أنا اتحادي وزوجتي أهلاوية!
أحمد عبدالرحمن العرفج
لقد عُرف عن المفكر الراحل الدكتور عبدالوهّاب المسيري قدرته الفائقة على تفكيك الأيديولوجيات الصارمة ونقد المادية الحديثة، ولكن المثير في القصة التي رواها في سيرته الذاتية، أنّ أول معركة حقيقية انتصر فيها على قوالبه الفكرية الجافة لم تكن في أروقة الجامعات، بل كانت في دهاليز قلبه، حين قرر الارتباط برفيقة دربه الدكتورة هدى حجازي، لتصطدم هذه الرغبة الإنسانية بـ"رادارات" الحزب الشيوعي التي كانت ترصد حتى نبضات القلوب.
👈 التحذير والتحليل الفكري للأصدقاء:
في شبابه، كان المسيري منضمّاً للحزب الشيوعي، متبنيّاً للفكر الماركسي المادي الذي يرى الوجود أرقاماً وطبقات، وعندما نبض قلبه بالإعجاب تجاه شريكة حياته؛ لم يجد بُداً من إخضاع هذا الشعور النبيل للمحاكمة الحزبية، فذهب إلى رفاقه مستشيراً: هل أتزوج بهذه الفتاة وهي تنتمي لطبقة برجوازية؟
فجاء رد الرفاق بالرفض والتحذير من خلف نظاراتهم الفكرية الباردة، قائلين له بجمود حزبي صارم: لا؛ لا يمكن لبروليتاري مثلك يربط مصيره بالطبقة العاملة أن يتزوّج من برجوازية، فهذا الزواج محكوم عليه بالفشل لاختلاف الانتماء الطبقي والأيديولوجي.
👈 سؤال الأم البسيط: "قلبك مع مين؟"
تحت وطأة هذا التحذير، عاش المسيري حيرة وجودية خانقة بين نداء قلبه والتزامه العقائدي الصارم، وفي غمرة هذا التيه قرّر اللجوء إلى والدته ليستشيرها، لم تكن الأم تعرف شيئاً عن الماركسية، ولم تقرأ سطراً لكارل ماركس عن الصراع الطبقي، لكنها كانت تمتلك وعياً أعمق بالحياة وحكمة فطرية بالغة.
أزاحت الأم عنه كل تلك الأثقال الفكرية والسياسية، واختصرت نظريات علم الاجتماع كلها بسؤال واحد بسيط، دافئ، وعميق:
هل يفرح قلبك حين تراها؟ وقلبك مع مين؟
👈 النتيجة والأثر النفسي:
حينها شعر المسيري بأنّ أثقالاً أيديولوجية هائلة قد سقطت عن كاهله، وتبددت حيرته تماماً. أدرك أنّ المشاعر الإنسانية والروابط الروحية أرحب بكثير من القوالب والمصطلحات المادية الجافة؛ فالإنسان ليس مجرد "ترس" في آلة طبقية ميتة. بناءً على هذه الفطرة النقية، اختار نداء قلبه وتزوّج من هدى حجازي، لتبدأ رحلة عمر طويلة مليئة بالدعم الفكري والإنساني.
تتجلّى في هذه القصة العِبرة الأهم في مسيرة المسيري؛ فقد كانت هذه التجربة الشخصية بمثابة الشرارة الأولى التي نبهته مبكراً إلى عجز "المادية الصارمة" عن تفسير الظاهرة الإنسانية، وأنّ التفاصيل الإنسانية الصغيرة -كفرحة القلب- هي التي تمنح الوجود معناه الحقيقي بعيداً عن صخب الشعارات الحزبية.
حسناً... ماذا بقي؟
بقي القول: إنني أعرف كثيراً من أصدقائي يشجّعون الاتحاد وزوجاتهم أهلاويات، وكذلك أعرف العكس. وهناك من أصدقائي من يشجّع النصر وزوجته هلالية أو العكس. فهل ننظر للكرة اليوم، ولتلك الانتماءات الرياضية بذات النظرة التي نظر بها المفكر الكبير عبدالوهّاب المسيري إلى الأيديولوجيا الصارمة؟
أم أننا سنترك "رادارات" التعصب الرياضي ومحللي المقاهي يمارسون علينا دور "غُلاة الحزب الحزبي الصارم" لنقيس جدارة شريك الحياة بعدد البطولات وصحة ركلة الجزاء؟
هل نتحوّل في بيوتنا إلى "محللين تحكيميين" نترصد لبعضنا عند كل تعثر، وكأن عقد الزواج مشروط بـ"تسلل" أو "كرت أحمر"؟
إنّ الفطرة النقية تخبرنا أن البيوت والمشاعر الإنسانية والروابط الدافئة أرحب بكثير من هذا الضجيج وقوالب التشجيع الجافة؛ فالقلوب التي تجتمع على المودة والرحمة أعمق بكثير من لون القميص الذي يرتديه هذا الفريق أو ذاك في تسعين دقيقة على المستطيل الأخضر، ولا يمكن لاختلاف الميول الكروية أن يفسد للود قضية، إلا إذا سمحنا لـ"جنون الملاعب" أن يدير غرف المعيشة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق