‏إظهار الرسائل ذات التسميات أحمد شوقي عفيفي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أحمد شوقي عفيفي. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 6 يوليو 2026

التحديات الفكرية أمام الشباب المسلم في بنغلاديش

التحديات الفكرية أمام الشباب المسلم في بنغلاديش



بقلم: أحمد شوقي عفيفي

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

يعيش العالم المعاصر مرحلة توصف بحق بأنها عصر ثورة المعلومات، والعولمة المتسارعة،
والتحولات الفكرية العميقة. ففي خضم هذا التسارع الهائل تتبدل أنماط الحياة،
وتتغير الأفكار والثقافات والقيم بوتيرة لم يشهد لها التاريخ مثيلا من قبل.

وكان
الشباب، بحكم طبيعة مرحلتهم العمرية وتفاعلهم السريع مع المتغيرات، أكثر الفئات
تأثرا بهذه التحولات المتلاحقة. وليس الشباب المسلم في بنغلاديش بمنأى عن هذا
المشهد العالمي المتشابك، بل إنه يقف اليوم في قلب معركة فكرية وثقافية وأخلاقية
معقدة، تتجاذبه فيها تيارات متعددة ومتناقضة.

فالشباب
البنغلاديشي المسلم يعيش في زمن انفتحت فيه أبواب المعرفة والتكنولوجيا على
مصاريعها، وأصبح الوصول إلى المعلومات والثقافات والأفكار أمرا يسيرا لا تحده
حدود. غير أن هذا الانفتاح على ما يحمله من فرص عظيمة وإمكانات واسعة، قد أوجد في
المقابل تحديات جسيمة تمس الهوية الإسلامية، والوعي القيمي، والانتماء الحضاري حتى
بات كثير من الشباب يعيش حالة من التردد والاضطراب في تحديد موقعه الفكري والحضاري
وسط هذا العالم المتغير.

وتعد
بنغلاديش واحدة من أكبر الدول الإسلامية من حيث عدد السكان المسلمين، وقد ظل
الإسلام عبر قرون طويلة يشكل روح المجتمع البنغلاديشي، ويؤثر في عاداته، وثقافته،
وسلوكه، ونظامه الاجتماعي. فقد ارتبطت هوية هذا الشعب بالإسلام ارتباطا وثيقا حتى
أصبح الدين جزءا أصيلا من ذاكرته الحضارية وتكوينه الثقافي. غير أن رياح العولمة
الثقافية، وهيمنة النموذج الغربي، والتأثير المتزايد لوسائل الإعلام الحديثة، أدت
إلى بروز أزمة هوية لدى قطاع من الشباب، جعلتهم يتساءلون عن حقيقة انتمائهم، وحدود
علاقتهم بدينهم وثقافتهم.

ومن هنا
برز واحد من أخطر التحديات الفكرية التي تواجه الشباب المسلم، وهو تحدي الهوية
والانتماء. فكثير من الشباب بات يتعامل مع الإسلام بوصفه مجرد طقوس وشعائر تعبدية،
لا باعتباره منهج حياة متكاملا ينظم علاقة الإنسان بربه، وبنفسه، وبالمجتمع،
وبالكون من حوله.

ويرجع
ذلك إلى غياب الرؤية الإسلامية الشاملة في كثير من المناهج التعليمية الحديثة،
التي تقدم الدين في صورة محدودة ومنفصلة عن شؤون الحياة الكبرى. ونتيجة لهذا
التصور القاصر، ترسخت لدى بعض الشباب نزعة علمانية ترى أن الدين شأن فردي لا ينبغي
أن يكون له حضور في مجالات السياسة، أو الاقتصاد، أو الثقافة، أو النظام
الاجتماعي.

ومن أبرز
التحديات التي أخذت تتسع رقعتها في السنوات الأخيرة انتشار الإلحاد، والنزعات
الشكية، والفكر المادي، خاصة عبر الفضاء الرقمي المفتوح.

فقد
أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي، ومنصات الفيديو، والمدونات الإلكترونية، ساحات لبث
أفكار تشكك في العقيدة الإسلامية، وتثير الشبهات حول الثوابت الدينية بأساليب
جذابة ومؤثرة. ومع غياب التأصيل العلمي الرصين لدى كثير من الشباب يقع بعضهم فريسة
للاضطراب الفكري والشكوك العقدية خصوصا أولئك الذين تلقوا معارفهم الدينية بصورة
عاطفية سطحية دون تأسيس معرفي عميق قادر على مواجهة الأسئلة الفكرية المعاصرة.

كما أن
وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد أدوات للتسلية والترفيه، بل تحولت إلى قوى
هائلة تعيد تشكيل العقول والاتجاهات والذوق العام. فأصبحت منصات مثل فيسبوك، وتيك
توك، وإنستغرام، ويوتيوب، تؤدي دورا مباشرا في صياغة رؤية الشباب للحياة والنجاح
والسعادة. ومن المؤسف أن كثيرا من المحتويات المتداولة عبر هذه الوسائل تقوم على
نشر ثقافة الاستهلاك، والانفلات الأخلاقي، والفردانية المفرطة، والتمرد على القيم
الدينية والاجتماعية، بل وترويج الخطاب المعادي للإسلام بصورة ناعمة وخفية. وهذا
ما أدى إلى تراجع الحس الأخلاقي لدى بعض الشباب، وابتعادهم التدريجي عن القيم
الإسلامية الأصيلة.

ولا يقل
خطورة عن ذلك تمدد الثقافة الاستهلاكية التي جعلت قيمة الإنسان تقاس بما يملك لا
بما يحمل من مبادئ وأخلاق. فالنظام العالمي المعاصر يربط النجاح بالثروة،
والمظاهر، والمكانة الاجتماعية، والرفاهية المادية حتى أصبح كثير من الشباب يلهث
وراء المكاسب الدنيوية ناسيا رسالته الحقيقية في الحياة.

وبينما يدعو الإسلام إلى
تحقيق التوازن بين الدنيا والآخرة، ويجعل القيم الروحية أساسا للسعادة الإنسانية،
فإن الخطاب المادي السائد يدفع الإنسان نحو الفراغ النفسي والاغتراب الداخلي مهما
بلغ من التقدم الظاهري.

ومن
التحديات المؤثرة كذلك أزمة التعليم وفقدان البعد القيمي في كثير من المؤسسات
التعليمية. فالتعليم المعاصر، في صورته السائدة، يركز على الجوانب المهنية
والتقنية بينما يهمل بناء الإنسان أخلاقيا وروحيا. ولهذا نرى ارتفاعا في معدلات
التعليم، يقابله في الوقت ذاته تفشي الفساد، والخداع، والعنف، والانحرافات
الاجتماعية. ذلك أن العلم حين ينفصل عن القيم يتحول إلى أداة بلا روح، ويصبح عاجزا
عن صناعة إنسان متوازن يحمل رسالة أخلاقية وحضارية.

كما أن
الشباب المسلم في بنغلاديش يواجه تحديات ناتجة عن الاستقطابات السياسية والصراعات
الفكرية التي تمزق وحدة المجتمع. فكثير من الجهات السياسية والأيديولوجية تسعى إلى
استغلال حماسة الشباب وطاقاتهم لخدمة مشاريعها الخاصة مما يزرع في نفوسهم روح
الكراهية والانقسام والصراع بدلا من ترسيخ معاني الوحدة، والتعاون، والإصلاح، وهي
المبادئ التي دعا إليها الإسلام.

ومن جهة
أخرى، لا يمكن تجاهل التأثير السلبي لحملات التشويه الإعلامي التي تستهدف الإسلام
في كثير من وسائل الإعلام العالمية.

فقد جرى
في العقود الأخيرة ربط الإسلام بالعنف والتطرف والتخلف حتى نشأت لدى بعض الشباب
حالة من التردد في إظهار هويتهم الإسلامية خشية الوصم أو الإقصاء. بينما الحقيقة
التاريخية والحضارية تؤكد أن الإسلام كان على مدى قرون طويلة منبعا للعلم، والعدل،
والحضارة، وأن المسلمين أسهموا إسهاما عظيما في تطور العلوم، والطب، والفلسفة،
والآداب، والفنون الإنسانية.

ويأتي
الغزو الثقافي في مقدمة التحديات التي تهدد وعي الشباب وهويتهم. فالأفلام،
والمسلسلات، والأغاني، ومنصات الترفيه الحديثة تروج لأنماط حياة بعيدة عن روح
الإسلام وقيمه، وتقدم النموذج الغربي بوصفه المثال الأعلى للتقدم والتحضر. ومع
تكرار هذا الخطاب الإعلامي، بدأ بعض الشباب يشعر بالنقص تجاه ثقافته الإسلامية،
ويميل إلى تقليد الأنماط الثقافية الوافدة دون وعي أو تمحيص.

ومع كل
هذه التحديات، فإن الأمل لا يزال قائما. فهناك في بنغلاديش جيل من الشباب الواعي
يسعى إلى استعادة دوره الحضاري من خلال التمسك بالقرآن والسنة، والانخراط في
ميادين الدعوة، والعمل الاجتماعي، وخدمة المجتمع، والجمع بين المعارف الحديثة
والقيم الإسلامية. كما تشهد الجامعات، والمعاهد، والمؤسسات الاجتماعية بروز نماذج
شبابية تحمل وعيا متجددا، وتسعى إلى تقديم الإسلام بصورة حضارية متوازنة تليق
بعالميته ورسالته الإنسانية.

ومن هنا
تبرز الحاجة الملحة إلى نهضة فكرية وتربوية شاملة، تقوم على بناء عقلية شبابية
واعية، تجمع بين الإيمان العميق، والفكر الرصين، والانفتاح الواعي على معطيات
العصر.

فالشباب
اليوم لا يحتاجون إلى خطابات عاطفية مجردة بقدر حاجتهم إلى حوار علمي هادئ،
وإجابات مقنعة عن الأسئلة الفكرية التي تؤرقهم. كما تقع على عاتق العلماء،
والمربين، والمثقفين، والمؤسسات التعليمية، مسؤولية كبرى في احتضان الشباب،
والاستماع إلى تساؤلاتهم، ومساعدتهم على تجاوز أزماتهم الفكرية والنفسية بروح
الحكمة والرحمة.

ولا يقل
دور الأسرة أهمية عن ذلك، إذ إن الأسرة الواعية القادرة على بناء علاقة قائمة على
المحبة والثقة والحوار، تستطيع أن تحمي أبناءها من كثير من الانحرافات الفكرية
والأخلاقية.

كما
ينبغي للمساجد، والمؤسسات التعليمية، والمراكز الثقافية والاجتماعية أن توفر بيئة
إيجابية تساعد الشباب على تنمية شخصياتهم، وترسيخ هويتهم الإسلامية، وبناء وعيهم
الحضاري.

وفي ختام
هذا الحديث، يمكن القول إن الشباب المسلم في بنغلاديش يقف اليوم على مفترق طرق
حاسم، فإما أن ينجح في ترسيخ إيمانه، وتعميق وعيه، وبناء شخصيته العلمية
والأخلاقية، فيصبح رائدا لنهضة إسلامية وحضارية جديدة، وإما أن يستسلم لتيارات
التغريب والانحلال الفكري والثقافي، فيدخل المجتمع في دوامة من الأزمات
والاضطرابات. ومن ثم فإن العناية بالشباب فكرا وتربية ووعيا ليست مجرد مسؤولية
اجتماعية عابرة، بل هي قضية مصيرية تتعلق بمستقبل الأمة وهويتها وحضارتها.

 

** المراجع:

1. القرآن
الكريم

2. البخاري

3. مسلم

4. الصحوة
الإسلامية بين الجحود والتطرف – الدكتور يوسف القرضاوي.

5. ماذا خسر
العالم بانحطاط المسلمين- الشيخ أبو الحسن الندوي.

6. شروط
النهضة – الشيخ مالك بن نبي.

7. المسلمون
في الغرب ومستقبل الإسلام- الشيخ طارق رمضان.

دور الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في توحيد كلمة العلماء في العصر الحديث

 دور الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في توحيد كلمة العلماء في العصر الحديث

أحمد شوقي عفيفي




"وحدة العلماء هي المدخل إلى وحدة الأمة، وأن تكامل العقول وتلاقي الاجتهادات هو السبيل إلى مواجهة التحديات واستشراف المستقبل"


في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم الإسلامي، وما يحيط به من تحديات فكرية وسياسية وحضارية إلى جانب النوازل المتجددة التي تستدعي اجتهادا جماعيا رصينا، غدت الحاجة ملحة إلى مرجعية علمية تجمع شتات العلماء، وتوحد جهودهم، وتنسق مواقفهم تجاه قضايا الأمة. ومن هذا المنطلق، جاء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بوصفه مؤسسة علمية عالمية مستقلة تحمل رسالة توحيد الكلمة، وترسيخ منهج الوسطية، وإحياء فريضة الاجتهاد الجماعي، والإسهام في معالجة قضايا الأمة برؤية شرعية تجمع بين أصالة النص وفقه الواقع.

أولا: توحيد كلمة العلماء وحدة في المقاصد لا في الاجتهادات

لا يراد بتوحيد كلمة العلماء إلغاء التعدد الفقهي، ولا مصادرة الاجتهادات المعتبرة التي زخرت بها مسيرة الفقه الإسلامي، فالاختلاف المنضبط سنة علمية صاحبت الأمة منذ عهد الصحابة رضي الله عنهم، ثم اتسعت آفاقه مع نشأة المذاهب الفقهية، فكان مصدر ثراء فكري وفقهي، لا سببا للفرقة والخصومة. وإنما المقصود بتوحيد الكلمة أن يجتمع العلماء على أصول الإسلام وثوابته، وأن تتآزر جهودهم في القضايا الكبرى التي تمس الأمة، وأن يدار الخلاف الاجتهادي في إطار من الأدب والاحترام بعيدا عن التعصب والتنازع مع تقديم المصالح العليا للأمة على الاعتبارات الجزئية والخلافات الفرعية. ومن هذا الفهم انطلق الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، فجعل من جمع كلمة العلماء أحد أهم مقاصده، ففتح أبوابه لعلماء الأمة على اختلاف مذاهبهم ومدارسهم الفقهية والفكرية جامعا بينهم على المشتركات الكبرى والثوابت الشرعية، ومؤكدا أن تنوع الاجتهادات لا يتعارض مع وحدة الصف، بل يثري الفكر الإسلامي متى ظل منضبطا بأصول الشريعة وآداب الاختلاف.

ثانيا: جمع علماء الأمة تحت مظلة واحدة

لا يراد بتوحيد كلمة العلماء إلغاء التعدد الفقهي، ولا مصادرة الاجتهادات المعتبرة التي زخرت بها مسيرة الفقه الإسلامي، فالاختلاف المنضبط سنة علمية صاحبت الأمة منذ عهد الصحابة رضي الله عنهم، ثم اتسعت آفاقه مع نشأة المذاهب الفقهية، فكان مصدر ثراء فكري وفقهي، لا سببا للفرقة والخصومة


من أعظم ما حققه الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين أنه استطاع أن يجمع تحت مظلته نخبة من علماء الأمة من مختلف الأقطار والقارات ينتمون إلى مدارس فقهية وفكرية متنوعة، وتجمعهم رسالة واحدة هي خدمة الإسلام وقضايا المسلمين. وقد أوجد هذا التنوع العلمي فضاء رحبا للحوار، وتبادل الخبرات، وتقريب وجهات النظر، وتعزيز أواصر الأخوة والتعاون بين العلماء بما أسهم في ترسيخ ثقافة العمل العلمي الجماعي. ولم يكن مقصد الاتحاد إنشاء مذهب فقهي جديد أو صهر الاجتهادات في قالب واحد، وإنما بناء منصة علمية عالمية تلتقي عندها الكفاءات العلمية، وتتضافر فيها الجهود، وتتكامل فيها الخبرات من أجل بلورة رؤى شرعية رصينة تجاه القضايا الكبرى والتحديات المتجددة التي تواجه الأمة الإسلامية. وهكذا غدا الاتحاد جسرا للتواصل بين علماء المسلمين، ومنبرا لتعزيز وحدة الكلمة مع صون التنوع الفقهي والاجتهادي الذي طالما كان من عوامل ثراء الحضارة الإسلامية.

ثالثا: ترسيخ منهج الاجتهاد الجماعي

أدرك الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين منذ بواكير تأسيسه أن تعقيدات العصر وتشعب قضاياه لم تعد تحتمل الاجتهاد الفردي في كثير من النوازل، بل تستوجب تضافر العقول وتكامل الخبرات في إطار من الاجتهاد الجماعي المؤسسي. وانطلاقا من هذا الوعي، جعل الاتحاد من الاجتهاد الجماعي أحد المرتكزات الأساسية في رسالته العلمية، فأنشأ اللجان والهيئات المتخصصة التي تضم نخبة من الفقهاء والأصوليين إلى جانب خبراء في مجالات الاقتصاد والطب والقانون والعلوم الاجتماعية وغيرها إيمانا بأن الإحاطة بالنوازل المعاصرة لا تكتمل إلا بتكامل المعرفة الشرعية والخبرة التخصصية. وقد أثمر هذا المنهج عن إصدار دراسات وبيانات وفتاوى اتسمت بالعمق العلمي، ورجاحة النظر، ومراعاة مقاصد الشريعة ومتغيرات الواقع مما أسهم في ترسيخ مكانة الاجتهاد الجماعي بوصفه أحد أهم وسائل معالجة قضايا العصر، وعزز ثقة قطاعات واسعة من المسلمين بالمؤسسات العلمية التي تقوم على التشاور، وتبادل الرأي، واستفراغ الوسع في الوصول إلى الحكم الشرعي الأقرب إلى مقاصد الشريعة ومصالح الأمة.

رابعا: المؤتمرات والملتقيات العلمية

تعد المؤتمرات الدولية والملتقيات العلمية التي يعقدها الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين من أبرز روافد التواصل العلمي بين علماء الأمة، إذ تمثل منابر للحوار الرصين، والتشاور المثمر، وتبادل الرؤى والخبرات حول القضايا الفكرية والفقهية والسياسية والاجتماعية التي تشغل حاضر الأمة ومستقبلها.

ولا تقتصر هذه الملتقيات على عرض البحوث وتقديم الأوراق العلمية، بل تؤسس لثقافة الحوار العلمي المسؤول، وتفتح آفاقا واسعة للتواصل المباشر بين العلماء بما يسهم في إزالة كثير من أسباب التباعد وسوء الفهم، وتقريب وجهات النظر، وتعزيز روح الأخوة والتعاون، وبناء شراكات علمية راسخة تخدم قضايا الأمة، وتكرس العمل المؤسسي المشترك بين علمائها.

خامسا: توحيد المواقف تجاه قضايا الأمة

لم يقتصر دور الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين على جمع العلماء وتقريب رؤاهم، بل امتد إلى بلورة مواقف علمية جماعية إزاء القضايا المصيرية التي تشغل الأمة الإسلامية. فقد حرص الاتحاد على أن يكون صوتا علميا مسؤولا يعبر عن ضمير الأمة، ويقدم رؤية شرعية متزنة تستند إلى مقاصد الشريعة ومصالح المسلمين. وفي هذا السياق، أولى الاتحاد عناية خاصة بالقضية الفلسطينية، والدفاع عن المقدسات الإسلامية، ونصرة الأقليات المسلمة، وإغاثة الشعوب المنكوبة كما أسهم في ترسيخ منهج الوسطية، والتصدي لظواهر الغلو والتطرف، ومواجهة حملات الكراهية والإساءة إلى الإسلام بالحكمة والبيان. ومن خلال بياناته وقراراته الصادرة عن هيئاته العلمية، سعى الاتحاد إلى توحيد الموقف الشرعي في القضايا الكبرى، وتعزيز حضور الكلمة العلمية الجماعية بما يجسد مسؤولية العلماء تجاه أمتهم، ويؤكد رسالتهم في توجيه الرأي العام، وترشيد المواقف، والدفاع عن قضايا الإسلام والمسلمين في مختلف المحافل.

سادسا: ترسيخ ثقافة الوسطية والاعتدال

جعل الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين من الوسطية منهجا أصيلا في خطابه العلمي والدعوي انطلاقا من كونها السمة المميزة للشريعة الإسلامية، والقادرة على تحقيق التوازن بين الثبات على الأصول ومراعاة متغيرات الواقع. ولذلك دعا إلى الاعتدال ونبذ الغلو والتفريط، وإشاعة ثقافة الحوار بالحكمة والموعظة الحسنة، واحترام التنوع الفقهي والمذهبي في إطار الثوابت الشرعية. كما أكد الاتحاد في أدبياته وبياناته أن الاختلاف الفقهي المعتبر ينبغي أن يبقى مصدر إثراء للفكر الإسلامي، لا سببا للتباغض أو التنازع أو الإقصاء، وأن وحدة الأمة لا تتحقق بإلغاء التنوع، وإنما بحسن إدارة الاختلاف، وترسيخ قيم الأخوة الإسلامية، وتغليب المشتركات على مواطن الخلاف.

سابعا: إعداد جيل جديد من العلماء

وإيمانا بأن نهضة الأمة لا تستقيم إلا باستمرار عطائها العلمي، أولى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين عناية خاصة بإعداد جيل جديد من العلماء والباحثين، يحمل رسالة العلم والدعوة، ويواصل مسيرة الاجتهاد في ضوء مقاصد الشريعة ومتطلبات العصر. وفي سبيل ذلك، حرص الاتحاد على إشراك الشباب والباحثين في مؤتمراته وملتقياته العلمية، وإتاحة الفرصة لهم للتواصل المباشر مع كبار العلماء، والاستفادة من خبراتهم، والانخراط في الحوارات العلمية الرصينة بما يسهم في صقل ملكاتهم العلمية، وتنمية قدراتهم البحثية، وإعداد كوادر علمية مؤهلة لقيادة العمل الفكري والدعوي، وخدمة قضايا الأمة بعلم راسخ ورؤية متوازنة.

ثامنا: التحديات التي تواجه الاتحاد

من أبرز هذه التحديات اتساع دائرة الانقسامات السياسية، وتصاعد الاستقطابات الفكرية والإعلامية، وتباين الاجتهادات في بعض القضايا المستجدة فضلا عن الضغوط التي تتعرض لها المؤسسات الإسلامية في عدد من البلدان، وما يشهده العصر من نوازل متلاحقة تتطلب اجتهادا جماعيا متجددا، وقدرة دائمة على استيعاب المتغيرات


على الرغم مما حققه الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين من إنجازات ملموسة في خدمة العلماء وقضايا الأمة، فإن مسيرته لا تخلو من تحديات تفرضها طبيعة المرحلة وتعقيدات الواقع الإسلامي المعاصر. فمن أبرز هذه التحديات اتساع دائرة الانقسامات السياسية، وتصاعد الاستقطابات الفكرية والإعلامية، وتباين الاجتهادات في بعض القضايا المستجدة فضلا عن الضغوط التي تتعرض لها المؤسسات الإسلامية في عدد من البلدان، وما يشهده العصر من نوازل متلاحقة تتطلب اجتهادا جماعيا متجددا، وقدرة دائمة على استيعاب المتغيرات. غير أن هذه التحديات على جسامتها، لا تنتقص من أهمية الرسالة التي يضطلع بها الاتحاد، بل تؤكد الحاجة المتزايدة إلى مؤسسات علمية راسخة تجمع العلماء على الحوار والتشاور، وتعزز ثقافة التعاون والتكامل. ومن ثم يظل الحوار العلمي المسؤول، والاجتهاد الجماعي، وتقريب وجهات النظر، السبيل الأمثل إلى صيانة وحدة الأمة، وترسيخ الوعي، وبناء موقف علمي يجمع بين أصالة الشريعة وفقه الواقع.

يبقى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين تجربة علمية ومؤسسية رائدة في مسيرة العمل الإسلامي المعاصر بما اضطلع به من جهود في جمع كلمة العلماء، وإحياء روح الاجتهاد الجماعي، وتعزيز ثقافة الحوار والتعاون. ورغم ما يحيط به من تحديات، فإن رسالته تظل شاهدة على أن وحدة العلماء هي المدخل إلى وحدة الأمة، وأن تكامل العقول وتلاقي الاجتهادات هو السبيل إلى مواجهة التحديات واستشراف المستقبل. وما أحوج الأمة اليوم إلى ترسيخ هذا النهج حتى يظل صوت العلماء منارة هداية، وعنوان حكمة، وحصنا لوحدة المسلمين ونهضتهم.

أحمد شوقي عفيفي

المراجع:

1. الدكتور يوسف القرضاوي، الاجتهاد في الشريعة الإسلامية.

2. الدكتور يوسف القرضاوي، الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم.

3. الدكتور يوسف القرضاوي، فقه الأولويات.

4. الدكتور يوسف القرضاوي، الصحوة الإسلامية من المراهقة إلى الرشد.

5. الموقع الرسمي للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.


الأربعاء، 24 ديسمبر 2025

دور بنغلاديش الإنساني في أزمة الروهينغا

 دور بنغلاديش الإنساني في أزمة الروهينغا

أحمد شوقي عفيفي

"يعد الروهينغا من أكثر الجماعات البشرية اضطهادا وتجريدا من الحقوق في عالمنا المعاصر"


دور بنغلاديش الإنساني في أزمة الروهينغا وثيقة فريدة لقيادة أخلاقية صامتة. في القرن الحادي والعشرين، وقد أضناه توالي الحروب، وأثقل كاهله شبح الإبادات الجماعية، واتسعت فيه دوائر الاضطهاد العرقي وتدفقات اللجوء القسري، غدت الإنسانية سؤالا مؤجلا، يتوارى خلف ستار المصالح الضيقة وحسابات الجغرافيا السياسية الباردة. وفي قلب هذا المشهد الكالح، برزت دولة نامية مكتظة بالسكان في جنوب آسيا؛ لا بصخب الشعارات ولا بضجيج الادعاءات، بل بصمت راسخ وعزم أخلاقي نبيل، لتؤدي دورا إنسانيا استثنائيا يستحق أن يدون في سجل الضمير العالمي.

إن موقف بنغلاديش من مأساة الروهينغا لا يُختزل في كونه تجربة إدارية في تدبير شؤون اللاجئين، ولا يقاس بأرقام المخيمات وحجم المساعدات وحدها، بل يتجاوز ذلك ليغدو شهادة حية على إنسانية متجذرة، ودليلا ساطعا على قيادة أخلاقية اختارت أن تعمل بصمت، وأن تقدم الفعل على الخطاب، والضمير على المصلحة، والإنسان على الحسابات الباردة.

جماعة مثقلة بوطأة الاضطهاد:

يعد الروهينغا من أكثر الجماعات البشرية اضطهادا وتجريدا من الحقوق في عالمنا المعاصر، جماعة سُلبت هويتها، ونزعت عنها صفة المواطنة، وحوصرت لعقود في ولاية راخين بميانمار، بحرمان ممنهج من أبسط مقومات الحياة: فلا حرية تنقل، ولا حق في التعليم، ولا ضمان للرعاية الصحية، ولا أمان لوجود إنساني كريم. ثم جاء عام 2017 ليشكل الذروة المظلمة في تاريخ معاناتهم، حين نفذت القوات العسكرية في ميانمار ما أطلقت عليه عمليات التطهير، فكانت في حقيقتها فصلا دمويا من الإحراق الشامل للقرى، والاعتداءات الوحشية على النساء والأطفال، والقتل العشوائي الذي لا يفرق بين شيخ ورضيع. أمام هذا الجحيم المفتوح، لم يجد مئات الآلاف من الروهينغا سوى الهروب سبيلا، فغامروا بأرواحهم، وعبروا الحدود بحثا عن نجاة تحفظ لهم ما تبقى من إنسانيتهم.

ليست حدودا مغلقة بل أفق إنساني مفتوح:

في تلك اللحظة الفاصلة، اتخذت بنغلاديش قرارا لم يكن هيّنا ولا خاليا من الأكلاف. ففي ظل موارد اقتصادية محدودة، وضغط سكاني خانق، وتحديات تنموية متراكمة، ومخاطر مناخية متصاعدة، كان بوسعها أن توصد أبوابها وتعتصم بحسابات المصلحة الضيقة، غير أنها اختارت طريقا آخر، طريقا قدمت فيه الواجب الإنساني على كل اعتبار. لم تنظر إلى الهاربين من الموت من زاوية الوثائق المفقودة أو الأعباء المتوقعة، بل رأت فيهم بشرا يستحقون الحماية والكرامة. نساء وأطفال وشيوخ، بلا أوراق ولا مظلة دولية، وجدوا في بنغلاديش ملاذا لا يقاس فقط بما وفره من مأوى وغذاء، بل بما منحه من اعتراف صامت بإنسانيتهم، وحقهم الأصيل في الحياة.

"كوكس بازار" مختبر واسع لامتحان الإنسانية:

في أوخيا وتيكناف، على تخوم كوكس بازار، تشكل مشهد إنساني غير مسبوق، حيث قامت واحدة من أكبر حواضن اللجوء في العالم، لا بوصفها مجرد تجمعات من الخيام، بل كساحة كبرى لاختبار قدرة الإنسان على صون كرامة أخيه الإنسان في أحلك الظروف. ففي زمن وجيز، انبثقت منظومة متكاملة لتأمين الغذاء، وتقديم الرعاية الصحية، وإطلاق حملات التطعيم، وتوفير المياه الصالحة للشرب، وبناء مرافق الصرف الصحي، في سباق مع الزمن لتثبيت الحياة على حافة الانهيار.

ولم تغفل هذه الاستجابة عن مستقبل الأطفال، إذ شيدت آلاف المراكز التعليمية المؤقتة، كي لا تُترك أجيال كاملة فريسة للضياع، ولا يختزل مصيرها في ذاكرة الخيام والحرمان. وهنا، لم يكن التعليم ترفا إنسانيا، بل فعلا إنقاذيا، يحمي المستقبل من السقوط في العتمة.

وفي إدارة هذا المشهد الإنساني بالغ التعقيد، تقدمت بنغلاديش الصفوف، فجمعت بين القيادة والمسؤولية، وأحسنت نسج شبكة تنسيق فعالة مع المنظمات الدولية والهيئات الإنسانية غير الحكومية. وقد كشفت هذه التجربة أن الأزمات الكبرى لا تواجه وفرة بالموارد بقدر ما تواجه بحكمة التنظيم، وأن محدودية الإمكانات لا تعني عجزا حين تتكامل الإرادة والتخطيط.

الدين والإنسانية الجذر الأخلاقي للتعاطف:

ومن أعمق ملامح الدور البنغلاديشي في مأساة الروهينغا ذلك التفاعل الأخلاقي والديني الذي سرى في جسد المجتمع. ففي بيئة ذات أغلبية مسلمة، لم يكن التعاطف مع الروهينغا شعارا عابرا، بل إحساسا فطريا ترجم إلى أفعال، عبر الزكاة والصدقات والفطرة والمبادرات التطوعية. ولم تكن المساجد مجرد فضاءات للعبادة، بل تحولت إلى منابر للرحمة، ومراكز لبث الطمأنينة في نفوس المنكوبين.

أما القيادات الدينية، فقد اختارت أن تقف في الضفة المقابلة للعنف والانتقام، رافعة خطاب الصبر، ومؤكدة على قيم الإنسانية والعدل، في وقت كانت فيه مشاعر الغضب واليأس قابلة للاشتعال. وهو دور ظل في كثير من الأحيان بعيدا عن أضواء الإعلام الدولي، رغم كونه أحد الأعمدة الصامتة التي أسهمت في احتواء الأزمة، وحفظ التوازن الاجتماعي في مواجهة واحدة من أقسى المحن الإنسانية في عصرنا.

المجتمع المحلي سردية التضحيات الصامتة:

لم تكن مأساة الروهينغا عبئا ملقى على عاتق الدولة وحدها، بل امتد ثقلها ليطال المجتمعات المحلية التي وجدت نفسها، فجأة، في مواجهة واقع قاس لا خيار فيه ولا مهرب. ففي ربوع كوكس بازار، قبل كثير من السكان أن يدفعوا كلفة إنسانية باهظة، فتنازلوا عن أراض اعتاشوا منها طويلا، واضطربت مصادر رزقهم، واختل التوازن البيئي الذي كان يشكل إيقاع حياتهم اليومي. ومع ذلك، لم تنفجر المنطقة بصراعات اجتماعية عارمة، ولم تنزلق إلى فوضى الانتقام أو التنازع، بل سادها صبر لافت، وضبط نفس نادر، يعكس عمقا أخلاقيا راسخا في الوعي الجمعي.

هذا السلوك الهادئ من السكان المحليين لم يكن مجرد تحمل سلبي للأعباء، بل كان شريكا صامتا في صناعة الدور الإنساني الذي اضطلعت به بنغلاديش. فقد منح هذا التعاطي المتزن القيادة البنغلاديشية سندا مجتمعيا، ورسخ صورة إنسانية لا تصدر عن قرار رسمي فحسب، بل تنبع من نسيج اجتماعي قادر على التضحية حين تقتضيها القيم.

غير أن هذا المشهد لم يخلُ من تحديات جسيمة، فوجود أعداد هائلة من اللاجئين ألقى بظلال ثقيلة على الأمن والبيئة معا. غابات استنزفت، وتلال انهارت، ومخاطر جرمية برزت إلى السطح، بوصفها تبعات لا يمكن إنكارها. غير أن بنغلاديش لم تتعامل مع هذه الوقائع بعين الإنكار أو التسطيح، بل واجهتها بإدارة مسؤولة، سعت من خلالها إلى احتواء المخاطر دون التفريط في جوهر الالتزام الإنساني.

وفي هذا السياق، برزت معادلة دقيقة: كيف تصان كرامة اللاجئ دون أن يهدد استقرار الدولة؟ وكيف تستمر المساعدة الإنسانية دون أن تتحول إلى عبء أمني؟ وقد نجحت بنغلاديش، إلى حد بعيد، في حفظ هذا التوازن الدقيق، مثبتة أن الحكمة في إدارة الأزمات لا تقاس بوفرة الموارد، بل بقدرة الدولة والمجتمع معا على الموازنة بين الرحمة والحزم، وبين الواجب الإنساني ومتطلبات الأمن الوطني.

سؤال أخلاقي موجه إلى الضمير الدولي:

تتجلى أعظم مفارقات مأساة الروهينغا في أن الدولة التي لم تكن سببا في نشأتها، هي ذاتها التي اضطرت إلى حمل أثقل أعبائها. فبنغلاديش، التي لم تصنع جذور هذه الكارثة، وجدت نفسها في مواجهة تبعاتها الإنسانية القاسية، دون أن تتوسل بها مكسبا سياسيا أو توظفها ورقة في لعبة المصالح. بل مضت، بهدوء يليق بثقل المسؤولية، تطرق أبواب المجتمع الدولي بنداء واحد لا يتغير: حل عادل يعيد الروهينغا إلى ديارهم عودة آمنة، طوعية، تحفظ الكرامة ولا تهدر الحق.

وفي جوهرها، ليست هذه الأزمة مجرد ملف إنساني عابر، بل محك أخلاقي للنظام الدولي بأسره. إنها امتحان لصدق الالتزامات المعلنة بشأن حقوق الإنسان، ومنع الإبادة الجماعية، وحماية اللاجئين من أن يتحولوا إلى ضحايا منسيين على هامش الجغرافيا السياسية. فقضية الروهينغا تكشف، بوضوح مؤلم، المسافة بين الخطاب الأخلاقي الرفيع والممارسة الفعلية حين تغيب المصالح المباشرة، وتغدو المبادئ عبئا لا مكسبا.

لقد برهنت بنغلاديش، من خلال موقفها، أن القيادة الإنسانية لا تقاس بامتلاك القوة العسكرية، ولا بحجم النفوذ الاقتصادي، ولا باتساع الحضور الدبلوماسي. إنها، في جوهرها، فعل شجاعة أخلاقية، وتعبير عن تماسك اجتماعي، وتجسيد لرؤية دولة تدرك أن المسؤولية لا تكتمل إلا حين تقترن بالعدل. وبرغم كونها دولة نامية، فقد نجحت بنغلاديش في تقديم نموذج إنساني يستحق أن يتجاوز حدود الإشادة العابرة، ليكون موضوع نقاش عميق في الضمير العالمي.

إن دور بنغلاديش في أزمة الروهينغا ليس رواية دعائية صاخبة، ولا سردية صُنعت لتلميع الصورة، بل التزام إنساني هادئ، واقعي، طويل النفس، تشكل عبر الزمن وتكرس بالفعل لا بالقول. وفي عالم اعتاد أن يحول اللاجئين إلى أرقام جامدة وإحصاءات باردة، اختارت بنغلاديش أن تراهم بشرا أولا، وأن تتعامل معهم بوصفهم حياة ينبغي حمايتها لا عبئا ينبغي التخلص منه.

قد يعثر التاريخ، يوما ما، على تسوية سياسية تنهي هذه المأساة، وقد تتغير المواقف وتتبدل الحسابات. غير أن ما بات ثابتا بالفعل هو أن بنغلاديش قد رسخت اسمها في سجل الإنسانية، لا كدولة أدت واجبها فحسب، بل كضمير حي اختار أن يقف إلى جانب الإنسان، حين كان الصمت أسهل، والتجاهل أقل كلفة.