مَن يصنع النصر؟ ومَن يدفع ثمن السقوط؟
كيف تتشكل نهضة الأمم أو سقوطها عبر تراكمات تمتد لعقود وقرون، ولماذا قد يُساء تحميل جيل واحد مسؤولية نتائج الماضي، وما دور الأفراد في صناعة التحول الحضاري وبناء مستقبل أممهم؟
الدرة (( إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسدهُ، إِنْ سَاحَ طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ )) الامام الشافعي
مَن يصنع النصر؟ ومَن يدفع ثمن السقوط؟
كيف تتشكل نهضة الأمم أو سقوطها عبر تراكمات تمتد لعقود وقرون، ولماذا قد يُساء تحميل جيل واحد مسؤولية نتائج الماضي، وما دور الأفراد في صناعة التحول الحضاري وبناء مستقبل أممهم؟
مَن يصنع النصر؟ ومَن يدفع ثمن السقوط؟
كيف تتشكل نهضة الأمم أو سقوطها عبر تراكمات تمتد لعقود وقرون، ولماذا قد يُساء تحميل جيل واحد مسؤولية نتائج الماضي، وما دور الأفراد في صناعة التحول الحضاري وبناء مستقبل أممهم؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين؛ نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
زاوية مُهمَّة في المسيرة الحضارية لأيّ أُمَّة، تتعلق
بالصعود أو السقوط الحضاري والأُممي، فالتاريخ
بِطُوله وعَرْضه يشهد -بين حين وآخر- ولادةَ دول
وأُفولَ أخرى، ويشهد رَغَدًا واستقرارًا في حين أو
مكان أو حقبة، ويشهد ضدّها، كما شهد أنواعًا من
العقوبات والأخذ لأُمم كثيرة.
ومن التسطيح المقيت نسبةُ بعض النهايات الحسنة أو
السيئة في أُمَّة من الأمم إلى جيلها المعاصر لتلك
النهايات وحده! وإنما هي في الحقيقة نهايات بَنَتْها
تراكماتُ الماضي والماضين، وسار على خطاها
اللاحقون، إنها نهايات كانت تُنْسَج أوشحتها وتُبنَى
وتُشَيَّد صروحها على مدى العقود أو ربما القرون
السابقة، ولكن في غفلة من الأكثرين.
فالآثار الأممية ثقيلة المَحْمَل، بطيئة السير، لا تظهر
إلا بعد جيل أو أجيال، بحسب ضخامتها، وقد تتسارع
بما هو أقل من ذلك زمنًا؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ
النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ
إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً
وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: 61]، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ
يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ
دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ
فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر: 45]؛ فَتَوَسُّعُ
قاعدة الاستقامة على شرع الله في مجتمع، أو
انحسارُها؛ سببٌ لجلب أنواع البركات، أو رحيلها
شيئًا فشيئًا؛ طردًا وعكسًا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا
يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:
11]، وسُئِلَ النبي صلى الله عليه وسلم : «أنهلك
وفينا الصالحون؟ قال: «نعم، إذا كثر الخبث»[1].
فتظهر بعد حين من الزمن نتائج الأعمال الكبرى
والمشروعات العظمى الحسنة أو السيئة على مستوى
الأُمَّة فما دون: التربوية والتعليمية والاقتصادية
والاجتماعية والأمنية والعسكرية، وغيرها من عموم
البرامج والمشروعات، والسطحي قصير النظر يظن
أنها من نتاج عصره ومعاصريه.
طوفان نوح -عليه السلام- استُحِقَّ على ذلك الجيل،
بعد تراكمات السنين؛ ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾
[نوح: 27]، حتى وصلت الحال إلى طريق مسدود،
واستحال الإصلاح المنشود؛ ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ
لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ﴾ [هود: 36]،
﴿وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: 40]،
أتدري كم لبث كل نبي في قومه! وهم يُكذِّبونه
ويسخرون منه ويستهزئون به! إنها أزمان متطاولة،
حتى إذا تراكمت الضلالات، واستحكمت الغواية،
وحانت ساعة الصفر، وحق القول بالهلاك العام...
حل القضاء، ونزل البلاء، وضاق الفضاء، فلم يُجْدِ
النُّصْح، ولم تنفع الحيلة، فأصوات المصلحين كانت
تنطلق في الفضاء، وتتهادى للأسماع، ولكن لا
مُجيب! فالنخر كان قد بدأ في المبنى منذ وقت مبكّر،
واستشرى على مدى الزمن، حتى وصل الأمر إلى
نقطة اللاعودة؛ ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا
بَأْسَنَا﴾ [غافر: 85]، ﴿آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ
مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: 91]، ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ
آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ [يونس: 98].
حين نفتِّش في عمق التاريخ سنجد الكثير من الأمثلة،
لأقوياء صادقين، وقادة مخلصين، ناؤوا بالحمل على
أكتافهم، وقت تصدُّع البناء، وظهور نُذُر البلاء،
وأُمّتهم تَخِرّ من السماء، لتهويَ في وادٍ سحيق،
ولكن.. بعد فوات الأوان، فقد تفككت العُرَى،
وتمزقت الأوصال، وانعدم المُعين أو قلّ، وفُقِد
المُؤازِر أو ضلّ، فلا شاعرَ بالمصاب، ولا شاعرَ
يصدح بالقصائد والخطاب، ولا مستمعَ لنُصْح أو
عتاب، فيبقى هذا العصامي وحيدًا فريدًا، يسبح ضد
تيار الفساد البنيوي والانهيار الاقتصادي والضعف
العسكري والفساد الأخلاقي والتفكك الاجتماعي؛
﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: 3]؛ فالأمة ترهلت، فلم تعد
قادرة على العودة معه إلى الجد، والنفوس تنعّمت،
فلم تَقْوَ على متطلبات التقوى! فتسقط فوق رأسه
دولته، ويتهاوى من حوله مجتمعه، والناس تظنّه هو
السبب، ومنه كانت المصيبة والعطب، والأمر لا
يعدو أن يكون فيروسًا استشرى في الجسد عبر
السنين، غفل عنه أكثر الماضين، وغَذَّاه آخرون،
حتى حانت لحظة السقوط والنهاية.
ضابط المخابرات السوفييتي الهارب إلى الغرب عام
1970م يوري ألكسندروڤيتش بيزمينوف له
محاضرات في شرح إستراتيجيات تدمير الدول
والمجتمعات، دون أن تُطلق رصاصة واحدة، منها
محاضرة ألقاها عام 1984م؛ تضمنت ذكر أربع
مراحل لتدمير المجتمعات؛ تعنينا منها هنا المرحلة
الأولى عبر التركيز على تدمير الدين والأخلاق
والترابط الأُسري والمجتمعي في المجتمع
المستهدَف، وتكفي 15 إلى 20 سنة لإحداث هذا
التغيير المنشود، ثم سَيُدِير المُلوّثون في هذا الجيل
بأنفسهم عجلة الإفساد في مجتمعاتهم، كما لن يتقبلوا
أي عملية غسل وتطهير وتنظيف، فقد أُصيبوا في
وحدة المعالجة المركزية (Central
Processing Unit CPU)[2].
لقد كان الإمام أحمد -رحمه الله- يرى أن علماء وَقْتِه
لو صمدوا في فتنة القول بخلق القرآن؛ ما استطاع
المعتزلة ولا عصاهم «المأمون فالمعتصم فالواثق»،
ولا قدرت سلطاتهم أن تكسرهم، فلو صمد الكبار
وأجمعوا على الامتناع، لانتهت المحنة وانقضت
الفتنة ووُئِدَت في مهدها، ولكن استجابتهم الواحد تلو
الآخر أغرت بالاستمرار وفتحت الباب للتمادي
وطول أمد المحنة؛ فاستمرت من المأمون إلى
المعتصم فالواثق، ولم تتوقف إلا في عهد المتوكل
-رحمه الله-، قال حنبل بن إسحاق بن حنبل، -ابن عم
أحمد بن حنبل-[3]: «سمعت أبا عبد الله -وذكر الذين
حُمِلُوا إلى الرقة إلى المأمون، وأجابوا وهم سبعة-
فذكرهم فقال: هؤلاء لو كانوا صبروا وقاموا لله -عز
وجل-؛ لكان الأمر قد انقطع، وحَذِرَهُم الرجل -يعني:
المأمون-، ولكن لما أجابوا وهم عين البلد اجترأ على
غيرهم. فكان أبو عبد الله إذا ذكرهم يغتمّ لذلك،
فيقول: «هم أول مَن ثلم هذه الثلمة، وأفسد هذا
الأمر».
فالسقوط الحضاري والأُممي غالبًا ليس مِن فِعْل
المعاصرين وحدهم؛ فالمعاصرون في الغالب هم
الحَجَر الأخير الذي بنَزْعه ينهار البرج، فلا يعدو
الحاضر أن يكون مجرد إفراز للماضي وامتداد له،
وقشَّة أُضيفت إلى ظهر البعير المُنهَك والمُحَمَّل أعباءً
فقَصَمته، ولذلك نجد في التاريخ حُكامًا وولاة أقوياء،
يكون قَدَرُهم أن يظهروا زمن الانحدار، ولا يألون
جهدًا في النهوض، ولكنّ الحِمْل ثقيل، والركام هائل،
فلم يستطيعوا الإنقاذ، فواصل المبنى انهياره.
والأمر نفسه يقال في نهضة الأمة وتمكّنها وعزّها
ورخائها وأمنها، فإنه يُبنَى عبر عقود أو قرون؛ ففتح
بيت المقدس على يد صلاح الدين الأيوبي سبقته
جهود جبارة في إعادة الأُمّة إلى العلم والعمل؛
فالمدارس النظامية[4] -على ما فيها من انحراف
عقدي بحسب السائد وقتها-، قد انتشرت في شرق
العالم الإسلامي ووسطه على مدى قرن ونصف
القرن قبل هذا الفتح المجيد.
ولربما امتد الرخاء والأمن في أُمَّة أو دولة رغم
توقف أسبابه! لأن آثار هذا التوقف ليست فورية فلن
يشهدها هذا الجيل، ولن تظهر إلا بعد حين!
وعلى المستوى الأدنى... فما أكثر ما يُظلَم مسؤولٌ
أحرق نفسه بالعمل الجاد والبناء والتأسيس
والتأصيل، ثم يرحل من مكانه ذلك لأيّ سبب، ليأتي
بعده مسؤول (ناعس) يَدُور على تلك المشروعات
مصحوبًا بمراسم الافتتاح والإطلاق، لتُصَبّ في
رصيده الفارغ أصلاً، وتُدَوَّن ضمن سيرته الذاتية،
وتحسب تلك الإنجازات الضخمة ضمن مسيرة
عصره الزاهر! والمضحك المبكي أنه قد لا يعرف
الكثير عن الكثير منها.
والأسوأ حالاً أن ترى هذا الصنف يحارب أسباب
النجاح التي قَعَّدها وأَصَّلها السابقون بعرق الجبين
وسهر الليالي، وهو الذي يتفيأ ظلالها اليوم، وينعم
بآثارها ومنجزاتها، ويهدب ويقطف من ثمارها!
مستعيدًا قصة ذلك الأحمق الذي اعتلى شجرة سامقة،
وامتطى غصنًا غليظًا منها، وبدأ ينشر الغصن مما
يلي الشجرة.. ليسقط على أُمّ رأسه، ويلحقه غُصنه
ومنشاره.
ومن الطرائف الحقيقية الشاهدة لهذا أن مقرًّا عسكريًّا
فُرِضَ عليهم في إحدى الحروب رباطٌ، ولكن في
مُجَمّعهم السكني مع أهاليهم (تحت الطلب)؛ فكانت
هناك إنجازات (اجتماعية) لم يظهر أثرها الواضح
إلا بعد ست سنوات، حين اضطروا داخل هذا السكن
لفتح فصل إضافي آخر للصف الأول الابتدائي!!
لاستقبال القادمين إلى الحياة، من آثار ذلك الحجر أو
الرباط! ثم عادت المياه إلى مجاريها في العام القادم
بالاكتفاء بفصل واحد!
فهل نجعل مِن أنفسنا لبنة في بناء الأمة وحلقة في
سلسلة مَجْدها ونهضتها، علم ذلك مَن عَلِمه، وجهله
من جهله، ما دام الله -تبارك وتعالى- يعلمه، فلقد قال
كعب بن مالك -رضي الله عنه- في الذَّبّ عن عِرْض
النبي صلى الله عليه وسلم ، وهجاء مشركي مكة:
هَمَّت سخينة أن تُغالِب ربّها
فَلَيُغْلَبَنَّ مُغالِب الغلّاب
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «أمَا إن الله لم يَنْسَ
لك ذلك».[5]
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا
محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[1] أخرجه البخاري في أربعة مواضع: (3168، 3403، 6650، 6716)، ومسلم: (2880).
[2] في كتابه: «ذكر محنة الإمام أحمد» (34).
[3] انظر: مجلة البيان، العدد: (473) في 29 من ذي الحجة 1447هـ.
[4] المدارس النظامية هي المدارس التي أُسِّست في عهد الدولة السلجوقية، أسَّسها الوزير الشهير نظام الملك (الحسن بن علي الطوسي) في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي). سُمِّيت بهذا الاسم نسبةً إليه؛ لأنه أول مَن خطَّط لها، وأنشأها، وأوقف عليها الأوقاف الكثيرة.
[5] أخرجه الحاكم (6065)، وقوَّاه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (1970).
تسليم سلاح حماس: مناورة أم استسلام!!
هل يعني تسليم سلاح حماس نهاية المقاومة أم بداية مرحلة جديدة من الصراع؟ خلف هذا السؤال تختبئ لعبة سياسية وعسكرية معقدة، تتقاطع فيها حسابات البقاء مع شروط الهدنة.
"وحتى لو تخلّت حماس عن جزءٍ من ترسانتها في المستقبل، فهذا لا يعني بالضرورة أنها مستعدّة للتخلي عن نفوذها ومكانتها في القطاع"
هذا ما ختم به الكاتب الصهيوني الشهير عاموس هرئيل مقاله في صحيفة هآرتس.
وأضاف هرئيل: "إن أوهام اليمين، بشأن الهزيمة الكاملة لحماس، وطرد الفلسطينيين من قطاع غزة، وإقامة مستوطنة جديدة مكانها بعيدة كل البعد عن التحقق. وحتى لو تخلت حماس عن جزءٍ من ترسانتها في المستقبل، فهذا لا يعني بالضرورة أنها مستعدة للتخلي عن نفوذها ومكانتها في القطاع".
يأتي هذا المقال في خضم مرحلة خطيرة وحاسمة تمر بها القضية الفلسطينية، في أعقاب الهدنة المؤقتة التي يمر بها قطاع غزة في منذ بداية طوفان الأقصى، والتي مارس فيها الصهاينة حملة إبادة جماعية ضد أهالي القطاع، في محاولة لتهجيرهم من القطاع وعودة المستوطنات اليهودية مرة أخرى.
وعلى الرغم من تراجع أعداد الشهداء من الفلسطينيين بعد الهدنة أو ما يعرف بخطة ترامب لغزة، ولكن لا تزال حملة الصهاينة مستمرة ولم تتوقف، سواء في تصفية قادة المقاومة وأسرهم أم في هدم المنازل وتسويتها بالأرض.
ولكن الأهم والأخطر في هذه المرحلة، هو الوصول إلى لحظة تنفيذ استحقاق وافقت عليه المقاومة من بين شروط الهدنة، وهو تسليم سلاحها.
بينما شرعت جهات عديدة في انتقاد المقاومة لنيتها في تسليم سلاحها، دافع الكثير عن موقف المقاومة، وطلبوا من الجميع أن يتريثوا في الحكم على المقاومة بالتخاذل والاستسلام وأن الأمر مخالف لما يعتقدون.
فما حقيقة موقف فصائل المقاومة في غزة، من قضية تسليم سلاحها.
وما سبيلنا لفهم وإدراك موقف المقاومة الحقيقي؟
لفهم حقيقة موقف فصائل المقاومة من قضية تسليم السلاح، وما إذا كان ذلك يُعد مناورة أم استسلاماً، يجب تحليل المشهد من زوايا سياسية وعسكرية استراتيجية، بعيداً عن العاطفة أو الأحكام المتسرعة.
يتمثل الهدف الاكبر للمقاومة في حماية البنية التنظيمية والقيادية من الاستئصال لضمان استمرار المقاومة للاحتلال، ومنع التهجير القسري أو التغيير الديموغرافي الدائم لقطاع غزة. |
فالهدنة الحالية ليست مجرد وقف لإطلاق النار؛ بل هي مسرح لإعادة رسم خريطة القوى. والمقاومة التي تسلّم سلاحها دون ضمانات حقيقية تكون قد خسرت المعركة قبل أن تبدأ، والتي تتمسك به دون حساب للتكلفة قد تخسر القدرة على الاستمرار. لذلك، السؤال الحقيقي ليس هل ستسلم المقاومة السلاح؟ بل ما هي شروط وآليات أي ترتيب مستقبلي للسلاح؟ وهذا يحتاج بالضبط إلى إطار علمي لفهم ما يحدث.
طريق للفهم
هناك ثلاث خطوات نحاول تتبعها لكي تعيننا على فهم ما يحدث:
1 تحديد الفاعلين ومصالحهم الكبرى واستراتيجياتهم.
2 تحليل اللعبة ثنائية المستوى.
3 تقدير حجم الانهاك وحسابات التكلفة للطرفين.
ولنبدأ في شرح كل خطوة من هذه الخطوات:
الخطوة الاولى: الأطراف الفاعلة بين الأهداف والاستراتيجيات
تحديد الفاعلين الأساسيين وأهدافهم الوجودية والاستراتيجية يمثل حجر الزاوية لبدء التطبيق العملي للخطوة الأولى في التحليل:
1. المقاومة الفلسطينية (حماس والفصائل)
يتمثل الهدف الاكبر للمقاومة في حماية البنية التنظيمية والقيادية من الاستئصال لضمان استمرار المقاومة للاحتلال، ومنع التهجير القسري أو التغيير الديموغرافي الدائم لقطاع غزة.
ولذلك جاءت الاستراتيجية بإدارة كلفة الحرب عبر إبداء مرونة تكتيكية (قد تشمل السلاح الظاهر) مقابل حماية الحاضنة الشعبية، وتثبيت النفوذ السياسي والاجتماعي كفاعل رئيسي لا يمكن إزاحته من معادلة اليوم التالي.
2. المستوى السياسي والأمني الصهيوني
يصر الائتلاف الحكومي واليمين في أهدافه الكبرى، على تحقيق صورة الهزيمة الكاملة، والحفاظ على التماسك السياسي الداخلي، وتوسيع المساحة العازلة داخل القطاع.
تحاول أمريكا من خلال تدخلها في غزة ضمان أمن الكيان، وانقاذه من فخ المتشددين الصهاينة والذين أدخلوا الكيان في حائط سد، كذلك تحاول أمريكا تهدئة المنطقة، ومنع التشتت الاستراتيجي |
ولذلك فإن استراتيجية المؤسسة الأمنية والعسكرية لدولة الكيان تتبلور حول تحييد التهديدات الهجومية، وتفكيك القوة الصلبة للمقاومة، مع الاستفادة من التهدئة لاستعادة الردع دون التورط المباشر في إدارة الحياة المدنية اليومية للسكان.
3. الوسطاء والفاعلون الإقليميون (مصر، قطر وتركيا)
يتمثل الهدف الأمني، لمصر في منع التدفق السكاني القسري نحو الحدود، (الخط الأحمر المصري بشأن سيناء)، وفي نفس الوقت فإن الاحتفاظ بالمقاومة يعد الورقة الوحيدة في جعبة مصر لدور إقليمي متراجع.
بينما هدف قطر يتمحور حول الاحتفاظ بورقة المقاومة لضمان موقعا استراتيجيا في قلب المعادلات الدولية، ويحول دون تفرد خصومها الإقليميين بفرض سياسات تهمش دورها السيادي.
ويتلخص هدف القيادة التركية، في أن جزء من استقرار بنيتها الحاكمة وشرعيتها السياسية مبني على تمثيل الفضاء الإقليمي الإسلامي، فتفكيك المقاومة بالكامل يُقرأ داخلياً وخارجياً كهزيمة للمشروع الإقليمي التركي وكسر لتوازن القوى لصالح إسرائيل.
لهذه الأسباب قامت استراتيجيات الدول الثلاث الوسيطة على تثبيت الهدنة، وقيادة جهود الإغاثة وإعادة الإعمار، والحفاظ على موقع الوسيط النافذ والمقبول من جميع الأطراف، والضغط على الوسيط الأمريكي لكي يقوم بدوره بإلزام الصهاينة بتطبيق الخطة، وفي نفس الوقت ترشيد استجابة المقاومة في تعاملها السياسي.
4. الطرف الدولي الضامن (الإدارة الأمريكية)
تحاول أمريكا من خلال تدخلها في غزة ضمان أمن الكيان، وانقاذه من فخ المتشددين الصهاينة والذين أدخلوا الكيان في حائط سد، كذلك تحاول أمريكا تهدئة المنطقة، ومنع التشتت الاستراتيجي، بتجنب التورط العسكري المباشر في حرب إقليمية واسعة تُعطل تفرغها لمواجهة الصين وروسيا.
لذلك جاءت الاستراتيجية الأمريكية لتحاول إيجاد صيغة حوكمة جديدة لقطاع غزة؛ تضمن الأمن للكيان، وتدمج أطرافاً عربية ودولية في إدارة المرحلة الانتقالية، مع الحد من الأعباء الدبلوماسية والتنفيذية للنزاع.
والخلاصة: دولة الكيان تهدف إلى تحويل خطة ترامب إلى تصفية سياسية وعسكرية كاملة للمقاومة، بينما تسعى المقاومة لتحويله إلى مجرد مناورة تنفذ انحناءً مرحلياً يحفظ الذات والنفوذ.
الخطوة الثانية: تحليل اللعبة ثنائية المستوى
يعتمد تحليل اللعبة ثنائية المستوى على المفهوم الذي طوره عالم السياسة روبرت بوتنام، على أن أي مفاوض أو صانع قرار يخوض معركة على جبهتين متزامنتين:
المستوى الأول (الخارجي الدولي)، حيث طاولة المفاوضات الإقليمية والدولية للتوصل إلى صفقة أو اتفاق.
المستوى الثاني (الداخلي المحلي)، حين تتركز القدرة على تمرير هذا الاتفاق وإقناع الجبهة الداخلية (القواعد الشعبية، الأجنحة العسكرية، والائتلافات السياسية) بقبوله دون السقوط أو فقدان الشرعية.
لتطبيق هذه الخطوة على ملف تسليم السلاح وضوابط الهدنة في غزة، بالنسبة للمقاومة الفلسطينية (حماس والفصائل) نجد الآتي:
1. الضغوط والالتزامات على المستوى الخارجي:
تتعرض قيادة الحركة لضغوط مكثفة من الوسطاء الإقليميين (مصر، قطر، تركيا) والضامنين الدوليين للتعاطي المرن مع شروط الهدنة، وصيغ إدارة قطاع غزة، بما في ذلك تقديم تنازلات إجرائية حول الترسانة العسكرية، والقبول بإدارة مدنية لتفادي الاستئصال وإيقاف نزيف الحاضنة الشعبية.
ولذلك تحاول حماس إظهار مرونة تفاوضية، لمنع التحلل من التزامات الهدنة الدولية وكسب الوقت لإعادة الإعمار والالتقاط الأنفاس.
2. القيود والخطوط الحمراء على المستوى الداخلي:
تتمثل الجبهة الداخلية للحركة في الجناح العسكري (كتائب القسام)، والقواعد التنظيمية الصلبة، والحاضنة الشعبية التي دفعت أثماناً باهظة.
فتسليم السلاح المادي بشكل مهين، أو دون مقابل سياسي ملموس (مثل مسار موثوق لإنهاء الاحتلال ودولة فلسطينية)، يُعد انتحاراً سياسياً وإستراتيجياً، وسيُقرأ داخل الحركة كاستسلام يفكك بنيتها ويُفقدها مشروعيتها الوجودية.
3. منطقة التوافق الممكنة لدى المقاومة:
هذه المنطقة تتبلور في نظر المقاومة، في الموافقة على صيغ تكتيكية بالمستوى الأول (مثل: تجميد السلاح الظاهر، أو تحويل إدارة بعض المظاهر الأمنية لهيئة توافق وطني) شريطة ألا يمس ذلك البنية الكامنة للمقاومة، لضمان تسويقها في المستوى الثاني كانحناءة مرحلية لحماية الشعب، وليس كتجريد تام من القوة.
الخلاصة: القضية ليست مجرد نص يُوقع، بل مدى قدرة كل طرف على صياغة جمل تسمح للمقاومة بالحفاظ على بنيتها الثلاثية (المستوى الثاني)، بينما تمنح الوسطاء والخصم نصاً يستجيب لمتطلبات الهدنة (المستوى الأول).
الخطوة الثالثة: تقدير حجم الانهاك وحسابات التكلفة للطرفين
يستند تقدير توازن الإنهاك، إلى مفهوم في علم السياسة يطلق عليه "الجمود المؤلم المتبادل"؛ وهو اللحظة التي يدرك فيها الطرفان أن كلفة استمرار القتال المباشر باتت تتجاوز أي مكاسب استراتيجية متوقعة.
ففي جانب المقاومة الفلسطينية (حماس والفصائل)، تتنوع مؤشرات الإنهاك، وحجم النزيف:
فهناك الإنهاك المجتمعي، مثل الضغط الهائل الناتج عن الكلفة البشرية غير المسبوقة للحاضنة الشعبية، والتدمير الشامل للبنية التحتية، وخطر الانهيار المجتمعي والتهجير.
وهناك أيضا الإنهاك العسكري، من استنزاف جزء كبير من الترسانة الصلبة (خاصة الصاروخية والثقيلة)، وفقدان العديد من الكوادر والقيادات التنظيمية، وصعوبة خطوط الإمداد.
وهذان الانهاكان، أدى إلى أمرين:
الأمر الأول، أن كلفة استمرار القتال بالشكل الحالي، يعني المخاطرة بالفناء الكامل للحاضنة الشعبية، وتحقق مخطط التهجير القسري وتصفية الوجود التنظيمي.
والأمر الثاني، أن كلفة المرونة التفاوضية وبالذات التعاطي مع بند السلاح، يؤدي الى القبول بتنازلات مؤلمة لإيقاف الحرب، مقابل المكسب الأكبر وهو البقاء على الأرض، وحفظ النواة التنظيمية، وتجنب التصفية الوجودية.
أما في جانب الاحتلال الصهيوني، هناك أيضا مؤشرات إنهاك:
أولها الإنهاك العسكري والاقتصادي مثل تآكل قوات الاحتياط، واستنزاف الذخائر والمعدات، والكلفة المالية الباهظة للحرب الممتدة، والانكماش الاقتصادي.
وهناك أيضا الإنهاك السياسي والدبلوماسي، مثل اتساع العزلة الدولية، والملاحقات القانونية للقيادات، وتزايد الانقسام الداخلي الحاد، وفقدان الردع الشامل.
فباتت كلفة استمرار القتال، معناها التورط في حرب استنزاف وحروب عصابات طويلة المدى، دون القدرة على تحقيق حسم سياسي أو عسكري ناجز، وأظهر عجزا عن تحقيق هدف الهزيمة الكاملة لحماس، مما يُظهر حدود القوة الصهيونية، ويُهدد الاستقرار السياسي للحكومة.
الخلاصة: قضية تسليم السلاح في حسابات التكلفة ليست استسلاماً مجانياً، بل هي نتاج وصول الطرفين إلى نقطة تناقص العوائد الاستراتيجية من القتال المباشر؛ حيث تحاول المقاومة دفع أثر الإنهاك عن جمهورها عبر تنازل شكلي أو تكتيكي، بينما يحاول الاحتلال تسويق هذا التنازل للداخل كإنجاز يغطّي على عجزه عن إحراز هزيمة كاملة للمقاومة.