الجمعة، 1 مايو 2026

اكتُب يا قلم... واطبع يا «كيبورد»

زوايا ورؤى 
اكتُب يا قلم... واطبع يا «كيبورد» 




د. محمد عبدالرحمن العقيل

سألوني: لماذا تكتب؟ 
أو: مَن يقرأ الآن، ومَن يدري، ومَن يهتم؟ 
بصراحة، لا يمكن أن أجيب جواباً واحداً لكل سائل. 
صحيح أن السؤال واحد، لكن الوجوه تتبدل والنوايا تختلف... فلا أدري، أيسأله من يطلب فهماً، أم من يُبطن إنكاراً؟ أم من يستنكر فعلاً لا يراه إلا ترفاً؟ أم من يُخفي ازدراءً لا يجرؤ على أن يُصرّح به؟ 
فمنهم من يسأل لأنه لا يرى في الكتابة غير عبثٍ يُتعب صاحبه! 
والأغلب يظن أن في الكتابة نفعاً مادياً - وهذا غير صحيح - ومنهم من لا يقرأ أصلاً... فكيف ستكون إجابتي؟ لم أكن يوماً أميل إلى جواب واحد يُلقى على الجميع، فإن الجواب الشفهي المباشر ليس في المعنى وحده - كما قال الجاحظ - بل في موضعه من نفس السامع، ومنزلة اللفظ عنده. 
غير أنني اليوم عندما أكتب لا أُجيب من سألني بالتحديد، فأنا لا أعلم حقيقة مراده أو طبيعة فهمه، بل أُجيب نفسي أولاً. وهذا ما تعلّمته من الكتابة.. أن أستثمر هذه الأسئلة وأرتقي بها من المستوى الشخصي إلى المستوى العام. 
أكتب لأن الكتابة حوارٌ يبدأ في الداخل قبل أن يُعلَن على الورق، فهي مواجهةٌ بين الكاتب وذاته، ينقّح فيها أفكاره، ويُخلّصها من الضبابية، ويُعيد ترتيبها حتى تصير قابلةً للنشر. 
وليست الكتابة عفواً كالكلام الذي يُقال على عجل، بل هي فعلٌ مقصود يفترض أن تُختار فيه الكلمة بعناية. 
أكتب لأن في النفس معانيَ تضيق بها العبارة المنطوقة، ولا ينهض بحملها إلا القلم، ولأن في الفكر خواطرَ شاردة لا تُفهم إلا إذا التُقطت ونُظّمت في سطور ورُتّبت في جمل، فتراها واضحة للقارئ وبارزةً كالعلم. 
فالكلام وإن أدّى المعنى وعجّل بالبيان، يذهب مع ذهاب أصحابه، أما الكتابة فتبقى، وفي بقائها شيء من الخلود. 
أكتب لأنّ الكتابة توضح الكلام، ووضوح الكلام هو خط الدفاع الأول لأي قضية. 
يقول الروائي جورج أورويل: الكتابة امتحان لصفاء الفكر، إذ لا يستقيم البيان إلا إذا استقام ما وراءه. ومن عجز عن أن يكتب بوضوح، فذلك لأنه لم يُحسن أن يرتب ما في نفسه. 
أكتب لأن الكتابة ليست ضجيجاً يُنافس ضجيجاً، ولا صراع أصوات، بل هي - في أصفى حالاتها - دعوة هادئة إلى التأمل، لا تُغالب أحداً، ولا تُكره قارئاً، وإنما تفتح باباً للتفكّر بسلام، فمن شاء دخل، ومن شاء انصرف. 
وأفضل ما في الكتابة هي لحظات الصمت والتّفكر التي تتغشى القارئ من هذه الحروف الصمّاء التي تحاكيه بصوته، فهي أبلغ عندي من كل ما يُقال، فالقارئ يسمع صوته في المقال. وفي هذا من الرقي والعزّة ما لا يكون في الجدال الذي يعلو فيه الضجيج على الحجّة. أعزاّئي القرّاء الأفاضل، يا من تبحثون عن المعنى العميق والعبارة المُتّزنة، أتدرون ما هو أطرف شيءٍ في هذا المقال؟.. 
أن الجميع قد عرف الجواب، إلّا صاحب السؤال!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق