‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 3 أكتوبر 2024

القلب المريض بالنفاق

 

القلب المريض بالنفاق



للقلوب أمراض كما للأجساد أمراض، وأمراض القلوب أشد ضررا من أمراض الأجساد؛ إذ إن فساد القلب يفسد على العبد آخرته، ولا يصلح له دنياه. وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تتناول أمراض القلوب وأوصاف المصابين بها. وأعظم مرض للقلوب: النفاق؛ لأن المصاب به يعيش بشخصيتين


الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهـد أن محمداً عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:1]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا *  يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71].

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 أيها الناس: للقلوب أمراض كما للأجساد أمراض، وأمراض القلوب أشد ضررا من أمراض الأجساد؛ إذ إن فساد القلب يفسد على العبد آخرته، ولا يصلح له دنياه. وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تتناول أمراض القلوب وأوصاف المصابين بها. وأعظم مرض للقلوب: النفاق؛ لأن المصاب به يعيش بشخصيتين متناقضتين، فهو مع المؤمنين بلسانه، ومع أعدائهم بقلبه وأعماله. قال الله تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: 8 - 10]. وفي ازدواج شخصيتهم قول الله تعالى ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: 14]، وحذر الله تعالى المؤمنين من الثقة فيهم فقال سبحانه ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: 119]، وقال تعالى ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ [آل عمران: 120].

 ومن علامات القلب المريض بالنفاق: أن صاحبه يوالي أعداء المؤمنين، ويعتذر في موالاته لهم بإرادة الحظوة عندهم؛ لاحتمال أن تكون الغلبة لهم ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة: 52]. مرضت قلوبهم، فتذبذبت مواقفهم، فلا هم مع المؤمنين ولا مع الكافرين ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النساء: 143]، وقال تعالى ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا * وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 72- 73].

ومن علامات القلب المريض بالنفاق: أن صاحبه يُخذِّل ويرجف في المؤمنين، ويبث الشائعات في أوساطهم؛ للفت فيهم، وإضعاف معنوياتهم ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ [الأنفال: 49]، وفي مقام آخر ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: 12].

ومن علامات القلب المريض بالنفاق: ضيقه بالقرآن الكريم وسوره وآياته وأحكامه، فيزداد بها مرضا إلى مرضه؛ لفساد قلبه عن تلقي أنوار الوحي الرباني ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: 124- 125]، وفي آية أخرى ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [محمد: 20].

ومن علامات القلب المريض بالنفاق: أن صاحبه متثاقل عن الطاعات؛ كما قال الله تعالى في وصف المنافقين ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: 54]، وقال تعالى ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ * إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: 44- 45]  وقال تعالى ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 75 - 77].

ومن علامات القلب المريض بالنفاق: استهزاؤه بشيء من دين الله تعالى؛ كما أخبر الله تعالى عن المنافقين الأولين بقوله سبحانه ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: 64 - 66].

ومن علامات القلب المريض بالنفاق: أنه مصروف عن الحق ولو كان يحضره ويراه ويسمعه، ولو كانت السور تتنزل بفضحه وكشف سره؛ فإن المنافقين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حضروا تنزل الوحي، وسمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم، ورأوا الآيات التي تدل على صدقه وتفضحهم، ومع ذلك قضوا أعمارهم في الكيد بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، ومن جاء بعدهم من مرضى القلوب بالنفاق لن يكونوا إلا مثلهم أو أشد منهم في الكيد بالمؤمنين وأذيتهم ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: 127].

ومن علامات القلب المريض بالنفاق: أن صاحبه من أجزع الناس في المصائب؛ لقول الله تعالى ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: 11]، فلما فتك النفاق بقلوبهم لم يهتدوا في المصائب للرضا والتسليم. وقد بين الله تعالى أن من حكمته سبحانه في المصائب العامة التي تصيب المسلمين بتسلط الأعداء عليهم تمحيص القلوب، وتمايز الصفوف، وبيان المؤمنين من المنافقين بالابتلاء العظيم؛ فقال سبحانه ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ * الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: 166 - 168].

نسأل الله تعالى أن يصلح قلوبنا وأعمالنا، ونعوذ به سبحانه من النفاق والرياء والسمعة، ونسأله تعالى أن يكفينا شر المنافقين.

وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم....

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281].

أيها المسلمون: مهما حاول مرضى القلوب بالنفاق إخفاء أنفسهم؛ فإن محاربتهم لدين الله تعالى، ومعاداتهم لأوليائه سبحانه، واتباعهم لما يسخطه عز وجل؛ يفضح سريرتهم، ويهتك سترهم، ويبين لأهل الفراسة حالهم فلا تخفى على المؤمنين، قال الله تعالى في وصفهم ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 28-30].

ومن علامات القلب المريض بالنفاق: تتبع صاحبه للشبهات، وضرب المحكمات بالمتشابهات؛ لإسقاط فريضة، أو إباحة محرم؛ كما قال الله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: 8]،  وقال تعالى ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: 53].

ومن علامات القلب المريض بالنفاق: ضيقه بحكم الشرع، وتفضيله حكم الطاغوت عليه؛ كما قال الله تعالى فيهم ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: 60- 61]، وقال تعالى ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ [النور: 48 - 50]، فمن وجد في قلبه شيئا من حرج في حكم من أحكام الشريعة؛ فذلك من علامات مرض قلبه. فعلى العبد أن يخاف النفاق على نفسه، ويتفقد قلبه لئلا يمرض وهو لا يشعر؛ كما كان الصحابة رضي الله عنهم يفعلون، قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ رحمه الله تعالى: «أَدْرَكْتُ ثَلاَثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ».

وصلوا وسلموا على نبيكم...


الاثنين، 19 أغسطس 2024

التثبت والتبين

التثبت والتبين

د. إبراهيم بن محمد الحقيل



ومن بلاء عدم التبين نقل التهم في آحاد الناس أو في جماعة منهم؛ لمجرد أن الخبر ورد إلى جواله في رسالة، أو عثر عليه في موقع من المواقع، ولا سيما إذا كان خبرا غريبا، فيسعى لنشره في معارفه لينال قصب السبق عندهم، ويظفر بحظوتهم، وقد يكون خبرا مكذوبا آثما، يفري ع


الحمد لله الملك الحق المبين؛ أنار الطريق للسالكين، وأوضح السبيل للسائرين، وأقام حجته على الخلق أجمعين، نحمده حمد الشاكرين، ونستغفره استغفار التائبين، ونسأله من فضله العظيم؛ فهو الجواد الكريم، البر الرحيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ رب العالمين، وجامع الخلق أجمعين، للحساب والجزاء يوم الدين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله النبي الأمين، والبشير النذير، والسراج المنير، والهادي إلى صراط مستقيم؛ صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا؛ فإن الموعد قريب، وإن الحساب عسير، وإن الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فاعملوا ما ينجيكم في ذلك اليوم العظيم ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ ‌خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: 18].

أيها الناس: من الأخلاق السامية، والصفات العالية، التي ينجو بها صاحبها من الورطات، ويتقي كثيرا من الإحراجات؛ التبين في الأمور، والتثبت في الأخبار، ولا سيما في هذا الزمن الذي يطير الخبر فيه كل مطار، فيبلغ كل الأقطار، حتى يصل إلى القرى والهجر والبوادي، بفضل وسائل التواصل السريع، والأجهزة الذكية المحمولة مع الإنسان على الدوام، ولا تفارقه في يقظة ولا منام، فأول ما يستيقظ عليها، وآخر ما ينام عليها، وقد أخبر النبي صلى عليه وسلم عن عذاب جملة من أهل الكبائر فرأى صلى الله عليه وسلم رجل يعذب بتقطيع وجهه عذابا بشعا أليما، فسأل عنه فقال الملكان المصاحبان له «وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ، ‌يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إِلَى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ، فَيَكْذِبُ الْكَذْبَةَ تَبْلُغُ الْآفَاقَ» رواه البخاري. ويكفي هذا الحديث زاجرا لكل من ينقل الأخبار، أو ينشرها في وسائل التوصل الجماعي؛ أن يتثبت قبل أن ينشر، ويتبين قبل أن يكتب أو يقول؛ لئلا يعذب بهذا العذاب بسبب نقل أخبار كاذبة تبلغ الآفاق.

وكثيرا ما يكون الكذب على الله تعالى، أو على رسوله صلى الله عليه وسلم؛ وذلك بنقل أحكام تنسب للشريعة وهي غير صحيحة؛ كمن ينشر إباحة محرم، أو إسقاط واجب، أو تفسير آية على غير وجهها، أو ينشر حديثا مكذوبا، أو يدعو الناس إلى عمل غير مشروع، وما أكثر ما يتناقله الناس في هذا الباب، ولا يدركون خطورة هذا الفعل؛ فهو داخل في الكذب الذي يبلغ الآفاق؛ كما أن صاحبه متوعد بشديد العذاب؛ لأنه قال على الله تعالى بلا علم، والله تعالى يقول ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ‌الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33]. ونقل الأحاديث المكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم كبيرة من كبائر الذنوب؛ لقول النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، ‌مَنْ ‌كَذَبَ ‌عَلَيَّ ‌مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» رواه الشيخان. 

وناقل الكذب كذاب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ» رواه مسلم. ولذا فإنه يجب على المؤمن أن يحذر أشد الحذر، ويحتاط في هذا الباب، ويتبين ما ينشر، ويتثبت فيما يرسل؛ فلا ينشر شيئا ولا يرسله لأحد حتى يتيقن أنه صحيح؛ لئلا يتناوله هذا الوعيد الشديد.

ومن بلاء عدم التبين نقل التهم في آحاد الناس أو في جماعة منهم؛ لمجرد أن الخبر ورد إلى جواله في رسالة، أو عثر عليه في موقع من المواقع، ولا سيما إذا كان خبرا غريبا، فيسعى لنشره في معارفه لينال قصب السبق عندهم، ويظفر بحظوتهم، وقد يكون خبرا مكذوبا آثما، يفري عرض مسلم بغير حق، والله تعالى يقول ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ ‌فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6] ، وما أشده من ندم لا ينفع صاحبه حين ينشر في مسلم تهمة كذبا، ويتبين له بعد نشرها أن التهمة فيه باطلة، فكيف يصل إليه يستسمحه، وكيف يصل إلى من أرسله إليهم ليحذفوه، وهم نشروه إلى غيرهم حتى بلغ الآفاق.. كيف يطمسه أو يحذفه من الفضاء الألكتروني وقد انتشر فيه، وكان يمكنه أن يتثبت قبل أن ينشر، وأن يتبين قبل أن يرسل.  وما أعظم أذى المسلم عند الله تعالى، فكيف إذا كان أذى يمس سمعته، وينال من كرامته، والله تعالى يقول ﴿وَالَّذِينَ ‌يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 58].

وفي حال الحروب والنوازل التي تعصف بالمجتمعات البشرية؛ تكثر الإشاعات، ويتلمس الناس الأخبار، وتزهر سوق نقلة الكلام، وفي مثل هذه الأحوال يتأكد التثبت في الأخبار، والتبين في كل كلام، فلا ينقل إلا ما علم صدقه، أو لا ينقل شيئا فيسلم ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ‌فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ‌فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: 94]؛ فأكد سبحانه على التبين في أول هذه الآية وفي آخرها؛ ليكون التبين نصب عيني المؤمن في أحوال الأزمات والنوازل والحوادث الكبرى. وفي آية أخرى ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ ‌رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]، فكل ما يتعلق بأمن الناس وخوفهم، وأرزاقهم ومصالحهم ومعاشهم؛ لا يحل لأحد أن يرجم فيها بالغيب، أو يبث الشائعات والأراجيف. بل يصمت فيها ويرد الأمر إلى أهله «وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ‌فَلْيَقُلْ ‌خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ».

وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم...

 

 

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281].

أيها المسلمون: إذا كان التثبت والتبين أصلا من أصول الإسلام؛ لبث الطمأنينة والأمن والاستقرار في الناس؛ فإنه في هذا العصر أكثر تأكيدا وإلزاما وإيجابا؛ فإن الواحد من الناس إذا نشر خبرا كاذبا عبر الأجهزة الذكية بلغ ملايين الناس في وقت وجيز، ولا يمكن الوصول إلى جميعهم لنفيه وتكذيبه بعد ذلك. ولنتأمل هذا الأثر العجيب من الصحابي الجليل مُحْرِزِ بْنِ زُهَيْرٍ السلمي رضي الله عنه وكأنه يحكي عن زمننا هذا فيقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَمَانِ ‌الْكَاذِبِينَ، فقيل له: وَمَا زَمَانُ ‌الْكَاذِبِينَ؟ قَالَ: زَمَانٌ يَظْهَرُ فِيهِ الْكَذِبُ فَيَذْهَبُ الَّذِي لَا يُرِيدُ أَنْ يَكْذِبَ، فَيَتَحَدَّثُ بِحَدِيثِهِمْ، فَإِذَا هُوَ قَدْ دَخَلَ مَعَهُمْ فِي كَذِبِهِمْ». وكم يقع ما ذكره هذا الصحابي الجليل في مجالس الناس ومجامعهم، وفي إعلامهم وصحافتهم، وفي جوالاتهم ومواقعهم، لا يحب الواحد منهم الكذب، ولا يريد أن يكذب، ولكن ينقل إليه صديق أو قريب أو زميل يثق فيه خبرا، فينشره ثقة بمن أرسله، ثم لا يلبث أن يعلم أنه كذب، فبث كذبا، ونشر كذبا، ودخل مع الكذابين في كذبهم، وهو لا يريد ذلك.

ولا يقي العبد من مغبة ذلك -بعد تقوى الله تعالى وعونه وتوفيقه- إلا إغلاق مسارب الكذب على العبد، والتروي فيما يُنقل إليه، والتثبت قبل نشره، والتبين قبل إرساله؛ فإنه يملك أمره قبل النشر، فإذا نشره أفلت منه ولم يملك شيئا سوى الحسرة والندامة والإثم. وفي الحديث الصحيح قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: «كفى بِالْمَرْءِ ‌كَذِبًا ‌أَنْ ‌يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» رواه مسلم. ومن أدمن تعدية ما يصل إليه من رسائل إلى غيره؛ فلا بد أن يقع في الكذب، وأن يرسل أخبارا كاذبة، وتهمًا في أبرياء باطلة؛ لأن إكثار الرسائل مظنة الخطأ، فاتقوا الله تعالى وأحسنوا التعامل مع وسائل التواصل الجماعي؛ فإنها من فتن هذا العصر؛ فمأجور فيها وموزور، ووزرها أكثر من أجرها. نسأل الله تعالى العافية والسلامة من شرها.

وصلوا وسلموا على نبيكم...

الأحد، 21 يوليو 2024

اليهود في القرآن الكريم (كبرهم وعلوهم على غيرهم)

 

اليهود في القرآن الكريم (كبرهم وعلوهم على غيرهم)

د. إبراهيم بن محمد الحقيل



 

إن هذه النفسية اليهودية التي تتسم بالعلو على الناس، والاستنكاف من قبول شرع الله تعالى؛ هي التي أدت باليهود إلى محادة الله تعالى في شرعه وأمره، وتكذيب رسله، وتحريف كتبه، والاستعلاء على خلقه، واستحلال دمائهم وأموالهم وأعراضهم، والاستيطان في أراضيهم، ومنعهم


الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، ولا أمن إلا للمؤمنين، نحمده حمدا كثيرا، ونشكره شكرا مزيدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ كتب العزة والنصر للمؤمنين، والذل والصغار على الكافرين، والخوف والذعر على المنافقين ﴿وَلِلَّهِ ‌الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: 8]، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ تمت به النعمة، وعظمت به المنة، وختمت به النبوة، وفضلت به الأمة، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، واحمدوه على ما هداكم، واشكروه على ما أعطاكم؛ فإنكم قد هديتم لأحسن دين ضل عنه أكثر البشر ﴿‌وَمَنْ ‌أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: 125].

أيها الناس: حين بعث الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة؛ تبعه المهاجرون والأنصار رضي الله عنهم، وحاربه المشركون، وكاده المنافقون، وعاهده اليهود ولكنهم نقضوا عهودهم، ولم يؤمنوا به مع أنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ويعلمون وصفه وصدقه، فأبوا إلا تكذيبه وحربه؛ عصبية لأنفسهم، واحتقارا للعرب لأن النبي كان منهم ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ ‌يَعْرِفُونَهُ كَمَا ‌يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 146].

وفي القرآن الكريم ذكر لعلو اليهود واستكبارهم، واستعلائهم على غيرهم، وهي صفة لا زالت موجودة فيهم ومن ذلك:

زعمهم أنهم أبناء الله تعالى وأحباؤه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ ‌فَلِمَ ‌يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [المائدة: 18]، وجاء في السيرة النبوية عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي جمعا من اليهود «فَكَلَّمُوهُ وَكَلَّمَهُمْ، وَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ تعالى، وحذَّرهم نِقْمته، فَقَالُوا: ‌مَا ‌تُخوفنا ‌يَا ‌مُحَمَّدُ، نَحْنُ وَاَللَّهِ أبناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، كَقَوْلِ النَّصَارَى. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ» هذه الآيات.

ومن علو اليهود على الناس: زعمهم الاختصاص بولاية الله تعالى دون سواهم، فدحض الله تعالى حجتهم بأن يتمنوا الموت حتى يصيروا إلى الله تعالى إن كانوا أولياءه، فإن الولي يحب لقاء وليه ولا يكرهه،   ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ ‌فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: 6-7]، قال الحافظ ابن كثير: «فَهُمْ -عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ- لَمَّا زَعَمُوا أَنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، وَقَالُوا: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى، دُعُوا إِلَى الْمُبَاهَلَةِ وَالدُّعَاءِ عَلَى أَكْذَبِ الطَّائِفَتَيْنِ مِنْهُمْ، أَوْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. فَلَمَّا نَكَلُوا عَنْ ذَلِكَ عَلِمَ كُلُّ أَحَدٍ أَنَّهُمْ ظَالِمُونَ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا جَازِمِينَ بِمَا هُمْ فِيهِ لَكَانُوا أَقْدَمُوا عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا تَأَخَّرُوا عُلِمَ كَذِبُهُمْ».

ومن علو اليهود على الناس: ادعاؤهم أن الجنة لهم دون غيرهم، والجنة دار الرحمن سبحانه، يدخلها المؤمنون به وبرسله دون من كفروا به وبرسله ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ ‌هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: 111]، فرد الله تعالى زعمهم بقوله سبحانه ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 111-112]. وفي آية أخرى ألزموا بالحجة التي تدحض زعمهم، وهي قول الله تعالى ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 94-95]، قال الإمام الطبري: «وَهَذِهِ الْآيَةُ مِمَّا احْتَجَّ اللَّهُ بِهَا لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا بَيْنَ ظَهْرَانَيْ مُهَاجَرَهِ، وَفَضَحَ بِهَا أَحْبَارَهُمْ وَعُلَمَاءَهُمْ. وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَمَرَ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِلَى قَضِيَّةٍ عَادِلَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فِيمَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ مِنَ الْخِلَافِ... وَقَالَ لِفَرِيقِ الْيَهُودِ: إِنْ كُنْتُمْ مُحِقِّينَ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ، فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ ضَارِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُحِقِّينَ فِيمَا تَدَّعُونَ مِنَ الْإِيمَانِ وَقُرْبِ الْمَنْزِلَةِ مِنَ اللَّهِ، بَلْ إِنْ أُعْطِيتُمْ أُمْنِيَّتَكُمْ مِنَ الْمَوْتِ إِذَا تَمَنَّيْتُمْ فَإِنَّمَا تَصِيرُونَ إِلَى الرَّاحَةِ مِنْ تَعِبِ الدُّنْيَا وَنَصَبِهَا وَكَدَرِ عَيْشِهَا، وَالْفَوْزِ بِجِوَارِ اللَّهِ فِي جِنَانِهِ، إِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا تَزْعُمُونَ أَنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَكُمْ خَالِصَةً دُونَنَا. وَإِنْ لَمْ تُعْطَوْهَا عَلِمَ النَّاسُ أَنَّكُمُ الْمُبْطِلُونَ وَنَحْنُ الْمُحِقُّونَ فِي دَعْوَانَا، وَانْكَشَفَ أَمْرُنَا وَأَمْرُكُمْ لَهُمْ. فَامْتَنَعَتِ الْيَهُودُ مِنْ إِجَابَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى ذَلِكَ؛ لِعِلْمِهَا أَنَّهَا إِنْ تَمَنَّتِ الْمَوْتَ هَلَكَتْ فَذَهَبَتْ دُنْيَاهَا، وَصَارَتْ إِلَى خِزْيِ الْأَبَدِ فِي آخِرَتِهَا».

ومن علو اليهود على الناس: عدم قبولهم ما أنزل الله تعالى من الوحي إلا إذا كان منزلا على من يريدون من الرسل، وهم في الحقيقة لا يؤمنون بالرسل إلا وفق أهوائهم، وإلا فمن آمن برسول واحد لزمه الإيمان بجميع الرسل، وبجميع الكتب، ولا سيما أن من زعموا الإيمان به من الرسل وهو موسى عليه السلام قد بشر بمحمد صلى الله عليه وسلم، وما زعموا الإيمان به من الكتب وهو التوراة قد ذكرت فيه نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك لم يؤمنوا به ولا بما أنزل عليه من القرآن، وفي ذلك يقول الله تعالى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا ‌وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 91]. «أَيْ: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي دَعْوَاكُمُ الْإِيمَانَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ، فَلِمَ قَتَلْتُمُ الْأَنْبِيَاءَ الذين جاؤوكم بِتَصْدِيقِ التَّوْرَاةِ التِي بِأَيْدِيكُمْ وَالْحُكْمِ بِهَا وَعَدَمِ نَسْخِهَا، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ صِدْقَهُمْ؟ قَتَلْتُمُوهُمْ بَغْيًا وَحَسَدًا وَعِنَادًا وَاسْتِكْبَارًا عَلَى رُسُلِ اللَّهِ، فَلَسْتُمْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا مُجَرَّدَ الْأَهْوَاءِ، وَالْآرَاءِ وَالتَّشَهِّي؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} [الْبَقَرَةِ: 87]».

إن هذه النفسية اليهودية التي تتسم بالعلو على الناس، والاستنكاف من قبول شرع الله تعالى؛ هي التي أدت باليهود إلى محادة الله تعالى في شرعه وأمره، وتكذيب رسله، وتحريف كتبه، والاستعلاء على خلقه، واستحلال دمائهم وأموالهم وأعراضهم، والاستيطان في أراضيهم، ومنعهم أبسط حقوقهم، وهذا ظلم وطغيان يعود على أصحابه بالوبال والخسران في الدنيا والآخرة. 

نعوذ بالله تعالى من حالهم ومآلهم، ونسأل الله تعالى أن يكفي المسلمين شرهم، إنه سميع مجيب.

وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم...

 

 


الخطبة الثانية

  الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

 أما بعد: فاتقوا الله وأطيعوه ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا ‌تُرْجَعُونَ ‌فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281].

أيها المسلمون: العلو اليهودي على سائر الناس منبعه معتقدات دينية، محشوة بها كتبهم وصلواتهم، ومقررة في مناهج مدارسهم؛ فيتربى عليها الطفل عند أبويه، ثم يزيدها التعليم رسوخا، حتى تتكرس فيه العنصرية البغيضة، فلا يرى لأحد حقا، ويرى الناس كلهم ما خلقوا إلا لأجله؛ ولذا اشتهرت عندهم مصطلحات: الشعب المختار، والشعب الأزلي، والشعب المقدَّس، وغيرها. «وتعمَّق الإحساس لدى اليهود بأنهم الشعب المختار، وأنهم أمة من الكهنة والقديسين والأنبياء اختارهم الإله ليكونوا بمنزلة الكهنة للشعوب الأخرى». وفي توراتهم المحرفة: «لأنك شعب مقدَّس للرب إلهك. وقد اختارك الرب لكي تكون له شعباً خاصاً فوق جميع الشعوب الذين على وجه الأرض». وفي نص آخر: «أنا الرب إلهكم الذي ميَّزكم من الشعوب... وقد ميَّزتكم من الشعوب لتكونوا لي». وفي تلمودهم: «كل اليهود مقدَّسون. كل اليهود أمراء. لم تُخلَق الدنيا إلا لجماعة يسرائيل. لا يُدْعى أحد أبناء الإله إلا جماعة يسرائيل. لا يحب الإله أحداً إلا جماعة يسرائيل». ويقولون أيضا: «نحن شعب الله في الأرض، سخر لنا الحيوان الإنساني، وكل الأمم والأجناس سخرهم لنا؛ لأنه يعلم أننا نحتاج إلى نوعين من الحيوان، نوع أعجم كالدواب والأنعام والطير، ونوع كسائر الأمم من أهل الشرق والغرب. إن اليهود من عنصر الله، كالولد من عنصر أبيه. ومن يصفع اليهودي كمن صفع الله. يباح لإسرائيل اغتصاب مال أي كان. وإن أملاك غير اليهودي كالمال المتروك يحق لليهودي أن يمتلكه». وغيرها عشرات من النصوص التي كرست العلو في قلوبهم، فظهر أثره على أفعالهم مع غيرهم، ولكن علوهم هذا لن يدوم، ولن تدوم الحبال الممدودة إليهم من قوى الظلم والطغيان، فيوشك أن تنقطع تلك الحبال؛ ليعود أهل العلو والاستكبار إلى الذل والصغار، على أيدي أهل الحق والإيمان، وما ذلك على الله بعزيز ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ‌الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [آل عمران: 112].

وصلوا وسلموا على نبيكم...

الثلاثاء، 26 ديسمبر 2023

اليهود والحصون

 اليهود والحصون



إبراهيم بن محمد الحقيل

مع لجوء اليهود إلى الحصون والجُدُر التي لم تغنِ عنهم شيئًا لا في القديم ولا في الحديث، فإن خبث اليهود ومكرهم يظهر في قدرتهم على اختراق الحصون العقديَّة والفكريَّة والأخلاقيَّة لخصومهم

  • التصنيفات: اليهودية والنصرانية -

من حِكْمَة الله - تعالى - في قدره وشرعه أنه ضرب الذِّلة على بني إسرائيل عقوبةًً لهم على كفرهم بالله - تعالى - وقتلهم أنبياءهم؛ {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [البقرة: 61]، فهم مذلولون قدرًا من الله - عز وجل - ما داموا على دينهم المحرَّف، ومذلولون شرعًا بفرض الجزية عليهم وهم صاغرون، لا يخرجون من ذِلَّتهم، ولا يستقوون من ضعفهم إلا بعهدٍ شرعيٍّ وهو عهد الأمان والذِّمَّة، أو بنصرةٍ من الناس؛ {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ} [آل عمران: 112]، فالذِّلَّة والمسْكنة لازمة لليهود في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، وقد فقدوا البأس والشجاعة، وبدا عليهم سيما الفقر والحاجة، مع وفرة ما أنعم الله - تعالى - عليهم؛ فإنهم لما سئموها، صارت لديهم كالعدم، ولذلك صار الحرص على الحياة والمال لهم سجيَّةً باقيةً فيهم؛ فهم أجبن الناس وأبخلهم، وهم عُبَّاد الحياة والمال؛ {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} [البقرة: 96].

 

والمتتبِّع لتاريخهم منذ البعثة النبويَّة يجد أنَّ هذا الإخبار الربَّّاني دليل من دلائل نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - إذ لم تنفك عنهم ذِلَّتهم ومسكنتهم، ولم يتخلَّصوا من جُبْنهم وبُخْلهم، ولم يحاربوا قط إلا بمعونة غيرهم لهم.

 

ولا تُعرف أمةٌ في تاريخ البشر اشتُهرت بكثرة الحصون والجُدُر كأمَّةِ اليهود، وصدقَ فيهم إخبار الله - تعالى – عنهم: {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ} [الحشر: 14].

 

وفي العهد النبويِّ كانت قبائل اليهود في المدينة، وعاهدهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فأعطاهم ما لهم، وبيَّن لهم ما عليهم، ولكنهم أهلُ غدرٍ وخيانة، فنقضوا عهودهم قبيلةً بعد أُخرى، والملاحظ في سيرتهم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم لم يحاربوا ولا مرةً واحدةً، وتحصَّنوا في حصونهم في كلِّ مرات الغزو، ونزلوا على حُكْمه في جميعها، أو اقتحمها المسلمون عليهم كما في خيبر، ولا يُذكر اليهود في السيرة النبويَّة إلاَّ وتُذكر حصونهم، ويُذكر عدم قتالهم، ويُذكر خضوعهم لحكم أعدائهم.

 

وأول قبيلة نقضت العهد منهم: بنو قينقاع، نقضوه عَقِبَ غزوة بدر، فسار لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فتحصَّنوا بحصونهم فحاصرهم خمس عشرة ليلةً، لم يصمدوا بعدها من الخوف ولم يقاتلوا، بل نزلوا على حُكْمه - صلى الله عليه وسلم - فتولاهم المنافق (ابن سلول) وشفع فيهم، فاكتفى النبي - صلى الله عليه وسلم - بجلائهم، وفي تولِّي المنافق لهم نزل قول الله - تعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51].

 

وبعد غزوة أحد نقض بنو النضير عهدهم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وحاولوا قتله، وأغراهم المنافق (ابن سلول) أن يتحصَّنوا بحصونهم ولا يستسلموا، ووعدهم بإعانتهم بالمنافقين معه وببني قريظة، فحاصرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ستًّا وعشرين ليلةً، ولم يفِ لهم (ابن سلول) حين ورَّطهم، فخافوا ونزلوا على حُكْم النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مع أن المسلمين حين حاصروهم كانوا في العراء ومؤونتهم قليلة، وكان اليهود في حصونهم ومنازلهم وعندهم من المؤونة ما يكفيهم سنةً، ولكنه الجبن والحرص على الحياة؛ {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ} [الحشر: 2].

 

وأثناء غزوة الأحزاب حين حاصر المشركون المدينة نقضت بنو قريظة عهدها مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في أشدِّ الساعات حرجًا وضيقًا، فلمَّا فكَّ المشركون الحصار، وعادوا إلى مكة خائبين، أمر الله - تعالى - نبيَّه أن يعاقبَ بني قريظة على خيانتهم، فسار إليهم فلم يقاتلوا، بل تحصَّنوا بحصونهم، فحاصرهم خمسًا وعشرين ليلةً، حتى نزلوا على حُكْم حليفهم من قبلُ سعد بن معاذ - رضي الله عنه - فقال سعد - رضي الله عنه -: "قَدْ آنَ لسعد أَلا يُبَالِي في الله لَوْمَةَ لائِمٍ"، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ هؤلاء نزلوا على حُكْمِكَ»، قال سعد: فَإِنِّي أَحكُمُ أَن تُقْتَلَ المُقَاتِلَةُ، وأن تُسبَى الذُّريَّة، قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لقد حَكَمْتَ فيهم بِحُكْمِ الملِك»؛ (رواه الشيخان).

 

ونزل فيهم قول الله - تعالى -: {وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا} [الأحزاب: 26].

 

ولم يبقَ من اليهود في المدينة وما حولها إلا يهود خَيْبَر، وقد سكنها بعض بني النضير لما أُجلوا عن ديارهم، فأخذوا يحرِّضون أهل خيبر على معاداة النبي - صلى الله عليه وسلم - وينطلقون منها إلى أهل مكة لتحريضهم والوعد بمعونتهم على المسلمين، حتى كان من أسباب غزوة الخندق تحريض بني النضير في خيبر للمشركين على غزو المدينة، فلمَّا تمَّ صُلح الحديبية تفرَّغ النبي - صلى الله عليه وسلم - لأهل خيبر فغزاهم، وكانوا أشجع اليهود وأشدَّهم بأسًا، وأكثرهم سلاحًا وعتادًا، وأمنعهم قلاعًا وحصونًا، فلمَّا نزل بساحتهم وأصبحوا، فتحوا حصونهم وغدوا إلى أعمالهم، فَخَرَجُوا بِمَكَاتِلِهِم وَمَسَاحِيهِم فلمَّا رَأَوا النبي - صلى الله عليه وسلم - قالوا: محمد والله، محمد والخَمِيس - أي: الجيش - قال: فلمَّا رَآهُم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «الله أكبر، الله أكبر، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إذا نَزَلنَا بِسَاحَةِ قَومٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ»، فهربوا إلى حصونهم، فحاصرها النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبلى المسلمون في اقتحامها حتى سقطت حصنًا بعد حصن، سمَّى أهلُ السِّيَر منها ستةَ حصون، فخاف يهود فَدَك وصالحوا النبي - صلى الله عليه وسلم.

 

ولم تقم لليهود قائمةٌ بعد ذلك، بل كانوا أذلةً مستضعفين، نَعِموا بالأمن والحماية بعهد الذِّمَّة في بلاد الشام أثناء الخلافة الراشدة، ثم في الدولتين الأمويَّة والعباسيَّة، حتى احتلَّ الصليبيون بلاد الشام، فنكَّلوا باليهود وأحرقوهم أحياءً، فهربوا إلى الأندلس ونعموا بالأمن فيها تحت حُكْم المسلمين، فلمَّا سقطت (قُرطبة) في يد الصليبيين نكَّلوا باليهود وعذَّبوهم، فهربوا إلى الدولة العثمانيَّة التي آوتهم وحمتهم، فلمَّا نشأت (الحركة البروتستانتيَّة النصرانيَّة) والت اليهود، وتحالفت معهم، فتآمروا على دولة بني عثمان حتى أسقطوها، وكانت مكافأتهم إقامة دولتهم في فلسطين بعد قرون من الذِلَّة والاستضعاف، ولم يتغيَّر شيءٌ من طباع يهود العصر عن طباع سالفيهم، حيث الجبن والبخل وشدة الحرص على الحياة والمال، وبقيت عادة التَّترُّس خلف الجُدُر والحصون كما هي من قبل، رغم تطور الأساليب القتاليَّة، والمعدات العسكريَّة، إذ بعد انتصارهم بمعونة حلفائهم من الغرب فيما سُمِّي بالنكسة قبل أربعة عقود، بنوا حصنًا اقترحه رئيس أركانهم آنذاك (حاييم بارليف) فسُمِّي باسمه، وهدفه تأمين الضَّفة الشرقية لقناة السويس، وفي الدراسات العسكريَّة كان هو أقوى خطٍّ دفاعيٍّ في العسكريَّة الحديثة، وكان اليهود منتشين به، زاعمين أن أيَّ جيشٍ يحاول عبوره ستكون الإبادة مصيره، وفي معركة رمضان عام ثلاثة وسبعين ميلاديًّا اقتحمه المصريون ودمروه.

 

وعقب انتفاضة الأقصى ابتنى اليهود الجدار العازل بارتفاع يصل لتسعة أمتار، بطول يُقارب سبعمائة كيلو مترًا؛ ليحميهم من هجمات الفلسطينيين العُزَّل.

 

وعَقِب النصر المؤزَّر في غَزَّة العام الماضي يبتني لهم حلفاؤهم الجدار الفولاذي تحت الأرض بعمقٍ يصلُ إلى ثلاثين مترًا في بعض المناطق، وطول عشرة كيلو مترات، وصفائح حديديَّة بسُمْك نصف متر، وهي سابقة تاريخيَّة ستكون نكتةً للأجيال القادمة، أن أمَّةً عجزت وعجز حلفاؤها عن حمايتها، وإزالة الذُّعر من قلوب أفرادها حتى ابتنوا لهم جدرانًا فوق الأرض، وجدرانًا تحتها، هذا غير الملاجئ والأقبية والمخابئ المجهَّزة للطوارئ، وأُمَّة هذه نفسيَّة أفرادها، فلن تنتصر على من يطلبون الموت في سبيل الله - تعالى - وصدق ربُّنا - سبحانه -: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} [البقرة: 96]، {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ} [الحشر: 14].

 

نسأل الله - تعالى - أن يكبتهم وحلفاءهم، وأن ينصر المستضعفين عليهم، وأن يجعل جُدُرهم وحصونهم وبالاً عليهم؛ {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران: 126].

 

أيها المسلمون:

مع لجوء اليهود إلى الحصون والجُدُر التي لم تغنِ عنهم شيئًا لا في القديم ولا في الحديث، فإن خبث اليهود ومكرهم يظهر في قدرتهم على اختراق الحصون العقديَّة والفكريَّة والأخلاقيَّة لخصومهم، ففي القرن السادس عشر الميلادي اخترق اليهود عقيدةَ النصارى بنشوء البروتستانتيَّة المستمدَّة من تراث اليهود، التي تَحوَّل فيها العداء النصرانيُّ اليهودي إلى وفاق، واستطاع اليهود أن يُسخِّروا النصارى لخدمتهم، وتحقيق أهدافهم، وفي القرن الماضي اخترق اليهود الكاثوليكيَّة فطوَّعوها لهم، وأسس مفكرو اليهود المذاهب الماديَّة في الغرب التي اعتنقها كثيرٌ من الغربيين، فوالت أحزابُها اليهود بعد ذلك، فسَخَّر اليهود في الغرب الشِّقَّين (الديني والعلماني) لخدمة مصالحهم، وهو الحبل الإنسي الذي يمدُّ دولتهم بالبقاء والقوة إلى يومنا هذا؛ {إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ} [آل عمران: 112].

 

وقبل أقل من أربعة عقود من الآن، استطاع اليهود اختراق الحصون العربيَّة العلمانيَّة في (كامب ديفيد) الأولى، وما تَبِعها من اتفاقيات جائرة صارت بعض نخب العرب السياسيَّة، وأبواقها الإعلاميَّة العلمانيَّة تدافع عن الصهاينة أكثر من دفاعها عن أوطانها؛ لأنه زُيِّن لها أنها تستمدُّ قوتها منها، وبها تحقِّق مكاسبها السياسيَّة الخاصة على حساب الأمة عامَّةً، وبسفك دماء إخوانهم في غَزَّة خاصَّةً.

 

ومن المفارقات العجيبة أن الذين حطَّموا جدار (بارليف) اليهودي بجهد آبائهم وتضحياتهم قبل سبعة وثلاثين عامًا، هم الذين يبنون الآن الجدار الفولاذي تحت الأرض لخنق إخوانهم في غزَّة، ومعونة اليهود عليهم في عدوان جديدٍ بات وشيكًا بعد أن دُحِروا في عدوانهم السابق.

 

إنه الاختراق اليهوديُّ لحصون الأمة العقديَّة والفكريَّة والأخلاقيَّة، حين فرَّقوا المسلمين، وزعزعوا أُخوَّتهم الإيمانيَّة، ونزعوا من قلوب بعضهم الولاء لإخوانهم والبراء من أعدائهم، وأحلُّوا فيهم الأفكار الماديَّة النفعيَّة التي أدَّت إلى التضحية بالإخوة والأوطان والأمة جمعاء في سبيل مصالح آنيةٍ خاصَّة، وألغوا من أوساطهم أخلاقَ الرحمة والنجدة والإغاثة للمستضعفين والمُضامين من المسلمين.

 

ورغم تأزُّم الوضع، وعجز أكثر الأمة عن نجدة إخوانهم، وانتشار داء الخُذلان في أفرادها، والغثائيَّة في مجموعها، فإن الأمل بعد الله - عز وجل - في رجال صبروا لله - تعالى - ودحروا العدوان السابق، وسيدحرون كلَّ عدوان بإذن الله - تعالى - وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يزالُ من أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بأمر الله لا يَضُرُّهم من خَذَلَهم ولا من خالفهم حتى يَأْتِيَهم أمرُ الله وهم على ذلك»؛ رواه الشيخان، وفي رواية للطبرانيِّ بإسنادٍ ضعيف: قيل: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: «بأكنافِ بَيت المَقْدِس».

 

اللهمَّ فثبِّتهم وانصرهم، وارحم ضعفهم وعجزهم، وقوِّ عزائمهم، وادحر أعداءهم، إنك على كلِّ شيءٍ قدير.

وصلُّوا وسلِّموا.

الخميس، 21 ديسمبر 2023

فضل يوم الجمعة

 فضل يوم الجمعة



إن كثيرا من الناس قد فرطوا في فضل الجمعة، ويفوتهم كثير من خيره وأجره؛ إما جهلا بفضله، أو استهانة بشرفه

من عظيم نعمة الله تعالى علينا أن كتبنا في آخر الأمم، وأرسل إلينا خاتم الرسل، وأنزل علينا آخر الكتب، وفضل أمتنا على سائر الأمم، وشرع لنا من الشرائع ما يكون سببا لنجاتنا من عذابه، وفوزنا بجناته.

 

وكما فضل سبحانه وتعالى هذه الأمة على سائر الأمم فإنه عز وجل هداها لأفضل الشهور والأيام والليالي والأوقات؛ ليعمرها العباد بطاعته وذكره، فتكفر عنهم سيئاتهم، وترفع درجاتهم.

 

ومن الأيام العظيمة التي اختص الله تعالى بها هذه الأمة: يوم الجمعة، وما فيه من عبادات عظيمة، وشعائر كبيرة، كان يسمى في الجاهلية يوم العَرُوبة، فسمي في الإسلام يوم الجمعة.


وقد دلت الأحاديث الكثيرة على أن الله تعالى قد هدى هذه الأمة المباركة ليوم الجمعة، وهو يوم عظيم عند الله عز وجل، وأضلته الأمم الأخرى فلم توفق لإصابته، وتعظيم الله تعالى فيه؛ حتى إن اليهود لما فرض عليهم اختلفوا فيه فأضاعوه، فجعلوا مكانه السبت، وبقي هذا اليوم العظيم محفوظا لتختص به آخر أمة على سائر الأمم، وفي قول الله تعالى في شأن اليهود ﴿  {إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ}  ﴾ [النحل:124] قال قتادة رحمه الله تعالى: (أرادوا الجمعة فأخطئوا فأخذوا السبت مكانه). وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدا، والنصارى بعد غد» وفي رواية لمسلم: (فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه هدانا الله له قال:يوم الجمعة).


وروى حذيفة وأبو هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا فكان لليهود يومُ السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق» ولإجل ذلك حسد أهل الكتاب من اليهود والنصارى أهل الإسلام على اختصاصهم بالجمعة وهم قد ضلوا عنه؛ كما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنهم لا يحسدوننا على شيء كما يحسدوننا على الجمعة التي هدانا الله لها، وضلوا عنها» (رواه أحمد).


ولفضل هذا اليوم العظيم، ومنزلته عند رب العالمين؛ امتاز عن غيره من الأيام بمزايا عظيمة، واختص بفضائل وعبادات كثيرة؛ فهو عيد من أعياد المسلمين بقول النبي صلى الله عليه وسلم «إن هذا يومَ عيد جعله الله للمسلمين» رواه ابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما، وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن يوم الجمعة يوم عيد فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده».


ومن أعظم خصائصه، وأفضل مزاياه: اختصاصه بساعة يجاب فيها الدعاء؛ كما روى الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في الجمعة لساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يُصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إيَّاه، وأشار بيده يُقللَّها» وفي رواية لمسلم قال: (وهي ساعة خفيفة).

 

وجاء في هذه الساعة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها (ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة) كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنها: (آخر ساعة بعد العصر) وفي حديث ثالث قال عليه الصلاة والسلام: «إني قد كنت أعلمتها ثم أنسيتها كما أنسيت ليلة القدر».


ويوم الجمعة يوافق يوم المزيد في الجنة، حيث يجمع فيه أهل الجنة في وادٍ أفيح، ويُنصب لهم منابرُ من لؤلؤ، ومنابر من ذهب، ومنابر من زبرجد، وياقوت على كثبان المسك، فينظرون إلى ربهم تبارك وتعالى ويتجلى لهم، فيرونه عياناً، ويكون أسرعهم موافاة أعجلَهم رواحاً إلى المسجد وأقربهم منه أقربهم من الإمام.

 

وفي حديث طويل عن أنس رضي الله عنه قال: عرضت الجمعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء جبريل في كفه كالمرآة البيضاء في وسطها كالنكتة السوداء فقال: ما هذه يا جبريل قال هذه الجمعة يعرضها عليك ربك لتكون لك عيدا ولقومك من بعدك ولكم فيها خير تكون أنت الأول ويكون اليهود والنصارى من بعدك وفيها ساعة لا يدعو أحد ربه بخير هو له قسم إلا أعطاه أو يتعوذ من شر إلا دفع عنه ما هو أعظم منه ونحن ندعوه في الآخرة يوم المزيد.....إلى أن قال: فليسوا هم في الجنة بأشوق منهم إلى يوم الجمعة؛ ليزدادوا نظراً إلى ربهم عز وجل وكرامته؛ ولذلك دعي يوم المزيد) رواه الطبراني في الأوسط.


وهو أفضل الأيام وخيرها وسيدها؛ كما روى أوس بن أوس رضي الله عنه فقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من أفضل أيامكم يومَ الجمعة فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي» رواه أبو داود وصححه ابن حبان والحاكم. وروى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تطلع الشمس ولا تغرب على يوم أفضل من يوم الجمعة».


وابتداء خلق البشر كان يوم الجمعة؛ فأبونا آدم عليه السلام خلق فيه، وقبضت روحه فيه، وصعق الناس يوم القيامة يكون يوم الجمعة، والنفخ في أرواحهم للحساب يوم القيامة يكون أيضا يوم الجمعة؛ كما روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلق آدم عليه السلام، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة» وقال صلى الله عليه وسلم: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة» (رواه أبو داود).


ولذلك تشفق سائر المخلوقات منه؛ فرقا من يوم القيامة، إلا بني آدم؛ كما روى أبو لبابة بن عبد المنذر رضي الله عنه فقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها عند الله، وهو أعظم عند الله من يوم الأضحى ويوم الفطر، فيه خمس خلال: خلق الله فيه آدم، وأهبط الله فيه آدم إلى الأرض، وفيه توفى الله آدم، وفيه ساعة لا يسأل الله فيها العبد شيئا إلا أعطاه ما لم يسأل حراما، وفيه تقوم الساعة، ما من ملك مقرب، ولا سماء، ولا أرض، ولا رياح، ولا جبال، ولا بحر؛ إلا وهن يشفقن من يوم الجمعة» (رواه ابن ماجه).

 

وروى أبو هريرة رضي الله عنه فقال: (قدمت الشام فلقيت كعبا فكان يحدثني عن التوراة وأحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أتينا على ذكر يوم الجمعة، فحدثته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن في الجمعة ساعة لا يوافقها مسلم يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه، فقال كعب:....أتدري أي يوم هو؟ قلت: وأي يوم هو؟ قال: فيه خلق الله آدم، وفيه تقوم الساعة، والخلائق فيه مصيخة إلا الثقلين الجن والأنس خشية القيامة...) رواه أحمد.

 

والوفاة يوم الجمعة أو ليلتها علامة خير للمؤمن؛ لما جاء في الحديث: «من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة وُقِيَ فتنة القبر» (رواه أحمد).


والأعمال الصالحة فيه كالصدقة وغيرها خير من العمل في غيره من الأيام، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (والصدقة فيه بالنسبة إلى سائر أيام الأسبوع كالصدقة في شهر رمضان بالنسبة إلى سائر الشهور. ثم قال: وشاهدتُ شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه إذا خرج إلى الجمعة يأخذ ما وجد في البيت من خبز أو غيره فيتصدق به في طريقه سراً).


ومن أعظم ما اختص به يوم الجمعة: فرض هذه الصلاة العظيمة، وكان الأنصار رضي الله عنهم يقيمون الجمعة قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليهم؛ كما روى عبد الرحمن بن كعب بن مالك رحمه الله تعالى فقال: (كنت قائد أبي حين كُفَّ بصره، فإذا خرجت به إلى الجمعة، فسمع الأذان بها استغفر لأبي أسامةَ أسعدَ بنِ زرارة، فمكث حيناً على ذلك فقلت: إن هذا لعجز! ألا أسأله عن هذا؟! فخرجت به كما كنت أخرج فلما سمع الأذان للجمعة استغفر له، فقلت: يا أبتاه، أرأيتَ استغفارك لأسعدَ بنِ زرارة كلما سمعت الأذان يوم الجمعة؟ قال: أي بني، كان أسعدُ أولَ من جمَّع بنا بالمدينة قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم في هَزْم النَّبيتِ من حَرَّة بني بَياضة في نقيع يقال له: نقيع الخَضِمات. قلت: فكم كنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلاً) رواه أبو داود وصححه ابن حبان والحاكم وقال:على شرط مسلم.


وكان سبب اجتماعهم للجمعة قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم ما روى عبد الرزاق عن ابن سيرين رحمه الله تعالى قال: (جمَّع أهل المدينة قبل أن يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبل أن تنزل الجمعة وهم الذين سموها الجمعة فقالت الأنصار: لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى أيضا مثلُ ذلك فهلم فلنجعل يوما نجتمع ونذكر الله تعالى، ونصلي ونشكره فيه، فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوه يوم العروبة، وكانوا يسمون يوم الجمعة يوم العروبة، فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ، وذكرهم، فسموه الجمعة حتى اجتمعوا إليه، فذبح أسعد بن زرارة لهم شاة، فتغدوا وتعشوا من شاة واحدة؛ وذلك لقلتهم؛ فأنزل الله في ذلك بعد ذلك «إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله»  [الجمعة:9].

 

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وهذا كان مبدأَ الجمعة، ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام بقباءِ في بني عمرو ابن عوف؛ كما قاله ابن إسحاق يوم الاثنين، ويوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء، ويوم الخميس، وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي، وكانت أولَ جمعة صلاها بالمدينة، وذلك قبل تأسيس مسجده.اهـ


ومن خصائص يوم الجمعة فضيلة قراءة سورة الكهف فيه، فقد جاء في الحديث: (أن من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين) وفي لفظ: (أضاء له من النور فيما بينه وبين البيت العتيق) رواه الدارمي والحاكم.


ويوم الجمعة هو اليوم الذي يتواصل الناس فيه ويتزاورون، وفيه توصل الأرحام، ويوسع على الأهل والعيال، وفرح المسلمين به عظيم، ومنة الله تعالى عليهم به كبيرة، فنحمد الله تعالى على أن هدانا له، ونسأله سبحانه أن يوفقنا للعمل الصالح الذي يرضيه عنا، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا، إنه سميع قريب.

 

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا البَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}  [الجمعة:9 - 10]

 

واجب على المسلم أن يشكر الله تعالى على ما اختصت به هذه الأمة من يوم الجمعة، وليس من شكر الله تعالى ما اعتاده كثير من الناس من الاستهانة بهذا اليوم العظيم، وعدم إعطائه حقه من الاهتمام والعناية والتعظيم، وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم تعظيمُ هذا اليوم وتشريفُه وتخصيصُه بعبادات دون غيره.

 


إن كثيرا من الناس قد فرطوا في فضل الجمعة، ويفوتهم كثير من خيره وأجره؛ إما جهلا بفضله، أو استهانة بشرفه؛ فليلة الجمعة يسهرون فيها إلى قبيل الفجر، وسَهَرُ كثير منهم في مجالس تغشاها المحرمات من كل مكان، ولا يسمع فيها ذكر الله تعالى إلا قليلا، وهذا السهر يفوت على كثير منهم صلاة الفجر التي اختصت يوم الجمعة بفضيلة قراءة سورتي السجدة والإنسان.


وهذا السهر المشئوم يؤدي في الغالب إلى تأخرهم عن صلاة الجمعة، فكثير منهم لا يدرك تقريب دجاجة ولا بيضة، ومنهم من لا يحضر المسجد إلا وقد طوى الملائكة صحفهم يستمعون إلى الذكر، بل يبلغ التفريط ببعضهم أن تفوتهم صلاة الجمعة إما نوما، وإما خروجا إلى متنزهات وحدائق لا يخرجون إليها إلا يوم الجمعة، والناس في مساجدهم يسألون ربهم، نعوذ بالله من الحرمان والخذلان.


وبعض الناس يقصر في الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، مع أنه عليه الصلاة والسلام حث المؤمنين على الإكثار من الصلاة والسلام عليه يوم الجمعة، وأخبرهم أن ذلك يصله ويبلغه، ولو أن أحد الناس أيقن أنه لو كتب كتابا إلى ملك من ملوك الدنيا لبلغه ذلك الكتاب، وكافأه عليه، أو رفع عنه مظلمته؛ لبادر لكتابته، وأحسن فيها أشد الإحسان، فكيف إذن بصلاة وسلام تبلغان خير الخلق، وخاتم الرسل صلى الله عليه وسلم؟!‍


وبعض الناس يقصر في الدعاء يوم الجمعة، ويغفل عن ساعة الإجابة فيه، فيسأل الناس ربهم حاجاتهم وهو غافل عن ذلك،‍‍‍‍ وكل هذا التفريط يعد حرمانا عظيما، وخذلانا كبيرا، وفيه تفويت لأجور رتبت على هذه الأعمال الصالحة، فكم يخسر صاحبه من الثواب الجزيل!!


ألا فاتقوا الله ربكم أيها المؤمنون، وأعطوا يوم الجمعة حقه من العناية والاهتمام، وفرغوا أنفسكم فيه لاكتساب الحسنات، وتكفير الخطيئات، بالتبكير إلى الجمعات، والمحافظة على الجماعات، والإكثار من الباقيات الصالحات، والإلحاح على الله تعالى في الدعوات.


وصلوا وسلموا على نبيكم....