‏إظهار الرسائل ذات التسميات أبو إسحاق الدويري. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أبو إسحاق الدويري. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 2 ديسمبر 2019

سلمان العودة.. لم تنته الحكاية

سلمان العودة.. لم تنته الحكاية



أبو إسحاق الدويري
كاتب وباحث موريتاني
يعرف المهتمون بفكر ومنهج الشيخ العودة أن إسهاماته العلمية والفكرية والأدبية في مؤلفاته ومقالاته ومحاضراته وبرامجه التلفزيونية أكثر وأعمق من أن يحيط بمجرد إحصائها ببليوجرافيًا مجلد ضخم فضلًا عن مقال، فالعودة ممن بارك الله في أوقاتهم العلمية والدعوية.
في عام 1430ه- 2009م وصلت دروسه العلمية في التفسير والحديث والعقيدة حوالي  273 درسًا، وبلغت محاضراته العامة الأخرى في الفكر والسياسة والتربية والوعظ والنقد الاجتماعي أكثر من 600 محاضرة، وتجاوزت برامجه المرئية عتبة 550 برنامجًا. 
قدم الشيخ بعد عام 2009 وقبل أن يُغيَّب قسرًا نهاية 2017 كثيرا من الدروس والمحاضرات، بل إن عطاءه تضاعف في سنوات الربيع العربي لانفتاحه على وسائل التواصل الاجتماعي، ولا ننس مقالاته التي قاربت الألف، وغالبًا ما تتحول إلى كتب مفيدة.
والشيخ العودة صاحب فكر متجدد ومعالجات غير تقليدية، ففي كل محاضرة أو مقالة يفاجئك بالجديد المفيد، فالإحاطة إذن بما بإسهاماته من المستحيل في مقالة، لذا سنتوقف مع أربعة معالم من خطابه الدعوي والفكري تدحض التهم الموجهة له. 
في البدء ناهضَ التشدد

في منتصف الثمانينيات عرف الشيخ سلمان العودة في مدينته بريدة بإلقاء الدروس العلمية والوعظية في المساجد والمراكز الصيفية، والتطرق لموضوعات نقدية غير مطروقة في بلده، وكانت محاضرته “المسلمون بين التشديد والتيسير” التي اشتهر بها أول أمره وقد طبعت في كتيب فيما بعد، ذات دلالة عميقة على ملامح مسار الرجل الإصلاحي والدعوي الحافل فيما بعدُ.
في تلك المحاضرة قدم العودة رؤية معتدلة “متأثرة بهموم محلية كانت لمواجهة تشدد تقليدي عند إخوان بريدة وطبيعة اهتماماتهم الفقهية”1، ولم يطل انتظار الشيخ حينها حتى جاءته الردود من مشايخ بريده ولم يفتَّ ذلك في عضده فقد واصل الدعوة للوسطية والاعتدال، ومنابذة الغلو والتطرف حتى صار رمز الاعتدال والوسطية في السعودية والعالم الإسلامي.
قدم الدكتور العودة كثيرًا من التنظير للوسطية التي يرى أنها “طريقة في التفكير والتعامل والنظر، فهي ترسم معالم الاعتدال في القراءة والطرح والتناول فهي تدخل حتى في الأخلاق”، كما يرى أن “فكرها ومنهجها يتطلبان نوعًا من المناخ المعتدل والأجواء الهادئة والتناول الموضوعي وتعويد المجتمع والناس على ذلك، والمناخ المفتوح في المجتمعات الإسلامية يسهم في صناعة الوسطية”.
وفي مقال آخر رأى أن “من الوَسَطِيَّة مراعاة العدل والاعتدال في الحكم على الناس والأعمال والأقوال، وفي تحديد المسؤوليات، وفي حفظ الحقوق؛ عدل الحاكم، وعدل العالِم، وعدل الإعلامي، وعدل المعلّق”، ومنها عنده “اعتدال الطموحات والأحلام والتطلُّعات والتوقعات والحكمة والبصيرة، واستبطان التجربة الإنسانية، والنظر للمستقبل بتوازن باعتباره جزءًا من السياق البشري المتصل”.
ولم يقتصر العودة على تبيان فضائل الوسطية والاعتدال فقد ذكر مخاطر “الانغلاق والانعزال وسد الأبواب والمنع” مبينًا –فك الله أسره- أن “كل ذلك يشحن النفوس ويدفعها للتطرف ويساعدها على ذلك.. فالنفوس المتوترة مستعدة لكل أشكال الغلو والتطرف”، وفي مناهضته للانغلاق والتكميم جعل الشيخ العودة الحياة كلمة فلم يقبل أن يسد عليها باب.
الحياة كلمة لا يسد بابها
أيقن الشيخ العودة مبكرًا بأن “الحياة كلمة” فاستثمر مختلف الوسائل لبثها في الناس نشرًا للوعي الديني الصحيح واستنهاضًا لهمم المسلمين؛ فكان في زمن الكاسيت الإسلامي نجمه السنيّ بلا منازع، واستطاع في بضع سنوات قليلة أن تتجاوز تسجيلاته المئات “من خلال المحاضرات المتتالية ودرسه الأسبوعي كل أحد في الجامع الكبير ببريدة”2. 
مع انتشار تسجيلات الشيخ وإخوانه المصلحين وقوة تأثيرها في الأوساط الخليجية والإسلامية، انبرت بعض الصحف لمواجهة ذلك المدّ الصحوي الجارف الذي “كان مفاجأة وضربة موجعة في توقيتها وطريقته، حيث آلمت القصيبي فجعلته يخرج عن طوره، ويقدم ردًا عشوائيًا وغير مركز ضد رموز الصحوة”3.
هجوم القصيبي الكاسح على “الكاسيت” ورموزه لم يمنع العودة من تقديم قراءة نقدية لـ”لشريط الإسلامي ما له وما عليه”، وبسبب تلك المحاضرة المحكمة أسلوبًا وتنظيرًا ونكاية بالخصم “تعرف على الشيخ جمهور جديد من خارج التيار الديني مثقفون ونخب أكاديمية وتكنوقراط ورجال أعمال وجمهور من العامة.. وبهذا الشريط أعطى الشيخ خطاب الصحوة زخمًا جديدًا وإرباكًا لخصومه”4.
لن نتوقف مع سجال الشيخ العودة والمرحوم القصيبي لأنهما شربا بعدُ كأس الصفاء ورحيق المودة بنبل وإنصاف، وعرف الوزير قيمة الشيخ التنويرية، سيما بعد برامجه التلفزيونية التي اكتسحت الساحة الإسلامية فكان سيد الإعلام المرئي في زمن الفضائيات، فـ”برنامج حجر الزاوية تفوق على كل البرامج والمسلسلات وبزّ معظمها لجهة إحصاءات المشاهدة، هذا فضلًا عن الشعبية الجارفة والممتدة التي يتمتع بها صاحب البرنامج”5. 
ولم تكن البرامج العلمية والفكرية الأخرى التي قدمها العودة بأقل ألقًا من برنامج “حجر الزاوية”، ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي كان الشيخ العودة نجمها المصلح الأبرز، ولم تنس الجماهير برامج “وسم” و”آدم” و”موسى”، وإطلالاته اليومية على متابعيه من مختلف وسائل التواصل. 

حاول النظام السعودي في سنوات الملك عبدالله الأخيرة وتحكم خالد التويجري واللوبي الظبياني محاصرة الشيخ العودة في “زنزانة الوطن الكبير”، فمنعوه من السفر لكن العُودة استطاع حشرهم في الزاوية بفضل مهارته الإعلامية ووعيه بقيمة وسائل التواصل، فجعل من منصات تويتر وفيسبوك ومقاطع اليوتيوب القصيرة وغيرها منارات علم ونور يطلّ منها على الجماهير الإسلامية ينشر الوعي والأمل والإيجابية وقيم العدل والحرية ويناصر الشعوب وقضاياها.

أسئلة الثورة وإجابات النهوض العربي
رغم حضوره الإعلامي المؤثر في سنوات منعه من السفر لم يستسلم الشيخ العُودة لسطوة الإعلام، بل أخذ من وقت تفاعله القوي مع أحداث الربيع العربي، فكتب في أعقابه كتابه البديع “أسئلة الثورة” الذي ركّز فيه على ضرورة اهتمام الحكام وأصحاب القرار برغبات الشعوب، ورصد هواجسهم ثم تلبيات مطالبهم المشروعة حتى لا يحل ما لا يحمد عقباه، منتقدّا ما تسعى له الأنظمة عادة من تهدئة صورية للأوضاع البائسة، منبهّا إلى أن الأجدر اقتلاع المشكلة من جذورها حتى لا تخرج الأمور عن السيطرة.

يقول الدكتور سلمان  العودة ملمحّا إلى الحلول الترقيعية التي  اجترحها النظام السعودي اتقاء للثورة: “الخيار الأفضل هو استثمار الوقت الضائع أحيانّا ليس من أجل تقديم بعض الرشى للناس لتخفيف حدة معاناتهم الاجتماعية والاقتصادية؛ بزيادة الأجور، وإعطاء المنح والقروض الميسرة، وتخفيض أسعار المواد الأساسية، والإعلان عن محاربة بعض وجوه الفساد للصوص الصغار”.
ويقول إن الحلول الجذرية تكمن في “المسارعة نحو مهمة مركزية هي إجراء إصلاحات جدية وجريئة تزع صواعق التفجير الداخلي، بدءًا من تخفيف حضور القبضة القمعية، والتخلي عن الاستئثار بالثورة والأنشطة السياسية والاقتصادية”6.
من الأسئلة المهمة التي طرح الشيخ العُودة في كتابه هل: “الفقه السياسي هل يحتاج إلى مراجعة؟” وقد ذكر الشيخ أن طبيعة الفقه السياسي الاجتهادية توجب مراعاته لتغير الزمان والمكان، وأن الجمود على ما جاء في تلك الكتب التي تصف واقعا معينا في زمن سالف يعرض الفقه السياسي للتناقض، ومن ثم يتأكد وجوب مراجعته دومًا ليوائم متغيرات العصر، ثم ذكر إشكالية الأمير المتغلب في الفقه السلطاني وانتقد الدفاع عنها من لدن بعض منظري السياسة الشرعية.لم يقتصر العودة على أسئلة الثورة والاحتجاج على الظلم وعسف الحكام بل تجاوز تلك الأسئلة إلى إجابات النهوض العربي، ففي سؤال وجهه له الإعلامي عبد الله المديفر عما يسميه الشيخ  بـ”المشروع العربي النهضوي” أجاب الشيخ العودة بأن العرب أمة من أمم الإسلام، نزل القرآن بلسانهم فهم المخاطبون الأولون به، منوهًا بتجربتهم التاريخية وبالأرض العربية ذات المساحة الشاسعة والاستراتيجية المهمة لاحتوائها على أهم المضايق الاستراتيجية في العالم.  
يقول الدكتور العودة في إجابته إن لكل أمة من الأمم مشروعها الخاص بها، فهناك “مشروع أمريكي، عندنا مشروع أوروبي، عندنا مشروع روسي، عندنا مشروع أسترالي، عندنا أيضًا مشروع تركي، عندنا مشروع إيراني، عندنا مشروع ماليزي”.
ويتحسر الشيخ على حال “العرب كمجموعة من المسلمين، ومن ينتمي إليهم حتى من غير المسلمين ممن هم داخل البلاد العربية، أين المشروع الذي يحتويهم؟ هل يوجد في المنطقة العربية اليوم مشروع يحتوي شعبه، بمعنى: أن هناك انسجامًا ووحدة في التوجه ما بين الحكومات والشعوب واتفاق على أحلام معينة، الجيل الجيد ينشأ في ظلها وينتمي إليها ويتحمس لها؟ أزعم أن هذا الشيء غير موجود، مع أن فرصه موجودة، وبالذات عندنا في المملكة”. 
يتأسف الشيخ في إجاباته على تيه النظام السعودي وعلى تضييعه للفرص الهائلة المتاحة له بالنهوض محليًا وإقليميًا وعالميًا، كما عرض لملامح المشروع النهضوي الذي يدعو له، ولمعوقاته وآليات تحققه، والكليات الجامعة للناس عليه، وموقع البلدان العربية المؤثرة كمصر منه، كانت إجابات الشيخ عن مشروع العرب النهضوي تكشف عن منظر استراتيجي لا شيخ بدأ حياته واعظًا ومربيًا لكن الطغاة يضيقون بأرباب العقول الكبيرة المتمردين على زنازين العادات ومواضعات السقوف الواطئة.
تغريد خارج سرب العادات 
أدمن الشيخ العودة التغريد خارج السرب التقليدي ومواضعات المجتمعات المحافظة التي تجعل العادات دينًا لا تجوز مخالفته، لكن العادات عند الشيخ العودة مثل “الزنزانة” وتلك “كلمة لم تتسع لها المعاجم واتسعت لها الحياة”، والحياة عند الشيخ رقي عبر “سلالم” التزكية واستمرار التعلم، وحذر من “فخ” العادات التي توهم بعض الناس أنهم تجاوزوا مراحل التعلم أو تغيير العادات.
في كتابه “زنزانة: عادة مدى الحياة” جمع الشيخ مقالاته النثرية التي كتبت بروح الشعر عن فلسفة العادات وتحكمها في البشر، وضرورة المحافظة على الصالح منها، وتغيير الضار منها حتى ولو كان الشخص ذا شأن فثمة “أنبياء وصالحون غيروا بعدما كبروا، شيوخ الصحابة وبعضهم ممن أسلموا يوم الفتح بدلوا قيم الوثنية وعبوديتها بالتوحيد في المناسك والصلوات وعادات البيوت”7. 
في تلك المقالات تأسرك شاعرية العناوين وجمال الأسلوب وشمولية التناول وقوة الشخصية؛ ففي وسط مجتمع محافظ حد الفضول يكون تغيير أي نمط من أنماط الحياة مأكلًا أو ملبسًا أو طَرْق مواضيع غير دارجة من المحرمات التي يعنف عليها الشخص ويحاكم، من الأمور الصعبة بل والمستحيلة، وكان جواب العودة لكل تلك الأسئلة المستغربة والمحرجة جوابًا واحدًا “نعم أتغير” لكنه تغير بالترقي في مدارج السالكين، ولذا قال لمن انتقدوه “شكرًا أيها الأعداء”.  
من لا يعرف طبيعة العلاقة بين المرأة والرجل أمًا وبنتًا وأخوات وزوجة في بعض مجتمعات جزيرة العرب لن يقدر قول رجل بمنزلة العودة حق قدره حين كتب: “رزقني ربي بغادة وآسية ونورة، وهن يمنحنني الوجه الجميل للحياة، الحب والعطف والحنان، ولا حياة للمرء من غير قلب يحن ويفرح ويحس”8.

عتبر العودة بناته امتدادًا لأمه ذلك الأصل الدافئ الذي احتضنه، ورباه بعد الله بالفضل والعرفان، ومنحه من حياته وروحه ولغته الشيء الكثير، ومن أمه نورة الْمَدْرسة العظيمة وجد طعم الأمل والرضى والجمال.
يتساءل العودة “إذا كنا نعرف أسماء أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبناته وأمه وحاضنته وقابلته ومرضعته، فلم نستحي من ذكر أسماء أمهاتنا وزوجاتنا وبناتنا…؟” لهذا كتب الشيخ كتابه الجميل وعنونه بـ”بناتي”، معريًا بذلك دعوى الجاهلية العربية الحديثة في تغييب المرأة وحجب اسمها، وكان غلاف الكتاب وتصميمه تجليًا من تجليات إبداع الشيخ مع طرقه لمثل هذا الموضوع. 
رغم إسهامات الشيخ العودة العلمية والفكرية القيمة الوفيرة، فإنه منذ عام يواجه تهمة الحكم بالإعدام بسبب ألفي تغريدة في تويتر عكرت أمزجة أنظمة إقليمية تضيق ذرعًا بكل داع للعدل والحرية والخير والجمال، ولن يخيب الله رجاء الأمة في عودة الشيخ العُودة إلى سباق عهده مناهضًا للتشدد، مرسخًا قيم العدل، ومبشرًا بالنهوض العربي، ومغردًا خارج سرب العادات البالية.



  • الخضر. مرجع سابق ص 187.
  • الخضر. مرجع سابق ص 187.
  • الخضر. مرجع سابق ص 192.
  • الخضر. مرجع سابق ص 192.
  • الدخيل، سلمان العودة من السجن إلى التنوير ص 14.
  • العودة، سلمان بن فهد. 2012م. أسئلة الثورة. بيروت: لبنان: مركز نماء للبحوث والدراسات. ص. 25.
  • العودة: زنزانة ص 21.
  • العودة: بناتي ص 11.
  • الثلاثاء، 17 سبتمبر 2019

    سلمان العُودة: عامان في القفص

    سلمان العُودة: عامان في القفص
    أبو إسحاق الدويري
    كاتب وباحث موريتاني
      17سبتمبر 2019 


    في قرية موريتانية صغيرة، ذات إشعاع علمي كبير، قريبة من بحر الظلمات، ولا تبعد كثيرًا عن نهر صنهاجه، يؤمها مئات طلاب العلوم الشرعية واللغوية من كل جهات موريتانيا، ويقصدها عدد محترم من آفاق العالم الإسلامي، ولا سيما جيران شنقيط المصاقبين لها من جهاتها الأربع.
    كان أولئك القادمون يبتغون قبسًا من نور العلم، ويبحثون عن شروح وافية لمتون في مختلف الفنون، ويسعون لتكوين ملكات علمية وأدبية، ويطاردون ساعات من صفاء  البادية، وهناك في تلك القرية الوادعة سمعوا صوته، ألفوا نبرته، أسرهم خطابه، أقنعنهم طرحه، اقتنعوا بتأصيله، أطربهم إنشاده للأشعار، كان نافذتهم على العالم شرقه وغربه، وكان شوقهم للقائه أو رؤية صورته لا يوصف.
    الشيخ سلمان العودة
     إنه الشيخ الدكتور سلمان بن فهد العُودة –فك الله أسره- الذي لقوه في تلك القرية الفاضلة، التي وجدوا في غرفة من بيوت “محظرتها” كيسًا بلاستيكيًا مليء بأشرطة دعوية، على كل شريط كتب اسم محاضر، وكان لكل واحد من أولئك المهتمين محاضره الذي يحبه ويؤثره على غيره.
     لكن الشيخ سلمان العودة كان محل اتفاق الجميع، لأنه -كما اتفقوا- يخاطب العقول، ويهزّ القلوب، ويعالج إشكالات الأرض بنور وحي السماء، كانت كلماته حديث روح للأرواح يسري، ومنذ ذلك التاريخ بداية الألفين الميلادية وقبلها بعقود في الثمانينات، والشيخ العودة ملء سمع وبصر العالم الإسلامي بعلمه وحكمته ووعيه وتوفيق الله له.
    قبل زمن قريب كنت أكتب جزءًا من بحث عن “مسالك الثقافات والعلوم” وطرق انتقالها بين الأمم والبلدان والعصور، ودور هجرة العلماء والقوافل والمراكز الحضارية في ذلك، وفي المقارنة بين حركة الثقافة والعلوم في الزمن الأول والعصر الحديث تذكرت أمر تلك الأشرطة التي وصلت أقاصي الغرب الإسلامي على تخوم الحدود الفاصلة بين العرب والقارة السمراء، وكان أغلبها سجل في مدينة بُريدة أكبر مدن إقليم القصيم بنجد التي كان مشايخ العلم في شنقيط يطربون لأشعار شعرائها العشاق، وينقبضون عند ذكر دعوتها ودعاتها ومصلحيها لأنها “قرن الشيطان”، والشيطان يحمد في الشعر ويذم في سواه.
    كفاني مؤونة البحث عن الطرق التي أخذت تلك الأشرطة “النجدية” حتى وصوله ذلك المكان الهادئ القصي، مداخلة قدمها السياسي والبرلماني الأستاذ محمد غلام ولد الحاج الشيخ بين يدي الشيخ العودة حين زار موريتانيا شهر مارس 2008.
     يقول الأستاذ محمد غلام في معرض حديثه عن تأثير العودة في الأجيال  الإسلامية المعاصرة من خلال “الشريط الإسلامي”، أنه أي الأستاذ ابن الحاج الشيخ وبعض أصدقائه الموريتانيين المقيمين في الخليج كانوا يتولون “تكثير أشرطة العودة” وإرسالها إلى نواكشوط ومن هنالك تنتشر في مختلف المدن الموريتانية وما وراء موريتانيا.
     وتركك في الدنيا دويًّا
    آمن الشيخ العُودة أن “الحياة كلمة” فاستطاع بقوتها وصدقها أن “يترك في الدنيا دويًّا”، فقصة هذا المصلح الديني الخطير، ورحلته من فضاء الله وبيوته إلى السجن، و”من السجن إلى التنوير”، ثم عودته من جديد إلى المدرسة اليوسفية في “زمن التنوير السلماني” حيث قضى حتى الآن عامين من عمره المعطاء مع مئات من إخوانه المصلحين والمثقفين والأكاديميين الشجعان من نبلاء الجزيرة العربية، أمر يغري الباحثين بالتتبع والاستنتاج، كما يدعو الصحافة للكتابة، والأدباء للإبداع والمؤرخين للتوقف والتدوين.
    اعتقل العودة أول مرة لخمسة أعوام من 1994 – 1999
     لا يمكن للمهتمين بتأثير علماء الإسلام في المجال العام، وقدرتهم على صياغة وعي الشعوب، وتحريك الملايين لحشر “الطغاة” في “حجز الزاوية”، وإجاباتهم التجديدية عن واقع الناس و”أسئلة الثورة”، وسعيهم بشجاعة ووعي للفصل بين ثوابت الدين، والعادات الاجتماعية في عدة أمور صنفت قرونا طويلة ضمن الممنوع المجتمعي المقدس أن يهملوا الحديث عن الشيخ العُودة.
    تنبه المهتمون بالوعي الإسلامي الحديث في السعودية والخليج باكرًا لقيمة سلمان العودة، فصار فصلًا لا يمكن تجاوزه في أي متن من متون تاريخ السعودية في العقود الأخيرة، فكتبت عنه دراسات، ودونت عنه قصص، وحبرت مقالات، ومن أهم الدراسات الأكاديمية التي كتبت عنه رسالة الماجستير التي كتبها الإعلامي السابق والسفير السعودي اللاحق تركي الدخيل بعنوان “سلمان العودة من السجن إلى التنوير” نشرت 2011.
    ففي بحث تركي الدخيل الأكاديمي الذي حاول انتهاج الموضوعية حسب الإمكان، تلاقيك ألقاب تتزاحم على العودة “الداعية الأشهر في الخليج والأكثر تأثيرًا وجماهيرية”1، و”المايسترو الذي يسيّر المشروع الصحوي، (والذي) كان يوجه الجموع بسحر صوته، وفصاحته،  وارتجاله لمحاضراته، واطلاعه على تفاصيل ما يجري للمسلمين قبل عصر الثورة المعلوماتية”2.
    يذهب الأستاذ عبد العزيز الخضر في كتابه الضخم عن تاريخ السعودية إلى أبعد من ذلك فيقول :”إن القول إنه أهم دعاة الصحوة ونجم تلك المرحلة لا يعبر عن الدور الحقيقي لهذه الشخصية الدينية، فالشيخ أحدث نقلة جوهرية في بنية الوعي الديني المحلي في سنوات معدودة يلمسه المتابع للفوارق بين ما قبل، وما بعد تلك المرحلة الفاصلة”3.
    يضيف الخضر أن للصحوة في السعودية خصائص عامة عند أغلب دعاتها، “لكن للشيخ خصائص أخرى إضافية تزامنت مع ظروف محلية صنعت هذه القدرة التأثيرية المفاجئة، لقد أحدث تغييرًا في تركيبة وصورة شيخ الدين السعودي، ونقله إلى مستوى آخر، يجمع بين دور التربوي والواعظ والداعية والمفتي والمثقف والمحلل السياسي”4. 
    وقد لاحظ عدد من باحثي الغرب أهمية دور الشيخ العودة عموما في “زمن الصحوة” السعودي كما عنون الفرنسي ستيفان لاكروا أطروحته، وفي ملاحظة للمؤرخة الألمانية أوليركه فرايتاغ مديرة مركز الشرق الحديث في جامعة برلين الحرة تقول: “إن سلمان العودة أصبح الشخص الذي يمثل الصوت العقلاني الحديث في السعودية، وهناك كثير من المؤشرات تؤيد ذلك، فهو يتبنى موقف الاعتدال والتوافق، وينتقد الوضع الراهن للمجتمع السعودي، المتمثل في التمسك بالعادات والتقاليد، والانتقاص من حق المرأة والنظرة الدونية لها، ويطالب يمنح الشريحة النسائية الحقوق التي يعطيها إياها الدين الإسلامي”5.  
    انقلاب شمولي لكنه عفوي
    إن أقرب وصف في مخيلتي للشيخ العودة بعد متابعة أغلب محطات حياته وتأثيره، وما كتَبَ وأَلَّف وألقى، هو أنه “المصلح الذي لا  يُسدّ عليه باب”؛ فحين كانت وسيلة التواصل الأكثر انتشارًا وتأثيرًا هي الأشرطة كان العودة “نجم الكاسيت السني في عصره”6، ففي الثمانينات حين بدأ اسمه يظهر “من خلال المحاضرات  المتتالية، ودرسه الأسبوعي كل أحد في الجامع الكبير ببريدة، حيث ستتجاوز تسجيلاته المئات خلال سنوات محدودة، فإنه كان يقدم خطابًا نوعيًا وتغييرًا جوهريًا من دون أن يشعر بحجم الانقلاب الذي أحدثه في حينها في جوانب عدة”7.
    وعن أسلوبه التجديدي والإبداعي في محاضراته يقول الخضر “قدم الشيخ منهجًا جديدًا، حيث يشعر المستمع بأنه أمام خطاب منظم ومرتب ترتيبًا جيدًا منذ البداية وحتى نهاية المحاضرة، بمحاورها ومعلوماتها، وحشد الأدلة الدينية والعقلية في تقديم رأيه، بل وحتى ذكر تاريخ إلقاء المحاضرة، كان يشير إليه في بداية كل درس ومحاضرة، ما يدل على عقلية منظمة، وهو بهذا المنهج فرض احترامًا جديدًا ومختلفًا للكاسيت كقناة تثقيفية عامة مهمة داخل المجتمع”8. 
    فالعُودة حسب السفير السعودي في أبو ظبي “يخوض في الموضوعات كلها، التي يعالجها الإسلام السياسي والتي لم يعالجها، بل والتي عالجها أصحاب البرامج الفضائية التقليدية والجديدة والتي لم يعالجوها، مؤسسًا لتجديد فقهي في سائر الموضوعات المطروحة على الساحة، بداياته فقهية لكن نهاياته فكرية فلسفية ثقافية حضارية”9.
    كان العودة يطرق كل المسائل والموضوعات المطروحة بأسلوب يمزج بين مختلف العلوم والفنون والأفكار والفلسفات، فهو كما قال الدخيل عالج “أعقد الموضوعات بأحدث المناهج. وفق خلفية ثقافية عميقة، وتجربة طويلة وقاسية”10، فمع تلك المعالجات وأثرها في حياة الناس والتدين والوعي والمدافعة بين قيم الحق والحرية والعدل والجمال مع نقائضها.

    سنتوقف في الجزء الثاني من هذا المقال بعد مرور عامين على تغييب العُودة في قفص يواجه الموت بسبب دعاء لألفة الأشقاء.. وغدا تطير العصافير.


    1-الدخيل، تركي: سلمان العودة من السجن إلى التنوير. ص 62.
    2-الدخيل تركي: المرجع السابق ص 68.
    3-الخضر عبد العزيز، السعودية سيرة دولة ومجتمع، ص 186.
    4-المرجع السابق نفسه. ص 186.
    5-الدخيل تركي: المرجع السابق ص 18.
    6-المرجع السابق ص 79.
    7-الخضر عبد العزيز، السعودية سيرة دولة ومجتمع، ص 187-188.
    8-المرجع السابق. ص 188.
    9-الدخيل تركي: المرجع السابق ص 18.
    10-المرجع السابق. ص 17.


    الأحد، 26 مايو 2019

    محاكمة القرني.. أزمة الصحوة أم أزمة المملكة؟

    محاكمة القرني.. أزمة الصحوة أم أزمة المملكة؟

    كاتب وباحث موريتاني



    “ليس للمكره ولا للخائف رأي”، هكذا علق الدكتور محمد بن حامد الأحمري على مقابلة رفيق دراسته الدكتور عائض القرني، تلك المقابلة التي أثارت ضجة إعلامية كبيرة في مختلف وسائل الإعلام والمنابر، وقد اهتم المراقبون والكتاب بالمقابلة أو محاكمة القرني العلنية على الأصح بسبب علاقة الدكتور القرني بتيار الدعوة والصحوة، ولنوع المقابلة؛ إخراجًا ومضمونًا وتوقيتًا، وللواقع السعودي نفسه المتردي داخليًا وخارجيًا.
    تحكُّم أبوظبي في القرار الرسمي السعودي سبقه تحكُّم آخر في وسائل الإعلام الممولة سعوديًا، وتحكُّم أشد في طبقة الكتاب السعوديين الليبروجاميين، فقناة العربية التي أنشئَت لمنافسة قناة الجزيرة تعبر عن السياسية الظبيانية أكثر من تعبيرها عن وجهة النظر السعودية -إن وجدت-

     حين تابعت حيثيات المحاكمة العلنية ورأيت آيات الخوف والإرهاب التي أحاطت بالاستجواب من كل مكان، وبرزت مع جُلِّ الأسئلة وتكررت في أكثر محطات المقابلة، رحمت الشيخ عائضًا القرني -فرج الله ما به وبإخوانه- واستعذت بالله خالقي وخالق كل نفس من غلبة الدين وقهر الرجال، ثم أكبرت الدكتور الأحمري على معذرته للقرني، فـ”أعقل الناس أعذرهم لهم”، وهذا من مكارم أخلاق الأوفياء،  “ومن ذا يعاتب مشنوقًا إذا اضطربا”، فكيف بمن يلوح عليه بـ”منشار” لم يجف بعدُ من دم حُرٍّ آخر لاحقته المنايا كالحات في مغتربه؟.
    إن المثير في محاكمة القرني العلنية، -ولم ينل حظه من التعليق والتناول- هو محاولة الصحوي بالواو المديفر وبعض المعلقين جعل التحديات التي تواجهها السعودية ذات صلة بالصحوة أو التدين الوسطي فيها، أو بالمطالبة بالحقوق في محاولة للهروب إلى الخلف، وتحميل المغيبين في السجون والمنافي إخفاقات سلمان وابنه في كل المحاور والملفات، وهي محاولة محكوم عليها بالفشل ككل السياسات السعودية.
    إخفاقات خارجية
    لا يخفى على المتابع للسياسة السعودية الخارجية منذ صعود محمد بن سلمان وتحكم ابن زايد في قرارات المملكة أن الدور الخارجي للسعودية، والأخبار المتداولة عنها في وسائل الإعلام الجادة تتعلق بالأمور التالية:

    1. آهات الجوعى والمرضى والمشردين في اليمن جراء الحرب العبثية المكلفة ماديًا وإنسانيًا وأخلاقيًا وحقوقيًا.
    2.  وصفقة القرن والسعي الحثيث للتخلي عن القدس والقضية الفلسطينية برمتها.
    3. ورعاية هجوم السفاح حفتر على الشعب الليبي الأبي في شهر رمضان.
    4. وآثار فضيحة اغتيال خاشقجي المخزية.
    5. وحصار قطر الذي بدأ واستمر بلا مسوغات ولا أسباب.
    6. والانهزامات المتكررة أمام النفوذ الإيراني.
    7. وصفقات الأسلحة باهظة الثمن والتي لا ترد صائلاً ولا تهزم عدوًا.
    8. مع إهانات ترامب المتكررة للسعودية وقادتها، ولمزهم بالعجز عن حماية أنفسهم.
    9. ثم هروب من يستطيع الهرب من المواطنين السعوديين رجال أعمال وأحرار، ونساء بيوت ضقن ذرعًا بالتيه والضياع والحرمان.  
    وإخفاقات داخلية!
    ليست السياسة السعودية الداخلية بأحسن حالاً من الخارجية، فالأخبار القادمة من المملكة تدور حول تعذيب وتغييب مئات العلماء والدعاة والمصلحين والأمراء ورجال الأعمال وبعض الضباط وشيوخ القبائل في سراديب النسيان والطغيان؛ بعضهم اعتقل لدعوته لإصلاح سياسي متدرج، وبعضهم بتهمة الصمت، وبعض السيدات لمناوأتهن الصهاينة المغتصبين، وأخريات لأنهن سبقن ولي العهد “المجدد” في الدفاع عن حقوق أخواتهن في قيادة السيارة وغيرها من الحقوق العادية والعادلة التي يمن بها آل سعود على الشعب السعودي المحترم.
    والجامع بين سجن هذا الكشكول المختلف هو المبالغة في التودد للصهاينة وعملائهم، وتلبية رغبات الانتقام الملتهبة في الجوانح الظبيانية والدحلانية، والتمهيد لصفقة القرن التي اشترى محمد بن سلمان بموجبها مع صفقات أخرى عرش أبيه وجده ولم يستطع الوصول إليه بعدُ.
    الرياض في قبضة ابن زايد
     لم تبرز الأزمة الماحقة التي تحيط بالسعودية داخليًا وخارجيًا في عمل إعلامي كما برزت في محاكمة القرني وأسئلة المديفر، فالمحاور  الصحوي حرص أن يربط المصلحين ومعتقلي الرأي بجهات خارجية، وتحديدًا دولة قطر التي رقص فيها الملك سلمان نفسه، وتمايل فيها ابنه طربًا، لكن حرص عائض القرني وتكريره أكثر من مرة أنه كما زار قطر زار مجلس “الشيخ محمد بن زايد” يكشف عمق الأزمة التي تعاني منها مملكة آل سعود في طبعتها الجديدة غير المنقحة، كما تبدي بوضوح مستوى التحكم الذي تخضع له الرياض الكبيرة من قبل أبي ظبي الصغيرة، والمناوئة لها سياسيًا ومذهبيًا.

    في 16 مايو 2016 وقعت السعودية والإمارات في مدينة جدة محضر إنشاء “مجلس التنسيق السعودي الإماراتي”، بحضور الملك سلمان وابن زايد، وهو مجلس غامض لم يحدد محاور التنسيق ولا الرؤى المشتركة، ولم يعرف الناس تعاونًا ذا بال بين السعودية والإمارات في غير محاربة تطلعات الشعوب العربية في الحرية والحياة الكريمة، وفي 5 ديسمبر 2017 على وقع قمة خليجية في الكويت قاطعتها قيادة البلدين أصدر رئيس الإمارات “المغيب” قرارا بتشكيل “لجنة للتعاون والتنسيق المشترك” بين السعودية والإمارات، برئاسة أخيه المتغلب محمد بن زايد، وبذلك أعلن المحمدان رسميًا نهاية مجلس التعاون الخليجي، وتتويج محمد بن زايد ملكا للسعودية بدون ألقاب، وكان هذا الإعلان تتويجًا لما أسماه الطرفان بـ”خلوة العزم” السنوية، تلك “الخلوة” القرمطية الغامضة التي استطاعت أبو ظبي من خلالها التحكم في السعودية المنقسمة على نفسها.
    الأزمة في السعودية إذن ليست أزمة صحوة ولا أحرار يطالبون بعدل وقسط، أو سيدات يردن أن يدخلن الحد الأدنى من التصنيف البشري في حقوق بني آدم، إنما الأزمة في سيادة وسياسة مملكة آل سعود التي وصلت جيلها الخلدوني الثالث، فبدت للصديق قبل العدو تائهة الرؤى.
    في عداء آل نهيان لآل سعود عمومًا، والعداء الشخصي الذي يكنه محمد بن زايد للأمير نايف وابنه المنقلَب عليه، اتبع ابن زايد سياسية طويلة الأمد في التأثير على القرار السعودي، وقد نجح في ذلك نسبيًا أيام الملك عبدالله من خلال التناغم مع خالد التويجري، ثم تراجع ذلك الدور أيام “صحو” سلمان الأولى، ثم أحكم قبضته من خلال توفير دعم مالي ويهودي وغربي لطموحات ابن سلمان الذي انتقم له من ابن عمه محمد بن نايف وأبناء الملك عبدالله الذين لم يسايروا رئيس ديوان أبيهم في التبعية لأبي ظبي.
    تحكم أبي ظبي في القرار الرسمي السعودي سبقه تحكم آخر في وسائل الإعلام الممولة سعوديًا، وتحكم أشد في طبقة الكتاب السعوديين الليبروجاميين، فقناة العربية التي أنشئت لمنافسة قناة الجزيرة تعبر عن السياسية الظبيانية أكثر من تعبيرها عن وجهة النظر السعودية -إن وجدت-، أما اختراق الصحفيين السعوديين فقد عبر عنه داوود الشريان في تسجيل صوتي شهير، يمتعض فيه من تحكم الإمارات في كتاب الرأي السعوديين، وقال في التسجيل ما معناه: لقد صارت أبو ظبي تفعل مع صحافتنا كما كنا نفعل مع صحفيين عرب، وما تفعله السعودية مع الكتاب معروف، أي شراء الذمم وتأجير الأقلام أو القتل والسجن، وتصرفات تركي الدخيل بعد تعيينه سفيرًا في أبي ظبي تنبئ عن عمق ذلك التحكم الذي صار جزءًا لديه من اللا وعي.
    أين الأزمة؟
    الأزمة في السعودية إذن ليست أزمة صحوة ولا أحرار يطالبون بعدل وقسط، أو سيدات يردن أن يدخلن الحد الأدنى من التصنيف البشري في حقوق بني آدم، إنما الأزمة في سيادة وسياسة مملكة آل سعود التي وصلت جيلها الخلدوني الثالث، فبدت للصديق قبل العدو تائهة الرؤى، متعثرة الخطى تخرب بيوتها بأيديها وأيدي الحوثيين.
    أما أنت يا شيخ عايض وغيرك ممن يحسب على المشايخ فإنا نذكركم بتوجيه الشهيد سيد قطب للذين آثروا الراحة وظنوها مغنمًا بـ”أن ينظروا في عبر التاريخ وفي عبر الواقع القريب، وأن يتدبروا الأمثلة المتكررة التي تشهد بأن ضريبة الذل أفدح من ضريبة الكرامة، وأن تكاليف الحرية أقل من تكاليف العبودية، وأن الذين يستعدون للموت توهب لهم الحياة، وأن الذين لا يخشون الفقر يرزقون الكفاية وأن الذين لا يرهبون الجاه والسلطان يرهبهم الجاه والسلطان”.