تركيا واختبار اليمن لحلف مكة
إسماعيل ياشا
"اتجهت الأنظار إلى تركيا وباكستان جراء الهجمات التي بدأ الحوثيون يشنونها على السعودية"
وقَّع كل من ولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان، ورئيس جمهورية تركيا رجب طيب أردوغان، ورئيس وزراء باكستان، في 7 آب/ أغسطس الماضي فيي مكة المكرمة اتفاقية، للدفاع المشترك تنص على أن أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع. وأزعجت هذه الخطوة الاستراتيجية أطرافا عديدة رأت فيها تهديدا لمصالحها وأهدافها، وكان المتوقع أن يتم اختبار مدى جدية الاتفاقية وفاعليتها من قبل تلك الأطراف.
لم يتأخر ذاك الاختبار المتوقع، واتجهت الأنظار إلى تركيا وباكستان جراء الهجمات التي بدأ الحوثيون يشنونها على السعودية. وارتفعت أصوات تصف "حلف مكة" بـ"نمر من ورق"، وتقول إن اتفاقية الدفاع المشترك "ولدت ميتة"، مشيرة إلى أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان اتصل بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وطلب منه قصف الحوثيين، كما قام بزيارة القاهرة ليلتقي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بدلا من طلب الدعم من أنقرة وإسلام آباد.
أنقرة ترى أن مثل هذه التعليقات والانتقادات "غير منصفة"، وتلفت إلى أن الحلف ما زال في مرحلة التشَكُّل، وأن هناك خطوات لا بد منها مثل مصادقة البرلمان التركي على الاتفاقية. وردا على تعليق أحد الصحفيين، أشار وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، إلى تفعيل المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي "الناتو" مرة واحدة فقط منذ تأسيس الحلف، مضيفا أنه لا أحد يقول إن حلف الناتو "نمر من ورق"، ووصف الانتقادات الموجهة لحلف مكة بأنها "غير عادلة"، كما ذكر أن الأزمة اليمنية عمرها 11 سنة.
فيدان في تصريحات أخرى أكد أن تركيا سوف تفي بالتعهدات التي أعطتها في اتفاقية مكة، وأعرب عن تضامن أنقرة مع الرياض ضد الهجمات التي تتعرض لها السعودية، مضيفا أنه لن تكون هناك صعوبة في توفير الاحتياجات العسكرية التي قد تحتاج إليها السعودية. وبعد هذه التصريحات اجتمع رؤساء أركان الدول الثلاث في الرياض تلبية لدعوة السعودية، من أجل مناقشة سبل مساندة السعودية وفق اتفاقية مكة للدفاع المشترك.
تصريحات وزير الخارجية التركي تشير إلى أن أنقرة لا ترى حماية السعودية من الهجمات والأزمة اليمنية كملف واحد؛ ففي الملف السعودي مستعدة لتقديم المساعدات العسكرية المطلوبة من قبل الرياض لحماية أمن المملكة وسيادتها، ولكنها في الملف اليمني تميل إلى دعم الحلول السياسية والدبلوماسية. ويبدو أن هناك في أنقرة من يرى أن الأفضل لتركيا أن تقوم بالوساطة بين الأطراف اليمنية، كما يبدو أن هناك مِن الإسلاميين العرب مَن ينصح مسؤولين أتراكا بأن تسعى تركيا إلى جمع الفرقاء في اليمن.
هذا الموقف من الأزمة اليمنية قد يبدو في الوهلة الأولى "موقفا حكيما ومثاليا" لوقف إراقة الدماء بين "الأشقاء اليمنيين"، إلا أنه محكوم عليه بالفشل بسبب اصطدامه بالواقع؛ لأن الأزمة في اليمن بين الشعب اليمني الذي يريد الحفاظ على وحدة البلاد ونظامها الجمهوري وبين مجموعة عقائدية تسعى إلى فرض النظام الإمامي على الشعب بقوة السلاح. ومن المستحيل أن يلتقي
المشروعان في حل وسط. ولذلك، فإن السؤال الذي يجب أن تجيبه أنقرة هو: هل ستدعم في اليمن النظام الجمهوري الديمقراطي الذي يتساوى فيه جميع اليمنيين؛ أم النظام الإمامي الكهنوتي الذي يعتبر السلالة فوق المواطنين العاديين ويؤمن بأن حكم البلاد من حق أبناء تلك السلالة فقط بناء على أمر إلهي؟
مشكلة الحوثيين في اليمن تشبه إلى حد ما مشكلة قوات سوريا الديمقراطية "قسد" في سوريا، ولذلك فإن الحل الوحيد لمشكلة الحوثيين يكمن في هزيمتهم عسكريا، وإنهاء احتلالهم للعاصمة صنعاء، وإعادتهم إلى حجمهم الطبيعي. ومن المؤكد أن القبائل التي تنتفع من دعم الحوثيين ستعلن انشقاقها عنهم وستنضم إلى القبائل الداعمة للحكومة الشرعية حين ترى تغير موازين القوى على الأرض. وبعد ذلك يمكن اندماج الحوثيين في مؤسسات الجمهورية اليمنية ومشاركتهم في العملية السياسية كغيرهم من المواطنين اليمنيين. وبعبارة أخرى، لا حل في اليمن ولا أمن ولا استقرار قبل هزيمة الحوثيين أمام الجيش اليمني.
رئيس الجمهورية التركي وصف اتفاقية مكة للدفاع المشترك بأنها "خطوة قوية في الاتجاه الصحيح" لإيجاد حلول لمشاكل المنطقة من داخلها، وأضاف قائلا إنه ليس من المستغرب أن يتم اختبار خطوة بالغة الأهمية كهذه في منطقة جغرافية صعبة. وها هي هجمات الحوثيين تختبر مدى قوة حلف مكة وفاعليته ومدى التزام الدول الثلاث به. كما أن تركيا مهما حاولت فصل ملف دعم السعودية من ملف الأزمة اليمنية، فإن مواجهتها مع الحوثيين في البحر الأحمر ومضيق باب المندب شبه مؤكد في حال شاركت بسفنها الحربية في التحالف البحري المشكل بقيادة السعودية لحماية أمن الملاحة وسلامتها.
x.com/ismail_yasa

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق