بقلم: د. عطية عدلان
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
هل يمكن أن نقول: إنّ الموضوع الرئيس في سورة «الشورى» هو «الوحي.. طبيعته ومقاصده وأثره في حياة الإنسان»؟
أجل.. يمكننا القول بذلك، لا سيما وقد ذُكر الوحي فيها 5 مرات في 4 آيات أمسكت بطرفيها واخترقت قلبها:
(كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (الشورى: 3)، (وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) (الشورى: 7)، (وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَاّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) (الشورى: 51)، (وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الشورى: 52)، وإنّه -والله- لموضوع كبير؛ فالوحي للمجتمع البشريّ كالروح للجسد.
أم نقول: إنّ موضوعها الرئيس هو الوَلاية، الولاء والمحبة والنصرة؟ أجل يصلح؛ فما الوحي -بما أحدثه في حياة الناس- إلا أثرًا من آثار هذه الولاية، ولا غنى للعباد عن وَلاية الله لهم بالعون والرعاية والهداية، ولا عن وَلايتهم لله بالعبادة والخضوع والدينونة؟
أجل.. يصلح؛ لا سيما وقد ذكرت الولاية في السورة 7 مرات في 6 آيات: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) (الشورى: 6)، (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الشورى: 9)، (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ) (الشورى: 28)، (وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) (الشورى: ٨)، (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ) (الشورى: 44)، (وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ) (الشورى: 46)، وأظنُّ أنّه -بعد أن قَبِلَ موضوعُ الوحي أن ينصاع ويدخل تحت هذا الموضوع- لا يُتصور أن تعتاص عليه سائر موضوعات.
أم نقول: إنّ الموضوع الجوهريّ المحوريّ الذي تدور حوله كل موضوعات السورة هو موضوع الحاكمية الإلهية والسيادة الربانية؟ وهو موضوع أينما وجد تَسَنَّمَ السياق وبدا فيه كالرأس للجسد.
أجل.. بلا أدنى شكّ؛ لا سيما وقد ذكر في السورة 4 مرات في سياقات مختلفة: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) (الشورى: 10)، (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) (الشورى: 13)، (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ) (الشورى: 17)،(أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ)(الشورى: 21)، ولا ريب أنّه إنْ أخذ مكانه وتمحور في السورة فسوف تسلم له باقي الموضوعات قيادها بلا تمرد ولا عصيان؛ أليست السيادة الإلهية هي جوهر الدين؟ أليست حاكمية الشريعة الإلهية هي صلب لا إله إلا الله؟
وإنْ لم نعتمد الاستقراء وأقحمنا -ولو على متن المجازفة الحَدْسِيّة- القولَ بأنّ موضوع السورة هو الشورى لساغ ذلك وكان مقبولًا غير مردود؛ فقد توسطت الشورى هذه السورة، وسميت السورة بها: (وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ) (الشورى: 38)، وإنّها بلا منازع القيمة المركزية في النظم الإسلامية كافّة ولا سيما النظام السياسي، ولمركزيتها وقوة جذبها تستطيع أن تدير باقي الموضوعات حولها كلٌّ في فلكه.
غير أنّني -بعد هذا كله ودون أن أتراجع عن شيء منه- أرى أنّ هناك موضوعًا يصلح أن يكون هو الموضوع المحوريّ الجامع، وأنّ صلاحيته هي الأكثر ظهوراً واستمراراً واستقراراً، وقد يؤيد ذلك أمران، الأول: أنّه الموضوع الذي يستطيع أن يتخذ من الموضوعات الأربعة ركائز يتكئ عليها، فلا يكتفي بدورانها حوله في أفلاك متوازية كسائر الموضوعات، الثاني: أنّه هو المتفق والمرحلة الدعوية التي كانت ظرفًا لنزول السورة الكريمة، فسورة الشورى مكيّة، نزلت ضمن «الحواميم المثاني» التي نزلت متوالية، وذلك في فترة تبلور فيها داخل المحيط الجاهليّ مجتمعٌ سياسيّ من شريحة متمايزة تمام التمايز عما يحيط بها من جاهلية.
والمجتمع السياسيّ مصطلح مرن يتسع للدلالة على أيّ كيان بشريّ منظم في أيّ صورة من صور التنظيم، وقد كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومن معه من المؤمنين في مكة ومن الْتَفَّ حولهم بدافع العصبية من بني هاشم، كانوا يمثلون مجتمعًا سياسيًّا على نحو بسيط، يعيش تحت مظلة المجتمع الجاهليّ ولكنّ ولاءه ولاء داخليّ، هذا المجتمع السياسيّ البسيط يُعَدُّ النواة المتناهية في الصغر وفي الصلابة والتماسك للدولة الآتية في المستقبل، هذا المجتمع السياسيّ لا بدَّ له من دستور ينظمه ويرتبه على نحو يضبط الأداء والحركة، في وقت لم يكن التشريع قد اكتمل بعد.
فكان هذا الدستور البسيط هو الموضوع الرئيس: (فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ {36} وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ {37} وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ {38} وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ {39} وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ {40} وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ {41} إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ {42} وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (الشورى).
ونستطيع أن نوجز موادّ هذا الدستور في الآتي:
1- الاستجابة لله بتطبيق شريعته في كل مناحي الحياة: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ).
2- إقامة الشعائر وإظهارها في المجتمع: (وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ).
3- إدارة الشأن العام بالشورى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ).
4- إقامة الشأن الاقتصادي على التكافل الاجتماعي: (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ).
5- عدم مجاوزة العدل في التعامل مع المعادي؛ فإما أن تُقابَل السيئةُ بمثلها: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا)، وإما العفو: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ).
6- تطهير المجتمع من كبائر الآثم والفواحش: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ).
7- الإيمان والتوكل: (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (النحل: 99).
هذا هو الدستور الذي وضع لتنظيم التعامل البينيّ لأعضاء هذا المجتمع السياسي البسيط المصغر، ولضبط العلاقة بينهم وبين ربّهم وإلههم تبارك وتعالى، فما كان للمجتمع المسلم أن يتحاكم فيما يقع بين أفراده إلى قواعد وقوانين الجاهلية المحيطة به، وما كان له أن يحيا بلا نظام داخليّ يضبط إيقاعه ويؤهله للمراحل القادمة، وإذا وقع بين بعض أفراده تدافع وخصومه؛ فما ينبغي لهم أن يذهبوا ليتحاكموا إلى الطاغوت الذي جاء دينهم بهدمه.
صحيح أنّه يمكن أن يلجأ بعض المسلمين إلى محاكم وضعية إذا لم تتيسر لهم محاكم شرعية بشروط، منها أن يكون الحكم الذي يُنتظر من القضاء في الواقعة -حسب القانون- موافقاً لحكم الله، أو يكون المدعي له شرعًا من الحقّ في دعواه أكثر مما يعطيه القضاء، ومن الشروط ألّا يعتقد في قلبه أنّ الجهة القضائية وما تعتمد عليه من قوانين هي صاحبة الحقّ في التشريع.
لكن في النهاية، يجب أن يجنب المسلمون أنفسهم هذا الخيار، ولكي يجري هذا وضعت الآيات لهم قاعدة لدى وقوع الغضب الناشئ عن خلاف، وهو عدم مجاوزة الحدّ عند الغضب، فإمّا أن يأخذ المرء حقه بلا زيادة، وإمّا أن يعفو، والعفو أفضل وأهدى سبيلًا، أمّا البغي وتجاوز الحدّ فهذا غير مقبول، فإن فعل المسلمون ذلك واتبعوا هذه القاعدة؛ فلن يكونوا بحاجة إلى التحاكم والتقاضي أمام قضاء الجاهلية، إضافة إلى أنّهم سينظمون شؤونهم الداخلية وفق منهج الله، فما كان من قبيل التشريع فالمنهج هو الاستجابة لأمر ربهم، وإن كان من قبيل الأمور الدنيوية فالمنهج هو الشورى التي تكون ملصقة بشأنهم، هذا أنموذج لمحاولة من محاولات التعرف على الموضوع الرئيس للسورة؛ تمهيدًا لتأطير الوحدة الموضوعية لها، والله أعلم.
أم نقول: إنّ موضوعها الرئيس هو الوَلاية، الولاء والمحبة والنصرة؟ أجل يصلح؛ فما الوحي -بما أحدثه في حياة الناس- إلا أثرًا من آثار هذه الولاية، ولا غنى للعباد عن وَلاية الله لهم بالعون والرعاية والهداية، ولا عن وَلايتهم لله بالعبادة والخضوع والدينونة؟
أجل.. يصلح؛ لا سيما وقد ذكرت الولاية في السورة 7 مرات في 6 آيات: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) (الشورى: 6)، (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الشورى: 9)، (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ) (الشورى: 28)، (وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) (الشورى: ٨)، (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ) (الشورى: 44)، (وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ) (الشورى: 46)، وأظنُّ أنّه -بعد أن قَبِلَ موضوعُ الوحي أن ينصاع ويدخل تحت هذا الموضوع- لا يُتصور أن تعتاص عليه سائر موضوعات.
أم نقول: إنّ الموضوع الجوهريّ المحوريّ الذي تدور حوله كل موضوعات السورة هو موضوع الحاكمية الإلهية والسيادة الربانية؟ وهو موضوع أينما وجد تَسَنَّمَ السياق وبدا فيه كالرأس للجسد.
أجل.. بلا أدنى شكّ؛ لا سيما وقد ذكر في السورة 4 مرات في سياقات مختلفة: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) (الشورى: 10)، (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) (الشورى: 13)، (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ) (الشورى: 17)،(أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ)(الشورى: 21)، ولا ريب أنّه إنْ أخذ مكانه وتمحور في السورة فسوف تسلم له باقي الموضوعات قيادها بلا تمرد ولا عصيان؛ أليست السيادة الإلهية هي جوهر الدين؟ أليست حاكمية الشريعة الإلهية هي صلب لا إله إلا الله؟
وإنْ لم نعتمد الاستقراء وأقحمنا -ولو على متن المجازفة الحَدْسِيّة- القولَ بأنّ موضوع السورة هو الشورى لساغ ذلك وكان مقبولًا غير مردود؛ فقد توسطت الشورى هذه السورة، وسميت السورة بها: (وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ) (الشورى: 38)، وإنّها بلا منازع القيمة المركزية في النظم الإسلامية كافّة ولا سيما النظام السياسي، ولمركزيتها وقوة جذبها تستطيع أن تدير باقي الموضوعات حولها كلٌّ في فلكه.
غير أنّني -بعد هذا كله ودون أن أتراجع عن شيء منه- أرى أنّ هناك موضوعًا يصلح أن يكون هو الموضوع المحوريّ الجامع، وأنّ صلاحيته هي الأكثر ظهوراً واستمراراً واستقراراً، وقد يؤيد ذلك أمران، الأول: أنّه الموضوع الذي يستطيع أن يتخذ من الموضوعات الأربعة ركائز يتكئ عليها، فلا يكتفي بدورانها حوله في أفلاك متوازية كسائر الموضوعات، الثاني: أنّه هو المتفق والمرحلة الدعوية التي كانت ظرفًا لنزول السورة الكريمة، فسورة الشورى مكيّة، نزلت ضمن «الحواميم المثاني» التي نزلت متوالية، وذلك في فترة تبلور فيها داخل المحيط الجاهليّ مجتمعٌ سياسيّ من شريحة متمايزة تمام التمايز عما يحيط بها من جاهلية.
والمجتمع السياسيّ مصطلح مرن يتسع للدلالة على أيّ كيان بشريّ منظم في أيّ صورة من صور التنظيم، وقد كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومن معه من المؤمنين في مكة ومن الْتَفَّ حولهم بدافع العصبية من بني هاشم، كانوا يمثلون مجتمعًا سياسيًّا على نحو بسيط، يعيش تحت مظلة المجتمع الجاهليّ ولكنّ ولاءه ولاء داخليّ، هذا المجتمع السياسيّ البسيط يُعَدُّ النواة المتناهية في الصغر وفي الصلابة والتماسك للدولة الآتية في المستقبل، هذا المجتمع السياسيّ لا بدَّ له من دستور ينظمه ويرتبه على نحو يضبط الأداء والحركة، في وقت لم يكن التشريع قد اكتمل بعد.
فكان هذا الدستور البسيط هو الموضوع الرئيس: (فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ {36} وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ {37} وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ {38} وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ {39} وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ {40} وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ {41} إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ {42} وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (الشورى).
ونستطيع أن نوجز موادّ هذا الدستور في الآتي:
1- الاستجابة لله بتطبيق شريعته في كل مناحي الحياة: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ).
2- إقامة الشعائر وإظهارها في المجتمع: (وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ).
3- إدارة الشأن العام بالشورى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ).
4- إقامة الشأن الاقتصادي على التكافل الاجتماعي: (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ).
5- عدم مجاوزة العدل في التعامل مع المعادي؛ فإما أن تُقابَل السيئةُ بمثلها: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا)، وإما العفو: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ).
6- تطهير المجتمع من كبائر الآثم والفواحش: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ).
7- الإيمان والتوكل: (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (النحل: 99).
هذا هو الدستور الذي وضع لتنظيم التعامل البينيّ لأعضاء هذا المجتمع السياسي البسيط المصغر، ولضبط العلاقة بينهم وبين ربّهم وإلههم تبارك وتعالى، فما كان للمجتمع المسلم أن يتحاكم فيما يقع بين أفراده إلى قواعد وقوانين الجاهلية المحيطة به، وما كان له أن يحيا بلا نظام داخليّ يضبط إيقاعه ويؤهله للمراحل القادمة، وإذا وقع بين بعض أفراده تدافع وخصومه؛ فما ينبغي لهم أن يذهبوا ليتحاكموا إلى الطاغوت الذي جاء دينهم بهدمه.
صحيح أنّه يمكن أن يلجأ بعض المسلمين إلى محاكم وضعية إذا لم تتيسر لهم محاكم شرعية بشروط، منها أن يكون الحكم الذي يُنتظر من القضاء في الواقعة -حسب القانون- موافقاً لحكم الله، أو يكون المدعي له شرعًا من الحقّ في دعواه أكثر مما يعطيه القضاء، ومن الشروط ألّا يعتقد في قلبه أنّ الجهة القضائية وما تعتمد عليه من قوانين هي صاحبة الحقّ في التشريع.
لكن في النهاية، يجب أن يجنب المسلمون أنفسهم هذا الخيار، ولكي يجري هذا وضعت الآيات لهم قاعدة لدى وقوع الغضب الناشئ عن خلاف، وهو عدم مجاوزة الحدّ عند الغضب، فإمّا أن يأخذ المرء حقه بلا زيادة، وإمّا أن يعفو، والعفو أفضل وأهدى سبيلًا، أمّا البغي وتجاوز الحدّ فهذا غير مقبول، فإن فعل المسلمون ذلك واتبعوا هذه القاعدة؛ فلن يكونوا بحاجة إلى التحاكم والتقاضي أمام قضاء الجاهلية، إضافة إلى أنّهم سينظمون شؤونهم الداخلية وفق منهج الله، فما كان من قبيل التشريع فالمنهج هو الاستجابة لأمر ربهم، وإن كان من قبيل الأمور الدنيوية فالمنهج هو الشورى التي تكون ملصقة بشأنهم، هذا أنموذج لمحاولة من محاولات التعرف على الموضوع الرئيس للسورة؛ تمهيدًا لتأطير الوحدة الموضوعية لها، والله أعلم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق