لمــاذا لا يغـيّـــر القــــــرآن قــراراتــنــــا ؟
الحسين الدومي
ماجستير مقارنة الأديان، جامعة محمد الخامس في الرباط ومستشار نفسي وأسري
ليس من الصعب اليوم أن تصل إلى القرآن الكريم؛ بل لعل الوصول إليه لم يكن يومًا أيسر مما هو عليه الآن.
تطبيقات في الهواتف، تلاوات في كل مكان، ومحتوى لا ينقطع يذكّر به ويستدعيه.
ومع هذا الحضور الكثيف، يبدو السؤال مختلفًا عمّا اعتدنا طرحه:
هل المشكلة فعلًا في غياب القرآن عن حياتنا، أم في موقعه داخلها؟
نحن أمام مفارقة هادئة ولكنها عميقة؛ إذ يمكن لشيء أن يكون حاضرًا بقوة، ومع ذلك محدود التأثير.
فالقرآن- عند كثيرين- لم يعد غائبًا، لكنه في الوقت ذاته لم يعد في مركز الفعل. هو قريب من اللسان، أبعد قليلًا عن القرار.
حين يتأمل الإنسان يومه العادي، يكتشف أن معظم قراراته تتشكل في مساحات سريعة ومزدحمة:
ضغوط العمل، توقعات المجتمع، حسابات الربح والخسارة، والانفعالات اللحظية.
في تلك اللحظات تحديدًا- حيث تتحدد الاتجاهات- نادرًا ما يُستحضر القرآن بوصفه مرجعية حاكمة،
بل يُؤجَّل حضوره إلى ما بعد القرار، وكأنه مساحة للتطمين لا للتوجيه.
وهنا يتشكل التحول الأهم، وإن كان غير محسوس:
من أن يكون القرآن مصدرًا يُحتكم إليه، إلى أن يصبح نصًا يُستأنس به.
والفرق بين الحالين ليس لغويًا فحسب، بل هو فرق في الأثر والنتيجة.
فالاحتكام يعني أن يدخل القرآن في صلب عملية التفكير:
في ترتيب الأولويات، وفي وزن الخيارات، وفي ضبط الدوافع.
أما الاستئناس، فيأتي لاحقًا- بعد أن تُحسم الأمور- ليمنح القرار مسحة من الطمأنينة،
دون أن يكون قد شارك فعليًا في صناعته.
ولا يعني هذا أن الإنسان يتعمد إقصاء القرآن،
بل لعل الأمر أقرب إلى «الإزاحة الصامتة» التي تحدث تدريجيًا تحت ضغط الواقع وتعقيداته.
ومع تكرار هذا النمط، يتكوّن وعي جديد دون أن نشعر:
وعيٌ يُبقي القرآن في دائرة الاحترام، لكنه يخرجه من دائرة التأثير.
إن التحدي الحقيقي، إذن، ليس في زيادة الحضور، بل في تصحيح الموقع. ليس في أن نضيف للقرآن وقتًا في يومنا، بل أن نعيد له مكانه في داخل هذا اليوم.
أن ينتقل من كونه جزءًا من المشهد، إلى كونه العنصر الذي يعيد ترتيب المشهد كله.
وهذا الانتقال لا يتطلب بالضرورة معرفة تفصيلية بكل الأحكام،
ولا قدرة على استحضار النصوص في كل موقف،
بل يبدأ من وعي بسيط وعميق في آنٍ واحد:
أن يكون السؤال حاضرًا قبل القرار، لا بعده.
أن نسأل: ما الذي ينسجم مع هدي القرآن في هذا الموقف؟
بدل أن نسأل- بعد أن نختار- كيف يمكن أن نُسند اختيارنا؟
حينها فقط، يبدأ القرآن في استعادة دوره الطبيعي؛
لا بوصفه نصًا موازياً للحياة، بل إطارًا يوجّهها.
وتتغير العلاقة به من علاقة «تلقٍ» إلى علاقة «احتكام»، ومن حضورٍ شكلي إلى تأثيرٍ فعلي.
مستشار نفسي وأسري

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق