الاثنين، 6 يوليو 2026

دور الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في توحيد كلمة العلماء في العصر الحديث

 دور الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في توحيد كلمة العلماء في العصر الحديث

أحمد شوقي عفيفي




"وحدة العلماء هي المدخل إلى وحدة الأمة، وأن تكامل العقول وتلاقي الاجتهادات هو السبيل إلى مواجهة التحديات واستشراف المستقبل"


في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم الإسلامي، وما يحيط به من تحديات فكرية وسياسية وحضارية إلى جانب النوازل المتجددة التي تستدعي اجتهادا جماعيا رصينا، غدت الحاجة ملحة إلى مرجعية علمية تجمع شتات العلماء، وتوحد جهودهم، وتنسق مواقفهم تجاه قضايا الأمة. ومن هذا المنطلق، جاء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بوصفه مؤسسة علمية عالمية مستقلة تحمل رسالة توحيد الكلمة، وترسيخ منهج الوسطية، وإحياء فريضة الاجتهاد الجماعي، والإسهام في معالجة قضايا الأمة برؤية شرعية تجمع بين أصالة النص وفقه الواقع.

أولا: توحيد كلمة العلماء وحدة في المقاصد لا في الاجتهادات

لا يراد بتوحيد كلمة العلماء إلغاء التعدد الفقهي، ولا مصادرة الاجتهادات المعتبرة التي زخرت بها مسيرة الفقه الإسلامي، فالاختلاف المنضبط سنة علمية صاحبت الأمة منذ عهد الصحابة رضي الله عنهم، ثم اتسعت آفاقه مع نشأة المذاهب الفقهية، فكان مصدر ثراء فكري وفقهي، لا سببا للفرقة والخصومة. وإنما المقصود بتوحيد الكلمة أن يجتمع العلماء على أصول الإسلام وثوابته، وأن تتآزر جهودهم في القضايا الكبرى التي تمس الأمة، وأن يدار الخلاف الاجتهادي في إطار من الأدب والاحترام بعيدا عن التعصب والتنازع مع تقديم المصالح العليا للأمة على الاعتبارات الجزئية والخلافات الفرعية. ومن هذا الفهم انطلق الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، فجعل من جمع كلمة العلماء أحد أهم مقاصده، ففتح أبوابه لعلماء الأمة على اختلاف مذاهبهم ومدارسهم الفقهية والفكرية جامعا بينهم على المشتركات الكبرى والثوابت الشرعية، ومؤكدا أن تنوع الاجتهادات لا يتعارض مع وحدة الصف، بل يثري الفكر الإسلامي متى ظل منضبطا بأصول الشريعة وآداب الاختلاف.

ثانيا: جمع علماء الأمة تحت مظلة واحدة

لا يراد بتوحيد كلمة العلماء إلغاء التعدد الفقهي، ولا مصادرة الاجتهادات المعتبرة التي زخرت بها مسيرة الفقه الإسلامي، فالاختلاف المنضبط سنة علمية صاحبت الأمة منذ عهد الصحابة رضي الله عنهم، ثم اتسعت آفاقه مع نشأة المذاهب الفقهية، فكان مصدر ثراء فكري وفقهي، لا سببا للفرقة والخصومة


من أعظم ما حققه الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين أنه استطاع أن يجمع تحت مظلته نخبة من علماء الأمة من مختلف الأقطار والقارات ينتمون إلى مدارس فقهية وفكرية متنوعة، وتجمعهم رسالة واحدة هي خدمة الإسلام وقضايا المسلمين. وقد أوجد هذا التنوع العلمي فضاء رحبا للحوار، وتبادل الخبرات، وتقريب وجهات النظر، وتعزيز أواصر الأخوة والتعاون بين العلماء بما أسهم في ترسيخ ثقافة العمل العلمي الجماعي. ولم يكن مقصد الاتحاد إنشاء مذهب فقهي جديد أو صهر الاجتهادات في قالب واحد، وإنما بناء منصة علمية عالمية تلتقي عندها الكفاءات العلمية، وتتضافر فيها الجهود، وتتكامل فيها الخبرات من أجل بلورة رؤى شرعية رصينة تجاه القضايا الكبرى والتحديات المتجددة التي تواجه الأمة الإسلامية. وهكذا غدا الاتحاد جسرا للتواصل بين علماء المسلمين، ومنبرا لتعزيز وحدة الكلمة مع صون التنوع الفقهي والاجتهادي الذي طالما كان من عوامل ثراء الحضارة الإسلامية.

ثالثا: ترسيخ منهج الاجتهاد الجماعي

أدرك الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين منذ بواكير تأسيسه أن تعقيدات العصر وتشعب قضاياه لم تعد تحتمل الاجتهاد الفردي في كثير من النوازل، بل تستوجب تضافر العقول وتكامل الخبرات في إطار من الاجتهاد الجماعي المؤسسي. وانطلاقا من هذا الوعي، جعل الاتحاد من الاجتهاد الجماعي أحد المرتكزات الأساسية في رسالته العلمية، فأنشأ اللجان والهيئات المتخصصة التي تضم نخبة من الفقهاء والأصوليين إلى جانب خبراء في مجالات الاقتصاد والطب والقانون والعلوم الاجتماعية وغيرها إيمانا بأن الإحاطة بالنوازل المعاصرة لا تكتمل إلا بتكامل المعرفة الشرعية والخبرة التخصصية. وقد أثمر هذا المنهج عن إصدار دراسات وبيانات وفتاوى اتسمت بالعمق العلمي، ورجاحة النظر، ومراعاة مقاصد الشريعة ومتغيرات الواقع مما أسهم في ترسيخ مكانة الاجتهاد الجماعي بوصفه أحد أهم وسائل معالجة قضايا العصر، وعزز ثقة قطاعات واسعة من المسلمين بالمؤسسات العلمية التي تقوم على التشاور، وتبادل الرأي، واستفراغ الوسع في الوصول إلى الحكم الشرعي الأقرب إلى مقاصد الشريعة ومصالح الأمة.

رابعا: المؤتمرات والملتقيات العلمية

تعد المؤتمرات الدولية والملتقيات العلمية التي يعقدها الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين من أبرز روافد التواصل العلمي بين علماء الأمة، إذ تمثل منابر للحوار الرصين، والتشاور المثمر، وتبادل الرؤى والخبرات حول القضايا الفكرية والفقهية والسياسية والاجتماعية التي تشغل حاضر الأمة ومستقبلها.

ولا تقتصر هذه الملتقيات على عرض البحوث وتقديم الأوراق العلمية، بل تؤسس لثقافة الحوار العلمي المسؤول، وتفتح آفاقا واسعة للتواصل المباشر بين العلماء بما يسهم في إزالة كثير من أسباب التباعد وسوء الفهم، وتقريب وجهات النظر، وتعزيز روح الأخوة والتعاون، وبناء شراكات علمية راسخة تخدم قضايا الأمة، وتكرس العمل المؤسسي المشترك بين علمائها.

خامسا: توحيد المواقف تجاه قضايا الأمة

لم يقتصر دور الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين على جمع العلماء وتقريب رؤاهم، بل امتد إلى بلورة مواقف علمية جماعية إزاء القضايا المصيرية التي تشغل الأمة الإسلامية. فقد حرص الاتحاد على أن يكون صوتا علميا مسؤولا يعبر عن ضمير الأمة، ويقدم رؤية شرعية متزنة تستند إلى مقاصد الشريعة ومصالح المسلمين. وفي هذا السياق، أولى الاتحاد عناية خاصة بالقضية الفلسطينية، والدفاع عن المقدسات الإسلامية، ونصرة الأقليات المسلمة، وإغاثة الشعوب المنكوبة كما أسهم في ترسيخ منهج الوسطية، والتصدي لظواهر الغلو والتطرف، ومواجهة حملات الكراهية والإساءة إلى الإسلام بالحكمة والبيان. ومن خلال بياناته وقراراته الصادرة عن هيئاته العلمية، سعى الاتحاد إلى توحيد الموقف الشرعي في القضايا الكبرى، وتعزيز حضور الكلمة العلمية الجماعية بما يجسد مسؤولية العلماء تجاه أمتهم، ويؤكد رسالتهم في توجيه الرأي العام، وترشيد المواقف، والدفاع عن قضايا الإسلام والمسلمين في مختلف المحافل.

سادسا: ترسيخ ثقافة الوسطية والاعتدال

جعل الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين من الوسطية منهجا أصيلا في خطابه العلمي والدعوي انطلاقا من كونها السمة المميزة للشريعة الإسلامية، والقادرة على تحقيق التوازن بين الثبات على الأصول ومراعاة متغيرات الواقع. ولذلك دعا إلى الاعتدال ونبذ الغلو والتفريط، وإشاعة ثقافة الحوار بالحكمة والموعظة الحسنة، واحترام التنوع الفقهي والمذهبي في إطار الثوابت الشرعية. كما أكد الاتحاد في أدبياته وبياناته أن الاختلاف الفقهي المعتبر ينبغي أن يبقى مصدر إثراء للفكر الإسلامي، لا سببا للتباغض أو التنازع أو الإقصاء، وأن وحدة الأمة لا تتحقق بإلغاء التنوع، وإنما بحسن إدارة الاختلاف، وترسيخ قيم الأخوة الإسلامية، وتغليب المشتركات على مواطن الخلاف.

سابعا: إعداد جيل جديد من العلماء

وإيمانا بأن نهضة الأمة لا تستقيم إلا باستمرار عطائها العلمي، أولى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين عناية خاصة بإعداد جيل جديد من العلماء والباحثين، يحمل رسالة العلم والدعوة، ويواصل مسيرة الاجتهاد في ضوء مقاصد الشريعة ومتطلبات العصر. وفي سبيل ذلك، حرص الاتحاد على إشراك الشباب والباحثين في مؤتمراته وملتقياته العلمية، وإتاحة الفرصة لهم للتواصل المباشر مع كبار العلماء، والاستفادة من خبراتهم، والانخراط في الحوارات العلمية الرصينة بما يسهم في صقل ملكاتهم العلمية، وتنمية قدراتهم البحثية، وإعداد كوادر علمية مؤهلة لقيادة العمل الفكري والدعوي، وخدمة قضايا الأمة بعلم راسخ ورؤية متوازنة.

ثامنا: التحديات التي تواجه الاتحاد

من أبرز هذه التحديات اتساع دائرة الانقسامات السياسية، وتصاعد الاستقطابات الفكرية والإعلامية، وتباين الاجتهادات في بعض القضايا المستجدة فضلا عن الضغوط التي تتعرض لها المؤسسات الإسلامية في عدد من البلدان، وما يشهده العصر من نوازل متلاحقة تتطلب اجتهادا جماعيا متجددا، وقدرة دائمة على استيعاب المتغيرات


على الرغم مما حققه الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين من إنجازات ملموسة في خدمة العلماء وقضايا الأمة، فإن مسيرته لا تخلو من تحديات تفرضها طبيعة المرحلة وتعقيدات الواقع الإسلامي المعاصر. فمن أبرز هذه التحديات اتساع دائرة الانقسامات السياسية، وتصاعد الاستقطابات الفكرية والإعلامية، وتباين الاجتهادات في بعض القضايا المستجدة فضلا عن الضغوط التي تتعرض لها المؤسسات الإسلامية في عدد من البلدان، وما يشهده العصر من نوازل متلاحقة تتطلب اجتهادا جماعيا متجددا، وقدرة دائمة على استيعاب المتغيرات. غير أن هذه التحديات على جسامتها، لا تنتقص من أهمية الرسالة التي يضطلع بها الاتحاد، بل تؤكد الحاجة المتزايدة إلى مؤسسات علمية راسخة تجمع العلماء على الحوار والتشاور، وتعزز ثقافة التعاون والتكامل. ومن ثم يظل الحوار العلمي المسؤول، والاجتهاد الجماعي، وتقريب وجهات النظر، السبيل الأمثل إلى صيانة وحدة الأمة، وترسيخ الوعي، وبناء موقف علمي يجمع بين أصالة الشريعة وفقه الواقع.

يبقى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين تجربة علمية ومؤسسية رائدة في مسيرة العمل الإسلامي المعاصر بما اضطلع به من جهود في جمع كلمة العلماء، وإحياء روح الاجتهاد الجماعي، وتعزيز ثقافة الحوار والتعاون. ورغم ما يحيط به من تحديات، فإن رسالته تظل شاهدة على أن وحدة العلماء هي المدخل إلى وحدة الأمة، وأن تكامل العقول وتلاقي الاجتهادات هو السبيل إلى مواجهة التحديات واستشراف المستقبل. وما أحوج الأمة اليوم إلى ترسيخ هذا النهج حتى يظل صوت العلماء منارة هداية، وعنوان حكمة، وحصنا لوحدة المسلمين ونهضتهم.

أحمد شوقي عفيفي

المراجع:

1. الدكتور يوسف القرضاوي، الاجتهاد في الشريعة الإسلامية.

2. الدكتور يوسف القرضاوي، الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم.

3. الدكتور يوسف القرضاوي، فقه الأولويات.

4. الدكتور يوسف القرضاوي، الصحوة الإسلامية من المراهقة إلى الرشد.

5. الموقع الرسمي للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق