السبت، 2 مايو 2026

لو نمتَ كانَ خيراً لكَ!

 نقطة نظام 

لو نمتَ كانَ خيراً لكَ!


يقولُ حِبُّ رسول الله ﷺ وابنُ حِبِّه، أسامة بن زيد بن حارثة:

*بعثَنَا رسولُ الله ﷺ في سَريَّةٍ إلى الحُرقة من جُهينة، فصبَّحْنا القومَ فهزمناهم، ولحقتُ أنا ورجلٌ من الأنصار رجلاً منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا اللّه!

فكفَّ الأنصاريُّ عنه، وطعنتُه برمحي حتى قتلته!

فلمَّا قدمنا المدينة، بلغَ ذلكَ النبيَّ ﷺ،

فقال لي: يا أسامة، أقتلته بعد أن قال لا إله إلا اللّه؟!

قلتُ: يا رسول الله، إنّما كان متعوِّذاً من السَّيف!

فقال: أقتلته بعد أن قال لا إله إلا اللّه؟!

فما زال يكررها عليَّ حتى تمنَّيتُ أنّي لم أكن أسلمتُ قبل ذلكَ اليوم!

ونزلَ قول الله تعالى: 

“وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا”


*خلاصة حكم المحدث : [صحيح]

الراوي : أسامة بن زيد | المحدث : مسلم | المصدر : صحيح مسلم | الصفحة أو الرقم : 96



الدَّرسُ الأوَّل:

لا تحكُمْ على شيءٍ لم تُحِطْ به علماً،

قد يمشي الناسُ في طريقٍ واحدة،

وتكون المسافة بين نواياهم مقدار المسافة بين السَّماء والأرض!

تهزني هذه الآية عميقاً: 

“وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ”

كان يوسف عليه السلام وزليخة يركضان على الطريق ذاتها،

ولهما وجهة واحدة هي الباب،

ولكنَّ يوسف عليه السلام كان يهربُ من المعصية، وهي كانت تركضُ وراءها!

وإنّك لو رأيتَ من القصة هذا المشهد فقط،

ولم تُحِطْ بكلّ تفاصيلها وليس لكَ منها إلا ما رأته عيناك،

لقُلتَ هما سواء، وما أدراك أنتَ أنّه كان يقصِدُ الباب ليهرب،

فلا تعِشْ في هذه الحياة حَكماً وقاضياً!

صحيح أنّ بعض الأمور واضحة جلية،

ومن الحماقة ألا يكون للمرء يقين في هذه الحياة،

ولكن تذكّر شيئاً مهماً:

النوايا لا يطلِعُ عليا الناس ليقيموها، ولا الشياطين ليفسدوها، ولا الملائكة ليكتبوها،

وحده اللّه سبحانه يرانا من الدّاخل كما نحن!


الدَّرسُ الثّاني:

يقولُ الشِّيرازيُّ رحمه الله: قمتُ الليلَ مع أبي، وحولنا أُناس نيام لم يُصلُّوا،

فقلتُ لأبي: لم يقم أحدٌ من هؤلاء يصلي ركعتين!

فقال لي: يا بُنيَّ، لو نمتَ لكان خيراً لكَ من وقوعكَ في الخَلْقِ!

صلاحَكَ لا يعطيك الحقَّ بازدراء الناس،

وسلامة الصَّدر والتَّواضع مع العبادة دون النوافل، خيرٌ من الاستعلاء مع كثرة النوافل!

ولتعلَمْ علمَ اليقين أنّه ليس بينك وبين المبتلى بمعصية اللّه إلا رحمة اللّه،

وأنَّ اللّه سبحانه لو خلَّى بينك وبين المعاصي،

لفعلتَ ما فعلَ غيرك، ولربما تفوَّقتَ عليه أيضاً!

ثُمَّ تعالَ هنا، وضع عينك في عيني،

أليستْ لكَ معاصٍ قد سترها الله عليكَ، ولو أطلعَ الناسُ عليها لسقطتَ من أعينهم،

كلنا يا صديقي أسوأ ممّا نبدو عليه،

ولكنّه رداء من الله اسمه السَّتر لو رفعه عنّا لانفضحنا!


الدَّرسُ الثّالث:

يقولُ سُفيان الثوريُّ رحمه الله: حُرمتُ قيام الليل خمسة أشهرٍ، بسبب ذنبٍ أذنبته!

قيل له: وما هو؟

فقال: رأيتُ رجلاً يدعو الله ويبكي، فقلتُ في نفسي: هذا رياء!

لا تقتحِمْ نوايا النَّاس ودع الخلقَ للخالق،

وإنَّ أحدنا لتختلط عليه نيتّه أحياناً،

فما بالنا نجزمُ في نوايا النَّاس وكأنّنا شققنا عن قلوبهم!

وإنَّ أسوأ ما يُبتلى به المرء هو أن يقع في نوايا الصالحين!

إذا شاهد منتقبةً قال: تسترُ قبحها!

وإذا شاهد محجَّبةً قال: لعله خَشِنٌ شعرها!

وإذا رأى الرَّجل يتصدق قال: يُرائي!

وإذا رأى أحداً يزور أحداً قال: له عنده مصلحة،

وإذا شاهد شاباً يرتاد المسجد قال: معقَّد،

يجمعُ على نفسه قُبحين في آنٍ معاً،

قبح العجز عن مجاراة الصالحين، وقبح الوقوع في نواياهم!


الدَّرسُ الرّابع:

أخرجَ البيهقيُّ في شُعب الإيمان عن ابن عبَّاس:

أنَّ النبيَّ ﷺ نظرَ إلى الكعبة فقال:

مرحباً بكِ من بيت، ما أعظمكِ وما أعظم حرمتكِ، وللمؤمن أعظم عند الله حرمةً منكِ!

وروى ابن ماجة في السُّننِ من حديث ابن عمر:

رأيتُ رسول الله ﷺ يطوفُ بالكعبة،

ويقول: ما أطيبكِ وما أطيب ريحكِ، ما أعظمكِ وأعظمَ حرمتكِ،

والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن، أعظم عند الله حرمةً منكِ، ماله، ودمه!

وفي صحيح البخاري حديث يخطف القلب:

يقول النبيُّ ﷺ: لا يزالُ العبدُ في فسحةٍ من دينه، ما لم يُصِبْ دماً حراماً!

لا ذنبَ أعظمَ عند الله بعد الشِّرك من إراقة دماء النَّاس ظلماً،

لهذا فإنَّ أوّل شيءٍ يقضي به الله سبحانه بين النَّاس يوم القيامة هو الدّماء!

وما كان هذا إلا لحرمة انتهاكها، وبشاعة فعلها،

وأن يأتي العبدُ ربَّه بكلّ ذنبٍ خلا الشرك،

أهون عنده سبحانه من أن يأتيه في رقبته دم بريء سفكه،

وإذا كان ظاهر الأحاديث الشَّريفة أنّ المنتحر في النار، وقد أزهقَ روح نفسه،

فكيف بالذي يُزهِقُ أرواح النّاس؟


*خلاصة حكم المحدث : [صحيح]

الراوي : أسامة بن زيد | المحدث : مسلم | المصدر : صحيح مسلم | الصفحة أو الرقم : 96


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق