‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات الدكتور محمد الصغير. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات الدكتور محمد الصغير. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 5 يوليو 2026

لا مكان للإخوان!

 لا مكان للإخوان

محمد الصغير

"هلا وضعتم لكل سنة هدفا تحققونه كما شفيتم غليلكم من الإخوان؟"

القصة بدأت من 23 يوليو 1952 وليس من 3 يوليو 2013، فمنذ انقلاب ضباط الجيش على الملك فاروق، ومصر تعيش مرحلة حكم أسرة جديدة، هي الأسرة التي أزاحت الأسرة العلوية وأسست الملكية العسكرية، وحل أبناء الكتيبة محل أبناء القبيلة، وأصبح نظام الحكم الوراثي ليس بالعصبية النسبية، وإنما بالخلفية العسكرية.

فكما أن الحكم لا يخرج عن أبناء الأسرة المالكة، فكذلك لا تخرج السلطة عن سور الكتيبة، ومع حدوث أول شرخ في جدار المعسكر، استطاعت ثورة 25 يناير أن تنفذ منه، عندما بدأ مشروع توريث الحكم لجمال مبارك، وتعامل كولي عهد في آخر سني حكم والده. ونظرا لأن شهوة الحكم وسطوة الملك لا تعرف المجاملة، اجتمعت كلمة قادة الجيش على إفشال خطة التوريث، وأضمروا النية وانتظروا الساعة المواتية، ووجدوا في تحرك شباب يناير اللحظة المناسبة، لإزاحة الوريث المدني، فتخلى المجلس العسكري عن مبارك قليلا، وفتح الباب بالدرجة نفسها للشباب الثائر، الذين انضمت إليهم الجماهير المتشوقة للحرية والتغيير. وهنا اتسع الخرق على الراقع، وحاولت أجهزة الدولة تدارك الأمر وكبح جماح الثوار، باعتبار انتهاء مهمتهم التي تقاطعت لفترة مع نية القادة العسكريين، لا سيما بعد إعلان مبارك تنحيه عن رئاسة الجمهورية وتسليم السلطة للجيش، وإدراكه متأخرا أن أحلام جمال كانت نسجا من خيال، وجنت على ما تبقى من أيام حكم الرئيس وأسرته.

بدأت فترة حكم المجلس العسكري الانتقالية، وكانت أيام كر وفر بينه وبين مجاميع الثورة الذين أغرتهم الأنفال، وتركوا جبل الرماة "ميدان التحرير" وتفرغوا لتقسيم الغنائم، ولا أستثني من ذلك أحدا. واتبع المجلس العسكري سياسة فرق تسد، وسهّل مهمته ما بين فصائل الثورة المختلفة من تباين، بل ظهر الاختلاف الواضح بين أبناء الفصيل الواحد، فرأينا عدة أحزاب تمثل التيار الإسلامي، ولم تصبح القسمة ثنائية بين الإخوان والسلفية، وانتهت هذه المرحلة إلى نتيجتين:

الذي لا ينقضي منه العجب أن الدولة العسكرية الممتدة من 1952 حتى الآن، تريد أن تُحمّل سنة الحكم المدنية اليتيمة، إخفاقات سبعين سنة ماضية وقادمة، فبعد ثلاث عشرة سنة من استعادة العائلة العسكرية للحكم، لا حديث لهم إلا عن سنة حكم الإخوان


الأولى: نجاح د. محمد مرسي كأول رئيس مصري منتخب بإرادة حرة من الشعب

الثانية: أصبح رفقاء الميدان، هم فرقاء الثورة، وكل فريق يرى المجلس العسكري أقرب إليه من أخيه، وأن تحالفه معهم هو السبيل الموصل للحكم.

وأول من اقتنع بهذه النتيجة التيار الإسلامي، الذي كان واثقا من اختيار الجماهير له -كما حدث في كل الاستحقاقات الانتخابية- وأن الجيش هو صمام الأمان لضمان الوصول لصناديق الانتخابات. وبالفعل حصل على أغلبية مريحة في مجلس الشعب، ولكن شهر العسل لم يدم طويلا، لأن العسكري لا يرى الشرعية في صندوق الانتخابات، وإنما في صندوق الذخيرة.

ثم وقع التيار المدني وجبهة الإنقاذ في الشرك ذاته، حيث ظن أن الجيش سيزيح "حكم الإخوان" ويسلم لهم السلطة. والحق يقال، إن موقف العساكر من حكم المدنيين لا يختلف، سواء كانوا إسلاميين أو شيوعيين، وإنما استخدم العسكر التيار المدني كواجهة مؤقتة، ومنهم من أدرك ذلك مبكرا، ومنهم من أخذته العزة بالإثم حتى أصبح حبيس مطبخه، أو جليس أخواته !

إذا كان التخلص من الرئيس المنتخب وجماعته استغرق عاما كاملا، فإن التخلص من الغلاف المدني والرئيس المؤقت استغرق عاما آخر، حتى استردت العائلة العسكرية حكمها بعد سنة من ظل المستشار عدلي منصور، الذي اعتبره محللون محللا لعودة العصمة العسكرية.

مسلسل الانهيار والاستهتار بالدولة المصرية ومقدراتها، بدأ من الانفصال عن السودان، الذي يجمعنا معه التاريخ والجغرافيا، والنسب والنيل، ناهيك عن اللغة والدين، ثم أقام عبد الناصر وحدة مع سوريا، ظهر فشلها من قبل توقيعها، وتتابعت الهزائم على يد ضباط مغامرين كلهم دون الأربعين، وبلا سابقة سياسية أو قيادية، وظهر بينهم التكالب على السلطة مبكرا، وانقلبوا على كبيرهم محمد نجيب، وظل محبوسا ومهمشا حتى مات في عهد مبارك، بما يؤكد أنهم نظام واحد يتوارثون العداوة ويحافظون عليها، ومن اشتراكية عبد الناصر إلى انفتاح السادات، حيث خرج الشعب المطحون إلى انفتاح موهوم، استفادت منه مراكز القوى وأصحاب النفوذ، وظهرت طبقة جديدة من الحيتان والقطط السمان.

وقبِل الشعب شظف العيش أملا في إحراز الفوز وتحرير الأرض ورد العدوان، واستطاع قادة الجيش المصري تحقيق النصر وتحطيم الخط وعبور القناة، وجعلوا يوم العاشر من رمضان/ السادس من أكتوبر 1973 يوما لاستعادة العزة والكرامة، ولقّنوا العدو الإسرائيلي درسا كبيرا؛ لم يدم الفرح به طويلا، حيث أضاع السادات في كامب ديفيد ما حققه الجنود في الميدان. ومما يؤكد فداحة المصيبة أن الاتفاقية كانت سببا في استقالة ثلاثة من وزراء الخارجية في عهد السادات، وهم إسماعيل فهمي، ومحمد رياض، ومحمد إبراهيم كامل، بما يؤكد إجماع رجال الخارجية على رفضها، وانتهى الأمر برئيس الأركان وقائد العبور الفريق سعد الشاذلي باللجوء إلى الجزائر. وكما استمر السادات على خطى عبد الناصر في معاملة محمد نجيب، استمر مبارك في التمسك بالحكم الجائر الذي استصدره السادات ضد الشاذلي، وأدخله السجن لقضاء العقوبة، وقد كان رئيسه المباشر في حرب العبور!

استمر حكم العائلة العسكرية ثلاثين سنة فترة حكم مبارك، الذي لم يغير من قواعد حكم أسلافه شيئا، بل ألغى بعض هوامش الحرية التي سمح بها السادات، واسترد الوظائف التي كان يشغلها مدنيون كبعض المحافظين ورؤساء الهيئات، لصالح السادة اللواءات، وأصبحت كل الملفات الداخلية تديرها القيادات الأمنية، وجهاز مباحث أمن الدولة هو المسؤول عن مفاصل الدولة، وأصبح للشرطة فرع في كل الوزارات والمؤسسات؛ ولا أعني بذلك شرطة الآثار والسياحة أو شرطة السكة الحديد، وإنما أعني لواءات من الشرطة والجيش في الهيكل الأعلى للوزارات، وأقرب مثال على ذلك يوم دخلنا وزارة الأوقاف بعد ثورة يناير، وجدنا القطاعات السبعة التي تدير الوزارة، على رأسها سبعة لواءات من الجيش والشرطة.

وإذا كان هذا في وزارة الدعوة والمساجد، فلك أن تتخيل ما في سواها من الوزارات!

قد تظهر اختلافات شكلية في طريقة إدارة الحكم، أو تغيير الولاءات والانتقال بين المعسكرات، لكن ظلت العائلة العسكرية محافظة على أسس الحكم وأصوله، التي أرساها الآباء العساكر، وأهمها إهمال الكفاءات وتقديم الولاءات، وحماية منظومة الفساد والاستبداد، ومع تتابع حكم ولاة العهد العسكري، بدأ دور مصر الدولي والإقليمي في التراجع، وتسابقت عدة دول على وراثة مكانة أم الدنيا، بل انقلبت الصورة بالكلية، فأصبحت مصر الكبيرة في مقاعد المتفرجين، وتنتظر من يقرأ الفاتحة حتى تقول آمين.

لكن الذي لا ينقضي منه العجب أن الدولة العسكرية الممتدة من 1952 حتى الآن، تريد أن تُحمّل سنة الحكم المدنية اليتيمة، إخفاقات سبعين سنة ماضية وقادمة، فبعد ثلاث عشرة سنة من استعادة العائلة العسكرية للحكم، لا حديث لهم إلا عن سنة حكم الإخوان، حتى أخذ بعضهم الغرور وقلة الخبرة والدربة، فكتب كل ما تعانيه الدولة الآن وما يئن منه المواطن معلقا ذلك على شماعة الإخوان، فجاءت تعليقات المصريين قوية بل انتقامية، مما جعل وزير الأوقاف الحالي في ورطة، وحذف المنشور لاحقا من صفحة الوزارة.

كمية الإشاعات والسخافات التي ظهرت في ذكرى انقلاب 3 يوليو تؤكد أن نظام 30 يونيو لا يملك صورة نجاح جديدة، وليس عنده ما يقدمه للمواطن إلا فزاعة الإخوان المسلمين


هل يعقل أن يقال في الذكرى 13 لثورة 30 يونيو الحميدة، أن سبب ارتفاع الدولار من 7 جنيهات إلى 50 جنيها هو ثورة يناير؟ وأبسط ما يقال في ذلك: هل لم تستطع ثورة يونيو المجيدة في 13 سنة، أن تمحو ما فعلته يناير اللئيمة في سنة واحدة؟!

بعد 13 سنة من الحكم المنفرد ولا حديث لكم إلا عن الإخوان، وكيف نجحتم في إزاحتهم، وهذا معناه أنكم لم تقدموا شيئا بعد هذا الإنجاز (إن جاز التعبير)، وعودتكم للحديث عنهم محاولة فاشلة للتغطية على الفشل.

حديثك عن الإخوان لن يُشبع جوع الفقير، ولن يمنع تلوث المياه إن وجدت، ولن يخفف كثافة الفصول، أو يرفع جودة التعليم. المواطن المصري يريد سماع أخبار إصلاح المستشفيات المتهالكة، أو منع انتشار المخدرات المهلكة، ويريد حلا لعجزه عن توفير ضرورات الحياة. أخبار الجماعة -حرفيا- لا تسمن ولا تغني من جوع، والمواطن يريد أخبار المأكل والمشرب، وليس أخبار فضيلة المرشد..

حكَم الرئيس محمد مرسي سنة واحدة، ونجحتم فعلا في القضاء على التجربة في مهدها خلال عام واحد، فهلا وضعتم لكل سنة هدفا تحققونه كما شفيتم غليلكم من الإخوان؟

لو كان اهتمامكم في السنوات العشر المنصرمة بملفات الصحة والتعليم، وحقوق الإنسان الأساسية، كاهتمامكم بجماعة الإخوان، لكنتم الآن في مصاف الدول المتقدمة.

كمية الإشاعات والسخافات التي ظهرت في ذكرى انقلاب 3 يوليو تؤكد أن نظام 30 يونيو لا يملك صورة نجاح جديدة، وليس عنده ما يقدمه للمواطن إلا فزاعة الإخوان المسلمين، وانضم إلى أجنحة النظام الكسيرة، أناس طال عليهم الأمد فقست قلوبهم التي غطى عليها ران الغربة، وراودتهم أحلام العودة، فراحوا يجترون ما لفظه النظام، ويدندنون على أسطوانة الإخوان أملا في الوصول، حيث جربها زملاء لهم من قبل ونجحوا، وأصبحت الوصفة السحرية: أقصر طريق إلى قلب الكتيبة هو عداوة الإخوان، وكسب المعركة من أول جولة لها سلاح واحد هو التطاول على أحد الأستاذين: إما الأستاذ المؤسس حسن البنا، أو الأستاذ المفكر سيد قطب.

وأسجل هنا للتاريخ أن معركة النظام القادمة ليست مع الإخوان المسلمين أو الخصوم التقليديين، لأن القوم جاءهم ما يشغلهم، وفكرة الجماعات والتنظيمات على صورتها القديمة قد تجاوزها الزمن، ولا أحفل بها ولا أعول عليها، لكن لن تنجح أساليبكم العتيقة في التصدي لجيل الذكاء الاصطناعي وفرسان الإعلام الرقمي، وسيخرج لكم من العاصمة الحديثة موسى الجديد.

الاثنين، 16 مارس 2026

إيران ظالمة أم مظلومة؟

إيران ظالمة أم مظلومة؟

د. محمد الصغير

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين


"ضد عدوان إيران على جيرانها، ونقل الحرب إلى العمق الخليجي، واستهداف المنشآت المدنية وترويع الآمنين"                           


شرك القبور هو التعلق بدعاء الموتى ممن ينسبون إلى الولاية -بالحق أو بالباطل- وتقديم النذور لهم، وتخصصت جماعات دعوية في التخويف منه والتحذير من عاقبته. أما شرك القصور فهو تعلق أيضا بساكنيها، وحط الرحال على أعتابهم، والسعي في تحقيق الحظوة عندهم بالحق أو بالباطل. والتحذير من هذا النوع لا يقارن بالقسم الأول، لأن طريقه مخوفة، ولا يجرؤ عليه إلا سادة الشهداء، كما جاء بذلك الخبر عن سيد البشر صلى الله عليه وسلم حيث قال: سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى حاكم جائر أمره ونهاه فقتله". واستطرادا في هذه المسألة فإن كلمة الحق عند الحاكم العادل والاحتساب في حضرته، لا تقل خطورة عن أمر الحاكم الجائر ونهيه، وهذا عن واقع وتجربة وليس عن حدس وتخمين.

أردت من هذه المقدمة الطويلة الوصول إلى صورة قريبة من هذه المقابلة، ولكنها هذه المرة بين بلاط السلاطين ورغبات المتابعين، فإن كان علماء السلطان ودعاة البلاط ضبطوا أداءهم على هوى الحاكم، فإن من الدعاة من خضع لسلطان المريدين ورغبات الجماهير، وأصبح يقدم ما يطلبه المتابعون، ويشارك بما يرضيهم أملا في إعجابهم. ومن نوادر حكم الشيخ محمد الغزالي -وقد جمعتها من السبعين مؤلف في كتاب واحد- قوله: رغبات العوام لا تهادَن"، أي لا تسايَر وإنما ترشّد وتقاوَم.

كأن القسمة لا تكون إلا ثنائية فقط، وإذا لم تكن معي فأنت في المعسكر المعادي، وتنطلق عبارات التخوين، وتنتشر اتهامات من جنس المتأيرنين في مقابل المتأمركين. وبما أن الفضيلة وسط بين طرفين فهناك طريق ثالث ومنهج وسط، وليس بالضرورة أن أرابط في أحد الخندقين


وفي أتون المعركة الدائرة في بلاد المسلمين الآن، انقسم الناس إلى فريقين حمي بينهم الوطيس أكثر من وطيس الميدان، فالأول منهم مع إيران على أي حال، ويرى موقفها من دعم فلسطين يجب ما قبله ويغفر ما بعده، لأنها القوة الوحيدة في منطقتنا التي استطاعت الوقوف أمام الحملة الصهيو-صليبية الجديدة، ومعاملة ترامب معاملة الند سياسيا وعسكريا، ومن هنا فالوقوف معها محتم من كل وجه، وهو واجب الوقت.

والفريق الثاني يرى أصابع إيران ما زالت تقطر من دم السوريين، وكانت تأمل أن تكمل بالشام عقد العواصم العربية التي باتت تحت سيطرتها، وأنها وقفت مع الأمريكان في غزو العراق، ومن قبله في احتلال أفغانستان، وأننا في مرحلة ينتقم الله من ظالم بظالم، ثم ينتقم منهما جميعا، ونخرج من بينهم سالمين، كما تخرج الشعرة من العجين.

وكأن القسمة لا تكون إلا ثنائية فقط، وإذا لم تكن معي فأنت في المعسكر المعادي، وتنطلق عبارات التخوين، وتنتشر اتهامات من جنس المتأيرنين في مقابل المتأمركين. وبما أن الفضيلة وسط بين طرفين فهناك طريق ثالث ومنهج وسط، وليس بالضرورة أن أرابط في أحد الخندقين، لذا فإنني مع إيران في وقوفها في وجه الحملة الجديدة، التي ترمي إلى تغيير خريطة المنطقة وتسييد نتنياهو عليها، ضمن خطة ترامب للشرق الأوسط الجديد، والتي أسميتها مرحلة "ترامبياهو" كما كانت اتفاقية ‎سايكس-بيكو (1916) التي وقعتها بريطانيا و‎فرنسا لتقسيم مناطق النفوذ، وترسيم الحدود في الدول العربية إبان الحرب العالمية الأولى، والتي وقعها البريطاني مارك "سايكس" والفرنسي جورج "بيكو"، والآن مرحلة ‎ترامبياهو يسعى فيها الأمريكي ‎ترامب والصهيوني ‎نتنياهو لإعادة وحدة هذه الدول المقسمة، لكن تحت راية ‎إسرائيل الكبرى !

وفي الوقت نفسه أنا ضد عدوان إيران على جيرانها، ونقل الحرب إلى العمق الخليجي، واستهداف المنشآت المدنية وترويع الآمنين، وما أذكره عن استهداف الشوارع وأماكن السكان إنما أحدّث عن رأي العين وليس من شريط الأخبار، ولا يمكن أن أكون محايدا بين قطر وإيران، والصواريخ أراها بعيني، بل إن الحياد هنا معناه الخيانة لبلد يختار موقعه بعناية من القضايا العادلة، ويضرب في كل غنيمة صالحة بسهم، 

ستتوقف هذه الحرب لا محالة، والنصر والهزيمة في حالتنا يتجلى في أخذ الدرس والاستفادة من التجربة، فمن توقع العدوان من إيران قد أصبح شاهد عيان، ومن التمس كف عدوانها من الأمريكان، فهو كالمستجير من الرمضاء بالنار

كما أمّن كل مظلوم أوى إليه في القديم والحديث، حتى أصبح مضرب المثل في ذلك، واستُهدف بالقصف قبل بضعة أشهر من الصهاينة لأنه يستضيف قادة المقاومة، ويرعى ملف التفاوض بصدق وأمانة. لذا فأنا مع إيران "المظلومة" أمام هيمنة الصهاينة واستعلاء الأمريكان، وضد إيران "الظالمة" لقطر ودول الجوار، التي سعت لإيقاف الحرب بكل ما تملك.

وخلاصة القول: قديما جاء أبرهة الأشرم بالفيل لهدم الكعبة المشرفة، وصرف العرب إلى كنيسة القليس التي بناها في ‎اليمن، وجاء الآن دور أبرهة الأشقر -رمز حزبه الفيل- لهدم التاريخ وتغيير الجغرافيا، لتحقيق حلم ‎إسرائيل الكبرى فما ‎نتنياهو وعصابته إلا كتيبة متقدمة في جيش الإمبراطورية الأمريكية، التي آذنت شمسها بالمغيب، وسيأفل معها نجم ربيبتها اللقيطة عن قريب.

ستتوقف هذه الحرب لا محالة، والنصر والهزيمة في حالتنا يتجلى في أخذ الدرس والاستفادة من التجربة، فمن توقع العدوان من إيران قد أصبح شاهد عيان، ومن التمس كف عدوانها من الأمريكان، فهو كالمستجير من الرمضاء بالنار.

وفي الختام:

 فإن الله عز وجل ذكر ألوانا في القرآن غير الأبيض والأسود، فلماذا نحصر الاختيار في أحد اللونين، وهناك في غيرهما ما يسر الناظرين؟ وأنكى ما في الموضوع أن أصحاب الاتجاهات الحادة، والاختيارات المتطرفة، لو وافقتهم العمر كله وخالفتهم مرة واحدة، لقالوا: ما رأينا منك خيرا قط..!

لذا في معركة الوعي كن صوت الضمير لا مطية الجماهير، وأخلص العمل فإن الناقد بصير، وعبّر عما تعتقده وتدين به، وما تحب أن تلقى الله عليه

الاثنين، 2 فبراير 2026

استخرج الفاعل من حرب السودان إلى تقسيم الصومال

 استخرج الفاعل من حرب السودان إلى تقسيم الصومال

د. محمد الصغير

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين


مشاريع التقسيم أصبحت واقعاً على الأرض، وبدأت ملامحها تتشكل في بعض الأقطار، بل أغرى نجاح بعضها إلى استنساخ صورة منها في بلاد أخرى، كما في حالة اللواء خليفة حفتر في ليبيا، الذي أصبح شريكاً وطريقاً لاستنساخ تجربته في السودان، ولعلنا نتفهم ولع كبار الضباط بالسلطة، وحرصهم على الوصول إلى سدة الحكم، لا سيما وهم يرون أن مجرد الخلفية العسكرية يكفي كمؤهل سائغ للرئاسة، ولكن في حالة حميدتي الذي بلا خلفية، إلا ما لبسه من بزة عسكرية مزورة، لا يسندها تعليم أو تدريب، إلا ما كان في بيع الإبل وقطع الطريق، فمن الذي فتح عينه ومناه بسلخ دارفور وحكمها؟

ينبغي أن تكون نظرتنا إلى مشاريع التمرد والانفصال نظرة واحدة، وأن نجاحها في مكان سيصب حتماً في مصلحة بقية المشاريع، ولا نحتاج في إثبات ذلك إلى إقناع أو تدليل، لأن الهدف من وراء التقسيم جلي واضح، كما أن الجهات الداعمة تجاوزت مرحلة التخفي والإدارة من وراء ستار، إلى الظهور العلني والوضوح إلى درجة الفضوح.

أصبح من المسلمات الواضحات أن حرب السودان تسعرها الإمارات، وأن حميدتي وإخوانه ليس لهم من الأمر إلا تنفيذ التعليمات، والحفاظ على صورة أن الخلاف اقتتال داخلي بين السودانيين، والواقع أن طبيعة الشعب السوداني وتركيبة مجتمعه، لا يمكن أن تقبل بصورة هذا النموذج، لذا كانت عامة المليشيات من فيالق المرتزقة، التي تؤجرها الدول، أو تستثمر فيها شركات المافيا العابرة للقارات، وقد أعلن رئيس كولومبيا على وسائل الإعلام أسفه على استخدام بعض أبناء شعبه كمرتزقة في حرب السودان، وإلا فمن أين لحميدتي بتكلفة هذه الحرب المستعرة على مدار عامين كاملين، ورواتب قوافل المرتزقة المتدفقة من كل صوب وحدب، وإذا كان لديه من مخزون بيع الذهب المسروق ما يؤمن له ذلك، فمن أين جاء بطواقم تسيير المسيرات وإدارة الرادارات، وقد فشل قبل الحرب في إتمام الشهادة الابتدائية !

إن الدعم السخي الذي تقدمه أبوظبي لعصابة حميدتي جعلت من مليشياته اسماً على مسمى: “الدعم السريع”، ورأيناها تمثله في الرباعية الدولية وتتحدث نيابة عنه، واكتملت صورة المشروع بصورة متسارعة وخطوات متتابعة، من خلال زعزعة استقرار حضرموت في اليمن، ودعم مشاريع الانفصال هناك، ثم جاء القرار الذي قطع جهيزة كل خطيب، وأزاح ورقة التوت عن سوأة التخادم مع إسرائيل وأنها تلعب دور الكفيل، بإعلانها الاعتراف بانفصال إقليم صومالاند عن دولة الصومال، وهو أول اعتراف من نوعه، وكان القشة التي ألهبت ظهر البعير، وكشفت اللثام عن بشاعة المخطط الحقير، وسارعت الدول العربية بإصدار بيان موحد، تستنكر فيه هذه الخطوة الصهيونية، وكذلك فعلت بعض الدول الإسلامية، ولم يخرق الإجماع العربي إلا أبوظبي ومن يدور في فلكها من الدول التي يصدق فيها قول الشاعر :

ويقضى الأمر حين تغيب تيم ** ولا يستأمرون وهم شهود

وليس بعيداً عن هذا كله ما يحدث من حديث الصهاينة العلني باسم الدروز في سوريا، وإمدادهم بما يساعدهم على دعوى الانفصال التي يقودها الهجري، وأصبح من توضيح الواضحات بيان أن هذه المشاريع خطوات ممهدة لما يسعى “نتن ياهو” إلى تحقيقه فيما يسمونه: “إسرائيل الكبرى”، ولو نظرت إلى هذه النقاط على الخريطة ستجد أنها بعيداً عن مقصد التقسيم والتفتيت، ستجد فيها صورة الحصار والتضييق على نقاط القوة الكبرى في الأمة: مصر والسعودية وتركيا، واستهداف مصر مضاعف وأكثر من غيرها، فهي الجائزة الكبرى ومن نيلها يبدأ حلم الصهاينة المزعوم، حيث أصبحت بين تمرد حفتر في ليبيا، ومليشيات حميدتي في السودان، وعصابة أبو شباب عملاء الاحتلال في غزة، ثم جاءت الضربة الأخيرة في عمقها الأفريقي حيث أرض الصومال.

ومما يحسب لرجال المقاومة في غزة أنهم طبقوا سنة غزوة الأحزاب، وكروا مبكراً لاستئصال خيانة بني قريظة، بقطع رأس الفتنة واستهداف ياسر أبو شباب، مما ألقى الرعب في نفوس بقية الشباب!

ظهرت في الأيام الأخيرة تصريحات مصرية تدل على استفاقة متأخرة بشأن حرب السودان، وهي لا شك خير من استمرار الغيبوبة، فإن نار الحرب ليست في دولة جوار، وإنما في عمق داري، ووصلت إلى أكمامي وذيل أثوابي.

حجم الجرائم التي وقعت في السودان في العامين الماضيين، أكبر من جرائم حقبة الاحتلال والاستعمار، فلم يكتب تاريخ بلادنا عن قتل مليون شخص وتهجير عشرة ملايين إلا في حقبة بشار وحلفائه، ويبدو أن حميدتي وحلفائه يتطلعون إلى تحطيم أرقام جزار الشام، وتصدر قائمة جرائم الحرب والإبادة الجماعية، التي لم تتخذ الدول العربية أي خطوات جادة لإيقافها، حتى أصبحت السودان على أبواب أندلس جديد، يقال بعدها: كان هنا سودان.

فهل تتسع دائرة الإفاقة العربية، وتتلاقى الجهود لاستنقاذ البلد الكبير من شبح التقسيم، ويحدث الدعم اللائق من الأشقاء لجيش السودان وحكومته.


الجمعة، 12 ديسمبر 2025

في ذكرى وفاة الصديق

 في ذكرى وفاة الصديق

د. محمد الصغير

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين


من سُنن الله الجارية في مخلوقاته تفضيل بعضها على بعض، حتى في صفوة الخلق قال الله تعالى: ﴿ تِلۡكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضࣲۘ﴾ [البقرة: 253]، وهذا التفضيل هو بيان مكانة وتحديد منزلة، وليس من باب الانتقاص أو التقليل من الآخرين، وفي هذا الإطار وضع شراح الحديث قول النبي الأكرم ﷺ: “أنا سيد ولد آدم ولا فخر”.

وذكر القرآن الكريم درجات من الفضل تأتي بعد درجة النبوة، ﴿وَمَن یُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ مَعَ ٱلَّذِینَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَیۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِیِّـۧنَ وَٱلصِّدِّیقِینَ وَٱلشُّهَدَاۤءِ وَٱلصَّـٰلِحِینَۚ وَحَسُنَ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ رَفِیقࣰا﴾ [النساء: ٦٩]. 

ومن المجمع عليه سلفاً وخلفاً أن درجة الصدّيقية في هذه الأمة، أول من تقلدها وعُرف بها هو صاحب النبي الأول وخلفيته الأوحد، الذي إذا أطلق وصف الصديقية لا ينصرف إلا إليه: ﴿وَٱلَّذِی جَاۤءَ بِٱلصِّدۡقِ وَصَدَّقَ بِهِۦۤ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: 33].

وخلصت من المعايشة المتأنية لحياة أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى أنه الصاحب المفرد والصاحب المطلق، فمعنى الصحبة يقتضي الاشتراك والخلطة، لكن لم ينفرد بصحبة رسول الله وبمكانته عنده كما اتفق لأول رجل آمن به دون سؤال أو تردد، ومنقبة الهجرة وليلة الغار فيهما من الفضل ما تقصر عن بلوغه الآمال: ﴿ ثَانِیَ ٱثۡنَیۡنِ إِذۡ هُمَا فِی ٱلۡغَارِ إِذۡ یَقُولُ لِصَـٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40].

فكل الصحابة اشتركوا في فضل الصحبة وحضور المجالس والمشاهد مع رسول الله ﷺ، لكن لم يحصلها منفرداً إلا صهره ووزيره في حياته وخليفته بعد وفاته، كما أنه الصاحب المطلق، فإذا أُطلق لفظ الصحبة فلا ينصرف إلا إليه، وقد نزلت آية الهجرة في سورة التوبة بعد واقعة الغار ببضع سنين، فلما سمعها الناس ما قال أحد: مَن صاحِبه؟ ولا قال أحد منهم لـمّا قال “دعوا لي صاحبي”: مَن تقصد من أصحابك يا رسول الله؟

وقد أثبت النبي ﷺ له هذا التفرد على إطلاقه، فقال: “ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر”، وقال ﷺ: “ما لأحد عندنا يدٌ إلا وقد كافأناه بها، ما خلا أبا بكر، فإن له عندنا يداً يكافئه الله بها يوم القيامة”.

وأبو بكر بين الصحابة كسيدنا إبراهيم بين الأنبياء، فما زكى القرآن الكريم أحداً بعد النبيين كما زكى صاحب نبينا الكريم: ﴿وَسَیُجَنَّبُهَا ٱلۡأَتۡقَى﴾ [الليل: ١٧] إلى آخر السورة.

وذكر الإمام الرازي في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَلَا یَأۡتَلِ أُو۟لُوا۟ ٱلۡفَضۡلِ مِنكُمۡ وَٱلسَّعَةِ﴾ [النور: 22] أن فيها عشر فضائل لأبي بكر رضي الله عنه.

= أبو بكر الخليفة

برزت أفضلية أبي بكر وتأكدت مكانته عندما تولى الخلافة، فثبّت أركان الدولة وحفظ الله به الملة، وقام بالأعمال المؤسسة لدولة الراشدين، واضطلع بالمهام التي لا يَقوى عليه غيره ولا يتحملها سواه، وبدأ ذلك بحسم نبأ وفاة رسول الله ﷺ، ثم مكان دفنه وغسله والصلاة عليه، وتقسيم ميراثه من بعده.

ثم اتخاذ أجرأ القرارات في أصعب الأوقات، حيث قرر مباشرة إنفاذ جيش أسامة الذي عقد النبي ﷺ لواءه، وقتال المرتدين ومانعي الزكاة، وحفظ لنا التاريخ تخوف عمر بن الخطاب من هذه الحرب في هذا الظرف، وكيف كان يفكر في تأمين المسلمين وأمن الدولة، ولكن الخليفة كان ينظر إلى حماية العقيدة ووأد الفتنة، وجعل شعاره: «والله لا ينتقص الإسلام وأنا حي».

الاثنين، 13 أكتوبر 2025

إيقاف الحرب على غزة: بين الفرح والحذر

 إيقاف الحرب على غزة: بين الفرح والحذر

رئيس الهيئة العالمية لأنصار النبي، وعضو مجلس الأمناء بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

مع ذكرى مرور عامين على «طوفان الأقصى»، تم الاتفاق في مدينة شرم الشيخ على إيقاف الحرب على غزة، بعد موافقة حركة حماس على الملامح العامة لـ«خطة ترامب» عبر وسطاء من دول عربية وإسلامية. ولم يكن أكثر المتفائلين بالمقاومة يتوقع صمودها طوال هذه الفترة. ومع بداية الحرب، كان يُقال إن رجال المقاومة على أتم الاستعداد لخوض المعركة سنةً كاملةً، من باب ذكر أطول الآجال، واستنادًا إلى أن الحروب السابقة لم تتجاوز مدَّتُها شهرين. ومع دخول الدول الكبرى على الخطّ ومشاركتها فعليًّا في ميدان القتال إلى جانب جيش الاحتلال، بقيت المقاومة ثابتة في أماكنها، وقادرةً على إيقاع الخسائر في جنود عدوها وعتاده؛ بل حاولت أكثر من مرة أسر جنود جدد، كان آخرها قبل يوم واحد من اتفاقية وقف إطلاق النار.

بعد أن وضعت الحرب أوزارها، ومن أجل الحكم بالنصر أو الهزيمة، لا بد أن ننظر إلى المعركة من كل جوانبها. فالأبجدية العسكرية تقول إن الجيوش النظامية تنتصر بتحقيق أهدافها من الحرب، أما انتصار حركات التحرر الوطني وكتائب المقاومة فيكون بمنعها للجيوش الغازية من تحقيق أهدافها. وبتطبيق هذه القاعدة على حرب غزة، يظهر لنا أن أهداف الاحتلال المعلنة تلخّصت في: 

القضاء على حركة حماس، وتغيير شكل المنطقة في اليوم التالي للحرب، وإنقاذ الأسرى الذين أسرتهم المقاومة. 

ومن اللحظة الأولى وطوال عامين، أعلنت المقاومة الفلسطينية أنه لا عودة للأسرى إلا مع إيقاف الحرب وإبرام صفقة تبادل لإخراج المعتقلين الفلسطينيين. والحاصل أن نتنياهو لم يحقق شيئًا من أهدافه، وأنهم رجعوا للتفاوض مع حماس، التي تفاوض منطلقةً من ثوابتها ومبادئها، وينتظر الكلُّ ردها المتأنّي على ما يُطرح عليها. وقد حقّقت حماس أهداف ضربتها الاستباقية بنجاح، حيث أوقفت عمليات هدم وتخريب المسجد الأقصى، وأوقفت قطار التطبيع الذي كان سينطلق من عواصم كبرى لها أحجام وازنة.

كذلك، ميزان النصر في الإسلام له صورٌ متعددة، من أبرزها الوفاء بالعهد والثبات على المبدأ، كما في قوله تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} (الأحزاب: 23). 

والمقصود بـ«قضى نحبه» في الآية أي وفّى نذرَه وحقق عهده. ونزلت هذه الآية في أعقاب غزوة أحد، فاشرأبت أعناق الصحابة لمعرفة من الذي عنَاه القرآن بهذا الوصف، فلقّنوا أعرابيًّا السؤال فسأله رسول الله ﷺ فأعرض عنه حتى دخل من الباب رجل، فقال رسول الله ﷺ للسائل: «هذا الذي قضى نحبه». فنظر الناس فإذا هو طَلْحَةُ بنُ عبيدِ الله. لذا كان أبو بكر رضي الله عنه يقول: «أحد كله لطلحة». وعلّق عثمان بن عفان بقوله: «طلحة ممن قضى نحبه، وأنا ممن ينتظر».

غزوة غزة وغزوة الأحزاب

وحالة الحرب على غزة أشبهت غزوة الأحزاب، التي ختمها الله بقوله: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ۚ وَكَفَىٰ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا} (الأحزاب: 25). 

وبالنظر إلى الأهداف، فإن الصهاينة لم ينالوا خيرًا ولم يحققوا هدفًا؛ فأدبروا ووجوه الأرض تلعنهم * كباطلٍ من جلال الحق منهزم.

ومن هنا كان الفرح المشروع بثبات المقاومة وبسالتها، وصمود شعب غزة الذي ظهر على نحو لم يسبقه مثال: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} (الروم: 4–5). الفرح مع الحذر هما شعار المرحلة، وينبغي أن نحافظ على هذا الاتزان، وأن يكونا كجناحي طائر. فهذا الفرح لا ينافي الحذر، لأننا على يقين من غدر العدو ونقضه للعهد، وهي صفة وبيئة وعادة دنيئة تجري في جينات القوم: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (55) الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ} (الأنفال: 55–56). 

والتعبير القرآني الصريح يستخدم ألفاظ التأكيد والعموم: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} (البقرة: 100). فإذا عاهد فريقٌ، غدر الفريق الثاني. وفي المقابل، فإن تمام الوفاء من الإيمان، ولا إيمان لمن لا عهد له.

وقد ورد عن رسول الله ﷺ: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، يجير عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم». ولما أجارت أم هانئ بنت أبي طالب رجلًا في فتح مكة، وقالت لرسول الله ﷺ: «قد أجرت فلانًا، وإن عليًّا يزعم أنه سيقتله»، قال رسول الله ﷺ: «قد أجرنا من أجرتِ يا أم هانئ». وكتب أبو عبيدة بن الجراح -وهو قائد في جيش عمر رضي الله عنهما- يسأل عمر: «إن عبدًا أمّن أهل بلد في العراق؟»، فكتب إليه عمر: «إن الله عظيم الوفاء، فلا تكونوا أوفياء حتى تفوا… فوفّوا لهم وانصرفوا عنهم».

ماذا فعل الطوفان

وأصبح يتردد الآن هذا السؤال: ماذا فعل الطوفان؟ إضافة إلى إيقاف هدم الأقصى وإيقاف قطار التطبيع، فإن معركة «الطوفان» هي نقطة فاصلة وبداية فعلية لمشروع التحرير، الذي لا بد له من جولات كما هو ثابت في سجلات التاريخ؛ التاريخ سجّل أن العاقبة دائما لأصحاب الحق وإن طالت المدة. فإن أمتنا هي صاحبة أطول مشروع تحريرٍ، نتج عنه مليارات التضحيات عبر قرون؛ 

ففي نضالات التحرر المعاصرة أمثلة جليّة: 

هزمت الجزائر فرنسا بعد صراع طويل، وهزمت حركاتٌ أخرى قوى احتلالٍ معتبرة. 

وفي الحاضر القريب، انهزمت أمريكا ومعها حلفاؤها في مشاريع احتلال طويلة الأمد، واستطاعت حركة طالبان توحيد كل التراب الأفغاني بعد حروب استمرت عقودًا.

وقد ذكر شيخ المجاهدين الأستاذ المؤسس أحمد ياسين في شهادته على العصر (1998) بشارة بزوال الاحتلال الصهيوني بدايةً من عام 2027. وكنت ممن لا يتوقف عند هذه البشارة، لا أنكرها ولا أنساها، حتى حدث «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر 2023. وبعد عامين، وفي 7 أكتوبر 2025، جلس العالم يتفاوض مع حماس على إيقاف الحرب. وعندها ترددت البشارة في نفسي ولهج بها لساني، وأصبحت أنتظرها في 7 أكتوبر

ومما يمدّني بهذا اليقين أن أصحاب سؤال «ماذا فعل الطوفان لفلسطين؟» هم أنفسهم الذين قالوا سابقًا: «ماذا قدمت الثورة لسوريا إلا الدمار؟» والآن نردُّ بكل افتخار: إن باب الحرية الذي دقّه السوريون، وخضبته دماء شهدائهم، فُتح على مصراعيه، وملأ كل سوريٍّ من هواء الحرية رئتيه. وهذا ما جعل قائد الطوفان يردّد قبل استشهاده ذات الشعار: 

«وللحرية الحمراء باب * بكل يدٍ مضرجةٍ يدق».

رد حماس على خطة ترامب بين الخذلان والإذعان