‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات الشيخ إبراهيم الحقيل. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات الشيخ إبراهيم الحقيل. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 26 ديسمبر 2023

اليهود والحصون

 اليهود والحصون



إبراهيم بن محمد الحقيل

مع لجوء اليهود إلى الحصون والجُدُر التي لم تغنِ عنهم شيئًا لا في القديم ولا في الحديث، فإن خبث اليهود ومكرهم يظهر في قدرتهم على اختراق الحصون العقديَّة والفكريَّة والأخلاقيَّة لخصومهم

  • التصنيفات: اليهودية والنصرانية -

من حِكْمَة الله - تعالى - في قدره وشرعه أنه ضرب الذِّلة على بني إسرائيل عقوبةًً لهم على كفرهم بالله - تعالى - وقتلهم أنبياءهم؛ {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [البقرة: 61]، فهم مذلولون قدرًا من الله - عز وجل - ما داموا على دينهم المحرَّف، ومذلولون شرعًا بفرض الجزية عليهم وهم صاغرون، لا يخرجون من ذِلَّتهم، ولا يستقوون من ضعفهم إلا بعهدٍ شرعيٍّ وهو عهد الأمان والذِّمَّة، أو بنصرةٍ من الناس؛ {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ} [آل عمران: 112]، فالذِّلَّة والمسْكنة لازمة لليهود في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، وقد فقدوا البأس والشجاعة، وبدا عليهم سيما الفقر والحاجة، مع وفرة ما أنعم الله - تعالى - عليهم؛ فإنهم لما سئموها، صارت لديهم كالعدم، ولذلك صار الحرص على الحياة والمال لهم سجيَّةً باقيةً فيهم؛ فهم أجبن الناس وأبخلهم، وهم عُبَّاد الحياة والمال؛ {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} [البقرة: 96].

 

والمتتبِّع لتاريخهم منذ البعثة النبويَّة يجد أنَّ هذا الإخبار الربَّّاني دليل من دلائل نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - إذ لم تنفك عنهم ذِلَّتهم ومسكنتهم، ولم يتخلَّصوا من جُبْنهم وبُخْلهم، ولم يحاربوا قط إلا بمعونة غيرهم لهم.

 

ولا تُعرف أمةٌ في تاريخ البشر اشتُهرت بكثرة الحصون والجُدُر كأمَّةِ اليهود، وصدقَ فيهم إخبار الله - تعالى – عنهم: {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ} [الحشر: 14].

 

وفي العهد النبويِّ كانت قبائل اليهود في المدينة، وعاهدهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فأعطاهم ما لهم، وبيَّن لهم ما عليهم، ولكنهم أهلُ غدرٍ وخيانة، فنقضوا عهودهم قبيلةً بعد أُخرى، والملاحظ في سيرتهم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم لم يحاربوا ولا مرةً واحدةً، وتحصَّنوا في حصونهم في كلِّ مرات الغزو، ونزلوا على حُكْمه في جميعها، أو اقتحمها المسلمون عليهم كما في خيبر، ولا يُذكر اليهود في السيرة النبويَّة إلاَّ وتُذكر حصونهم، ويُذكر عدم قتالهم، ويُذكر خضوعهم لحكم أعدائهم.

 

وأول قبيلة نقضت العهد منهم: بنو قينقاع، نقضوه عَقِبَ غزوة بدر، فسار لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فتحصَّنوا بحصونهم فحاصرهم خمس عشرة ليلةً، لم يصمدوا بعدها من الخوف ولم يقاتلوا، بل نزلوا على حُكْمه - صلى الله عليه وسلم - فتولاهم المنافق (ابن سلول) وشفع فيهم، فاكتفى النبي - صلى الله عليه وسلم - بجلائهم، وفي تولِّي المنافق لهم نزل قول الله - تعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51].

 

وبعد غزوة أحد نقض بنو النضير عهدهم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وحاولوا قتله، وأغراهم المنافق (ابن سلول) أن يتحصَّنوا بحصونهم ولا يستسلموا، ووعدهم بإعانتهم بالمنافقين معه وببني قريظة، فحاصرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ستًّا وعشرين ليلةً، ولم يفِ لهم (ابن سلول) حين ورَّطهم، فخافوا ونزلوا على حُكْم النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مع أن المسلمين حين حاصروهم كانوا في العراء ومؤونتهم قليلة، وكان اليهود في حصونهم ومنازلهم وعندهم من المؤونة ما يكفيهم سنةً، ولكنه الجبن والحرص على الحياة؛ {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ} [الحشر: 2].

 

وأثناء غزوة الأحزاب حين حاصر المشركون المدينة نقضت بنو قريظة عهدها مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في أشدِّ الساعات حرجًا وضيقًا، فلمَّا فكَّ المشركون الحصار، وعادوا إلى مكة خائبين، أمر الله - تعالى - نبيَّه أن يعاقبَ بني قريظة على خيانتهم، فسار إليهم فلم يقاتلوا، بل تحصَّنوا بحصونهم، فحاصرهم خمسًا وعشرين ليلةً، حتى نزلوا على حُكْم حليفهم من قبلُ سعد بن معاذ - رضي الله عنه - فقال سعد - رضي الله عنه -: "قَدْ آنَ لسعد أَلا يُبَالِي في الله لَوْمَةَ لائِمٍ"، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ هؤلاء نزلوا على حُكْمِكَ»، قال سعد: فَإِنِّي أَحكُمُ أَن تُقْتَلَ المُقَاتِلَةُ، وأن تُسبَى الذُّريَّة، قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لقد حَكَمْتَ فيهم بِحُكْمِ الملِك»؛ (رواه الشيخان).

 

ونزل فيهم قول الله - تعالى -: {وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا} [الأحزاب: 26].

 

ولم يبقَ من اليهود في المدينة وما حولها إلا يهود خَيْبَر، وقد سكنها بعض بني النضير لما أُجلوا عن ديارهم، فأخذوا يحرِّضون أهل خيبر على معاداة النبي - صلى الله عليه وسلم - وينطلقون منها إلى أهل مكة لتحريضهم والوعد بمعونتهم على المسلمين، حتى كان من أسباب غزوة الخندق تحريض بني النضير في خيبر للمشركين على غزو المدينة، فلمَّا تمَّ صُلح الحديبية تفرَّغ النبي - صلى الله عليه وسلم - لأهل خيبر فغزاهم، وكانوا أشجع اليهود وأشدَّهم بأسًا، وأكثرهم سلاحًا وعتادًا، وأمنعهم قلاعًا وحصونًا، فلمَّا نزل بساحتهم وأصبحوا، فتحوا حصونهم وغدوا إلى أعمالهم، فَخَرَجُوا بِمَكَاتِلِهِم وَمَسَاحِيهِم فلمَّا رَأَوا النبي - صلى الله عليه وسلم - قالوا: محمد والله، محمد والخَمِيس - أي: الجيش - قال: فلمَّا رَآهُم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «الله أكبر، الله أكبر، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إذا نَزَلنَا بِسَاحَةِ قَومٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ»، فهربوا إلى حصونهم، فحاصرها النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبلى المسلمون في اقتحامها حتى سقطت حصنًا بعد حصن، سمَّى أهلُ السِّيَر منها ستةَ حصون، فخاف يهود فَدَك وصالحوا النبي - صلى الله عليه وسلم.

 

ولم تقم لليهود قائمةٌ بعد ذلك، بل كانوا أذلةً مستضعفين، نَعِموا بالأمن والحماية بعهد الذِّمَّة في بلاد الشام أثناء الخلافة الراشدة، ثم في الدولتين الأمويَّة والعباسيَّة، حتى احتلَّ الصليبيون بلاد الشام، فنكَّلوا باليهود وأحرقوهم أحياءً، فهربوا إلى الأندلس ونعموا بالأمن فيها تحت حُكْم المسلمين، فلمَّا سقطت (قُرطبة) في يد الصليبيين نكَّلوا باليهود وعذَّبوهم، فهربوا إلى الدولة العثمانيَّة التي آوتهم وحمتهم، فلمَّا نشأت (الحركة البروتستانتيَّة النصرانيَّة) والت اليهود، وتحالفت معهم، فتآمروا على دولة بني عثمان حتى أسقطوها، وكانت مكافأتهم إقامة دولتهم في فلسطين بعد قرون من الذِلَّة والاستضعاف، ولم يتغيَّر شيءٌ من طباع يهود العصر عن طباع سالفيهم، حيث الجبن والبخل وشدة الحرص على الحياة والمال، وبقيت عادة التَّترُّس خلف الجُدُر والحصون كما هي من قبل، رغم تطور الأساليب القتاليَّة، والمعدات العسكريَّة، إذ بعد انتصارهم بمعونة حلفائهم من الغرب فيما سُمِّي بالنكسة قبل أربعة عقود، بنوا حصنًا اقترحه رئيس أركانهم آنذاك (حاييم بارليف) فسُمِّي باسمه، وهدفه تأمين الضَّفة الشرقية لقناة السويس، وفي الدراسات العسكريَّة كان هو أقوى خطٍّ دفاعيٍّ في العسكريَّة الحديثة، وكان اليهود منتشين به، زاعمين أن أيَّ جيشٍ يحاول عبوره ستكون الإبادة مصيره، وفي معركة رمضان عام ثلاثة وسبعين ميلاديًّا اقتحمه المصريون ودمروه.

 

وعقب انتفاضة الأقصى ابتنى اليهود الجدار العازل بارتفاع يصل لتسعة أمتار، بطول يُقارب سبعمائة كيلو مترًا؛ ليحميهم من هجمات الفلسطينيين العُزَّل.

 

وعَقِب النصر المؤزَّر في غَزَّة العام الماضي يبتني لهم حلفاؤهم الجدار الفولاذي تحت الأرض بعمقٍ يصلُ إلى ثلاثين مترًا في بعض المناطق، وطول عشرة كيلو مترات، وصفائح حديديَّة بسُمْك نصف متر، وهي سابقة تاريخيَّة ستكون نكتةً للأجيال القادمة، أن أمَّةً عجزت وعجز حلفاؤها عن حمايتها، وإزالة الذُّعر من قلوب أفرادها حتى ابتنوا لهم جدرانًا فوق الأرض، وجدرانًا تحتها، هذا غير الملاجئ والأقبية والمخابئ المجهَّزة للطوارئ، وأُمَّة هذه نفسيَّة أفرادها، فلن تنتصر على من يطلبون الموت في سبيل الله - تعالى - وصدق ربُّنا - سبحانه -: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} [البقرة: 96]، {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ} [الحشر: 14].

 

نسأل الله - تعالى - أن يكبتهم وحلفاءهم، وأن ينصر المستضعفين عليهم، وأن يجعل جُدُرهم وحصونهم وبالاً عليهم؛ {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران: 126].

 

أيها المسلمون:

مع لجوء اليهود إلى الحصون والجُدُر التي لم تغنِ عنهم شيئًا لا في القديم ولا في الحديث، فإن خبث اليهود ومكرهم يظهر في قدرتهم على اختراق الحصون العقديَّة والفكريَّة والأخلاقيَّة لخصومهم، ففي القرن السادس عشر الميلادي اخترق اليهود عقيدةَ النصارى بنشوء البروتستانتيَّة المستمدَّة من تراث اليهود، التي تَحوَّل فيها العداء النصرانيُّ اليهودي إلى وفاق، واستطاع اليهود أن يُسخِّروا النصارى لخدمتهم، وتحقيق أهدافهم، وفي القرن الماضي اخترق اليهود الكاثوليكيَّة فطوَّعوها لهم، وأسس مفكرو اليهود المذاهب الماديَّة في الغرب التي اعتنقها كثيرٌ من الغربيين، فوالت أحزابُها اليهود بعد ذلك، فسَخَّر اليهود في الغرب الشِّقَّين (الديني والعلماني) لخدمة مصالحهم، وهو الحبل الإنسي الذي يمدُّ دولتهم بالبقاء والقوة إلى يومنا هذا؛ {إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ} [آل عمران: 112].

 

وقبل أقل من أربعة عقود من الآن، استطاع اليهود اختراق الحصون العربيَّة العلمانيَّة في (كامب ديفيد) الأولى، وما تَبِعها من اتفاقيات جائرة صارت بعض نخب العرب السياسيَّة، وأبواقها الإعلاميَّة العلمانيَّة تدافع عن الصهاينة أكثر من دفاعها عن أوطانها؛ لأنه زُيِّن لها أنها تستمدُّ قوتها منها، وبها تحقِّق مكاسبها السياسيَّة الخاصة على حساب الأمة عامَّةً، وبسفك دماء إخوانهم في غَزَّة خاصَّةً.

 

ومن المفارقات العجيبة أن الذين حطَّموا جدار (بارليف) اليهودي بجهد آبائهم وتضحياتهم قبل سبعة وثلاثين عامًا، هم الذين يبنون الآن الجدار الفولاذي تحت الأرض لخنق إخوانهم في غزَّة، ومعونة اليهود عليهم في عدوان جديدٍ بات وشيكًا بعد أن دُحِروا في عدوانهم السابق.

 

إنه الاختراق اليهوديُّ لحصون الأمة العقديَّة والفكريَّة والأخلاقيَّة، حين فرَّقوا المسلمين، وزعزعوا أُخوَّتهم الإيمانيَّة، ونزعوا من قلوب بعضهم الولاء لإخوانهم والبراء من أعدائهم، وأحلُّوا فيهم الأفكار الماديَّة النفعيَّة التي أدَّت إلى التضحية بالإخوة والأوطان والأمة جمعاء في سبيل مصالح آنيةٍ خاصَّة، وألغوا من أوساطهم أخلاقَ الرحمة والنجدة والإغاثة للمستضعفين والمُضامين من المسلمين.

 

ورغم تأزُّم الوضع، وعجز أكثر الأمة عن نجدة إخوانهم، وانتشار داء الخُذلان في أفرادها، والغثائيَّة في مجموعها، فإن الأمل بعد الله - عز وجل - في رجال صبروا لله - تعالى - ودحروا العدوان السابق، وسيدحرون كلَّ عدوان بإذن الله - تعالى - وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يزالُ من أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بأمر الله لا يَضُرُّهم من خَذَلَهم ولا من خالفهم حتى يَأْتِيَهم أمرُ الله وهم على ذلك»؛ رواه الشيخان، وفي رواية للطبرانيِّ بإسنادٍ ضعيف: قيل: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: «بأكنافِ بَيت المَقْدِس».

 

اللهمَّ فثبِّتهم وانصرهم، وارحم ضعفهم وعجزهم، وقوِّ عزائمهم، وادحر أعداءهم، إنك على كلِّ شيءٍ قدير.

وصلُّوا وسلِّموا.

الخميس، 21 ديسمبر 2023

فضل يوم الجمعة

 فضل يوم الجمعة



إن كثيرا من الناس قد فرطوا في فضل الجمعة، ويفوتهم كثير من خيره وأجره؛ إما جهلا بفضله، أو استهانة بشرفه

من عظيم نعمة الله تعالى علينا أن كتبنا في آخر الأمم، وأرسل إلينا خاتم الرسل، وأنزل علينا آخر الكتب، وفضل أمتنا على سائر الأمم، وشرع لنا من الشرائع ما يكون سببا لنجاتنا من عذابه، وفوزنا بجناته.

 

وكما فضل سبحانه وتعالى هذه الأمة على سائر الأمم فإنه عز وجل هداها لأفضل الشهور والأيام والليالي والأوقات؛ ليعمرها العباد بطاعته وذكره، فتكفر عنهم سيئاتهم، وترفع درجاتهم.

 

ومن الأيام العظيمة التي اختص الله تعالى بها هذه الأمة: يوم الجمعة، وما فيه من عبادات عظيمة، وشعائر كبيرة، كان يسمى في الجاهلية يوم العَرُوبة، فسمي في الإسلام يوم الجمعة.


وقد دلت الأحاديث الكثيرة على أن الله تعالى قد هدى هذه الأمة المباركة ليوم الجمعة، وهو يوم عظيم عند الله عز وجل، وأضلته الأمم الأخرى فلم توفق لإصابته، وتعظيم الله تعالى فيه؛ حتى إن اليهود لما فرض عليهم اختلفوا فيه فأضاعوه، فجعلوا مكانه السبت، وبقي هذا اليوم العظيم محفوظا لتختص به آخر أمة على سائر الأمم، وفي قول الله تعالى في شأن اليهود ﴿  {إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ}  ﴾ [النحل:124] قال قتادة رحمه الله تعالى: (أرادوا الجمعة فأخطئوا فأخذوا السبت مكانه). وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدا، والنصارى بعد غد» وفي رواية لمسلم: (فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه هدانا الله له قال:يوم الجمعة).


وروى حذيفة وأبو هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا فكان لليهود يومُ السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق» ولإجل ذلك حسد أهل الكتاب من اليهود والنصارى أهل الإسلام على اختصاصهم بالجمعة وهم قد ضلوا عنه؛ كما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنهم لا يحسدوننا على شيء كما يحسدوننا على الجمعة التي هدانا الله لها، وضلوا عنها» (رواه أحمد).


ولفضل هذا اليوم العظيم، ومنزلته عند رب العالمين؛ امتاز عن غيره من الأيام بمزايا عظيمة، واختص بفضائل وعبادات كثيرة؛ فهو عيد من أعياد المسلمين بقول النبي صلى الله عليه وسلم «إن هذا يومَ عيد جعله الله للمسلمين» رواه ابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما، وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن يوم الجمعة يوم عيد فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده».


ومن أعظم خصائصه، وأفضل مزاياه: اختصاصه بساعة يجاب فيها الدعاء؛ كما روى الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في الجمعة لساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يُصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إيَّاه، وأشار بيده يُقللَّها» وفي رواية لمسلم قال: (وهي ساعة خفيفة).

 

وجاء في هذه الساعة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها (ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة) كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنها: (آخر ساعة بعد العصر) وفي حديث ثالث قال عليه الصلاة والسلام: «إني قد كنت أعلمتها ثم أنسيتها كما أنسيت ليلة القدر».


ويوم الجمعة يوافق يوم المزيد في الجنة، حيث يجمع فيه أهل الجنة في وادٍ أفيح، ويُنصب لهم منابرُ من لؤلؤ، ومنابر من ذهب، ومنابر من زبرجد، وياقوت على كثبان المسك، فينظرون إلى ربهم تبارك وتعالى ويتجلى لهم، فيرونه عياناً، ويكون أسرعهم موافاة أعجلَهم رواحاً إلى المسجد وأقربهم منه أقربهم من الإمام.

 

وفي حديث طويل عن أنس رضي الله عنه قال: عرضت الجمعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء جبريل في كفه كالمرآة البيضاء في وسطها كالنكتة السوداء فقال: ما هذه يا جبريل قال هذه الجمعة يعرضها عليك ربك لتكون لك عيدا ولقومك من بعدك ولكم فيها خير تكون أنت الأول ويكون اليهود والنصارى من بعدك وفيها ساعة لا يدعو أحد ربه بخير هو له قسم إلا أعطاه أو يتعوذ من شر إلا دفع عنه ما هو أعظم منه ونحن ندعوه في الآخرة يوم المزيد.....إلى أن قال: فليسوا هم في الجنة بأشوق منهم إلى يوم الجمعة؛ ليزدادوا نظراً إلى ربهم عز وجل وكرامته؛ ولذلك دعي يوم المزيد) رواه الطبراني في الأوسط.


وهو أفضل الأيام وخيرها وسيدها؛ كما روى أوس بن أوس رضي الله عنه فقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من أفضل أيامكم يومَ الجمعة فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي» رواه أبو داود وصححه ابن حبان والحاكم. وروى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تطلع الشمس ولا تغرب على يوم أفضل من يوم الجمعة».


وابتداء خلق البشر كان يوم الجمعة؛ فأبونا آدم عليه السلام خلق فيه، وقبضت روحه فيه، وصعق الناس يوم القيامة يكون يوم الجمعة، والنفخ في أرواحهم للحساب يوم القيامة يكون أيضا يوم الجمعة؛ كما روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلق آدم عليه السلام، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة» وقال صلى الله عليه وسلم: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة» (رواه أبو داود).


ولذلك تشفق سائر المخلوقات منه؛ فرقا من يوم القيامة، إلا بني آدم؛ كما روى أبو لبابة بن عبد المنذر رضي الله عنه فقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها عند الله، وهو أعظم عند الله من يوم الأضحى ويوم الفطر، فيه خمس خلال: خلق الله فيه آدم، وأهبط الله فيه آدم إلى الأرض، وفيه توفى الله آدم، وفيه ساعة لا يسأل الله فيها العبد شيئا إلا أعطاه ما لم يسأل حراما، وفيه تقوم الساعة، ما من ملك مقرب، ولا سماء، ولا أرض، ولا رياح، ولا جبال، ولا بحر؛ إلا وهن يشفقن من يوم الجمعة» (رواه ابن ماجه).

 

وروى أبو هريرة رضي الله عنه فقال: (قدمت الشام فلقيت كعبا فكان يحدثني عن التوراة وأحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أتينا على ذكر يوم الجمعة، فحدثته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن في الجمعة ساعة لا يوافقها مسلم يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه، فقال كعب:....أتدري أي يوم هو؟ قلت: وأي يوم هو؟ قال: فيه خلق الله آدم، وفيه تقوم الساعة، والخلائق فيه مصيخة إلا الثقلين الجن والأنس خشية القيامة...) رواه أحمد.

 

والوفاة يوم الجمعة أو ليلتها علامة خير للمؤمن؛ لما جاء في الحديث: «من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة وُقِيَ فتنة القبر» (رواه أحمد).


والأعمال الصالحة فيه كالصدقة وغيرها خير من العمل في غيره من الأيام، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (والصدقة فيه بالنسبة إلى سائر أيام الأسبوع كالصدقة في شهر رمضان بالنسبة إلى سائر الشهور. ثم قال: وشاهدتُ شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه إذا خرج إلى الجمعة يأخذ ما وجد في البيت من خبز أو غيره فيتصدق به في طريقه سراً).


ومن أعظم ما اختص به يوم الجمعة: فرض هذه الصلاة العظيمة، وكان الأنصار رضي الله عنهم يقيمون الجمعة قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليهم؛ كما روى عبد الرحمن بن كعب بن مالك رحمه الله تعالى فقال: (كنت قائد أبي حين كُفَّ بصره، فإذا خرجت به إلى الجمعة، فسمع الأذان بها استغفر لأبي أسامةَ أسعدَ بنِ زرارة، فمكث حيناً على ذلك فقلت: إن هذا لعجز! ألا أسأله عن هذا؟! فخرجت به كما كنت أخرج فلما سمع الأذان للجمعة استغفر له، فقلت: يا أبتاه، أرأيتَ استغفارك لأسعدَ بنِ زرارة كلما سمعت الأذان يوم الجمعة؟ قال: أي بني، كان أسعدُ أولَ من جمَّع بنا بالمدينة قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم في هَزْم النَّبيتِ من حَرَّة بني بَياضة في نقيع يقال له: نقيع الخَضِمات. قلت: فكم كنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلاً) رواه أبو داود وصححه ابن حبان والحاكم وقال:على شرط مسلم.


وكان سبب اجتماعهم للجمعة قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم ما روى عبد الرزاق عن ابن سيرين رحمه الله تعالى قال: (جمَّع أهل المدينة قبل أن يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبل أن تنزل الجمعة وهم الذين سموها الجمعة فقالت الأنصار: لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى أيضا مثلُ ذلك فهلم فلنجعل يوما نجتمع ونذكر الله تعالى، ونصلي ونشكره فيه، فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوه يوم العروبة، وكانوا يسمون يوم الجمعة يوم العروبة، فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ، وذكرهم، فسموه الجمعة حتى اجتمعوا إليه، فذبح أسعد بن زرارة لهم شاة، فتغدوا وتعشوا من شاة واحدة؛ وذلك لقلتهم؛ فأنزل الله في ذلك بعد ذلك «إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله»  [الجمعة:9].

 

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وهذا كان مبدأَ الجمعة، ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام بقباءِ في بني عمرو ابن عوف؛ كما قاله ابن إسحاق يوم الاثنين، ويوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء، ويوم الخميس، وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي، وكانت أولَ جمعة صلاها بالمدينة، وذلك قبل تأسيس مسجده.اهـ


ومن خصائص يوم الجمعة فضيلة قراءة سورة الكهف فيه، فقد جاء في الحديث: (أن من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين) وفي لفظ: (أضاء له من النور فيما بينه وبين البيت العتيق) رواه الدارمي والحاكم.


ويوم الجمعة هو اليوم الذي يتواصل الناس فيه ويتزاورون، وفيه توصل الأرحام، ويوسع على الأهل والعيال، وفرح المسلمين به عظيم، ومنة الله تعالى عليهم به كبيرة، فنحمد الله تعالى على أن هدانا له، ونسأله سبحانه أن يوفقنا للعمل الصالح الذي يرضيه عنا، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا، إنه سميع قريب.

 

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا البَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}  [الجمعة:9 - 10]

 

واجب على المسلم أن يشكر الله تعالى على ما اختصت به هذه الأمة من يوم الجمعة، وليس من شكر الله تعالى ما اعتاده كثير من الناس من الاستهانة بهذا اليوم العظيم، وعدم إعطائه حقه من الاهتمام والعناية والتعظيم، وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم تعظيمُ هذا اليوم وتشريفُه وتخصيصُه بعبادات دون غيره.

 


إن كثيرا من الناس قد فرطوا في فضل الجمعة، ويفوتهم كثير من خيره وأجره؛ إما جهلا بفضله، أو استهانة بشرفه؛ فليلة الجمعة يسهرون فيها إلى قبيل الفجر، وسَهَرُ كثير منهم في مجالس تغشاها المحرمات من كل مكان، ولا يسمع فيها ذكر الله تعالى إلا قليلا، وهذا السهر يفوت على كثير منهم صلاة الفجر التي اختصت يوم الجمعة بفضيلة قراءة سورتي السجدة والإنسان.


وهذا السهر المشئوم يؤدي في الغالب إلى تأخرهم عن صلاة الجمعة، فكثير منهم لا يدرك تقريب دجاجة ولا بيضة، ومنهم من لا يحضر المسجد إلا وقد طوى الملائكة صحفهم يستمعون إلى الذكر، بل يبلغ التفريط ببعضهم أن تفوتهم صلاة الجمعة إما نوما، وإما خروجا إلى متنزهات وحدائق لا يخرجون إليها إلا يوم الجمعة، والناس في مساجدهم يسألون ربهم، نعوذ بالله من الحرمان والخذلان.


وبعض الناس يقصر في الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، مع أنه عليه الصلاة والسلام حث المؤمنين على الإكثار من الصلاة والسلام عليه يوم الجمعة، وأخبرهم أن ذلك يصله ويبلغه، ولو أن أحد الناس أيقن أنه لو كتب كتابا إلى ملك من ملوك الدنيا لبلغه ذلك الكتاب، وكافأه عليه، أو رفع عنه مظلمته؛ لبادر لكتابته، وأحسن فيها أشد الإحسان، فكيف إذن بصلاة وسلام تبلغان خير الخلق، وخاتم الرسل صلى الله عليه وسلم؟!‍


وبعض الناس يقصر في الدعاء يوم الجمعة، ويغفل عن ساعة الإجابة فيه، فيسأل الناس ربهم حاجاتهم وهو غافل عن ذلك،‍‍‍‍ وكل هذا التفريط يعد حرمانا عظيما، وخذلانا كبيرا، وفيه تفويت لأجور رتبت على هذه الأعمال الصالحة، فكم يخسر صاحبه من الثواب الجزيل!!


ألا فاتقوا الله ربكم أيها المؤمنون، وأعطوا يوم الجمعة حقه من العناية والاهتمام، وفرغوا أنفسكم فيه لاكتساب الحسنات، وتكفير الخطيئات، بالتبكير إلى الجمعات، والمحافظة على الجماعات، والإكثار من الباقيات الصالحات، والإلحاح على الله تعالى في الدعوات.


وصلوا وسلموا على نبيكم....

الاثنين، 11 ديسمبر 2023

دروس من سيرة أبي عبيدة رضيَ الله عنه

 دروس من سيرة أبي عبيدة رضيَ الله عنه



الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل

 

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَنْ يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاس اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70 - 71]. 

أما بعد، فيا أيها المؤمنون:

تحيا القلوبُ بذكر الصالحين من عباد الله تعالى، ولاسيَّما إذا كانوا خيارَ هذه الأمَّة ممَّن عايشوا التَّنْزيل، وصحبوا الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم ونشروا الإسلام في بقاع الأرض، فتذاكُرُ أخبارهم وسِيَرِهم يُفْرِحُ قلوب المؤمنين، ويُغيظُ المنافقين، ويقود إلى التأسِّي بهم، وهذه قطوفٌ من سيرةِ أحدهم في فضله ومناقبه، وزهده وأخلاقه، وجهاده وتضحياته، وإيثاره وإنفاقه.

 

كان منَ السابقين الأوَّلين، أسلمَ قبل دخول النبي صلَّى الله عليه وسلَّم دار الأَرْقَم بن أبي الأَرْقَم، وهو من المهاجرين، غزا مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وقاد الصحابة والتابعين في معارك كبرى، ويكفي في فضله: أن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قد شهد له بالجنَّة.

 

ذلكم هو أبو عُبَيْدَة عامرُ بن الجَرَّاح؛ أمين هذه الأمَّة، رضيَ الله عنه.

روى أنس بن مالك رضيَ الله عنه أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((إنَّ لكلِّ أمَّةٍ أمينًا، وإن أميننا أيتها الأمَّة أبو عُبَيْدَة بن الجَرَّاح))؛ رواه الشَّيْخان[1].

 

وفي لفظٍ لمسلم: إنَّ أهل اليمن قَدِموا على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقالوا: ابعث معنا رجلاً يعلِّمنا السُّنة والإسلام. قال: فأخذ بيد أبي عُبَيْدَة بن الجَرَّاح فقال: ((هذا أمين هذه الأمَّة))[2].

 

وقال عمر بن الخطاب رضيَ الله عنه: "ما تعرضتُ للإمارة، وما أحببتها، غير أنَّ ناسًا من أهل نَجْرَان أتوا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فاشتكوا إليه عاملهم؛ فقال: ((لأبعثن عليكم الأمين)). قال عمر: فكنتُ فيمَن تطاول؛ رجاء أن يبعثني، فبعث أبا عُبَيْدَة"؛ أخرجه الحاكم وصحَّحه، ووافقه الذَّهبيُّ[3].

وقال فيه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: ((نِعْمَ الرجل أبو عُبَيْدَة بن الجَرَّاح))[4].

 

لقد كان لهذا الصحابي منزلةٌ جليلةٌ، ومقامٌ رفيعٌ عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حيث سئلت عائشة رضيَ الله عنها: "مَنْ كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مستخلِفًا لو استخلَفه؟ قالت: أبو بكر. فقيل لها: ثمَّ مَنْ بعد أبي بكر؟ قالت: عمر. ثم قيل لها: مَنْ بعد عمر؟ قالت: أبو عُبَيْدَة بن الجَرَّاح. ثم انتهت إلى هذا"؛ رواه مسلمٌ[5].

 

ولما توفَِّي النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال أبو بكر يوم السَّقيفة: "قد رضيتُ لكم هذَيْن الرجلَيْن؛ فبايعوا أيهما شئتم". فأخذ بيد عمر ويد أبي عُبَيْدَة"[6].

 

إن هذا الفضل كلُّه جعل عمر بن الخطاب رضيَ الله عنه يقول لمَّا وقع الوباء في الشَّام: "إن أدركني أَجَلِي وأبو عُبَيْدَة حيٌّ اسْتَخْلَفْتُه، فإن سألني الله عزَّ وجلَّ: لم استخلفته على أمَّة محمدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم؟ قلتُ: إني سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: ((إنَّ لكلِّ نبيِّ أمَّةٍ أمينًا، وأميني أبو عُبَيْدَة بن الجَرَّاح))[7]. لكنَّ أبا عُبَيْدَة رضيَ الله عنه توفِّي في خلافة عمر بالطَّاعون.

 

ولمَّا بلغ معاذ بن جبل أنَّ بعضَ أهل الشام استعجزَ أبا عُبَيْدَة أيامَ حصار دمشق، ورجَّح خالد بن الوليد عليه؛ غضب معاذٌ وقال: "أبأبي عُبَيْدَة يُظَنُّ، والله إنه لمن خيرة مَنْ يمشي على الأرض"[8].

وقال عمر بن الخطاب يومًا لجلسائه: تمنوا، فتمنّوا، فقال عمر: "لكني أتمنَّى بيتًا ممتلئًا رجالاً مثل أبي عُبَيْدَة بن الجَرَّاح"[9].

 

ما بلغ أبو عُبَيْدَة هذه المنزلة الرفيعة عند الله تعالى، وعند رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، وعند الصحابة رضيَ الله عنهم، إلا بسَبْقِه في الإسلام، وتضحيته بكلِّ غالٍ في سبيل الله تعالى، مع زهدٍ في الدنيا، وإيثارٍ لدين الله تعالى على حظوظ نفسه، وحُسْنٍ في الأخلاق والسَّجايا.

 

أما الجهاد في سبيل الله تعالى فلقد شهد المَشاهد مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ولما توفِّي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بقيَ أبو عُبَيْدَة مجاهدًا خلافة الصديق رضيَ الله عنه وأوَّل خلافة الفاروق رضيَ الله عنه حتى كان رأس الجيش، وقائد المسلمين في وقعة اليرموك، التي استأصل الله فيها جيوش الروم، وقُتل منهم خَلْقٌ عظيمٌ.

لقد كان له رضيَ الله عنه خلال جهاده الطويل مواقفُ مشهودة، وبطولاتٌ محمودة؛ ثَبَتَ في أُحُدٍ مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حين انهزم الناس، وهو الذي نزع بثَنْيَتَيْه حَلْقَتَي المِغْفَر من وجْنَتَي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فسقطت ثناياه، وتألَّم من أجل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ولكن ثَغْرَهُ حَسُنَ بذهابهما، حتى قيل: "ما رُؤيَ هَتْمٌ قَطُّ أحسن من هَتْم أبي عُبَيْدَة"[10]. هذا مَثَلٌ يضربه أبو عُبَيْدَة في محبَّته لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وفدائه له بكلِّ شيءٍ.

ومَثَلٌ آخَر من تضحيات أبي عُبَيْدَة رضيَ الله عنه التي قلَّ أن توجد في البشر، هذا المَثَل يدلُّ دلالةً واضحةً على أن دين الله تعالى في قلب أبي عُبَيْدَة أهمُّ من أيِّ شيءٍ آخَر، فهو لا يوالي إلاَّ في الله، ولا يعادي إلاَّ فيه سبحانه وتعالى. ولقد صَدَقَ أبو عُبَيْدَة في موالاته ومعاداته مع الله تعالى، ولم يكن مجرد زاعم؛ بل حوَّل هذا الإيمان إلى واقعٍ محسوسٍ، حينما قَتَلَ أباه في غزوة بدرٍ على الشِّرك!

 

عن عبدالله بن شَوْذَب قال: "جعل أبو أبي عُبَيْدَة يتصدِّى لأبي عُبَيْدَة يوم بدرٍ، فجعل أبو عُبَيْدَة يحيد عنه، فلما أكثر، قَصَدَه أبو عُبَيْدَة فقتله؛ فأنزل الله عزَّ وجلَّ فيه هذه الآية: ﴿ لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ [المجادلة: 22][11].

الله أكبر، يقتلُ أبو عُبَيْدَة أباه في أوَّل معركةٍ في الإسلام بين الإيمان والكفر؛ ليثبت أن دين الله تعالى لا هوادة فيه، وليُدخل الرُّعب في قلوب المشركين، وليُعْلِمَهم أن المؤمنين عندهم الاستعدادُ التام للتضحية بأقرب قريبٍ، وبكلِّ غالٍ ونفيسٍ في سبيل الله تعالى.

 

إن هذا لهو الإيمان واليقين، فكيف إذا انضمَّ إلى ذلك إيثارُ دين الله تعالى على حظوظ النَّفس وهواها، وهل يحقِّق ذلك إلا الخُلَّص من عباد الله تعالى؟!

 

روى موسى بن عقبة: "أن عمرو بن العاص استمدَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في غزوة ذات السلاسل، فانتدب أبا بكر وعمر في سريَّةٍ منَ المهاجرين، فأمَّر نبي الله عليهم أبا عُبَيْدَة، فلما قدموا على عمرو بن العاص قال: أنا أميركم. فقال المهاجرون: بل أنت أميرُ أصحابك وأميرُنا أبو عُبَيْدَة، فقال عمرو: إنما أنتم مَدَدٌ أُمْدِدْتُ بكم. فلما رأى ذلك أبو عُبَيْدَة - وكان رجلاً حَسَنَ الخُلُق، ليِّن الشِّيمة، متَّبِعًا لأمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وعهده - فسلَّم الإمارة لعمرو". وفي رواية: "أن المُغِيرَةَ قال لأبي عُبَيْدَة رضيَ الله عنه: إن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أمَّرك علينا، وإن ابن النَّابغة ليس لك معه أمرٌ – يعني: عمرو بن العاص. فقال أبو عُبَيْدَة: إن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أمرنا أن نتطاوع، فأنا أطيعه لقول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم"[12].

رضيَ الله عن أبي عُبَيْدَة، كيف انتصر على نفسه وهواه، ودحر الشَّيطان، ولم يجعل للخلاف موضعًا.

 

إن هذا الانتصار على النفس هو الذي جعل جيوش الصحابة رضيَ الله عنهم تنتصر على قوى البغي والعدوان من المشركين العرب، والمنافقين، واليهود، وفارسَ والروم. كلُّ هذه الأمم حَطَّم الإسلامُ ظلمَ قادتها وساستها، ودخلت جماهيرهم في دين الله تعالى أفواجًا.

 

المشركون العربُ بشجاعتهم، والمنافقونُ بدسائسهم، واليهود بمكرهم وغدرهم، وفارسُ والرومُ بأعدادهم وعتادهم - لم يستطيعوا الصمود أمام جيش الإسلام؛ لأن أفراده انتصروا على أنفسهم، وقهروا رغباتهم لصالح الإسلام، فلم تُجْدِ فيهم الدَّسائس، ولم تنفع معهم المؤامرات والمكائد، فكانوا صفًّا واحدًا على أعدائهم، رغم قلَّة العدد والعتاد، لكن هذه القلَّة من أمثال أبي عُبَيْدَة رضيَ الله عنه قويةٌ من داخلها، متماسكةٌ في بنائها، تنهار أمامها قوى الأعداء مهما كانوا.

 

روى ابن المبارك: "أن عمر رضيَ الله عنه بلغه أن أبا عُبَيْدَة حُصر بالشام، وتألَّب عليه العدوُّ، فكتب إليه عمر:

أما بعد: فإنه ما نزل بعبدٍ مؤمنٍ شدَّةٌ إلا جعل اللهُ بعدها مخرجًا، وإنه لا يغلبُ عسرٌ يسرين، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا ﴾ [آل عمران: 200].

فكتب إليه أبو عُبَيْدَة:

أما بعد: فإن الله تعالى يقول: ﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ ﴾ [الحديد: 20]، فخرج عمر بكتابه، فقرأه على المنبر، فقال: يا أهل المدينة: إنما يعرِّض بكم أبو عُبَيْدَة أو بي، ارغبوا في الجهاد"[13].

 

ولما كان أبو عُبَيْدَة رضيَ الله عنه مجاهدًا حاثًّا على الجهاد؛ كان متقلِّلاً من الدنيا، همُّه الآخِرة، لا يدَّخر شيئًا من المال، فقد أرسل عمر إلى أبي عُبَيْدَة بأربعة آلاف درهم أو بأربعمائة دينار، وقال للرَّسول: "انظر ما يصنع بها، قال: فقسمها أبو عُبَيْدَة، ثمَّ أرسل إلى معاذ بمثلها، وقال للرَّسول مثلَ ما قال، فقسمها إلا شيئًا يسيرًا، قالت له امرأته: نحتاج إليه، فلما أخبر الرسول عمر قال: الحمد لله الذي جعل في الإسلام مَنْ يصنع هذا"[14].

 

لقد كان أبو عُبَيْدَة رضيَ الله عنه زاهدًا في الدنيا، وكان زهده حقيقةً لا تصنُّعًا وتكلُّفًا، وليس زهدًا من قلَّة، بل عن غنىً وجِدَةٍ وسَعَةٍ؛ فلقد كان أمير الشام لعمر بن الخطاب رضيَ الله عنه وقدم عمرُ إلى الشام لتفقُّد أحوال الناس، فقال لأبي عُبَيْدَة: "اذهب بنا إلى منزلكَ. قال: وما تصنعُ عندي؟ ما تريد إلا أن تُعصِّر عينيك عليَّ! قال: فدخل، فلم يَرَ شيئًا. قال: أين متاعُكَ؟ لا أرى إلا لِبْدًا وصَحْفَةً وشَنًّا، وأنت أميرٌ؟! أعندكَ طعامٌ؟ فقام أبو عُبَيْدَة إلى جَوْنَةٍ، فأخذ منها كُسَيْرَاتٍ؛ فبكى عمر، فقال له أبو عُبَيْدَة: قد قلتُ لكَ: إنك ستعصِّر عينيكَ عليَّ يا أمير المؤمنين، يكفيك ما يبلغك المقيل. قال عمر: غيَّرتنا الدنيا كلَّنا غيركَ يا أبا عُبَيْدَة"[15].

فيا لروعة تلك النفوس العظيمة التي ملكها أصحابها، فخطموها وألزموها كتابَ الله تعالى وسنةَ رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم فلم يكترثوا بالدُّنيا وقد حُطَّت عند أقدامهم، وتملَّكوها بأيديهم؛ وبذلك دانت لهم الأرض، وفتحوا البلدان.

 

فاللهم ارضَ عنهم وأرضهم، اللهم إنا نُشْهِدُكَ على محبَّة أصحاب نبيكَ صلَّى الله عليه وسلَّم اللهم إنا نتقرَّبُ إليك بذلك، ونتقرَّبُ إليك ببغض من أبغضهم، فارضَ اللهم عنهم، واحشرنا في زُمْرَتهم، واجمعنا بهم في دار النعيم.

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ [التوبة:100].

الأربعاء، 26 يوليو 2023

أيام الله تعالى.. تذكير الناس بها (1)

 أيام الله تعالى.. تذكير الناس بها (1)



د. إبراهيم بن محمد الحقيل

الحمد لله الخلاق العليم؛ له في خلقه شئون وآيات، وله في عباده أحوال وتقلبات؛ فيعز ويذل، ويغني ويفقر، ويعطي ويمنع، ويرفع ويضع {يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتَابِ} [الرعد:39] نحمده لذاته ولجميل أسمائه وأوصافه، وحكيم أقداره وأفعاله، ونشكره أن الملك ملكه، وأن الأمر أمره، وأن القدر قدره، لم يكل ذلك إلى أحد من خلقه، وإلا لضاع الخلق وضلوا وظلموا، {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف:49] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ أحصى خلقه كلهم، وعلى مقتضى حكمته ورحمته دبرهم، ولا يخرج عن تدبيره أحد منهم {يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن: 29] وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ علم الناس دينهم، ووعظهم بكتابهم، وبين لهم أحكامهم، وذكرهم بأيام ربهم، فلا خير إلا دل عليه، ولا شر إلا حذر منه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

 أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، وخذوا من مرور الأيام عظات وعبرا، ومما بقي من أعماركم زادا تجدونه لكم ذخرا، والزموا الطاعات بتقدم أعماركم؛ فإن الجياد المضمرة تزيد سرعتها عند بلوغها النهاية، فأسرعوا إلى لقاء ربكم باكتساب الحسنات، وأحسنوا الختام؛ فإنما الأعمال بالخواتيم.

 أيها الناس: التذكير بأيام الله تعالى تذكير بما أمر الله تعالى به، وبما فعله رسله عليه السلام حين ذكروا أقوامهم بأيام ربهم سبحانه وتعالى. وأيام الله تعالى تشمل نعمه سبحانه فيهم، وعذابه لأعدائهم، ووقائعه سبحانه في القرون الأولى. فتذكر النعم يؤدي إلى الشكر، وتذكر انتقام الله تعالى من الكفار والفجار يؤدي إلى الخوف والحذر والتوبة والإنابة. والتوبة مع الشكر سببان لإغداق النعم، ورفع النقم.

 ومن قرأ قصص المرسلين عليهم السلام في القرآن الكريم؛ وجد فيها تذكيرا بأيام الله تعالى، فكل نبي يذكر بها قومه؛ لئلا يصيبهم ما أصاب من كانوا قبلهم.

 هذا هود عليه السلام يذكر قومه بأيام الله تعالى فيهم حين استخلفهم في الأرض بعد هلاك قوم نوح عليه السلام؛ لئلا يسيروا سيرتهم؛ وليشكروا ربهم سبحانه على أيامه فيهم فقال لهم {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأعراف: 69]. ولكنهم لم يشكروا الله تعالى على أيامه فيهم، ولم يعتبروا بأيامه سبحانه فيمن كانوا قبلهم، فأصابهم ما أصابهم.

وخلفهم قوم صالح عليه السلام فذكرهم بأيام الله تعالى فيهم، وبأيامه سبحانه فيمن كانوا قبلهم من المكذبين، وما حل بهم من العذاب فقال لهم {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [الأعراف: 74].

 ولكن قوم صالح ساروا سيرة من كانوا قبلهم من قوم نوح وقوم هود، فحل بهم من العذاب ما حل بمن كانوا قبلهم، وجرت عليهم سنن الله تعالى وأيامه.

 ثم بُعث شعيب عليه السلام في قومه، فذكرهم بأيام الله تعالى فيهم، ونعمه عليهم، وحذرهم من سبل المفسدين ممن عذبوا قبلهم فقال لهم {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: 86].

 وفي مقام آخر ذكرهم بأيام الله تعالى فيمن كانوا قبلهم، محذرا إياهم من أن يصيبهم ما أصابهم إن أصروا على كفرهم وعدم شكرهم {وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ} [هود:89] ولكن قوم شعيب لم يشكروا الله تعالى على أيامه فيهم، ولم يتعظوا بأيامه سبحانه في المكذبين قبلهم. فعُذبوا كما عذبوا.

 وبعث الله تعالى موسى عليه السلام، وأنزل عليه التوراة، وأمره بتذكير بني إسرائيل بأيامه سبحانه فيهم، وبأيامه عز وجل في فرعون وجنده، وفي المكذبين من قبلهم {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [إبراهيم: 5]

وجاء عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ} [إبراهيم: 5] قَالَ: "بِنِعَمِ اللهِ" رواه أحمد، وفي رواية للنسائي أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «قَامَ مُوسَى يَوْمًا فِي قَوْمِهِ فَذَكَّرَهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ، وَأَيَّامُ اللهِ نَعْمَاؤُهُ».

 ومن قرأ القرآن تبين له أن أمة بني إسرائيل هي أكثر الأمم السابقة التي ذُكرت بأيام الله تعالى، وكرر في القرآن ذكر موسى عليه السلام وهو يذكرهم بها {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} [المائدة: 20]. وفي موضع آخر {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} [إبراهيم: 6]  وآيات أخرى سوى هذه فيها تذكير لبني إسرائيل بأيام الله تعالى فيهم حين أنجاهم من فرعون وجنده، وآتاهم من النعم والملك ما لم يؤت أحدا قبلهم، ولكنهم لم يشكروا الله تعالى على ما أعطاهم، ولم يعتبروا بأيام من كانوا قبلهم.

 ولما بعث الله تعالى نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم، أمره سبحانه أن يذكر أمته بالقرآن {فَذَكِّرْ بِالقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} [ق:45].

 وفي القرآن تذكير بأيام الله تعالى في هذه الأمة بخصوصها، فقال سبحانه مذكرا الصحابة رضي الله عنهم {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا}  [آل عمران:103] وفي مقام آخر قال سبحانه {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الأنفال: 26].

وفي مقام آخر أمره بالعفو عن أولئك الذين لا يأبهون بأيام الله تعالى حتى ينزل عليهم العذاب {قُلْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الجاثية:14] أَيْ: لَا يَرْجُونَ ثَوَابَهُ، وَلَا يَخَافُونَ بَأْسَه وَنِقَمَهُ.

 والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقص على أصحابه قصص السابقين ليعتبروا بما فيها من أيام الله تعالى، فقص عليهم قصة الأعمى والأبرص والأقرع، وكيف أن الله تعالى أذهب ما بهم من علل، وأغناهم من الفقر، وأعطاهم من المال، ثم ابتلاهم فكفر الأبرص والأقرع فنزل بهم عذاب الله تعالى، فعادت عللهم وفقرهم عليهم، وآمن الأعمى وشكر فنجا. فأيام شفائهم وإغداق النعم عليهم تستوجب الشكر، وبكفرهم نعمة الله تعالى استوجبوا العقوبة، فجرت عليهم أيام الله تعالى وسننه.

 إننا –يا عباد الله- نرفل في نعم لا تعد ولا تحصى، ورأينا أيام الله تعالى فيمن بدلوا نعمة الله كفرا، فأحلوا قومهم دار البوار، وإننا بشكر النعم نقيدها، وبكفرها نمحقها ونزيلها، وقد قال موسى عليه السلام لقومه في معرض تذكيره إياهم بأيام الله تعالى {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 6- 7] فحلت بهم أيام الله تعالى، ونزل بهم عذابه سبحانه بقوم سلطوا عليهم فاستباحوهم.

 نعوذ بالله تعالى من زوال نعمته، وتحول عافيته، وفجاءة نقمته، وجميع سخطه، ونسأله تعالى أن لا يؤاخذنا بذنوبنا ولا بما فعل السفهاء منا، وأن يعيننا على ما يرضيه، ويجنبنا ما يسخطه.

 وأقول قولي هذا وأستغفر الله...      

الخطبة الثانية

 الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

 أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، واعتبروا بمرور الليالي والأيام، وتتابع الشهور والأعوام؛ فكل عام يمضي على العبد يباعده عن دنياه، ويقربه من آخرته، ومن مات قامت قيامته، فلا توبة ولا عمل في القبور {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المنافقون: 10-11].

 أيها المسلمون: من أيقن بأيام الله تعالى علم أن للطغاة المجرمين في الأرض، الذين أنزلوا بالمسلمين الخطوب، وشردوا الشعوب، وفعلوا من الجرائم ما يعز على الحصر، واستباحوا من الحرمات ما يفوق الوصف... علم أن لهم أياما من أيام الله تعالى يُكتب فيها ذلهم، وتهوي فيها عروشهم، وتتمزق دولهم، ولو غرتهم قوتهم وجمعهم، وتحالفوا على أهل السنة لإفنائهم. وإن للمظلومين يوما ينتصرون فيه على من ظلمهم، وما نفع فرعون جمعه وقوته لما أغرقه الله تعالى، وكان يوم غرقه يوما عظيما من أيام الله تعالى في إهلاك الجبابرة المستكبرين، ونصر المؤمنين المستضعفين، حتى قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ عَاشُورَاءَ يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ اللهِ» وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «... صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» وأمر بمخالفة اليهود في صيامه وقال «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» روى كل هذه الأحاديث مسلم في صحيحه.

 فلنحرص – عباد الله – على صيام عاشوراء؛ لأنه يوم من أيام الله تعالى التي أهلك فيها الطغاة المتجبرين، ونصر فيها النبي والمؤمنين؛ وذلك تأسيا بالنبي عليه الصلاة والسلام حين صامه وأمر بصيامه.

 ولنعلم أن لطغاة العصر من الصليبيين والصهاينة والباطنيين والمنافقين الذين أذاقوا المسلمين الويلات أياما تهن فيها قوتهم، ويتفرق جمعهم، وتندحر جيوشهم.. يوم ينصر الله تعالى فيه الحق وأهله، ويدحر الباطل وجنده، فلا نيأس ولا نهن ولا نستبطئ نصر الله تعالى ووعده؛ فإن وعده حق {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم:4- 6].

وصلوا وسلموا على نبيكم....