالنا الجوفاء قوة، وأصبحت هذه القوات كلها ظهيرا لهم علينا.

وعلمنا نحن أن ذلك الوعد وعْد انكليزي وَعَدَ بلفور به اليهود عند حاجته إلى ذهبهم، كما وعدَ الشريف حسينا بخلافة شاملة ووحدة كاملة عند حاجته إلى تخذيل الأتراك، وأن الوعود الإنكليزية شيء عرفناه-بزعمنا-بعضه من بعض، يخلف مع اليهود كما أخلف مع الشريف حسين، وتعامينا عن الفوارق العظيمة بيننا وبين اليهود، وبين وعود الانكليز لنا ووعودهم علينا.

كان الواجب أن نعمل من يوم الوعد لما ينقض الوعد، فنجمع الشمل المشتت، والهوى المتفرق، ونقضي على الصنائع التي اصطنعوها منا، ونحارب الواعد والموعود بالسلاح الذي يحاربوننا به، ونعلم أن اليهود لا يكاثروننا بالرجال فرجالنا أكثر، ولا يكاثروننا بالشجاعة فشجاعتنا أوْفر، وإنما يكاثروننا بالمال والعلم والصناعة، فلو كنا ممن يفكر ويقدر ويأخذ بالأحوط الأحزم، لبدأنا من أول يوم بالإعداد والاستعداد، فأعددنا المال وأعددنا العلم، واستعددنا بالصناعة، وإن في ثلاثين سنة ما يكفي لأن نستعد كما استعدوا، وأكثر مما استعدوا، لا بالأقوال والاحتجاجات التي هي سلاح الضعفاء، ولكن بمصانع العقول، وهي مدارس العلم، وبمعامل الأسلحة والعتاد، وبمصايد المال وهي الشركات التجارية، ولو فعلنا لانجحر صهيون في وجاره، وانكمش من يؤازره اليوم من أنصاره، ولو فعلنا لما كانت مماطلة الأمس ولا تقسيم اليوم.

أما وإننا لم نفعل فلنعتبر أنَّ صدمة التقسيم القاسية العنيفة هي تأديب إلهي ينقي من هممنا الوهن والزغل، وينفي من صفوفنا الكل والوكل، وإن الأمم التي تصاب بمثل تأخرنا وتخاذلنا وغفلتنا لمحتاجة إلى أحداث ترجها رجا، وتزجها في المضايق زجا ، لتنفض عنها أطمار الخمول والضعة، وتطهرها من أدران الخور والفسولة.

إن العروبة لفي حاجة إلى ذلك الطراز العالي من بطولة العرب، وإن الإسلام لفي حاجة إلى ذلك النوع السامي من الموت في سبيل الحق ليحيا الحق.

* الآثار (2/439-442( : نشر المقال في البصائر العدد 21 من السلسة الثانية بتاريخ 2 فبراير 1948م
ذات صلة

فلسطين (1) تصوير الفاجعة

فلسطين (1) تصوير الفاجعة

الشيخ محمد البشير الإبراهيمي

يا فلسطين! إن في قلب كل مسلم جزائري من قضيتك جروحا دامية ، وفي جفن كل مسلم جزائري من محنتك عبرات هامية ، وعلى لسان كل مسلم جزائري في حقك كلمة مترددةً هي : فلسطين قطعة من وطني الإسلامي الكبير قبل أن تكون قطعة من وطني العربي الصغير؛ وفي عنق كل مسلم جزائري لك –يا فلسطين-حق واجب الأداء ، وذمام متأكد الرعاية ، فإن فرَّط في جنبك ، أو أضاع بعض حقِّك، فما الذنب ذنبه ، وإنما هو ذنب الاستعمار الذي يحول بين المرء وأخيه، والمرء وداره، والمسلم وقبلته.

يا فلسطين! إذا كان حب الأوطان من أثر الهواء والتراب، والمآرب التي يقضيها الشباب، فإن هوى المسلم لك أن فيك أولى القبلتين، وأن فيك المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله، وإنك كنت نهاية المرحلة الأرضية وبداية المرحلة السماوية، من تلك الرحلة الواصلة بين السماء والأرض صعودا، وبعد رحلة آدم الواصلة بينهما هبوطا، وإليك ترامت همم الفاتحين، وترامت الأينُق([1]) الذلل بالفاتحين، تحمل الهدى والسلام وشرائع الإسلام، وتنقل النبوة العامة إلى أرض النبوات الخاصة، وثمار الوحي الجديد إلى منابت الوحي القديم، وتكشف عن الحقيقة التي كانت وقفت عند تبوك بقيادة محمد بن عبد الله، ثم وقفت عند مؤتة بقيادة زيد بن حارثة، فكانت الغزوتان تحويما من الإسلام عليك، وكانت الثالثة وردا، وكانت النتيجة أن الإسلام طهَّرك من رجس الرومان، كما طهَّر أطراف الجزيرة قبلك من رجس الأوثان.

داستحماكِ سنابكُ الخيول البابلية، وجاست خلال الديار، وسُبي بَنُوك (أسلاف الصهيونيين)، فلم ينتصر لكِ ولا لهم أحد، لولا أن منَّ عليهم الفاتحون المستعبِدون([2])، وإن المنَّ لأنكى على الحرِّ من الاسترقاق، ثم غزاك الرومان ، وأذلوا بنيك واشتفوا منهم إثخانا في القتل وانتقاما -زعموا- من جريرة الصلب، وما ظَلمتِ يا فلسطين، ولكن بَنِيك جروا عليك الجرائر، وما كنت لتفلتي من براثن الرومان لولا أن انتصف الله لك من عدوك بالإسلام والعرب، فنصروك وطهَّروك وبلُّوا الرحم الإبراهيمية بِبُلالها، ووفوا لأبناء العمومة بحق القربى والجوار، وأصبحت من ذلك الحين ملكا ثابتا للإسلام، وإرثا مستحقا من موسى لمحمد، ومن التوراة للقرآن ومن إسحاق لإسماعيل.

يا فلسطين! ملكك الإسلام بالسيف، ولكنه ما ساسك ولا ساس بَنِيك بالحيف، فما بال هذه الطائفة الصهيونية اليوم تنكر الحق، وتتجاهل الخقيقة، وتجحد الفضل، وتكفر النعمة، فتزاحم العربي الوارث باستحقاق عن موارد الرزق فيك ، ثم تغلو فتزعم أنه لا شِرْب له من ذلك المورد.

ما بال هذه الطائفة تدَّعي ما ليس لها بحق، وتطوي عشرات القرون لتصل-بسفاهتها – وعد موسى بوعد بلفور ، وإن بينهما لمدا وجزرا من الأحداث ، وجذبا ودفعا من الفاتحين .

ما بالها تدَّعي إرثا لم يدفع عنه أسلافها غارة بابل ، ولا غزو الرومان ، ولا عادية الصليبيين ، وإنما يستحق التراث من دافع عنه وحامى دونه، وما دافع بابل إلا انحسار الموجة البابلية بعد أن بلغت مداها، وما دافع الرومان إلا عمر والعرب وأبطال اليرموك وأجنادين ، وما دافع الصليب وحامليه إلا صلاح الدين وفوارس حطين.

إن العرب على الخصوص والمسلمين على العموم ، حرروا فلسطين مرتين في التاريخ ، ودفعوا عنها الغارات المجتاحة مرات ، وانتظم ملكهم إياها ثلاثة عشر قرنا، وعاش فيها بنو إسرائيل تحت راية الإسلام وفي ظل حمايته آمنين على أرواحهم وأبدانهم وأعراضهم وأموالهم وعلى دينهم ، ومن المحال أن يحيف المسلم الذي يؤمن بموسى على قوم موسى.

ما أشبه الصهيونيين بأوَّلهم في الاحتياط للحياة، أولئك لم يقنعوا بوعد الله، فقالوا : (يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا) [المائدة/22] وهؤلاء لم يثقوا بوعد بلفور حتى ضمنت لهم بريطانيا أن يكونوا في ظل حرابها، وتحت حماية مدافعها وقوانينها، وبكل ذلك استطاعوا أن يدخلوا مهاجرين ثم يصبحوا سادة مالكين، ودع عنك حديث الإرهاب فما هو إلا سراب.

ولو أن السيوف الإنجليزية أُغمِدت، والذهب الصهيوني رجع إلى مكانه، وعُرضت القضية على مجلس عدل وعقل لا يستهويه بريق الذهب، ولا يرهبه بريق السيوف، لقال القانون: إن ثلاثة عشر قرنا كافية للتملُّك بحق الحيازة، وقال الدين: إن أحق الناس بمدافن الأنبياء هم الذين يؤمنون بجميع الأنبياء، وقال التاريخ: إنَّ العرب لم ينزعوا فلسطين من اليهود، ولم يهدموا لهم فيها دولة قائمة، ولا ثلُّوا([3]) لهم عرشا مرفوعا، وإنما انتزعوها من الرومان، فهم أحق بها من كل إنسان.

إن الصهيونية فيما بلونا من ظاهر أمرها وباطنه نظام يقوم على الحاخام والصيرفي والتاجر، ويتسلح بالتوراة والبنك والمصنع، وغايتها جمع طائفة قُدِّر لها أن تعيش أوزاعا بلا وازع، وقُدِّر لها أن تعيش بلا وطن-ولكن جميع الأوطان لها- فجاءت الصهيونية تحاول جمعها في وطن تسميه قولا فلسطين، ثم تفسره فعلا بجزيرة العرب كلها، فهو في حقيقته استعمار من طراز جديد في أسلوبه ودواعيه وحججه وغاياته ، يجتمع مع الاستعمار المعروف في أشياء ، وتُفَرِّق بينهما فوارق، منها أن الصهيونية تعتمد قبل كل شيء على الذهب ، تشتري به الضمائر والأرض والسلاح ، وتشتري به السكوت والنطق ، وتشتري به الحكومات والشعوب، تعتمد عليه وعلى الحيلة والمكر والتباكي والتصاغر في حينه ، وعلى التنمر والإرهاب في فرصته.

إن فلسطين أرض عربية لأنها قطعة من جزيرة العرب ، وموطن عريق لسلائل من العرب استقر فيها العرب أكثر مما استقر اليهود، وتمكن فيها الإسلام أكثر مما تمكنت اليهودية ، وغلب عليها القرآن أكثر مما غلبت التوراة، وسادت فيها العربية أكثر مما سادت العبرية، وما الانتداب الإنجليزي إلا باطل ، ليس من مصلحة العرب ولا من مصلحة اليهود ؛ وما الوطن القومي إلا خيال جسمته الأحلام الدينية والمطامع المادية، وما منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن ولجنة التحقيق إلا تعلَّات([4]) لا تُسكِت ولا تُسكِّن، وما استمرار الهجرة إلا مدٌّ للحمأة وتأريثٌ([5]) للنار، ومن ضاقت به رحاب الدنيا لا تسعه فلسطين، ومن لفظته حواشي الأرض لا تستقر به فلسطين، أما حديث التشريد والمشردين من اليهود فهو مشترك إلزام في القضية، وما أكثر المشردين في الأمم الإسلامية، بل ما أكثر المشردين من العرب ، فإذا أخذنا الرحمة بالمشردين قاعدة كان أحق الناس بها مشردي العرب الذين لا يفصلهم عنها بحر ولا يقال في هجرتهم إليها إنها شرعية أو بدعية كما يقال في هجرة اليهود، وما ظلمت كلمة الشرع بأفحش من نسبة الحيل إليها عند بعض فقهائها ، ومن نسبة الهجرة اليهودية إليها عند فقهاء الاستعمار.

أيظن الظانون أن الجزائر بعراقتها في الإسلام والعروبة تنسى فلسطين، أو تضعها في غير منزلتها التي وضعها الإسلام من نفسها، لا والله، ويأبى لها ذلك شرف الإسلام ومجد العروبة ووشائج القربى ، ولكن الاستعمار الذي عقد العقدة لمصلحته، وأبي حلها لمصلحته، وقايض بفلسطين لمصلحته ، هو الذي يباعد بين أجزاء الإسلام لئلا تلتئم ويقطع أوصال العروبة كيلا تلتحم ، وهيهات هيهات لما يروم.

إن بين دول الاستعمار علائق ماسة، وإنهن يتباعدن ما دام خيال الشرق وبَنِيه والإسلام وأممه بعيدا، فإذا لاح ذلك الخيال حنَّت من الاستعمار الدماء، وتعاطفت الأرحام ، وتُنوسِيَت الأحقاد، فهلا فعلنا مثل ما فعلوا؟
أيها العرب ! إن قضية فلسطين محنة امتحن الله بها ضمائركم وهممكم وأموالكم ووحدتكم، وليست فلسطين لعرب فلسطين وحدهم، وإنما هي للعرب كلهم، وليست حقوق العرب فيها تنال بأنها حق في نفسها، وليست تنال بالهوينا والضعف، وليست تنال بالشعريات والخطابيات، وإنما تنال بالتصميم والحزم والاتحاد والقوة.

إن الصهيونية وأنصارها مصممون، فقابلوا التصميم بتصميم أقوى منه، وقابلوا الاتحاد باتحاد أمتن منه.
وكونوا حائطا لا صدع فيهوصفا لا يُرقَّع بالكسالى.


* عن الآثار (3/435-438( : البصائر العدد 5 من السلسة الثانية بتاريخ 5 سبتمبر 1947م

[1] / جمع ناقة وهي الأنثى من الإبل، جميع الهوامش ليست للمؤلف وإنما لموقع "في طريق الإصلاح".

[2] / إشارة إلى حاكم الفرس "قورش" الذي أسقط دولة بابل، وسمح لليهود أن يرجعوا إلى فلسطين ولكن مع بقائهم تحت ظل حكمه.

[3] / جمع تعلة وهي ما يتعلل به .

[4] / ثُل العرش هدم وأزيل .

[5] / تأريث النار إيقادها .

الأربعاء، 20 مايو 2020

ذكرى وفاة الشيخ محمد البشير الابراهيمي


ذكرى وفاة الشيخ محمد البشير الابراهيمي 20 مايو 1965
في مثل هذا اليوم، أفَلَ نجم من نجوم الجزائر أضاء بنوره الساطع مدنها وقراها، جبالها وسهولها،ما يزيد على نصف قرن من الزمان!
في مثل هذا اليوم، توقَّفَ قلبٌ كبيرٌ قضَى العمرَ نابضًا بالإيمان الراسخ، والحب الصادق،والإرادة الجريئة!
في مثل هذا اليوم، سكت لسانٌ كان يصدع بالحق، ويدعو إلى الهدى، ويدمغ الباطل،ويصارع الظلم والظالمين، ويستنهض الهمم إلى المعالي والمكارم, ويَتغنَّى بأمجاد الأمة في ماضيها،لتَتَّخِذَ منها طاقة تدفعها إلى تحقيق آمالها في حاضرها ومستقبلها،رغم اضطهاد الطغاة المستعمرين، وتضليل الماكرين، وخيانة العملاءَ المأجورين!
في مثل هذا اليوم، شيَّعت الجزائرُ العربيةُ المسلمة، في موكب شعبي منقطعِ النظير، بطَلاً من أبطالها البارزين, الذين آمنوا وجاهدوا لتكون كلمةُ اللهِ هي العليا وكلمة الذين ظلموا السفلى.. ذلكم هو سماحة الأستاذ الإمام محمد البشير الإبراهيمي،طيب الله ثراه، ورضي عنه في الخالدين!

وها هي الجزائر اليوم تحيي ذكرى وفاة هذا الإمام الرائد،لا لنضيف إلى شخصيته منقبةً من المناقب نُسيت، أو ننشُرَ صفحة من تاريخه الحافل طُوِيت, فالبشير الإبراهيمي قد سجل بجهاده البطولي، وعبقريته الفذة، وبآثاره الخالدة، ما يجعلُه في غِنًى عن أَيِّ تنويه أو تمجيد، ولكننا نحتفي بذكراه أداءً لحق واجب، وطلَبًا للأسوة، والتماسًا للعظة، ووفاءً لجهاده الطويل الشاق في سبيل الجزائر والعروبة والإسلام.

قائد مصلح:

فالبشير الإبراهيمي قائد من قادة الثورة الإصلاحية السلفية، التي نادى بها جمالُ الدين الأفغاني ومحمد عبدُه، وسار على نهجها،مِن بعْدِهِمَا, محمد رشيد رضا في المشرق, وعبدُ الحميد بن باديس في المغرب, إيمانا منهم بأن الإصلاح الديني القائم على كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو الأساس المتين للإصلاح الاجتماعي والسياسي الفعال،كما أكد ذلك الإمام الشيخ مبارك الميلي- رحمه الله- في مقال ٍ له نُشِر في الشهاب ص 732 سنة 1354هـ الموافق لــ 1934- 1936 نقلا عن العدد العاشر من جريدة" المنتقد "حيث يقول: «مَنْ حَاوَلَ إصلاَحَ أمَّةٍ إسلاميةٍ بغيرِ دينِهَا فَقَد عَرَّضَ وَحْدَتَهَا للانِحَلالِ،وجِسْمَهَا للتَلَاشِي، وصَارَ هَادِمًا لعَرْشِهَا بِنِيَةِ تَشْييدِهِ, ومَنْ أعْرَضَ عن اللغة العربية, فقد أعرضَ عن ذِكرِ ربه , ومن يُعْرِضْ عن ذِكْرِ ربه يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدَا».

إمامٌ في اللغة:

والبشير الإبراهيمي إمامٌ في العربية وبلاغتها،تَفقَّهَ في أسرارها،وتَغذَّى بآدابها،واستنار بقرآنها،حتى أقام لنفسه منها مدرسة تشهد بأن لغة العرب ما تزال،كما كانت في عصورها الذهبية ،صالحة لأن تكون لغة العلم, والفن, والجمال, كما شهد بذلك وأكده الأستاذ الفيلسوف منصور فهمي, وَفْقًا لما جاء في الصفحة الثامنة من آثار الإمام الإبراهيمي رحمه الله, حيث قال، بعد سماعه لمحاضرةٍ للإمام الإبراهيمي فَبهرته، «إن هذا المنبر الذي يقف فيه الشيخ ساحةٌ مقدسةٌ،ينبغي أن يدخلها الناسُ كما يدخلون الحرم»،و أضاف قائلا:« إنه لم يسمع ولم يرـ في حياته ـ من هو أفصحُ ولا أبلغُ من الشيخ الإبراهيمي،ودعا جميعَ العلماءَ و الأدباءَ في الوطن العربي إلى أن يُلْقوا إليه مقاليد اللغة والبيان،ثم خاطَبَ الشيخ قائلا:»أنت ملك العربية لهذا العصر،مَلَكت ناصيتَها ونَوَاصِيَّنَا».

فيلسوف تربوي :

وهو -رحمه الله- فيلسوفٌ في ميدان التربية والتعليم،يرى أن "غاية الغايات من التربية هي: توحيد النشء الجديد في أفكاره, ومشاربه, وتصحيحُ نظراته إلى الحياة،ونقلُه من ذلك المُضْطَرَبِ الفكري الضيّق الذي وَضَعَهُ فيه مجتمعُه،إلى مُضْطَرَبٍ أوسعَ منه دائرة،وأرحَبَ أفُقًا،وأصَحَّ أساسا..وتفقيهُهُ في دينه ولغته،وتعريفُه بنفسه وبمعرفة تاريخه".

ويرى التعليم رسالة وجهادا،فيخاطب المعلمين في إحدى وصاياه الحكيمة:» ها أنتم قد تبوأتم في مدارسكم ميادينَ جهاد،فاحْرِصُواْ على أن يكون كلُّ واحد منكم بطلَ ميدان،وأوقِفُواْ أنْفُسَكُمْ لإحدى خطتين: الدِفَاِع المجيدِ أو موتِ الشهيدِ!

وَاعْلَمُواْ أنكم عاملون،فمسؤولون عن أعمالكم،فمجزيون عنها من الله ومن الأمة ومن التاريخ» .

إلى التلاميذ:

أما التلاميذ والطلاب،فيقول لهم :« إنكم،يا أبناءنا،مَنَاطُ آمالنا،ومُسْتَوْدَعُ أمانينا،نُعِدُّكُم لحمل الأمانة وهي ثقيلة،ولاستحقاق الإرث وهو ذو تبعات وتكاليف...يا أبناءنا،إن الحياة قسمان،حياةٌ علمية وحياة عملية،وإن الثانية منهما تُبْنَى على الأولى قوة وضعفا, وإنتاجا, وعمقا،وإنكم لا تكونون أقوياء في العمل،حتى تكونوا أقوياء في العلم» .

خطيب مصقع:

والبشير الإبراهيمي خطيب مصقع،يهز القلوب ببيان ساحر،يعيد إلى الأذهان ما كان للخطابة العربية من مكانة وسلطان, في عهد قُسّ بن ساعدة وسحبان.

وهو محدث بارع لطيف،يغمر مجالسه بالحكمة،ويجملها بالنكتة،ويعطرها بأريج ينعش الأرواح والعقول.

ديوان العرب:

وهو ديوان لأيام العرب وآدابهم وتقاليدهم في أفراحهم وأحزانهم, في حربهم وفي سلمهم،يروي عن فهم وبصيرة،ويصدُر عن حافظة واعية،وذاكرة منجدة.

وهو شاعر فحل, في الفصيح والملحون،يذكرك بالمعري في لزومياته،وبأبي الطيب المتنبي في حكمه وأمثاله,أما أسلوبه في الكتابة؛فهو جاحظ عصره, وبديع زمانه،مما يجعله، بحق، معجزةً من معجزات الثقافة العربية الإسلامية في القرن العشرين،بشهادة المجامع العلمية والمحافل الأدبية, في المشرق وفي المغرب.

وها هو الإمام المرحوم محمد الغزالي يصف هذا الجانب منه، وجوانب أخرى من شخصيته، فيقولُ عنه، في الصفحة العاشرة بالجزء الثاني من كتاب آثار الإمام الإبراهيمي: «...وأذكر من أولئك الزعماء اللاجئين إلى القاهرة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، عرَفْتُهُ، أو تعرَّفْتُ إليه، في أعقاب محاضرة بالمركز العام للإخوان المسلمين...كان لكلماته دويُّ بعيد المدى،وكان تمكنه من الأدب العربي بارزا في أسلوب الأداء وطريقة الإلقاء، والحقُّ أن الرجل رُزقَ بيانا ساحرًا،وتأنقاً في العبارة،يذكّرنا بأدباء العربية في أزهى عصورها؛ لكن هذا ليس ما ربَطَنَا به، أو شدَّنا إليه ـ على قيمته المعنوية ـ إنَّما جذبنا الرَّجُل بإيمانه العميق, وحُزنه الظاهر على حاضر المسلمين , وغيظه المتفجر ضدَّ الاستعمار، ورغبتهِ الشديدة في إيقاظ المسلمين ليَحْمُواْ أوطانَهم ،ويستنقذوا أمجادهم،وخُيّل لي أنه يحمل في فؤاده آلامَ الجزائريين كُلِّهِم, وهم يكافحون الاستعمار الفرنسي،ويقدمون المغارم سيلاً لا ينقطع حتى يُحَرِّرُواْ أرضَهم من الغاصبين الطغاة، وكان في خطبته يَزْأَرُ كأنه أَسَدٌ جريح، فكان يَنتزِعُ الوجَلَ من أفئدة الهيّابين، ويُهَيِّج في نفوسهم الحميةَ لله ورسوله،فعرفتُ قيمة الأثر الذي يقول: «إن مداد العلماء يوزن يوم القيامة بدم الشهداء».

في فــرنــــسا:

إن الإمام الإبراهيمي –رحمه الله- لم يقتصِرْ نشاطُهُ النهضوي العربي الإسلامي على ربوع الجزائر فقط, بل امتدت عنايتُه إلى الجالية الجزائرية خاصة, والإسلامية عامة, في فرنسا وفي أوربا؛ فهاهو يقف خطيبًا في حفل أقامته شعبةُ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في باريس, يوم الثلاثاء 29 جانفي 1952 بنزل العَالَمَيْنِ "Deux mondes" على شرف الوفود العربية الإسلامية في منظمة الأمم المتحدة حضَرهُ الأمين العام لجامعة الدول العربية المرحوم عبد الرحمن عزام، ووزراءُ آخرون يمثلون البلاد العربية, فقال ارتجالا فيما جاء في صفحة 466 في الجزء الثاني من كتاب آثار الإمام الإبراهيمي: « هاهو الشرق رمى باريس بأفلاذ كبده, يدافعون عن حِمَاهُ بالحق, ويُجادِلون عن حقه بالمنطق, وما منهم إلاّ السيفُ مَضَاءً, والسيْلُ اندفاعًا, وإن وراءَهم لشبابًا سَينطِق يومَ يسكتون, وسيتكلم بما يُخرِسُ الاستعمارَ ويَسوءُه, وإنَّ بَعْدَ اللسان لخطيبًا صامِتًا, هو السِنان,وإنّنا لرجال, وإنّنا لأبناء رجال, وإننا لأحفاد رجال, وإن أجدادنا دوّخوا العالَمَ, ولكن بالعدل, وسادوه ولكن بالإحسان, وإن فينا لقطراتٍ من دماء أولئك الجدود, وإن فينا لبقايا مدّخرةً سيجلّيها الله إلى حين » وقد صدق الإمام وكأنه كان ينظر بعين الغيب, إذ كانت كلمته إرهاصًا بالثورة التحريرية المباركة التي اندلعت في الجزائر,بعد ذلك بسنتين فقط، حيث سكت اللسان وتكلم السِنان كما قال –رحمه الله-.

الوطني الصادق:

والإمام الإبراهيمي،قبل هذا كله،وبعد هذا كله،وطني صادق الوطنية،كرس حياته لخدمة وطنه،داعيا قومه للثورة والجهاد من أجل التحرر والانعتاق.

فلنستمع إليه وهو يخاطب الجزائر قبيل ثورتها التحريرية الكبرى بشهور: « أيها الوطن الحبيب!سلام عليك يوم لقيتَ من "عقبة" وصحبه بِرًّا، فكنتَ شامخا مشمخرًّا، ويوم لقيت من "بيجو" وحزبه شرا، فسلَّمْتَ مضطرا،وأمسيت عابسا مكفهرا،وللانتقام مُسِرًّا، وسلام عليك يوم تُصبح حُرًّا، متهللا مُفْتَرًّا،معتزا بالله لا مغترا».

بل كانت كل آماني البشير في الحياة أن يعود إلى بلاده التي اغترب عنها من أجلها،وقد استعادت حريتها،ليُدْفَنَ في آخر أيامه في تربتها الزكية الحبيبة،فيقول: « خَطَّتْ الأقدارُ في صحيفتي أن أفتح عَيْنَيَّ عليك وأنت مُوثـَقة، فهل خَطَّت الأقدار أن أُغْمِضَ عيني فيك وأنتِ مُطْلقة. وكتبت الأقدارُ علىَّ أن لا أملك من تربتك شبرا، فهل تكتبُ لي أن أحوز في ثراك قبرا؟»

وهو، رحمة الله عليه،إلى هذا الهيام المتأجج بالجزائر،يرى الأوطانَ العربية والإسلامية كُلَّهَا وطَنًا له، فاهتم بقضاياها كُلِّهَا، ودافع عنها بلسانه وقلمه،من طنجة إلى سومطرة، مع عناية فائقة بفلسطين العزيزة على العرب والمسلمين أجمعين, عَجَّل الله بتحريرها من أغلال الصهاينة المجرمين, ووفق الله الأمة العربية والإسلامية وحُكامَها, إلى الوقفة الإيمانية التي تعضُدُ جهود المجاهدين والاستشهاديين، في الأرض المقدسة، لتحقيق النصر المبين: كما وعد به الله في الآية 47 من سورة الروم {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}.

ورحم الله أبانا الروحي الإمام الشيخ محمد البشير الإبراهيمي, وإخوانَه العلماء العاملين الذين التحقوا بربهم من قبله ومن بعده, كابن باديس, والميلي, والورتلاني، والتبسي, والعقبي، وأبي يعلى الزواوي، وإبراهيم بيوض، وموسى الأحمدي نويوات، وأحمد الأطرش السنوسي، ونسأل الله تعالى أن يوفق ورثتهم لمواصلة رسالة جمعية العلماء لخير الجزائر والإسلام والمسلمين, آمين يا رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.

الأربعاء، 30 أكتوبر 2019

الصراع بين الإسلام وأعدائه

 الصراع بين الإسلام وأعدائه
محمد البشير الإبراهيمي
 نشر عام 1373هـ

الصراع بين الحق والباطل قديم، كان منذ خلق الله البشر، وجعل للأهواء حظًّا من السلطان على نفوسهم. ومن فروع هذا الصراع، الصراع بين الإسلام والكفر، فقد صرع الإسلام في عنفوان قوته السماوية الأولى كلَّ ما كان قائماً من الأديان والنحل الباطلة، ومزَّق بنوره وبرهانه الضلالات التي كانت مغطية على العقول، حتى استقر في قراره من النفوس والأقطار، وضرب بجرانه في القطعة العامرة من أرض الله.
وأصبح برهانه لائحاً، وبيناته واضحة، وقوته غالبة، فإما مسلم وإما مُلقٍ بالسَّلَم، ومن كلمته العالية أنه جعل فريضة الدعوة إليه كلمة باقية في أهله، تتوجَّه إلى الضال ليهتدي، وإلى المهتدي كي لا يضلَّ.
فلما ضعفت الدعوة إلى الإسلام في المسلمين بما شاب هدايتهم من ضلال، وما خالط عزائمهم من وهن، ثم تلاشت بتفرقهم فيه، واشتغالهم بالجدل الداخلي، وغفلتهم عن فوائد الدعوة فيهم وفي غيرهم، وبعدهم عن منبع هدايته الأولى، هاجت عليهم دعايات الأديان الأخرى، وما تفرَّع عنها من مذاهب مادية، تغري بالمادة وتؤلِّهها، ومن مذاهب فكرية تغري الفكر المسلم بالمروق من الدين، وخلع رِبقته، ثم تشعبت هذه المذاهب الفكرية إلى شعبتين:
واحدة تسعى سعيها، وتبذل وسائلها لفتنة المسلم عن دينه، وإدخاله في دين آخر، وهذه الشعبة تجعل هدفها أطفال المسلمين الأحداث.
والأخرى تريد المسلم أن يخرج من الإسلام إلى الإلحاد المحض الذي يكفر بالأديان كلها، وهذه الشعبة تجعل هدفها شباب المسلمين؛ لما يصحب الشباب من قوة الإحساس، وسرعة التأثر، وتأجُّج العاطفة، والميل إلى الانطلاق.
والشعبتان معاً تلتقيان عند غاية واحدة هي فصل المسلمين- وهم قوة في العدد- عن دينهم، وهو مناط قوتهم الروحية؛ ليتمَّ للقائمين على الشعبتين استعباد أبدان المسلمين، واستغلال خيرات أوطانهم. ومَن ظنَّ مِن عقلاء المسلمين وعلمائهم أن هذه الحملة عليهم وعلى دينهم ليست مدبرة، وليست منظمة، وليست متعاونة متساندة، وليست مرصدة لوقتها، ورامية إلى هذا الهدف، مَن ظنَّ هذا فأقل درجته أنه مغفَّل جاهل مغرور.
ولو حافظ المسلمون على فريضة الدعوة في دينهم، وكانت لهم دعاية منظمة يمدُّها الأغنياء بالمال، والعقلاء بالرأي، والعلماء بالبرهان المثبت للحقائق الإسلامية، وبالتوجيه لغاية الغايات فيه، وهي إسعاد الإنسانية، وتحقيق السلام بين البشر، والقضاء على الطغيان والعدوان والظلم، وإقامة العدل بين الناس، ونشر المحبة بينهم، لو فعلوا ذلك، وحافظوا عليه في كل أطوار الزمن، لكانوا اليوم فيصلاً بين الكتلتين المتطاحنتين، وحاجزاً حصيناً بين البشرية وبين الكارثة المتوقعة، التي لا تُبقي على برٍّ ولا فاجر، ولا مؤمن ولا كافر، بل إنني أعتقد اعتقاداً جازماً أنه لو كان للإسلام دعاة فاهمون لحقيقة الإسلام، محسنون للإبانة عنها، ولعرضها على العقول، لرجعت إليه هذه الأمم الحائرة في هذا العصر، الثائرة على أديانه وقوانينه وأوضاعه؛ لأن أديانه لم تحفظ لهم الاستقرار النفسي، والطمأنينة الروحية، ولأن قوانينه الوضعية لم تضمن لهم المصالح المادية، ولم تُقِم الموازين القسط بين طبقاتهم، ولأن الأوضاع العامة لم تحقن دماءهم، ولم تغرس المحبة بينهم، فهم لذلك تائهون، متطلِّعون إلى حال تُغيِّر هذه الأحوال، وفي الإسلام ما يقول بذلك كله، ويَرجع بالناس إليه، وإلى اختياره حكماً، تُرضَى حكومته، لو وجد من يدعو إليه على بصيرة، ويبيِّن حقائقه، ويحسن عرضها على العقول ببرهان الواقع والمعقول.
لم يمض على المسلمين في تاريخهم الطويل عهد كهذا العهد، في قعودهم عن الدعوة إلى دينهم، وفي هجوم الدعاية الأجنبية عليهم.
والقضيتان متلازمتان في الطباع البشرية الغالبة، وفي طبيعة الاجتماع الذي هو أملك لأحوالهم.
فمن سننه أن من لم يدافع دُوفع، وأن من لم يهاجم هُوجم، وأن من سكت على الحق أنطق غيره بالباطل، ولم يمض عليهم زمن تألَّبت فيه قوى الشرِّ عليهم، وتألَّفت جنوده على ما بينها من دعوات ومناقضات، كما تألَّبت في هذا الزمن، فالأديان كاليهودية والمسيحية الغربية الاستعمارية، والبوذية والوثنية بجميع ألوانها، والمذاهب الاجتماعية المادية كلها أصبحت ألْباً على المسلمين والإسلام، متداعية إلى ذلك عن قصد واتفاق، صادرة في ذلك عن عهد وميثاق، يسند بعضها بعضاً، ويقرض بعضها بعضاً العون والتأييد، وأن العقلاء من هذه الأمم، المتعاونة على حرب الإسلام، مسوقون بأيدي الساسة الطامعين، والقساوسة المتعصبين، والملاحدة المستهترين، حتى أصبح باطن أمرهم كظاهره، وهو أنهم قوة متحدة لحرب الإسلام، يشارك فيها ذو الدين بدينه، وذو المال بماله، وذو العقل بعقله. ويشارك فيها الساكت بسكوته. لا نلوم هؤلاء الأقوام على ما يسرون من عداوة الإسلام وما يعلنون، ولا على ما صنعوا بأهله وما يصنعون، فما اللوم برادِّهم على ما هم ماضون فيه، بعد أن ابتلوا سرائرنا، وامتحنوا ضمائرنا، فوجدوها عورات ومنافذ خالية من الحراسة التي يعرفونها عنا، ومن المناعة التي يتوقعونها منا، فسددوا الغارة على ديارنا فاكتسحوها، وشدَّدوا الحملة على خيرات أوطاننا فاستباحوها، ثم شنُّوا غارة أفجر وأنكر على عقولنا ليمسخوها، إذ بذلك وحده يضمنون التمتع بخيراتنا، والتلذذ باستعبادنا.
لا نلومهم على ذلك، فما منهم إلا موتور من هذا الإسلام في ماضية، وأحد أطوار تاريخه، فهو حاقد عليه، يتخيَّل في شبحه مفوِّتاً للعز والسلطان، ومقيِّداً للشهوات في أتباع الشيطان، أو مانعاً من الانطلاق الحيواني في بغي الإنسان على الإنسان، وما ينقمون من الإسلام إلا أنه يقيد الغريزة الحيوانية عن الظلم والتسلط والشهوة، ويفيض عليها من النور السماوي ما يرفعها إلى أفق أسمى، وهم بعد ذلك عمون عما وراء ذلك الذي ينقمونه من خير في الإسلام ونفع، ولا نملك لهم أن يهتدوا إلى ما في الإسلام من عزٍّ بالله، وعدل في أحكامه بين عباده، رحمة بهم وإحساناً، وإلى ما فيه من انطلاق، ولكن إلى الآفاق العليا الملكية.
إنما نلوم أنفسنا، ونلوم قومنا على التفريط والإضاعة، وعلى إهمال الدعوة لدينهم، والعرض لجماله ومحاسنه، وعلى التخاذل في وجه هذه القوة المتألبة المتكالبة عليهم وعلى دينهم، حتى أصبح سكوتنا وإهمالنا عوناً لها على هدم ديننا، ومحو فضائلنا، والقضاء على مقوماتنا، فأغنياؤنا ممسكون عن البذل في سبيل الدعوة إلى دينهم، وكأن الأمر لا يعنيهم، وكأن الدين ليس دينهم، وكأنهم لا يعلمون أن هذا التكالب إن استمر لا يبقى لهم عرضاً ولا مالاً ولا متاعاً، وقد بلغت الغفلة ببعضهم أن يُعِين الجمعيات التبشيرية المسيحية بماله، وكأنه يقلِّد عدوه سلاحاً قتَّالاً، يقتل به دينه وقومه، ولم يبق عليه من فضائح الجهل إلا أن يقول لعدوه: اقتلني به. إننا لا نكون مسلمين حقًّا، ولا نستطيع أن ندفع هذه الجيوش المغيرة علينا وعلى ديننا، تارة باسم العلم، وتارة باسم الخير والإحسان، وأخرى باسم الرحمة بالإنسان، إلا إذا علمنا ما يراد بنا، وفقهنا الغايات لهذه الغارات، وتحدَّيناها بجميع قوانا المعنوية والمادية، وحشدها في ميدان واحد، هو ميدان الدفاع عن حياتنا الروحية والمادية، ولا يتمُّ لهذا الشأن تمام إلا إذا أقمنا الدعوة إلى الله، وإلى دينه الإسلام، على أساس قوي من أحجار العالم الرباني، والخطيب الذي يتكلم بقلبه لا بلسانه، والكاتب الذي يكتب بقلمه ما يمليه عقله، والغني المستهين بماله في سبيل دينه، ثم وجهنا هذه الدعوة إلى القريب قبل الغريب، إلى المسلم الضال قبل الأجنبي، فإذا فعلت الدعوة فعلها في نفوس المسلمين، وأرجعتهم إلى ربهم، فاتصلوا به، فتمسكوا بكتابه وهدي نبيه، وتمجدوا بتاريخه وأمجاده وفضائله ولسانه، كنا قلَّدناهم سلاحاً لا يفلُّ، وأسبغنا عليهم حصانة روحية، لا تؤثر عليها هذه الدعايات المضللة، وحصانة أخرى مادية ملازمة لها، لا تهزمها الجموع المجمعة، ولو كان بعضها لبعض ظهيراً.
المسلمون في حاجة أكيدة إلى دعاية داخلية، تهدي ضالهم، وتصلح فاسدهم، تبتدئ من البيت، وتجاوزه إلى الجار والقرية، حتى تنتظم المجتمع كله. فإذا عمرت القلوب والبيوت والمجتمعات بمعاني الإسلام الصحيحة، أعطت ثمراتها الصحيحة، وجاء نصر الله والفتح، ربطاً للوعد بالإنجاز، ووصولاً إلى الحقيقة على المجاز، ويومئذ تزول هذه الفوارق البغيضة من تلقاء نفسها، فلا مذهب إلا مذهب الحق، ولا طريقة إلا طريق القرآن، ولا نزعة إلا نزعة المجد والسمو، ولا عاطفة إلا عاطفة المحبة والخير، ولا غاية إلا نشر السلام والطمأنينة في هذا العالم المضطرب.
لا يأس من روح الله. فهذه مخايل نصر، وهذه مبشرات القطر، وهذه طلائع الزحوف الحاملة لراية الدعوة الإسلامية، وهؤلاء عصب من علماء الإسلام قائمون بإيحاء هذه الفريضة بصدق وإخلاص وتضحية، ومن ورائهم كتائب من شباب الإسلام، تفتَّحت بصائرهم على نوره، يحملون ألسنة قوالة للحق، وعقولاً جوالة في ميدان الحق، وإن عددهم كل يوم لفي ازدياد، وإن نجاحهم فيما يمارسونه من الدعوة إلى الله لفي اطراد، فما على القاعدين إلا أن ينضموا، وما على الغافلين إلا أن يهتموا، ولا على المستيئسين إلا أن يستبشروا ويؤيدوا، وما على الغافلين عن ذاك الشرِّ المستطير إلا أن ينتبهوا إلى هذا الخير، فيعملوا على نمائه وبقائه، وإن أثمن هدية يقدمها المسلم إلى هؤلاء الدعاة هي الاهتداء إلى الحق، والاقتداء بأهل الحق.

المصدر: (آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي) ((4/284)), دار الغرب الإسلامي، ط1، 1997م.

الثلاثاء، 29 أكتوبر 2019

داء المسلمين ودواؤهم

داء المسلمين ودواؤهم
للعلامة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي


الباحث في أحوال المسلمين بحث تَقَصٍّ واستقراء رجل من اثنين: رجل من أنفسهم ورجل من غيرهم، وكلا الرجلين يجتمع بصاحبه في نقطة تبعث الحيرة وهي: كيف يسقط المسلمون هذا السقوط المريع، وفيهم كل أسباب الصعود، وبين أيديهم كل ما ارتقى به أسلافهم؟! فأصول الدين من كتاب وسنة محفوظة لم يَضِعْ منها شيء، وأسباب التاريخ واصلة لم ينقطع منها شيء، واللغة إن لم ترتق لم تنحدر، والعرب الذين هم جذْمُ [أصل] الإسلام ما زالوا يحتفظون بكثير من الخصائص الجنسية، ومعظمها من المكارم والفضائل، والأرحام العربية ما زالت تجد من بين العرب من يَبُلُّها بِبَلالها، فلم تجْفُ الجفاء كلَّه، وإن لم توصل الوصل كلَّه، والتجاوب الروحاني الذي تردِّد صداه كلمة الشهادة في نفوس المسلمين، وكلمة التلبية في جنبات عرفات لم يتلاشَ تماماً، والأرحام المتشابكة بين المسلمين لم تجفَّ الجفاف الذي يقطع الصلة، ومن السنن الكونية المقرَّرة في سقوط الأمم، وعدم امتداد العزة والرقي فيها- أن ينسى آخرها مآثر أوَّلها، فينقطع التيَّار الدافع، فيتعطل التقدم.
والمسلمون لم ينسوا مآثر سلفهم، بل هي بينهم مدوَّنة محفوظة مقطوع بها بالتواتر، بل هم أكثر الأمم احتفاظاً بمآثر السلف وتدويناً لها، ولا يُعرف بين أمم الأرض أمة كتب علماؤها فيما يسمونه (الطبقات والسير) مثل ما كتب المسلمون في ذلك.

والباحث الأجنبي معذور إذا تحير، وقد يخفف عنه ألم الحيرة ابتهاجه بهذا السقوط، وإنَّ بحثه عن الداء ليس بقصد الدواء، فقد عودنا كثير من هؤلاء الباحثين الأجانب أنهم لا يبحثون لذات البحث، ولا يدرسون هذه المواضيع لوجه التاريخ الخالص، فضلاً عن أن نجد عندهم ما يطلب من العالم المخلص، وهو أن يرمي ببحثه وبإعلان نتائج بحثه إلى تنبيه الضالِّ؛ ليهتدي، والمريض؛ ليسعى في الاستشفاء، والساقط؛ ليأخذ بأسباب الصعود والنهوض، وإفهامه أن الأيام دُوَل، وأنَّ من سار على الدرب وصل، بل نرى أكثرهم يتعمَّد إضلالنا في تعليل الأشياء؛ كي لا يقف المريض على حقيقة دائه فيغفل مغترًّا، أو يعالج داءه بداء أضرَّ، أو يضع الدواء في غير موضعه، وقد نرى منهم من ينتهي من بحثه بنتيجة، وهو أنَّ سبب انحطاط المسلمين هو الإسلام نفسه، وإنَّ من يستطبُّ لدائه بإشارة عدوه لحقيق بأن يسمع مثل هذه النصيحة.

أما الباحثون في أحوال المسلمين من المسلمين فهم ينقسمون إلى فريقين- بعد اتفاقهم على أن الجسم الإسلامي مريض وأن مرضه عضال- فريقٍ منهم هُدِيَ إلى الحقِّ، فعرف أن الجسم الإسلامي لا مطمع في شفائه، إلَّا إذا عُولج بالأشفية القديمة التي صحَّ بها جسم سلفه، وغُذي بالأغذية الصالحة، التي قوي عليها سلفه؛ وذلك أنَّه أقام الدين؛ فاستقامت له الدنيا، وانقاد إلى الله؛ فانقاد له عباد الله، وأخذ كتاب الله بقوة؛ فمشى على نوره إلى السعادة في الدارين، وأرشده إلى أنَّ سعادة الدنيا عزٌّ وسلطان، وعدلٌ وإحسان، وأنَّ سعادة الآخرة حياة لا نصب فيها ولا نهاية، واطمئنان لا خوف معه ولا كدر في أثنائه، ورضوان من الله أكبر.

وفريق منهم ضلَّ عن الحقِّ في الدواء؛ لأنَّه ضلَّ قبل ذلك في تشخيص الداء، وضلَّ من قبل ذلك في طريقة البحث، فتلقَّاها من أعداء الإسلام زائغة ملتوية، وضلَّ من قِبَل أولئك في أسلوب التفكير، فهو يفكر بعقل ملتاث بلوثات هذه الحضارة الخاطئة الكاذبة، المستمدة من أصول الاستعمار الذي يسقي الأقربين ما يرويهم، ويغذي الأبعدين بما يرديهم، ثم يجتثهم من أصولهم، ولا يلحقهم بأصوله، ويتركهم متعلقين بأسباب هذه الحضارة مفتونين بها، مهجورين منها، وقُل ما شئت في العاشق المهجور، الذي لا يملك من أسباب الحبِّ إلَّا القشور، ولا يملك من أسباب الوصل شيئاً.
وقد علمنا من سنن الحب أنَّ أعلاه ما كانت معه كبرياء تزع، واعتداد بالنفس يأخذ ويدع، وقوتان إحداهما تدلل، والأخرى تذلل.
أمَّا هؤلاء العشاق المتيَّمون بحضارة أوربا وعلومها وتهاويلها، فقد فقدوا الشخصية التي تحفظ التوازن في ميدان العشق، وتحفظ لصاحبها خط الرجوع.

هذا الفريق المزوَّر على الإسلام، الذي لا صلة له به إلا بما لا كسب له فيه كاسمه ولقبه- يرى أنه لا نجاة للمسلمين إلا بالانسلاخ عن ماضيهم ودينهم، والانغماس في الحضارة الغربية ومقتضياتها من غير قيد ولا تَحَفُّظ، وهو يعمل لهذا جاهداً، يُسِرُّهُ المسِرُّ كيداً، ويعلنه المعلن وقاحة، وإنَّك لتعرف ذلك منهم في لحن القول، وفي مظاهر العمل، وفي إدارة الكلام على أنحاء معينة، وفي البداوات الخاصة، وفي اللفتات العامة، حتى لتعرفه في أسباب معيشتهم الشخصية، ولكنهم يتناقضون ويتهافتون، فيبتدئون من حيث انتهى سادتهم؛ فسادتهم يرون أن اللعب إنما يحلو بعد الجدِّ، وأنَّ القشور إنما يلتفت إليها بعد تحصيل اللباب، وأنَّ الكماليات تأتي بعد الضروريات، وأنَّ الوقت رأس مال لا يجوز تبديده في غير نفع.
ولكن هذه الطائفة منَّا تفعل عكس ذلك كله، وتختصر الطريق إلى اللهو؛ لأنَّه يروي شهواتها، وإلى الكماليات والمظاهر؛ لأنَّ لها بريقاً هو حظُّ العين، وإن لم يكن للعقل منه شيء، وأن عصارة رأيهم في علاج حالة المسلمين تترجم بجملة واحدة، هي: أنَّ النجاة في الغرق.

هؤلاء الدارسون لعلل المسلمين منهم هم علة علل المسلمين، وهو أنكى فيهم من المستعمرين الحقيقيين، فلقد كان دهاة الاستعمار في القرن الماضي يباشرون الشعوب الإسلامية كفاحاً ووجهاً لوجه، صراعاً في الحرب، وحكماً في السلم، فيمارسون منها خصماً شديد المراس، قوي الأسر، متين الأخلاق؛ فلم ينالوا منها إلا ما تناله القوة من الضعف، وهو محصور في التسلط على الماديات، أمَّا القلوب والعقول والعقائد والاعتزاز بالقوى والخصائص فلم تستطع أن تخضعها، ولم يستطع سلطانهم أن يمتدَّ إليها، وهي عناصر المقاومة، المدَّخرة ليوم المقاومة، ولن تجد فيما ترى وما تقرأ أمة قاومت الغاصب فدحرته، ولو بعد حين، إلاَّ لأنَّ هذه العناصر بقيت فيها سليمة قوية، وبقيت هي عليها محافظة.

ولكن أولئك الدهاة أتونا من جهات أخرى فهادنونا على دخن، وحبَّبوا إلينا مدنيتهم من جهاتها القوية، ثم أعشونا ببريقها، وابتلونا بما يلائم النفوس الضعيفة الحيوانية من شهواتها، وقالوا: إنَّ وراء هذه المدنية علماً هو أساسها، وإن وراء العلم ما وراءه من سعادة، وفتحوا لناشئتنا أبواباً أمامية يدخلون منها، وأبواباً خلفية يخرجون منها إلى عالم غير عالمهم الأصلي، وجاءت البلايا تزحف، فنقلتها تلك الناشئة تجري ركضاً، ودعت الكأس الأولى إلى ما بعدها، وأصبحنا نتنافس في تقديم هذا القربان من ناشئتنا للاستعمار، وما زدنا بسفهنا على أن جهزنا له جيشاً من أبنائنا يقتل فيه خصائصنا وروحانيتنا، ليقاتلنا به، وليوليه ما عجز عنه لصعوبة مراسنا وشدة احتراسنا، وليرجع إلى أهليه مملوء النفس باحترام أستاذه، مصمم العزم على التمكين له، وقد كنا لا نحترمه ولا نصادقه، ولا نصافيه، ولا ندمث له موضع الإقامة.

ما هو موقع الغلط في أبنائنا؟ إنهم بتعلمهم في الغرب بلغة الغرب، وبلباسهم لباس الغرب، وانتحالهم رسومه في الأكل والشرب، ظنُّوا أنهم أصبحوا كالغربيين؛ فانسلخوا في مظاهرهم ومخابرهم عن خصائصهم الأصلية الموروثة، فخسروها ولم يربحوا شيئاً، إذ لم يقع في تقديرهم أن جُلَّ الأحوال التي قلدوا فيها الأوربي هي ألوان إضافية اصطبغ بها بعد أن استكمل وسائل عزه وقوته، فلا تحسن في العين، ولا ترجح في الوزن إلاَّ ممن وصل إلى درجته، وقطع المراحل التي قطعها في الحياة، وأنهم ظنوا غلطاً في الفهم أنَّ هذه الحضارة غريبة، وأخطؤوا؛ فإنَّ الحضارات ليست شرقية ولا غربية، وإنما هي تراث إنساني متداول بين الأمم، تتعاقب عليه، فيزيد فيه بعضها، وينقص منه بعضها، ويبتكر بعضها بعض الفروع فينسب إليه، ويلونها بعضهم بألوان ثابتة، فتبقى شاهدة له حتى تضمحل.

إنَّ جُلَّ أبنائنا الذين التقطتهم أوربا لتعلِّمهم عكسوا آية فرعون مع موسى؛ ففرعون التقط موسى؛ لينفعه، ويتخذه ولداً، وربَّاه صغيراً وأحسن إليه، فكان موسى له عدوًّا وحَزَنًا وسخنة عين.
أمَّا أبناؤنا فقد التقطتهم أوربا وعلمتهم وربَّتهم، فكانوا عدوًّا لدينهم، وحزناً لأهله، وسخنة عين لأهليهم وأوطانهم، إلا قليلاً منهم دخل النار فما احترق، وغشي اللج فأمن الغرق.

والسبب في هذا البلاء هو استعداد فينا كاستعداد المريض للموت، وشعور بالنقص في أنفسنا؛ لبعد عهدنا بالعزة والكرامة، ولموت أشياء فينا تصاحب موتها في العادة يقظة أشياء؛ ففقْدُ الإحساس بالواجب تصحبه يقظة الشهوات الجسدية، وقوة الإحساس بالواجب هي التي أمْلَتْ على بعض خلفائنا أن يعتزل النساء كلما هم بالغزو، وهي التي حملت كثيراً من قضاة سلفنا على أن يقمعوا شهواتهم الجسدية بالحلال قبل أن يجلسوا للخصوم في مجالس الحكم.

وموت النخوة تصحبه سرعة التقليد، وعادة الخضوع للغالب وسرعة التحلل والذوبان.
إنَّ الغرب لا يعطينا إلاَّ جزءاً مما يأخذ منَّا، ولا يعطينا إلَّا ما يعود علينا بالوبال، وقد أَعَنَّاه على أنفسنا، فأصبح المهاجر منَّا إلى العلم يذهب بعقله الشرقي، فينبذه هناك كأنه عقال على رأسه، لا عقل في دماغه، ثم يأتينا يوم يأتي بعقل غربي، ومنهم من يأتي بعقل غربي، ومعه امرأة تحرسه أن يزيغ.


المصدر: (آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي), دار الغرب الإسلامي، ط1، 1997م. (4/409).

الثلاثاء، 24 يوليو 2018

من روائع العلامة محمد البشير الإبراهيمي.

من روائع العلامة محمد البشير الإبراهيمي.

لا أحسب أحدا يجهل هذه القمة الشامخة في العلم والأدب، والإصلاح والتربية، فإنه -الإبراهيمي - من خيرة من تشرفت الجزائر بحملهم في رحمها، فكانت أسعد الأمهات ببر أبنائها، فأبروا أمهم الجزائر، وأبروا أخواتها من دول الإسلام الأخرى التي لها عليهم حق البر، فالخالة أم.

عرفاناً بفضله، وإحياء لعلمه، أحببت أن أتحف القراء الكرام ببعض كلماته الرائعة، عسانا ننتفع بها علما وعملا، وينتفع بها الشيخ ثوابا وأجراً، والله الموفق للمرام والمعين على القصد.

الكلمة الأولى: سبيل السعادة.
قال رحمه الله: " أيها الإخوان! إذا حدثتكم عن الإسلام أو أجريته على لساني، فلست أعني هذه المظاهر الموجودة بين المسلمين اليوم، وإنما أعني تلك الحقائق التي سعد بها أصحاب محمد وأسعدوا بها العالم، تلك الحقائق التي سارت الإنسانية على هداها قروناً فما ضلت عن سبيل الحق ولا زاغت؛ إنما أعني تلك الآداب التي صححت العقل والفكر، وصححت الاتجاه والقصد، ووحدت القلوب والشواعر. فإن أردتم أن تستبدلوا السعادة بالشقاء فعودوا إلى ذلك الطراز العالي المتصل بالسماء؛ إن السعادة منبثقة من النفوس، وإن الشقاء لكذلك، وإن إرادة الإنسان هي زمامه إلى الجنة أو إلى النار". 
(آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، جمع وتقديم نجله الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، دار الغرب الإسلامي،2/472).

الكلمة الثانية: من واجب علماء الإسلام.
إن أول من يجب عليه أن يؤذن بهذا الصوت جهيراً مدوياً هم علماء الإسلام، فكل عالم مسلم لا يدعو إلى اتحاد المسلمين، وإلى إحياء حقائق الإسلام العالية، وإلى إسعاد الشرق بها فهو خائن لدينه، ولأمانة الله عنده. وإن العالم المسلم الذي يسكت عن كلمة الحق في حينها والذي لا يعمل لإقامة الحق، ولا يرضى أن يموت في سبيل الحق؛ جبان، والجبن والإيمان لا يلتقيان في قلب المؤمن.
إن عهد الله في أعناق علماء الدين لعهد ثقيل، وإن أمانة الإسلام في نفوس علمائه لعظيمة، وإنهم لمسؤولون عليها يوم تنشر الصحائف في هذه الدار، وفي تلك الدار.
أيها الإخوان! إن الكلام لطويل، وإن الوقت لقصير، فليكن آخر ما نتواصى به: الحق والصبر والاتحاد. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (الآثار 2/472).

الكلمة الثالثة: التفرق شر كله.
قال رحمه الله: "أيتها الأمة! إن التفرق شر كله، وشر أنواع التفرق ماكان في الدين، وأشنع أنواع التفرق في الدين ما كان منشؤه الهوى والغرض، ونتيجته التعادي والتباغض، وأثره في نفوس الأجانب السخرية من الدين والتنقّص له واتخاذ أعمال أهله حجة عليه، وما أعظم جناية المسلم الذي يقيم من أعماله الفاسدة حجة على دينه الصحيح، وما أشنع جريمة المسلم الذي يعرض – بسوء عمله- دينه الطاهر النقي للزراية والاحتقار". (الآثار 2/162)

الكلمة الرابعة: الأمة الإسلامية العربية تخاطب أبناءها.
أي أبنائي!
إني أنا الأم الولود المنجبــــة،،،،،،، للطرف الغرّ الحسان المعجبة،،،،
فلم غدت محاسني محجبة؟
ولدت الغرّ الميامين، من آبائكم الأولين، فأوسَعوني برًّا وتكرمة، وكافَأوني وفاء وإحساناً. وفد عليّ الإسلام فكنت له حصناً، ووفدت معه اللغة العربية فقلت لها حسناً. ثم اتخذتهما مفخرتي دهري، ووضعتهما بين سحري ونحري، وأقسمت أن أتقلب بهما طول عمري. ألا لستم لي حتى ترعوا عهدي برعاية عهدهما، وتحققوا وعدي بالاستماتة في سبيلهما.
أنا الأم، ومن حق الأم أن تسمي ولدها، وقد سميتكم العرب المسلمين وأشهدت التاريخ فسجل. فلستم مني إن عققتموني بتبديل الاسم أو تفريق المسمّى.
إني قريرة العين بيومكم هذا إذ وسمتموه بوسمي، وسميتموه باسمي، وشرفتموه بالإسلام، وزنتموه بالعروبة. الآثار(1/230).

الكلمة الخامسة: بين مقام النبوة ومقام العبودية.
قال رحمه الله:" إن النبوة هي أكمل الخصائص الإنسانية، وأشرف المواهب الإلهية، ولكن الله حين يرفع ذكر الأنبياء يضعهم في الدرجة الأولى من معارج الرقي، وهي درجة العبودية لله، فمحمد عبد الله قبل أن يكون رسوله، وفي القرآن: (واذكر عبدنا أيوب)، (واذكر عبادنا إبراهيم وإسحق ويعقوب). الآثار: (2/464)

الكلمة السادسة: قيمة كل إنسان ما يحسنه.
قال –رحمه الله-: " بيَّن لنا-رضي الله عنه (1)- وهو مصدر البيان، وينبوع التبيان، أنّ الأعمار هي الأعمال، وبالإحسان فيها تتفاوت قيمة الرجال، وأن ذلك لا يرجع إلى وزن بميزان، ولا كيل بقفزان، وإنما هوعقل مفكر، ولسان متذكر. ومن لا عمل له لا عمر له. ومن لا أثر له في الدين يتمثل به أمر ربه، ولا أثر له في الدنيا تزدان بها صحيفة كسبه، فوجوده عدم، وعقباه ندم، وحياته مسلوبة الاعتبار، وإن شارك الأحياء في الصفة والمميزات.
فاحرصوا رحمكم الله، على أن تكون لحياتكم قيمة، واربأوا عن أن تكون في كفة النحس والهضيمة، واسعوا في الوصول بها إلى القيم الغالية، والحصول منها على الحصص العالية". (الآثار:1/65).
ـــــــــ
(1) يعني : علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- في قوله: "قيمة كل إنسان ما يحسنه".

الكلمة السابعة: المال سلاح كما أن العلم سلاح.
ألا فليعلم كل من لا يريد أن يعلم؛ أن سوق المال اليوم معترك أبطال، وأن في جوانبه رماة ونحن الهدف، وأن مكان المال من الحياة مكان الوريد من البدن، وأن الزمان قد دار دورته وقضى الله أن يصبح المال والعلم سلاحين لا يطمع طامع في الحياة بدونهما، فللنظر مكاننا منهما ومكانهما منّا. (الآثار:1/55).

الحكمة الثامنة: الحق لا يثبت بالدعوى ولكن بالدليل.
أما إن الحق لا يثبت بالدعوى ولكن بالدليل، وإن العبرة بالمسميات لا بالأسماء وبالأفعال لا بالأقوال، ولو أن كل من سمته أمّه "صالحاً" كان صالحاً على الحقيقة، وكل من سمته الحكومة "عدلاً" في المحكمة كان عدلا على الحقيقة؛ لكنا سعداء بكثرة الصالحين والعدول فينا. ولو أنّ كل من تسمّى "حسناً" لا يأتي –لمكان اسمه- إلا الفعل الحسن لطم الحسن على القبح، ولكن من وراء هذه الأسماء الجميلة أفق الواقع تتهاوى فيه هذه الأسماء وتنفلق، فلا نجد إلا الحقيقة من فعل يُصدّق أو يُكذّب. (الآثار:1/113).

الكلمة التاسعة: العاقل من جارى العقلا في أعمالهم.
إخواني: العاقل من جارى العقلاء في أعمالهم في دائرة دينه وقوميته ووجدانه، والحازم من لم يرض لنفسه أخس المنازل، وأخس المنازل للرجل منزلة القول بلا عمل، وأخس منها أن يكون الرجل كالدفتر يحكي ما قال الرجال وما فعل الرجال دون أن يضرب معهم في الأعمال الصالحة بنصيب، أو يرمي في معترك الآراء بالسهم المصيب. (الآثار: 1/56).

الكلمة العاشرة: وصية لمن يقتدي بهم العامة.
قال - رحمه الله - يوصي المعلمين:" وأوصيكم بحسن العشرة مع بعضكم إذا اجتمعتم، وبحفظ العهد والغيب لبعضكم إذا افترقتم، إن العامة التي ائتمنتكم على تربية أبنائها تنظر إلى أعمالكم بالمرآة المكبرة، فالصغيرة من أعمالكم تعدها كبيرة،والخافتة من أقوالكم تسمعها جهيرة، فاحذروا ثم احذروا!" (الآثار:3/265) بواسطة: (المعالم السنية...) ص65، لأبي أحمد البشير بن الشيخ.

الكلمة الحادية عشرة: أشرف خدمة تُقدّمها لأمّتك.
قال -رحمه الله-:" إنّ أشرف خدمة يُقدّمها العاملون المخلصون لأمّتهم ولوطنهم هي التّعليم والتّربية الصّالحة، فهما سُلّم الحياة وإكسير السّعادة". ( الآثار:3/68).

الكلمة الثانية عشرة: تعاطي أسباب الكمال.
قال ـ رحمه الله ـ:" ومتى قعد الأفراد عن تعاطي أسباب الكمال فشت النقائص في المجموع. (الآثار: 1/201).

الكلمة الثالثة عشرة: خطر المدنية الغربية.
قال رحمه الله : أيها الإخوان! إن الإسلام مازال في أوربا المسيحية في حرب صليبية لم تنطفئ نارها، وإنما غطى عليها رماد المدنية والعلم اللذين غزوا بهما عقولنا، وسحروا بها عيوننا، وخدروا بهما مشاعرنا، تحيلا ومكراً ليصرفونا عن الاستعداد، وما هذه المدنية وهذا العلم إلا سلاح جديد أفتك من سلاح الحديد: فإن سلاح الحديد يقتل الأجساد فينقل الأرواح إلى مقام الشهادة، أما هذا السلاح فإنه يقتل الأرواح ويجردها من أسباب السعادة. 
(الآثار: 4/78)

الكلمة الرابعة عشرة: لو أن الإسلام فهم على حقيقته.
قال رحمه الله:" إن العالم في اضطراب، لأن أهله في احتراب، وقد جرّب المناهج والأدوية وتداوى بكل ما يخطر على البال، وتداوى بالمال وسحره فلم يشف من مسِّه، واسترقى بجميع الرقى، فلم يبرأ من لمحه، وعالجه بالدواء الأحمر، فكان الدّاء الأصفر.
ويميناً برة لا حنث فيها ولا تأول، لو أن الإسلام فهم على حقيقته، وطبّق على وجهه الذي جاء به من عند الله محمد بن عبد الله لكان هو الدواء النافع الذي يحلّ العقد ويرفع الإشكال، ولكان هو الحكم في معترك الخلاف، والجالب بقوانينه وأخلاقه لسعادة العالم. ولكن الإسلام جمد فذهبت خواصه، وتفرّقت مذاهبه فزهقت روحه وذهبت ريحه، والذنب في ذلك كله في عنق علمائه: تعصبوا للمذاهب المفرّقة فبعدوا عن المذهب الجامع، وهو كتاب الله وهدي محمد صلى الله عليه وسلم، وفهموا الدين قشوراً وصدفوا عن اللباب، وتركوا قيادة الأمة فأضاعوا الأمانة، وصرفوا الأمة بتعليمهم عن معاني الدّين الجليلة، فأصاروها إلى الألفاظ، فهي تسبح منذ قرون في بحر من الألفاظ لا ساحل له..." 
(الآثار: 4/78).

الكلمة الخامسة عشرة: دور الشباب في التصفية والتربية.
قال رحمه الله: "إنّ دينكم شوهته الأضاليل، وإنّ سيرة نبيكم غمرتها الأباطيل، وإن كتابكم ضيعته التآويل، فهل لكم يا شباب الإسلام أن تمحوا بأيديكم الطاهرة الزيف والزيغ عنها، وتكتبوه في نفوس الناس جديداً كما نزل، وكما فهمه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم" 
( الآثار: 4/271).

الكلمة السادسة عشرة: صفات الرجال الذين ينتشر بهم الإسلام.
قال رحمه الله: " وكيف نطمع في التبشير بالإسلام في الأقطار الوثنية إذا لم نُجهّز جيشاً من الشباب ونسلحهم بالسلاح اللازم لذلك من أخلاق أقواها العزيمة والتضحية والصبر على المكاره وتحمّل المشاق، فلم ينتشر الدّين في أول أمره إلا برجال من هذا الطراز العالي." 
(الآثار:5/301)

الكلمة السابعة عشرة: السعي إلى الكمال.
قال رحمه الله: " أيها الإخوة نحن نريد من الكمال هنا الكمال المكتسب الذي في مكنة الإنسان الوصول إليه بالتعمل والتهمم والمزاولة، ولسنا نعني الكمال الخلقي التكويني الذي لا يد للمخلوق فيه، ذلك الكمال الذي يتفاوت فيه العاملون حتى يكونوا كما قال الشاعر:
ولم أرأمثال الرجال تفاوتاً إلى* المجد حتى عدّ ألف بواحد.
وإن سنة الله في الأمم أنها تتقاعس عن الفضائل وتتناعس عن الكسب وتنغمس في النقائص فتتدهور إلى الحد الذي تقتضيه قوة تلك النقائص وأسبابها. فإذا أراد الله بها خيراً بصّرها بتلك النقائص وأشعرها بمعنى الكمال، وأيقظ في نفوسها دواعيه فيأخذ أفرادها بأسباب الكمال متعاونين أو متنافسين حتى يصلوا إلى أقصى مراتبه.
فإذا شعروا ولم يعملوا لبلوغ الكمال مع القدرة على العمل فقد باءوا بالعيب الفاضح، وكانوا هم المعنيين بقول المتنبي:
ولم أر في عيوب الناس شيئاً * كنقص القادرين على التمام.
( الآثار: 1/202)

الكلمة الثامنة عشرة: رمضان وتحقيق الاتحاد.
قال رحمه الله: " أيها المسلمون...
هذا شهر رمضان على الأبواب، فأحيوا في نفوسكم جميع معانيه الدينية والاجتماعية وابدأوا لتحقيق ذلك بالاتحاد في صومه، والاتحاد في الخروج منه، واظهروا في هذين اليومين بالمظهر المشرف لدينكم ولجماعتكم، واجتمعوا على السرور بمقدمه وعلى الابتهاج بوداعه، واعلموا أن للاتحاد هيبة، وأن في الاجتماع قوة وسطوة، فاستجلوا هذه المعاني في مظاهر دينكم، واستغلوا ثمراتها في ظواهر دنياكم". ( الآثار: 2/163).

الكلمة التاسعة عشرة: قل للجزائــر الحبيبــة!
هذه رسالة أرسلها الإبراهيمي إلى أُمّه الجزائر وهو عنها غائب، وأسماها : "تحية غائب كالآيب"، وذا طرف منها، يشوقك إليها ولايغنيك عنها:
قال رحمه الله: " قل للجزائر الحبيبة هل يخطر ببالك من لم تغيبي قط عن باله؟ وهل طاف بك طائف السلو، وشغلك مانع الجمع وموجب الخلو، عن مشغول بهواك عن سواك؟ إنه يعتقد أن في كل جزيرة قطعةً من الحُسن، وفيك الحُسن جميعُه، لذلك كنَّ مفرداتٍ وكنت جمعاً، فإذا قالوا: "الجزائر الخالدات" رجعنا فيك إلى توحيد الصفة وقلنا : "الجزائر الخالدة"، وليس بمستنكر أن تُجمع الجزائر كلها في واحدة". 
(الآثار: 4/ 182 ـ 183)

الكلمة العشرون: المدنية سلاح جديد أفتك من سلح الحديد.
قال رحمه الله : " أيها الإخوان: إن الإسلام ما زال في أوربا المسيحية في حرب صليبية لم تنطفئ نارها، وإنما غطى عليها رماد المدنية والعلم اللذين غزوا بهما عقولنا، وسحروا بهما عيوننا، وخدروا بهما مشاعرنا، تحيلاً ومكراً ليصرفونا عن الاستعداد، وما هذه المدنية وهذا العلم إلا سلاح جديد أفتك من سلح الحديد، فإن سلاح الحديد يقتل الأجساد فينقل الأرواح إلى مقام الشهادة، أما هذا السلاح فإنه يقتل الأرواح ويجردها من أسباب السعادة. 
( الآثار: 4/78).

الكلمة الواحدة والعشرون: رجاؤنا في الله قوي.
قال ـ رحمه الله ـ: " رجاؤنا في الله قوي، ولكنه رجاء الموحدين العارفين بسننه الكونية، فلا نرجو أن نحيا من غير أن نستعد للحياة، وإنما نرجو أن يوفقنا الله إلى هذا الاستعداد".
(الآثار: 2/39)

الكلمة الثانية والعشرون: كونوا بررةً بلغتكم.
قال ـ رحمه الله ـ :" وأوصيكم بأن تكونوا بررة بهذه اللغة الشريفة لتُحيوها فتحيوا بها، وما ذلك إلا بالتعمق في فقهها والاصطباغ بآدابها وحِكمها، وسبيل ذلك كله المطالعة المنظّمة.
لم تأت هذه الوصية عفواً، ولكنني أرى من مجرى الأحوال والحوادث أن هذه اللغة لا تزال في ليل مظلم مما تلقّاه من حرب أعدائها وجفاء أبنائها، وأنّ ميدان العراك بينها وبين الحوادث لم يزل فسيحاً، فاستعدّوا للذود عن حياضها والنضح عن حقيقتها، وستكون العاقبة لها إن استعددتم لهذا الدفاع الجديد".
( الآثار: 2/39)
رحم الله العلامة الإبراهيمي