الوجه الرقمي على مسرح غوفمان المفخخ
حين تلتقط صورة وتحذفها وتُعيد التقاطها سبع مرات قبل أن تنشرها، لا تصور لحظة، بل تؤدي دوراً. هذا التمييز الصغير هو جوهر ما رصده عالم الاجتماع الكندي إيرفينغ غوفمان حين تحدث عن نظرية الدراما الاجتماعية، ذلك المفهوم الذي يرى أن كل تفاعل إنساني مسرح والفرد ممثل يدير انطباعات جمهوره بوعي أو بغيره. في عالم غوفمان كانت الكواليس موجودة، تلك المساحة الخاصة التي تخلع فيها دورك وتعود إلى نفسك بعيداً عن الأنظار.
لكن ما لم يتخيله غوفمان هو أن المسرح سيصبح يوماً لا ينتهي.
الكواليس ستُهدم بيد صاحبها قبل أن يهدمها أحد غيره، والممثل سيفقد حق الخروج لا بالقوة بل بالاختيار، حتى يصبح السؤال عن الفصل بين الدور والإنسان سؤالاً لا يريد أحد سماع إجابته.
هذا الوجه الرقمي لا يكتفي بتغيير الجمهور، بل يُعيد تشكيل صاحبه من الداخل. في عالم غوفمان القديم كنت تؤدي دورك أمام جمهور يعرفك ويتسامح مع تناقضاتك، ثم تعود إلى نفسك خلف الكواليس.
أما اليوم فلا كواليس، الشاشة مفتوحة دائماً، والجمهور لا ينام، والأرشيف يحتفظ بكل ما قلته وعاقبك عليه لاحقاً.
الوجه الرقمي لا يعكس الذات فحسب، بل يُقيّدها، يضع لها سقفاً من التوقعات لا يمكن تجاوزه دون تكلفة اجتماعية يدفعها الجسد قبل المنطق.
غير أن سؤالاً يزعج هذه الفكرة من الداخل:
إذا كان الأداء الاجتماعي موجوداً قبل الشاشة كما يقول غوفمان، فالشاشة لم تخلق المشكلة بل فضحتها فقط، وهذا يعني أن إغلاق هاتفك لن يُعيدك إلى نفسك الحقيقية، بل سيكشف فقط أن تلك النفس كانت تؤدي دوراً أطول وأقدم.
الإنسان الذي يؤدي دور الواثق على الشاشة لسنوات يجد نفسه أمام معضلة غريبة:
قد يصبح واثقاً فعلاً، لكنه يصبح في الوقت ذاته عاجزاً عن احتمال لحظة ضعف حقيقية لأنها تهدد الشخصية التي بناها أمام الآخرين وأمام نفسه. وهكذا يتحول الوجه الرقمي من قناع إلى جلد، ومن أداء إلى سجن ناعم لا يشبه السجون لأنه يشبه النجاح ومليء بالإعجابات. والأخطر أن هذا السجن لا ينفجر من الخارج بل من الداخل، في لحظة لا تتوقعها، حين تكتشف أن الشخصية التي بنيتها بعناية طوال سنوات أصبحت أقوى منك، وأنك لو حاولت خلعها الآن لما عرفت من يبقى تحتها.
والمفارقة المؤلمة أن هذا الوجه يعمل بمنطق الإدمان.
لا تنشر لأنك تريد التواصل، بل لأن جزءاً منك تعلم أن النشر قد يأتي بمكافأة، وحين لا تأتي تنشر مرة أخرى بمحتوى مختلف، وتُعدل الشخصية، وتحاول مقاربة ما يريده الجمهور، حتى تكتشف في لحظة صادمة أنك لم تعد تعرف ما تريده أنت تحديداً لأنك نسيت أن تسأل.
والخسارة الحقيقية ليست الوقت الذي أنفقته أمام الشاشة، بل القدرة على الوجود بدون جمهور، لأن من اعتاد أن يكون وجوده مشروطاً بعيون تراه فقد شيئاً لا تستعيده بمجرد إغلاق التطبيق.
الفراغ الذي يسكن كثيراً ممن يملكون حضوراً رقمياً لامعاً ليس غياب الاعتراف، بل غياب من يعترف به فعلاً.
الجمهور يُعجب بشخصية لم تُولد بالكامل، وصاحبها يعرف هذا في تلك اللحظة الهادئة قبل النوم حين يُغلق الشاشة ويجد نفسه وحيداً بطريقة لا يستطيع وصفها لأحد، لأن وصفها يعني الاعتراف بأن كل ما بناه كان مسرحاً.
حين تُغلق هاتفك وتجلس في صمت حقيقي، من الذي يبقى هناك، أنت أم الشخصية التي نسيت متى بدأت تؤديها؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق