‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات الصادق الرزيقي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات الصادق الرزيقي. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 2 أكتوبر 2026

عبد الله زكريا إدريس

 عبد الله زكريا إدريس
 هذا هو السوداني الذي طبخ للقذافي الكتاب الأخضر
كاتب وصحفي سوداني.


في عالم السياسة والفكر، تلمع نجوم كأنها شهب كثيفة الضياء، ثم تتوارى خلف أستار الظلال، لعب بعض هؤلاء النجوم أدوارا مهمة في منطقتنا العربية والأفريقية، ولولا الحظ العاثر والابتعاد عن مساقط الأضواء لظلوا في الصدارة تحت وهج الشهرة، وما خبا الواحد منهم بعد التماع.

من هؤلاء المفكر السوداني الكبير، عبد الله زكريا إدريس، أحد أبرز المنظرين الاشتراكيين الإسلاميين، وأحد بناة الفكر القومي العروبي الممزوج بالأفريقانية، لمع وسط تزاحم الأنجم السياسية في ستينيات القرن الماضي، وكان هناك من كان من القادة والسياسيين في السودان آنذاك، لكنه سرعان ما ذهب إلى بلد آخر ساكبا عصارة أفكاره وتجربته وأحلامه، وشاد مع آخرين التوجهات الفكرية والسياسية لأربعة عقود من الزمان، حتى الرمق الأخير لقائد تلك البلاد، ورحيله هو في ليلة صيفية بالخرطوم.

ولد عبد الله زكريا إدريس بمدينة الفاشر غربي السودان عام 1932، جده هو مفتي الديار قاضي إدريس الفقيه القادم من أقصى شمال السودان في عام 1898، ليكون ثالث ثلاثة أعانوا السلطان علي دينار سلطان سلطنة دارفور (1898-1916) على توطيد حكمه واستعادة مجد آبائه وأجداده، وهو السلطان الشهير الذي كان يرسل المحمل إلى أرض الحجاز ويرسل كسوة الكعبة كل عام.

كما تنسب إليه (آبار علي) جنوب غرب المدينة المنورة وميقات الإحرام منها، وهو الذي أقام حلفا مع الخلافة العثمانية في تركيا وقاتل معها ومع الألمان في الحرب العالمية الأولى، وحافظ على سلطنته في دارفور حرة مستقلة حتى غزاها الجيش الإنجليزي وقُتل في عام 1916.

لما وسّع القذافي جلساته الأخرى مع المفكرين مقدما إليهم مسودات المقولات التي صاغها ولخصها عبد الله زكريا، خلال أعوام 1973-1975، رأى القذافي ألا يصدرها مكتملة، ثم صدرت مجمعة عام 1979 في "الكتاب الأخضر"، وكان زعيم الاشتراكيين الإسلاميين بابكر كرار من المصوبين الرئيسيين لما أطلق عليه نظام المؤتمرات وسلطة الشعب

عاصر عبد الله زكريا حياة جده مفتي السلطنة وقاضيها، فقد بدأ تعليمه الأولي في الفاشر، ثم التحق بعد المرحلة الوسطى بمدرسة حنتوب الثانوية وسط السودان ليزامل خلال سنواتها الأربع أبرز رموز السياسة والحكم بالسودان: الرئيس الأسبق جعفر نميري، والدكتور حسن الترابي زعيم الإسلاميين في السودان، ومحمد إبراهيم نقد السكرتير العام السابق للحزب الشيوعي السوداني، وإبراهيم منعم منصور أشهر وزراء المالية في تاريخ السودان، وميرغني النصري عضو مجلس رأس الدولة السابق، وأحمد إبراهيم دريج زعيم المعارضة بالبرلمان في الستينيات من القرن الماضي وحاكم دارفور، الجزولي دفع الله رئيس وزراء السودان الأسبق، وكان عبد الله أذكاهم وأكثرهم نباهة وتحصيلا معرفيا وثقافة واطلاعا.

إعلان

بلغ نضجه السياسي بالمرحلة الثانوية، فالتحق بجماعة الإخوان المسلمين في بواكيرها بالسودان، وخاض غمار السياسة، وتحدث في ندوة شهيرة بمدينة الفاشر في عام 1952 خرجت بعدها تظاهرات عاتية أُحرق فيها العلم الاستعماري البريطاني، ومُرغ أنف الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس في تراب مدينة الفاشر.

تخرج في كلية الآداب جامعة الخرطوم عام 1955، وعمل مدرسا للجغرافيا لفترة قصيرة في المدارس الثانوية ثم ابتعث للدراسة بإنجلترا وحاز درجة الماجستير في جامعة لندن، وتزامل مرة أخرى مع الدكتور حسن الترابي الذي كان يتلقى دراساته العليا في القانون بالجامعة نفسها، والسيد الصادق المهدي الطالب بجامعة أكسفورد.

وطوال هذه الفترة كان عبد الله زكريا عضوا ملتزما بالتيار الإسلامي، لكنه نتيجة لتطورات فكرية ومشكلات تنظيمية، اختار مع آخرين الخروج من التنظيم الإسلامي، وشارك في تأسيس الحزب الاشتراكي الإسلامي، في مقاربة شديدة الأهمية ما بين العدالة الاجتماعية في الإسلام والأفكار الاشتراكية المحضة في محاولة قولبتها في نسق إسلامي، وكان الراحل بابكر كرار النور هو قائد الحزب ومعه عبد الله زكريا، وميرغني النصري، وناصر السيد، وآخرون.

انفتح عبد الله على التيارات السياسية السودانية، وعرف عنه نبوغه ونزوعه نحو إنتاج الأفكار واهتمامه بالقضايا الاجتماعية والسياسية، وقناعاته الثورية الجامحة لمعالجة مشكلات الحكم والإدارة والسياسة والمجتمع.

ومع نهاية عقد الستينيات من القرن الماضي، التقت خطاه مع زميل دراسته في المرحلة الثانوية والضابط بالجيش آنذاك جعفر نميري وخططا لانقلاب عسكري، بيد أن مجموعة الحزب الشيوعي وبعض القوميين العرب سبقوا بتدبير انقلاب 25 مايو/أيار 1969 مع جعفر نميري نفسه، ولم يكن الانقلاب بوجهه الشيوعي واليساري الصارخ من اليوم الأول ملبيا لتصورات وتطلعات مجموعة الحزب الاشتراكي الإسلامي.

كانت هناك علاقة حوارية فكرية مع الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر الذي قدم المجموعة: 

بابكر كرار، وناصر السيد، وعبد الله زكريا، للزعيم الليبي الشاب معمر القذافي عقب وصوله للسلطة في 1 سبتمبر/أيلول 1969، لتبدأ فصول مثيرة في حياة عبد الله زكريا منذ صافح القذافي.

التحقت مجموعة الحزب الاشتراكي الإسلامي بلحظة الهياج الثوري العارم في ليبيا، وتلاقت أفكارهم وطموحاتهم وأشواقهم السياسية مع شاب ممتلئ بالحماس الثوري والشعارات البراقة للاشتراكية والعروبة خلال تلك الفترة، واستقروا تماما في طرابلس في عام 1972، وانخرطوا في نشاط وحوارات فكرية وسياسية طويلة مع العقيد القذافي، بين أيديهم مانفيستو الحزب الاشتراكي الإسلامي السوداني.

بينما كان عبد الله يتنقل بين السودان وليبيا، استدعاه القذافي مع حصار ليبيا عام 1992 وكلفه بالطواف في أفريقيا وجمع شيوخ الطوائف الدينية وزعماء القبائل والكهنة، يوم أن بدأت تطرأ على الزعيم الليبي بوارق توجهاته الأفريقية التي كان ختام مطافها أن نصب نفسه ملك ملوك أفريقيا

وفيما كان زعيم المجموعة بابكر كرار متسما بالصرامة الفكرية والدوغمائية السياسية، نال عبد الله زكريا بذكائه الحاد ونفسه الضاجة بالقلق والثورة، إعجاب القذافي، وكان عبد الله من الموهوبين في عرض الأفكار وتجاوز المسلمات والتجديد، اجتمع قلقه ولفح روحه الثورية وطموحه الشاب بقلق وطموح وجرأة القذافي الذي أُخذ بمواهب عبد الله في التعبير بدقة عن آرائه، ولغته الساحرة ذات الجرس الموسيقي، وإجادته في صياغة الشعارات وبلورة الأفكار، وإتقانه الإنجليزية.

إعلان

اصطفاه القذافي للمدارسات الفكرية الخاصة مع المفكر الليبي الصادق النيهوم، فخيم على ليالي طرابلس وطرقاتها القديمة ومباني السلطة اليافعة سحب ثقال من النقاشات الحيوية والأحلام الثورية المحلّقة تتجاوز المقارنات بالماركسية اللينينية وبالنسخة الصينية من الاشتراكية من أفكار المدرسة الفابية الإنجليزية، وإلهامات المفكرين الاشتراكيين الأوروبيين والتجارب الثورية اليسارية في أمريكا الجنوبية والوسطى والتيارات العروبية الاشتراكية العربية الناصرية ومانفيستو الحزب الاشتراكي الإسلامي السوداني.

نتجت عن هذه اللقاءات الثلاثية الطويلة مسودات مهمة (القذافي-النيهوم-عبد الله زكريا)، وحسب إفادات زكريا، فإنه كان يقوم بتلخيص الأفكار وتنقيحها ثم تقديمها للقذافي في اللقاء التالي، حين كان النيهوم في قمة قلقه وتطرفه الفكري يبعثر الآراء ويعبر عن المواقف، ويكثر من الاختلاف مع القذافي، ويقول عبد الله:" صياغة الكتاب الأخضر المربكة، ونصوص جمله ومقولاته التي تشبه قفزات السناجب لا تعبر إلا عن حالتنا في تلك الجلسات.. نقفز من فكرة إلى أخرى، نطلق شعارا رنانا وعبارة صادمة، كأننا نكتب سفرا مقدسا نلقيه للشراح والمفسرين".

لم تنقطع جلسات القذافي مع الآخرين من المفكرين والسياسيين الليبيين والعرب والأجانب، لكن ملاذه كان مجموعته الصغيرة حيث تتمازج الأفكار والأمزجة واللغة ومنهج التفسير الفلسفي للحياة والمجتمع والسلطة والاقتصاد، واستطاع هذا الثلاثي إنتاج مسودات أساسية تمثل الفلسفة السياسية (الديمقراطية وسلطة الشعب) واعتماد (الاشتراكية) بمفهوماتها المتقاربة مع الإسلام لحل المعضلات الاقتصادية، بينما ذهبت بعض نظريات المفكرين الاجتماعيين ونقدها، لتصاغ في مصفوفة جديدة تكون هي أساس بناء مجتمعٍ جديد أراده القذافي في أحلامه مجتمعٍ قائم على النظرية العالمية الثالثة التي جُمعت بين دفتي كتيب صغير أطلق عليه "الكتاب الأخضر" ويقع في 120 صفحة من القطع الصغير.

ولما وسّع القذافي جلساته الأخرى مع المفكرين مقدما إليهم مسودات المقولات التي صاغها ولخصها عبد الله زكريا، خلال أعوام 1973-1975، رأى القذافي ألا يصدرها مكتملة، ثم صدرت مجمعة عام 1979 في "الكتاب الأخضر"، وكان زعيم الاشتراكيين الإسلاميين بابكر كرار من المصوبين الرئيسيين لما أطلق عليه نظام المؤتمرات وسلطة الشعب، ولم يلبث القذافي أن طلب من عبد الله زكريا القيام بشرح متن "الكتاب الأخضر"، وعقد الندوات التنويرية والتعريفية بكل ما ورد فيه، وتنزيل المقولات لمستويات الفهم العام، وتأسس إثر ذلك المركز العالمي لدراسات "الكتاب الأخضر"، وكان عبد الله من أبرز رموزه ومن غيره لهذه المهمة العسيرة؟

بعد كل هذا التاريخ الطويل، ماذا جنى المثقف الكبير من السلطة وصولجان السلطان؟ تبدّدت الأحلام الكبيرة، وطاشت السهام بعيدا، وسقطت ليبيا في هوة سحيقة من التطبيقات المجحفة لنظرية تنتمي لعالم اليوتوبيا الساحر، وتمأسست دكتاتورية باطشة، ليحرث الشعب الليبي في البحر، حتى أسقط نظام القذافي دون أن تتحقق الاشتراكية والعدالة الاجتماعية وسلطة الشعب الموعودة

أيضا تولى عبد الله زكريا كل الترجمات للنصوص والوثائق والكتابات الشارحة للنظرية العالمية الثالثة، وبرع متحدثا باللغة الإنجليزية وكاتبا بها بإجادة كبيرة، وخط المقالات في المجلات والصحف والدوريات داخل ليبيا وخارجها، تظلله ثقة القذافي المطلقة، وبدا كأنه الرقيب الناقد لأداء اللجان الثورية الليبية متتبعا تجربتها، وبجانب ذلك أسس حركة اللجان الثورية السودانية وقبلها الجبهة الشعبية الاشتراكية.

ثم كانت مسيرة طويلة مع القذافي وليبيا، دانت فيها السلطة وزاد بريقها واكتمل بناء هياكلها وصروحها وتعددت تحدياتها، واصطدمت مقولات "الكتاب الأخضر" بالواقع، وغاص المركب في وحل التطبيق، ومع مضي السنوات وخفوت البريق، لم يعد عبد الله زكريا يلتقي القذافي كما كان، وحال بينهما موج المسؤوليات السلطوية الجسام والحاشية التي لم تعش أيام الصفاء القديم.

بينما كان عبد الله يتنقل بين السودان وليبيا، استدعاه القذافي مع حصار ليبيا عام 1992 وكلفه بالطواف في أفريقيا وجمع شيوخ الطوائف الدينية وزعماء القبائل والكهنة، يوم أن بدأت تطرأ على الزعيم الليبي بوارق توجهاته الأفريقية التي كان ختام مطافها أن نصب نفسه ملك ملوك أفريقيا.. وتلك قصة أخرى كما قال الأديب السوداني الكبير الطيب صالح في رائعته موسم الهجرة إلى الشمال.

بعد كل هذا التاريخ الطويل، ماذا جنى المثقف الكبير من السلطة وصولجان السلطان؟ تبدّدت الأحلام الكبيرة، وطاشت السهام بعيدا، وسقطت ليبيا في هوة سحيقة من التطبيقات المجحفة لنظرية تنتمي لعالم اليوتوبيا الساحر، وتمأسست دكتاتورية باطشة، ليحرث الشعب الليبي في البحر، حتى أسقط نظام القذافي دون أن تتحقق الاشتراكية والعدالة الاجتماعية وسلطة الشعب الموعودة.
عاد عبد الله زكريا إلى السودان في خريف العمر، زاهدا معدما، مرهقا، كسير الخاطر، عاد كجندي مطعون بين الكتفين.. ليس لديه إلا الذكريات، وليالٍ مثقلات بالخيبات وأحلام مهيضة الأجنحة، وترك وراءه ليبيا تعاند حاضرها ومستقبلها.. بعد المتاهة التي استمرت أكثر من أربعين عاما حسوما.

توفي عبد الله زكريا بعد أن عاش 91 عاما، أغمض عينيه وغفا إغفاءته الأخيرة في 28 مايو/أيار 2023 بالخرطوم.. وحتى وفاته كان مديرا للمركز العالمي للدراسات الأفريقية الذي أسسه له الرئيس البشير، وترك إرثا فكريا عريضا مثل "الدولة الفاطمية الثانية"، و"زيارة إلى الصين بلد السماء"، و"⁠محاكمة الفكر السياسي السوداني"، وهو كتاب ضخم تحت الطبع، وبوفاته هوى من سقف النجوم.. نجم، أي نجم!

الأربعاء، 23 سبتمبر 2026

هل تؤدي حرب السودان إلى تفكك هذه الدول قريبا؟

 هل تؤدي حرب السودان إلى تفكك هذه الدول قريبا؟


كاتب وصحفي سوداني.

توقع كثيرون مع اندلاع الحرب في السودان يوم 15 أبريل/نيسان 2023، أن ينفتح الباب على مصراعيه في الإقليم وربما القارة بأكملها لتنتشر شظايا النزاع المسلح من المحيط إلى المحيط، وتتكون هالة من الحريق تبدأ من القرن الأفريقي وتمتد إلى أفريقيا جنوب الصحراء وتقترب ألسنة اللهب من منطقة البحيرات العظمى في وسط وشرق القارة وهي الجزء الذي يشهد أوضاعا متدهورة في شرق الكونغو.

واللافت أن عوامل الجغرافيا والتداخلات القبلية والحقائق الجيوسياسية تقول الآن كلمتها، بانتقال عدوى الحرب عابرة الحدود الطويلة، لتفتك بالمجتمعات المتوترة أصلا مع قابلية الاحتراب والاقتتال، وكل ذلك يعني شيئا واحدا أن حرب السودان لن تقف عند حدوده أو يصدها عاصم.

غني عن القول أن دول المنطقة تتشابه أوضاعها وتتقارب قضاياها ومصائرها، ويبدو الواقع السياسي والأمني بالإقليم مستنسخا من بعضه، حيث تتطابق بنية المجتمعات الأفريقية المستندة إلى القبيلة والعرق، وتتساوى مسارات ومعدلات التشظي السياسي ومبررات الحروب الطاحنة، وتتكرر أخطاء الحكومات والأنظمة كأنها تتناسل وتخرج الأزمات من أرحامها.

عندما جاء التحذير من خطورة حرب السودان الحالية التي حصدت ما يقارب 500 ألف من أرواح السودانيين، وشردت ما يزيد على 18 مليونا من مناطقهم ومنازلهم وعشرات الألوف من المفقودين (…) كانت بعض الأصوات تقلل من التحذيرات بأن الإقليم -خاصة جوار السودان- بات في مهب الحرب، ولم تمض أشهر قليلة من القتال حتى أيقن الجميع بحقيقة أن انتقال الحرب للإقليم المضطرب لن يكون إلا مسألة وقت

ومرد ذلك لأسباب تاريخية معلومة أدت لانفجار قنابل موقوتة زرعت خلال حقبة الاستعمار الأوروبي، ثم فاقمتها التدخلات الخارجية وسياسات الهيمنة الراهنة وسيطرة النفوذ الغربي في مرحلة ما بعد الاستقلال، ووصلت الأوضاع برمتها إلى ما هي عليه الآن.

الناظر إلى البيئة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في إقليم واسع بالقارة يجدها لم تتغير كثيرا، بدليل أن الشريط الممتد من الصومال في القرن الأفريقي على المحيط الهندي إلى الدول المطلة على المحيط الأطلسي، لم يشهد تطورا سياسيا أو مشروعا وطنيا للنهضة والتقدم الاقتصادي والتنمية الاجتماعية على مدى 70 عاما مضت إلا لماما، وبقيت أجساد هذه البلدان مثخنة بالجراح تنهشها الحروب والنزاعات المسلحة والخلافات السياسية.

عندما جاء التحذير من خطورة حرب السودان الحالية التي حصدت ما يقارب 500 ألف من أرواح السودانيين، وشردت ما يزيد على 18 مليونا من مناطقهم ومنازلهم وعشرات الألوف من المفقودين، ودمرت كيان دولة ومؤسساتها كانت تعد أكبر البلدان الأفريقية وأكثرها قربا لإنجاز وعد بالاستقرار والنهوض الاقتصادي، كانت بعض الأصوات تقلل من التحذيرات بأن الإقليم -خاصة جوار السودان- بات في مهب الحرب، ولم تمض أشهر قليلة من القتال حتى أيقن الجميع بحقيقة أن انتقال الحرب للإقليم المضطرب لن يكون إلا مسألة وقت.

في هذا المنحى فإن إثيوبيا كبرى بلدان القرن الأفريقي (ما يقارب 109 ملايين نسمة) ومقر الاتحاد الأفريقي، تواجه اليوم ما يشبه الحرب الشاملة في خضم اتهامات بالتورط في حرب السودان ودعم مليشيا الدعم السريع.

ولا يهدأ الصراع العنيف بين القوميات الإثيوبية المتنازعة الذي ينزلق بالبلاد عموديا نحو الهاوية، وتنزع الحرب المشتعلة بين القوات الحكومية ومقاتلي جبهة تحرير إقليم تيغراي بعد فشل اتفاق بريتوريا في عام 2022 إلى إنهاء فرص التسوية السلمية، وتتصاعد كذلك الحروب في الأقاليم الإثيوبية الأخرى: (أمهرة، أرومو، بني شنقول، عفار، الصومال الإثيوبي الأوغادين).

ما تجابهه أديس أبابا من ظروف معقدة وعدم السيطرة على لهيب الصراعات يجعل حروبها تتغذى مباشرة من تداعيات حرب السودان وتشابك خطوط تحركات المقاتلين والمرتزقة والسلاح، والمحمولات السياسية من مبررات ومسوغات الحرب مثل المظالم التنموية والتهميش السياسي والاجتماعي.

ويبدو أن التورط الإثيوبي في حرب السودان قد فتح فوهات البنادق وسط الواقع الهش في هذا البلد المحاصر بعدة قضايا داخلية وإقليمية كالخلاف حول مياه النيل وسد النهضة.

في ذات الاتجاه تطل برأسها حرب أخرى محتملة بين إريتريا وإثيوبيا، التي تتداخل فيها عوامل وتداعيات الصراع في إقليمي (تيغراي وأمهرة) ومطامع أديس أبابا في الحصول على منفذ بحري، وليس بعيدا أن تخيم ظلال الحرب السودانية على التوترات الإثيوبية والإريترية، وتلعب الأصول العرقية المشتركة دورا بارزا في هذا الفضاء الثلاثي.

يشارك مرتزقة من جنوب السودان في حرب الجار الشمالي، وهنا تجد الفصائل المسلحة وحركات التمرد المناهضة للرئيس سلفاكير المناخ ملائما لمواصلة القتال والاستفادة مما وفرته حرب السودان من عتاد حربي وأسلحة عابرة للحدود الطويلة المفتوحة بين البلدين وامتداداتها من إقليم النيل الأزرق شرقي السودان مرورا بالنيل الأبيض وجنوب كردفان في الجنوب والغرب

وبغض النظر عن التفاصيل الراهنة لمجريات الصراعات الإثيوبية الداخلية والأوضاع العسكرية في كل إقليم، فإن التوقعات بحدوث تطورات هائلة تهدد وحدة إثيوبيا باتت ماثلة، خاصة بعد مناداة بعض الأقاليم بالانفصال وتكوين كيانات خاصة بها، وقد تكون أي حرب محتملة هناك رديف لما يحدث في السودان.

بينما يشهد الصومال انقسامات حادة من عدة سنوات (أرض الصومال، بونت لاند، جوبا لاند) وهي ليست بعيدة عن التدخلات الخارجية التي صنعت حرب السودان، فليس مستغربا أن تدفع (أرض الصومال) باتجاه الانفصال وتسعى للحصول على اعتراف دولي، ويهدد ذلك وحدة الصومال الكبير ويدفع بالأقاليم الصومالية الأخرى لانتهاج نفس الخطوة.

وذلك في الوقت الذي تتالى فيه العمليات الإرهابية لتنظيم حركة الشباب وقد تزداد عنفا في المرحلة المقبلة، ويخشى أن يتحول الصومال قبيل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المؤجلة إلى بؤرة استقطاب وصراع عنيف فضلا عن تأثير إغلاق مضيق باب المندب ووصول حرب اليمن إلى القرن الأفريقي لتترافق مع حرب السودان التي استوعبت مقاتلين من "أرض الصومال"، كما تم تسخير قاعدتي مطار بوصاصو في بونت لاند وهرجيسا وميناء بربرة في أرض الصومال لنقل العتاد العسكري للدعم السريع من حلفائه الخارجيين. وقد تعصف الصراعات بهذا البلد الأفريقي العربي الذي طالما عانى من ويلات الحروب الداخلية والانقسامات.

يشارك مرتزقة من جنوب السودان في حرب الجار الشمالي، وهنا تجد الفصائل المسلحة وحركات التمرد المناهضة للرئيس سلفاكير المناخ ملائما لمواصلة القتال والاستفادة مما وفرته حرب السودان من عتاد حربي وأسلحة عابرة للحدود الطويلة المفتوحة بين البلدين وامتداداتها من إقليم النيل الأزرق شرقي السودان مرورا بالنيل الأبيض وجنوب كردفان في الجنوب والغرب ليبلغ طولها كله ما بين 1940 و2000 كيلومتر، تحولت هذه الحدود إلى منافذ لنيران الحرب التي تنتقل بسهولة وتستفيد منها الفصائل المعارضة المسلحة الجنوبية وتواصل شن الهجمات من حين لآخر ضد القوات الحكومية، بينما تفقد جوبا السيطرة على مناطق في المقاطعات البعيدة.

الواقع نفسه الذي يجري في جنوب السودان تعيشه حكومة جمهورية أفريقيا الوسطى بذهاب بعض مواطنيها مرتزقة مقاتلين لصالح الدعم السريع، في الأجزاء الشمالية والشرقية والغربية التي تقع تحت سيطرة فصائل المعارضة المسلحة من حركتي (سيليكا، آنتي بلاكا) وحركات صغيرة أخرى يقاتل قادتها في السودان بفعل التداخل القبلي، إذ استفادوا من سلاح وعتاد الدعم السريع، ولولا وجود قوات كانت تتبع لشركة فاغنر الروسية المحلولة، لاقتحمت المعارضة العاصمة (بانغي) وسيطرت عليها.

وتشير تقارير دبلوماسية إلى وجود خطة لدى الدعم السريع لتعبئة المعارضة وإسقاط الرئيس فرانسوا تواديرا إن تقاعس عن تمرير العتاد الحربي عبر بلاده إلى غربي السودان. وقبل بضعة أسابيع حاولت فصائل من المعارضة السيطرة على مدينة (براوو) الإستراتيجية على الحدود مع السودان، وكانت تلك رسالة تسلمتها حكومة الرئيس تواديرا وفهمت مغزاها.

تتنامى الخشية في كل دول الساحل (النيجر، مالي، بوركينا، موريتانيا، تشاد، غينيا كوناكري، السنغال، شمال نيجيريا) من الارتدادات العكسية للمرتزقة الفارين من الحرب المستعرة في السودان والعائدين لأوطانهم الأصلية

في تشاد تنشط العديد من الفصائل التشادية المسلحة المعارضة التي انخرط بعضها في صفوف الدعم السريع بالسودان، ومجموعات أخرى في شمال تشاد وجنوب ليبيا، وتعمل على استئناف نشاطها العسكري في وقت تزايد فيه الاحتقان الداخلي، وتعمل هذه الفصائل المسلحة بالتنسيق مع قوى سياسية معارضة لحكم الرئيس محمد إدريس ديبي، تجميع صفوفها والتحرك العسكري منذرة بحرب ضروس لإسقاط السلطة في العاصمة إنجامينا.

ويواجه الحكم في تشاد انتقادات حادة لتورطه في حرب السودان وفتح حدود البلاد ومطاراتها لتمرير السلاح والعتاد الحربي لمليشيا الدعم السريع، كما بدأت بالفعل فتح جبهة نزاع مسلح على الحدود الغربية والشمالية الغربية لتشاد خاصة بعد اتهامات حكومة النيجر بتورط إنجامينا في المحاولة الانقلابية الفاشلة في أغسطس/آب المنصرم في العاصمة نيامي.

وتشكل القبائل المشتركة القرعان (التبو) بين والطوارق والكانمبو والهوسا والفولاني والمجموعات العربية، عامل تداخل بالغ الأثر في نزاعات تشاد ومتطابق مع عامل التداخل القبلي والقبائل المشتركة مع السودان وأفريقيا الوسطى، وهو ما يحفز المعارضة المسلحة للتوغل داخل البلاد بعد التراجع الكبير لمليشيا الدعم السريع في السودان وبدء رجوع كثير من المقاتلين.

على ذات الصعيد تتنامى الخشية في كل دول الساحل (النيجر، مالي، بوركينا، موريتانيا، تشاد، غينيا كوناكري، السنغال، شمال نيجيريا) من الارتدادات العكسية للمرتزقة الفارين من الحرب المستعرة في السودان والعائدين لأوطانهم الأصلية، وتعمل الحركات المتطرفة والمجموعات المسلحة في دول الساحل على استقطاب هذه العناصر المرتزقة فهم بنادق للإيجار ولقمة سائغة في أيدي الجماعات الإرهابية والتكوينات المصنعة حديثا بأيدي مخابرات غربية تريد استعادة نفوذ ذابل من جديد.

في هذا السياق، تبرز منطقة شرق وجنوب ليبيا، اللواء المتقاعد خليفة حفتر وأبناؤه هم حلفاء الدعم السريع وقد وفروا خلال السنوات الماضية دعما وممرات للسلاح والوقود والمقاتلين من أمريكا اللاتينية، وليس غريبا أن تشتعل النار في الجلباب الليبي ويتوسع نطاقها.

ففي الأخبار اليوم مواجهات مسلحة بين فصائل من التبو والطوارق في جنوب ليبيا وقوات حفتر، وتأثرت مناطق أوباري ومرزق وسبها والقطرون والكفرة وتبستي بهذه المواجهات.

ويظل الصراع في جنوب ليبيا جاذبا لقبائل التبو والطوارق من النيجر وتشاد وربما مالي والجزائر، وهناك نتيجة حتمية لنهاياته: أنه إذا خرج الجنوب الليبي من قبضة خليفة حفتر، ستدخل ليبيا في أتون معادلة جديدة، وسيتم إغلاق منافذ الدعم وممراته في الشرق والجنوب الليبي وتفقد مليشيا حميدتي أهم الحلفاء، وستواجه سلطة حفتر نفسها أنواء وعواصف عاتية لا تبقي ولا تذر.

الأحد، 30 أغسطس 2026

حميدتي وإسلاميو السودان ما الذي يجري في الظلام؟

حميدتي وإسلاميو السودان ما الذي يجري في الظلام؟

كاتب وصحفي سوداني.

يثار جدل كثيف خلال السنوات الماضية وحتى اليوم، حول مولد ومنبت ومراحل تطور مليشيا الدعم السريع وعلاقتها بالإسلاميين أفرادا وجماعات وتنظيما، ولم ينكر الإسلاميون أبوتهم حتى اكتسبت "الدعم السريع" بعد حين صفة الابن العاق، مع محاولات يائسة من قيادة "الدعم السريع" عقب أبريل/نيسان 2019 للتبرؤ من جيناتها المحورة، وإنكار ذلك الجينوم الذي يربطها بحزب المؤتمر الوطني الحاكم آنذاك والحركة الإسلامية وعهد الرئيس عمر حسن البشير.

بسبب الحرب التي اندلعت في السودان بين قوات الدعم السريع والجيش في 15 أبريل/ نيسان 2023 وتداعياتها ودعايتها، تحاول المليشيا المتمردة، بناء مبررات حربها بأن من أهدافها القضاء على "الحركة الإسلامية"، وما يسمى بفلول النظام السابق، وبُنيت هذه الدعاية على كذبة كبرى، وتضليل لطمس الحقائق والقفز فوقها والتعلق بحبال التدليس، إذ بقيت صلة الدعم السريع بالإسلاميين كالوشم على ظاهر اليد، لا تمحوها الأيام، ولا الحرب وأهوالها.

بداية قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي" وبعض إخوته وأخواله وأبناء عمومته الأقربين، كانت عندما جندوا كعناصر مقاتلة برتب دنيا كجنود صف في الفترة من 2003-2007 في قوات "حرس الحدود"، وهي قوات شبه نظامية أنشأها عهد الإنقاذ عقب اندلاع تمرد حركتي "تحرير السودان" و"العدل والمساواة" في عام 2003 في إقليم دارفور.

بُعث "حميدتي" من مرقده في غياهب النسيان مرة أخرى، بعد أكثر من ثلاث سنوات من الضياع والغياب، مع تزايد هجمات المتمردين على مناطق في دارفور وجنوب كردفان، واقتراب التمرد من شمال كردفان والنيل الأبيض في عام 2013

وكان الشيخ موسى هلال زعيم المحاميد "بطن من قبيلة الرزيقات"، هو قائد هذه القوة التي قاتلت مع الجيش ضد المتمردين آنذاك، وجلها من القبائل العربية، ولم يكن "حميدتي" وقتذاك شيئا مذكورا سوى أنه أحد ضباط الصف يتبع لموسى هلال.

تمرد "حميدتي"؛ بسبب خلافه مع الشيخ موسى هلال في نهاية عام 2006، وحاول عقد تحالف مع متمردي حركة "العدل والمساواة" في لقاء مشهور بالعاصمة التشادية نجامينا بحضور الرئيس التشادي الراحل إدريس ديبي، لكن سرعان ما عملت الحكومة السودانية على احتوائه مرة أخرى وإرجاعه للعمل مع الجيش، وتكليفه بمهام محدودة في مناطق جنوب دارفور، ثم أفردت له حكومة الرئيس البشير منصبا حكوميا في ولاية جنوب دارفور بتعيينه مستشارا بدرجة معتمد.

وعندما حُلت قوات "حرس الحدود" بقيادة موسى هلال في خواتيم عام 2009، وتزامن مع ذلك الوقت حدوث تغييرات في أجهزة الدولة قضت بذهاب صلاح قوش مدير جهاز الأمن والمخابرات من موقعه، وبدأ مزاولة أعمال تجارية خاصة منها تصدير الماشية إلى مصر، استعان قوش بـ"حميدتي" في شراء الأبقار وحراستها من مناطق دارفور حتى نقاط التصدير على الحدود المصرية، ووجد "حميدتي" منفذا تجاريا محدودا مع شركات ومؤسسات تتبع للجيش وجهاز المخابرات، لكن سرعان ما طواه النسيان.

بُعث "حميدتي" من مرقده في غياهب النسيان مرة أخرى، بعد أكثر من ثلاث سنوات من الضياع والغياب، مع تزايد هجمات المتمردين على مناطق في دارفور وجنوب كردفان، واقتراب التمرد من شمال كردفان والنيل الأبيض في عام 2013، فقرر الرئيس البشير تكوين قوات جديدة على غرار قوات "حرس الحدود".

وتم الاتصال بالشيخ موسى هلال لكنه اعتذر عن عدم قيادتها وكان حانقا وغاضبا من تجربته السابقة. وقد استعان البشير ببعض مساعديه العسكريين، فقام أحدهم وهو الفريق أول عوض بن عوف الذي تولى حكم السودان لـ24 ساعة فقط من 11-12 أبريل/نيسان 2019، باقتراح الشقيقين محمد وعبد الرحيم حمدان دقلو، وأصدر البشير قرارا بتكوين هذه القوات في أبريل/نيسان 2013.

تم تكليف "حميدتي" بعد التكوين بجمع وتجنيد 5 آلاف من أبناء القبائل العربية بدارفور، وخصصت له 60 عربة قتالية، وحدث خلاف حول تبعية القوات، برفض هيئة أركان القوات المسلحة وأعضاء من اللجنة العسكرية السابقة التي قامت بحل وتصفية قوات "حرس الحدود" تتبيع هذه القوات للجيش، وكحل وسط أُلحقت قوات  "الدعم السريع" بجهاز الأمن والمخابرات، ومنح "حميدتي" رتبة العميد كقائد ثان، وشقيقه الأكبر عبد الرحيم رتبة المقدم، مع العلم أن كليهما في قوات "حرس الحدود" كانا في رتبة "صف ضابط" رقيب أول ورقيب.

بنهاية عهد الإنقاذ في أبريل/نيسان 2019 ومشاركة "حميدتي" مع القيادات العسكرية، ومنها كوادر إسلامية في الانقلاب على البشير، بات "حميدتي" في الأيام الأولى خائفا يترقب، وسعى لزيادة الاستعانة بالكوادر والقيادات السياسية الإسلامية

بدأ تشغيل القوات الجديدة وتنسيق عملياتها مع الجيش في دارفور وجنوب كردفان، وحدثت تجاوزات كثيرة منها مشكلة مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان عندما طرد الوالي آنذاك مولانا أحمد هارون "الدعم السريع" من ولايته، ولم تكن بيئة العمل في شمال وجنوب كردفان تناسب "الدعم السريع"، لذلك فشلت مهمتها، وتقرر انتداب ضباط من الجيش والمخابرات لتنظيم هياكل "الدعم السريع"، وتنسيق العمليات العسكرية ضد الحركات المتمردة آنذاك.

في هذا الوقت كانت العناصر المنتدبة للعمل في صفوف "الدعم السريع" من القوات المسلحة أو جهاز الأمن والمخابرات تحوز ثقة قيادة الدولة، بينما الكوادر الملتزمة من الإسلاميين تواجدت في كل الشركات والمؤسسات المدنية التي بناها "حميدتي" وأشقاؤه، وحرصت قيادة "الدعم السريع" على استشارة قيادة نظام الإنقاذ في كل البرامج، وكانت هناك سيطرة للرئيس البشير على هذه القوات تأتمر بأمره، وتتبع مباشرة لمكتبه.

وصل لقيادة شركة "الجنيد" أهم شركات "حميدتي" وذراعه المالي، أحد أهم الكوادر الإسلامية التي تعمل في المجال الأمني، وصار مديرا عاما، وكذلك كوادر أخرى توزعت على شركات الطرق والجسور والتجارة العامة والتعدين التي تتبع لـ"الجنيد"، بحلول عام 2017، وهو العام الذي صدر فيه قانون "الدعم السريع" من البرلمان في أبريل/نيسان 2017، وكان لفيف من الإسلاميين قد سيطر على مفاصل "الدعم السريع" العسكرية والمدنية واستثماراتها.

بذهاب طه عثمان من مكتب الرئيس البشير فقدت "الدعم السريع" أكبر داعم لها، لكن شبكة هائلة من العلاقات الناشئة عوضت ذلك الفقدان، بيد أن طه لعب دورا أخطر في الخارج. وعمل "حميدتي" وشقيقه وعدد من أفراد الأسرة بعد أن مُنحوا مقعدا وزاريا سبقه تخصيص مقعد برلماني لعمه (جمعة دقلو) في البرلمان، على تمتين علاقاتهم مع الإسلاميين في مختلف المستويات، والاستفادة من الكادر المدرب والمؤهل لبناء الإمبراطورية المالية، وزيادة النفوذ السياسي، ونالوا جميعا عضوية المؤتمر الوطني، وحاول "حميدتي" وشقيقه التوسل عدة مرات لقيادة المؤتمر الوطني بقبولهما وتعيينهما قياديين في الأجهزة العليا للحزب ففشل المسعى.

بداية قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي" وبعض إخوته وأخواله وأبناء عمومته الأقربين، كانت عندما جندوا كعناصر مقاتلة برتب دنيا كجنود صف في الفترة من 2003-2007 في قوات "حرس الحدود"، وهي قوات شبه نظامية أنشأها عهد الإنقاذ عقب اندلاع تمرد حركتي "تحرير السودان" و"العدل والمساواة" في عام 2003

بنهاية عهد الإنقاذ في أبريل/نيسان 2019 ومشاركة "حميدتي" مع القيادات العسكرية، ومنها كوادر إسلامية في الانقلاب على البشير، بات "حميدتي" في الأيام الأولى خائفا يترقب، وسعى لزيادة الاستعانة بالكوادر والقيادات السياسية الإسلامية خلال عذريته السلطوية، قبل أن تأتيه الإملاءات الخارجية بالتخلص من بعضهم، ومن المتواجدين في الجيش والأجهزة الأمنية. كما زادت قوات الدعم السريع من 20 ألف جندي في عهد البشير، إلى ما يقارب 40 ألفا بحلول ديسمبر/كانون الأول 2019.

وعندما أُلغيت المادة (5) من قانون "الدعم السريع"، سارع "حميدتي" إلى التوسع الأفقي والرأسي باستيعاب ضباط القوات المسلحة وجهاز المخابرات المفصولين من الخدمة، وبلغ عدد ضباط الجيش المستوعبين غداة حرب 15 أبريل/نيسان 2023 ما يزيد على 480 ضابطا من مختلف الرتب، كما استوعب عنده عناصر من قوات هيئة العمليات بجهاز المخابرات العامة، بعد حل الهيئة بضغط منه في عام 2019.

خلال أربع سنوات سبقت الحرب، فاق عدد القوات 200 ألف، وكان لـ"حميدتي" طاقم سياسي يعمل في قوات الدعم السريع (مستشارون-كبار موظفين)، جلهم من الولاة السابقين والمعتمدين والوزراء الولائيين السابقين، أكثريتهم من ولايات دارفور، وكان لديه كوادر لا حصر لها من البرلمانيين والتشريعيين الولائيين من عناصر نظام البشير.

وبحكم صلة القرابة والدم جمع حوله أهل المشورة الخاصة من "الإسلاميين"، ليديروا معه كل الملفات الخاصة والجوانب السياسية والعمل على استقطاب منظمات المجتمع المدني والقيادات الأهلية والاجتماعية وزعماء القبائل والعشائر، وستجدهم في مكاتبه الخاصة ووفوده للتفاوض، ومن يحركون العمل العسكري والسياسي بعد الحرب.

ومن أبرز الإسلاميين المساندين لـ"الدعم السريع" من السياسيين، طه عثمان الحسين مدير مكتب البشير، حسبو محمد عبد الرحمن النائب الأول للرئيس البشير، بجانب قيادات دستورية سابقة يبلغ عددهم بضعة وثلاثين، من بينهم ولاة ووزراء ووزراء ولائيون ومعتمدون وبرلمانيون وأعضاء مجالس تشريعية، وأمناء ونواب أمناء بارزون في مستويات الحركة الإسلامية ومكاتبها التنظيمية والأمنية، في ولايات دارفور وكردفان، وكوادر شبابية وطلابية، منهم رؤساء اتحادات في الجامعات ومنظمات شعبية قومية.

ولعل أبرز القيادات التي التحقت بقوات"الدعم السريع" بعد تمردها زعماء القبائل، وخاصة الإسلاميين منهم، فناظر قبيلة الرزيقات محمود موسى مادبو ظل عضوا في الجبهة الإسلامية القومية منذ ثمانينيات القرن الماضي، ومحمد يعقوب ناظر الترجم هو من قدامى الإخوان المسلمين في دارفور، وكانت له صولات وجولات أيام الديمقراطية الثالثة وعهد الإنقاذ، واللواء محمد البشير موسى ناظر قبيلة السلامات، والأمير مسار عبد الرحمن أحد وجهاء قبيلة الرزيقات، وعند تصنيف كل الإدارات الأهلية في كردفان ودارفور تجد 90% من داعمي المليشيا كانوا ملتزمين مع المؤتمر الوطني الحزب الحاكم في عهد البشير.

أما الكوادر العسكرية فهم كثر وكانوا إما إسلاميين أو مسؤولين دستوريين في عهد البشير، وهم الآن في قمة هرم "الدعم السريع" العسكري أبرزهم الفريق عثمان عمليات، اللواء حسن محجوب مدير مكتب حميدتي، العميد عمر حمدان حماد، اللواء مبشر جبريل، موسى خدام، الفاتح قرشي، علي محمد دخرو، عبد الرزاق محمد علي، إبراهيم حسن مدلل، موسى حسين خميس، سليمان عبد الجبار، عبد الرحمن حسن الفوتي، لواء عبد الرحمن جمعة بارك الله، عادل دقلو -الوزير في عهد البشير- والبرلماني في عهد الإنقاذ جمعة دقلو عم حميدتي شقيق والده، والقائمة تطول من العسكريين.

الأحد، 7 ديسمبر 2025

الكيان الصهيوني ومشروع تقسيم السودان

الكيان الصهيوني ومشروع تقسيم السودان
كاتب وصحفي سوداني.

بعد السيطرة على مدينة الفاشر، عاصمة إقليم دارفور غربي السودان، نهاية أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ودخول إقليم شاسع وكبير بحجم مساحة فرنسا في نفق مظلم ومستقبل مجهول، تتعالى الأصوات الانفصالية من داخل صفوف متمردي مليشيا الدعم السريع، وتُرفع شعارات منادية بتكريس واقع جديد، خاصة بعد الإعلان عما يسمى "حكومة تأسيس"، وهي حكومة موازية لا تحظى بأي اعتراف خارجي.

تتخوف جهات سودانية تمثل مختلف المشارب والمنابت الفكرية والسياسية من حدوث صدوع جديدة في التراب السوداني، واقتطاع جزء من البلاد في ثاني انفصال بعد فصل جنوب السودان عام 2011.

ركبت مليشيا الدعم السريع على سرج الدعوات الانفصالية بسرعة، وغطى غبار المشهد المضطرب الرؤية أمامها، وهي تتنكب في سيرها لتنفيذ مخطط تقسيم السودان، وبدت- رغم خلو وفاضها من أي مشروع سياسي- مثل ببغاء تائه وسط غابة السياسة، يردد الأقوال والشعارات السابقة للدعوات الانفصالية، والعبارات الاحتجاجية التي عبرت الفضاء السوداني منذ الاستقلال في 1 يناير/كانون الثاني 1956.

برزت إلى السطح الأفكار والاتجاهات الانفصالية والخطاب الاحتجاجي في منطقة دارفور منذ نهاية عقد الخمسينيات من القرن الماضي، وتبلورت بفعل النشاط السياسي لطلاب دارفور وخريجي الجامعات من أبناء المنطقة في الوقت نفسه، ومطلع الستينيات من القرن المنصرم، وترافق ذلك مع بقاء بقية آثار استقلال دارفور حتى عام 1916، حيث ظلت تحت حكم مستقل بقيادة السلطان علي دينار الذي حافظ على سلطنته وناصر دول المحور في الحرب العالمية الأولى، وكان ذلك سببا في زحف الجيش الاستعماري الغازي لإسقاط حكمه وضم المنطقة إلى حدود الدولة السودانية مرة أخرى، حيث كانت جزءا منها منذ عهد الخديوية وحكم أسرة محمد علي في مصر.

وربما كان هناك عامل آخر عضد نشوء التيارات الانفصالية، هو أن مناطق أخرى في غرب دارفور، وهي سلطنة المساليت، وحاضرتها مدينة الجنينة، التي ظلت لما يقارب المائة عام بعد خضوعها للمستعمر "معتمدية مستقلة" تتبع الحاكم العام الإنجليزي، ثم رأس الدولة في فترات الحكم الوطني، بموجب اتفاقية تم توقيعها عام 1898، حتى أُلغيت في السنوات الأولى من حكم الرئيس عمر البشير.

عملت بعض النخب السياسية في دارفور على فترات مختلفة بجد وكد، ومن خلفها دوائر غربية، على تبني خطاب انفصالي جهوي مناطقي انفعالي مشتط.
كان أول تحرك بعد الاستقلال الوطني عندما حاولت هذه النخب استقطاب بعض الجنود والعسكريين السابقين من أبناء دارفور للانخراط في حركتين احتجاجيتين جهويتين، هما: (اللهيب الأحمر – ظهرت للعلن ما بين الأعوام 1956 – 1958)، و(حركة سوني – تأسست عام 1962).

ولم تستطع هاتان الحركتان تحقيق شيء يُؤبه له، رغم تبنيهما الثورة المسلحة والعمل العسكري، لكنهما حفزتا النخبة السياسية من أبناء الإقليم، خاصة خريجي الجامعات ومنسوبي بعض الأحزاب السياسية، وحاولوا جمع العسكريين والجنود من أبناء دارفور، وخططوا لانقلاب عسكري عام 1964، ثم عدلوا عن تنفيذه لأسباب، قالها أحد رموز ذلك الانقلاب د. علي حسن تاج الدين، عضو مجلس رأس الدولة في الديمقراطية الثالثة (1985- 1989)، عندما استحضر واستذكر في اجتماع لأبناء دارفور بنادي الضباط بالخرطوم في عام 2006، وقال:

"خططنا وقتئذ للانقلاب، وقبيل التنفيذ شعرنا أننا لا نملك الكوادر الكافية لإدارة الدولة، خاصة الأطباء والمهندسين وكبار الموظفين والإداريين، فعدلنا عن الانقلاب".                                              

استعاضت النخب السياسية من دارفور عن العمل العسكري، بالعمل السياسي الاحتجاجي، وتبني النهج الجهوي، على غرار الحركة السياسية في جنوب السودان ومؤتمر البجا في شرق السودان وتنظيم كومولو في جبال النوبة، فأُعلن عن تأسيس (جبهة نهضة دارفور)، التي قادها عدد من الخريجين والطلاب وقيادات سياسية ناشطة، أبرزها أحمد إبراهيم دريج، زعيم المعارضة في البرلمان في نهاية ستينيات القرن الماضي، وحاكم إقليم دارفور في عهد الرئيس السابق جعفر نميري فيما بعد، وكان معه القيادي الإسلامي الشهير د. علي الحاج محمد وآخرون، وخفت صوتها بعد انقلاب مايو/أيار 1969، واستمرت الجبهة خاملة حتى استنقذها الأستاذ عبدالله آدم خاطر، وعمل على إحيائها في عام 1985، لكنها سرعان ما طواها الغياب.

خلال كل هذه الفترات، كانت النخب المتعلمة من أبناء القبائل العربية في دارفور هي الأقل مساهمة في الحراك السياسي الاحتجاجي والعمل العسكري، وهي قبائل ذات امتدادات اجتماعية في أفريقيا جنوب الصحراء، لكنها ظلت تعيش على هامش التفاعلات في تلك الفترة، منذ نهاية الخمسينيات حتى منتصف الثمانينيات من القرن الماضي.

وتحت وطأة الصراعات القبلية في دارفور، وتقاعس حكومة الصادق المهدي (1986- 1989) عن تحقيق مطالب لها، قامت هذه المجموعات السياسية من أبناء القبائل العربية بالإعلان عن تكتل سياسي تحت مسمى (التجمع العربي)، وأصدروا بيانا سياسيا وُزع في مدينتي نيالا والفاشر عام 1988، ووقع عليه عدد من القادة السياسيين، للضغط على حكومة السيد الصادق المهدي، وزيادة مشاركة أبناء هذا الكيان في حكم دارفور، وفي الحكومة المركزية.

تتعالى الأصوات الانفصالية من داخل صفوف متمردي مليشيا الدعم السريع، وترفع شعارات منادية بتكريس واقع جديد، خاصة بعد الإعلان عما يسمى حكومة تأسيس

ولكن لم يتبلور هذا التجمع العربي كحركة سياسية مستقلة وفاعلة، وصاحب إعلان هذا التجمع اندلاع صدامات أهلية طاحنة بين بعض القبائل العربية وقبيلة الفور، انتهت بمؤتمر صلح شهير مع الأسبوع الأول من وصول الرئيس عمر البشير للسلطة، عُقد في مدينة الفاشر مطلع يوليو/تموز 1989.

عادت دارفور إلى المواجهات المسلحة في عام 1992، عندما قاد القيادي المنشق عن الإسلاميين، المهندس داؤود يحيى بولاد، بعد انضمامه للحركة الشعبية بقيادة جون قرنق، تمردا مسلحا، ودخل دارفور مع عبدالعزيز الحلو على رأس حملة عسكرية انطلاقا من جنوب السودان لاحتلال الإقليم وإعلانه كيانا مستقلا، لكن تم دحر تلك الحركة المسلحة، وقُبض على بولاد وأُعدم في العام نفسه، وفر عبدالعزيز الحلو، الذي ينتمي في الأصل لغرب دارفور.

ولم تكن حركة بولاد – الحلو منفصلة عن تحالف نشأ بين مجموعات عرقية دارفورية غير عربية مع حركة قرنق، وراج أن اتفاقا تم بين قيادات من أبناء هذه المجموعات العرقية وقيادات الدينكا والنوبة ومتمردي النيل الأزرق، تحت رعاية جون قرنق، لدعم المشروع السياسي للحركة الشعبية لتحرير السودان، تحت مسمى "السودان الجديد".

مع ذلك، لم يبلغ الخطاب الاحتجاجي، ووراءه الرغبة في الانفصال، أوج فورانه إلا في عام 2003، عندما تمردت حركات من دارفور:(حركة تحرير السودان – حركة العدل والمساواة)، اللتان تعرضتا خلال مسيرتهما من 2003 حتى 2006، ثم في عام 2012 بعد توقيع اتفاقيتين في أبوجا والدوحة، لانقسامات داخلية حادة، ثم توالت عملية التشظي حتى بلغ عدد الحركات بضعا وسبعين حركة خرجت من رحم الحركتين الرئيسيتين.
وتعد هذه الفترة هي عملية التخصيب والولادة لنوع جديد ذي خصائص متفردة في الخطاب الاحتجاجي الانفصالي لدارفور، وكان دور الحركة الشعبية لتحرير السودان والقادة الجنوبيين كبيرا في إدخال أبناء الحركات الدارفورية في جب كراهية المركز والمناداة بالانفصال.

مع ازدحام القاموس السياسي بأدبيات انفصالية جديدة، ومع قوة دفع خارجية هائلة من جهات أميركية وأوروبية وأفريقية، كان شركاء الإقليم من القبائل العربية في ذلك الوقت قد شمروا عن سواعدهم، وبدؤوا التعاون مع حكومة الرئيس البشير في محاربة الحركات المتمردة في دارفور واستئصال شأفتها وكسر شوكة تمردها.

وكان قائد التمرد الحالي محمد حمدان دقلو (حميدتي) هو الحصان الأسود في مضمار محاربة التمرد، وبمثابة سيف البشير ويده الباطشة لوأد تلك الدعوات الانفصالية، وكان قد امتلأ حتى فاض بالخطاب السياسي وموجهات البشير في الحرب على دعاة التمرد والانفصال في دارفور.

مع تبدل الأحوال وذهاب نظام البشير، ثم ما حدث بعد ذلك من تحولات مفاجئة ودراماتيكية، حتى تمرد حميدتي وقواته التي أنشأها نظام الإنقاذ وحظيت برعاية خاصة من البشير، وجد حميدتي وقواته المتمردة وداعموه السياسيون أنفسهم منغمسين بلا هدي بين دفتي كتاب القاموس الاحتجاجي الانفصالي لحركات دارفور، منذ النشأة الأولى في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي حتى اتفاق جوبا عام 2020، وخاضت مليشيا الدعم السريع في ذات الوحل اللزج، على مظنة أن هذا الخطاب المستلف هو الخِضاب الذي سيزين بنان تمردها، ويقربها زلفى إلى مواطني دارفور.

غير أن الجهات الغربية وأجهزة الكيان الصهيوني ظلت تراقب الأوضاع من كثب، ووجدت أخيرا أن مشروع تقسيم السودان وفصل دارفور، كما هو مخطط له منذ عقود بعيدة، قد أزف، وحان قطافه، ووجدت أن ضالتها المفقودة هي تمرد الدعم السريع ومليشياتها العابرة للحدود والمرتزقة الجوالين.

وليس لدى صناع المشروع التقسيمي وداعميه أفضل من التوجهات الانفصالية الاحتجاجية للإيعاز لتمرد الدعم السريع باستخدامها وتوظيفها، وهو ما تقوم به الدعم السريع، وما يسمى بمجموعة وحكومة تأسيس من ترديد طائش ونشاز لنشيد الإنشاد الانفصالي.

ومن نافلة القول، أن جوقة الانفصال الجديدة، التي تردد الشعارات المطاطية البلاستيكية التي فقدت صلاحيتها منذ بروزها خلال سبعة عقود مضت، لا ترى أفقا جديدا، ولا تمتلك مشروعا سياسيا حقيقيا، أو توجها واقعيا لصناعة مستقبل لدارفور، سواء كانت جزءا من السودان الواحد المتحد، أو – لا قدر الله – تم بترها وقطعها عن بقية أجزاء الوطن الأم.

والأدهى، أنها لا تمتلك في كل مستوياتها القدرة على إنتاج أفكار جديدة تواجه أسئلة السياسة والاجتماع، دعك عن الاقتصاد وتفاعلات التحولات في الجيوستراتيجية لأفريقيا جنوب الصحراء، ولا المعرفة والإلمام بطبيعة ما يُحاك في النظام العالمي لتغيير الجغرافيا السياسية لدول المنطقة.

الثلاثاء، 15 أبريل 2025

عاصفة لم تُبقِ ولم تذر.. ماذا حدث في السودان؟

عاصفة لم تُبقِ ولم تذر.. ماذا حدث في السودان؟


بحلول يوم (15 أبريل/ نيسان 2025)، تدخل حرب السودان عامها الثالث، ترافقها في طورها الجديد تطوّرات بالغة الأهمية على الأرض، عقب اقتتال ضروس خلال العامَين المنصرَمين، وتحولات إقليمية ودولية ذات أثر بالغ على ما يجري بالداخل السوداني، ولا يلوح في الأفق حلٌّ سياسي أو توافق على مواصلة التفاوض يفضي إلى وقف الحرب، حيث تبدي قيادة الدولة والقوات المسلحة رفضَها القاطع لأي تسوية تعيد مليشيا الدعم السريع وحلفاءها مرّة أخرى إلى المشهد والفعل السياسي.

وليس بخافٍ أن الجيش السوداني يبسط سيطرته الآن على أجزاء واسعة من التراب السوداني بعد انتصارات كبيرة، مردُّها إلى إعادة تنظيم عملياته العسكرية وخططه القتالية، ليستعيد كل المناطق التي دخلها التمرد منذ اندلاع الحرب قبل عامين بالعاصمة وولايات أواسط السودان.

ويبدو الجيش السوداني في وضع أفضل من ناحية الأداء العسكري والتجهيزات بالعتاد الحربي، وتماسك الخطوط والمحاور القتالية، والتفاف الشعب حوله، مع ميزات عديدة مكّنته من دحر التمرّد وتحجيم وإنهاء قدرته على المناورة والمواجهة على الأرض، وسلخ منه عافيته المعنوية وجاهزيته للمحافظة على المواقع المهمة المتواجد فيها منذ بداية الحرب.


ومن أهم هذه الميزات أن الجيش عمل، من خلال تخطيط منسق، على تقطيع أوصال مليشيا الدعم السريع وفصل وحداتها ومجموعاتها العسكرية عن بعضها، واختراق صفوفها ومراكز القيادة والتحكم عبر عمل استخباري محكم، وقطع خطوط الإمداد، وبدا الجيش متفوّقًا في معركة الخرطوم في مجال الاتصالات والتشويش والعمل الاستخباري، فضلًا عن العمل العسكري على الأرض.

خلال عامَين، تمخّض عن هذه الحرب خسائر بشرية ومادية ضخمة، بلغ عدد القتلى حتى الآن ما بين (70.000 إلى 150.000 قتيل من المدنيين)، حسب ما أحصته تقارير ودراسات دولية، وتم تهجير ما يزيد على ثمانية عشر مليونًا من السودانيين خارج منازلهم ومدنهم وقراهم، هُجّروا قسرًا، نازحين في الولايات الآمنة، أو لاجئين إلى دول الجوار، أو مهاجر أخرى بعيدة (2.5 مليون لاجئ).

بينما يعاني من شبح المجاعة والتجويع المتعمد حوالي (25 مليون سوداني – نصف عدد السكان)، كما تشير تقارير وكالات الأمم المتحدة، خاصة برنامج الغذاء العالمي (WFP – برنامج الأغذية العالمي) ومنظمات أخرى.

تزايدت الخسائر المادية جراء التدمير لمؤسسات الدولة، وقطاع الخدمات، والقاعدة الصناعية، والقطاعات الإنتاجية، وممتلكات المواطنين، وتراجعت إيرادات الدولة مع انهيار ركائز الاقتصاد الكلي، وتناقصت الموارد، وانخفض الناتج المحلي الإجمالي.

وتشير أقل التقديرات إلى خسائر تزيد عن (215 مليار دولار)، وربما تصل إلى (550 مليار دولار) إذا تم رصد عمليات التدمير والخراب في كل الولايات، وفي إقليمَي دارفور وكردفان.

دمرت الحرب أيضًا البنى التحتية، وتآكلت العملة الوطنية، وضعفت قدرات الدولة والمجتمع، وواجه رأس المال البشري حالة مخيفة من الاستهداف، وخرجت ولايات وأجزاء واسعة من السودان من دورة الاقتصاد القومي والإنتاج، خاصة الولايات التي يوجد بها البترول، وصادرات الماشية واللحوم، والفول السوداني، والصمغ العربي، والذهب، وكانت هذه المنتجات تدر دخلًا كبيرًا تعتمد عليه الدولة.


ولا يختلف اثنان حول حجم الدمار الذي أصاب منازل المواطنين وبيوتهم وممتلكاتهم، وعشرات الألوف من السيارات التي نُهبت وتُباع اليوم في أسواق بلدان جوار السودان.

وفقد كذلك ملايين السودانيين مصادر دخلهم، وتعطلت أعمالهم، ولم يحصل الأطفال في سن التعليم والطلاب على فرص مواصلة تعليمهم (6.5 ملايين طفل)، بعد توقف العملية التعليمية في عديد من مناطق السودان والمدارس، ولم يستطع (714.000 طالب جامعي) مواصلة تعليمهم الجامعي بعد تدمير وتخريب الجامعات وإغلاقها بسبب الحرب.

مع كل هذا، تبدو خسائر السودان الأمنية والسياسية أفدح، وربما صار وجود السودان نفسه كبلد واحد محل إشفاق وقلق، فقد يفقد السودان وحدته الترابية ويتشظى إلى أرخبيل من الدويلات الصغيرة، إذا استمرت الحرب وزاد لهيبها.

فبعد عامين من الحرب، يقف السودان على شفا الانقسام، خاصة بعد إقدام مليشيا الدعم السريع وحلفائها من حركات وتنظيمات سياسية وعسكرية على تنظيم مؤتمر في نيروبي في مارس/ آذار الماضي، تم فيه توقيع ما يسمى الميثاق التأسيسي للدولة السودانية، وتوقيع مشروع دستور جديد، وهي خطوة رغم ضآلة فرصها في النجاح، ورفضها من قطاعات واسعة من الشعب السوداني والدول الإقليمية والاتحاد الأفريقي والدول العربية والولايات المتحدة ودول أوروبا وروسيا والصين، إلا أنها مؤشر إلى خطر تبني الدعم السريع التفكير الانفصالي والانكفاء على المناطقية، وهو يركب التمرد أسنته اليوم.

وليس من العسير لمن يراقب تطورات الحرب السودانية أن يلحظ ردّات الفعل لدى القوى الداعمة للتمرد وحلفائه في بعض دول جوار السودان، وهم يهربون إلى الأمام بتبنيهم صيغة الحكومة الموازية والنموذج الليبي، بعد فشل مشروع السيطرة على كامل الدولة السودانية، والهزيمة الماحقة للدعم السريع، وطرده من العاصمة السودانية وولاية الخرطوم وولايات الجزيرة وسنار والنيل الأبيض والأزرق، وأجزاء واسعة من ولايتي جنوب وشمال كردفان.


مع دخول العام الثالث للحرب، تجري على الأرض تطورات ميدانية عسكرية مهمة، هي استعادة الجيش السوداني للعاصمة الخرطوم التي كانت تسيطر على أجزاء واسعة منها قوّات التمرد، وهي القصر الجمهوري، ومقار الحكم والوزارات، والأحياء السكنية، وبيوت المواطنين.

وخسرت قوات الدعم السريع أعدادًا كبيرة (لم تُحصَ بعد) من المقاتلين وعناصر المرتزقة الأجانب، ومعدات عسكرية استولى عليها الجيش تُقدّر قيمتها بمليارَي دولار، وهي عبارة عن مسيرات وصواريخ ومدافع ثقيلة ومتوسطة، وأنظمة اتصالات ومنظومات دفاع جوي وتشويش وذخائر متنوعة ومركبات ومدرعات مصفحة وحاملات جنود.

والأهم من ذلك أن زمام المبادرة العسكرية بات في يد القوات المسلحة السودانية التي تتقدم في كل محاور العمليات الحربية نحو المتبقي من ولايات في غرب البلاد، بينما تلعق مليشيا الدعم السريع مرارة هزائمها، وتعاني من انهيار دراماتيكي متسارع، وهروب جماعي من صفوفها، وخلو وفاضها من تحقيق أية عملية عسكرية ناجحة تستعيد بها الروح المعنوية للقوات المهزومة أو تسيطر بها على موقع ذي أهمية إستراتيجية.

ستنتقل الحرب في العام الثالث إلى إقليم دارفور، حيث تتواجد مليشيا الدعم السريع في أربع ولايات، وتحاول الهجوم للسيطرة على مدينة الفاشر، بجانب وجودها في الجزء الجنوبي الغربي من ولاية غرب كردفان، وتعاونها مع الحركة الشعبية شمال بقيادة عبدالعزيز الحلو في جنوب كردفان.

ويعتزم الجيش السوداني، عبر خطط محكمة، محاصرة التمرد في هذا الجزء من السودان، توطئة للقضاء عليه تمامًا، مستفيدًا من التفوق الميداني وسلاح الجو والطيران المسيّر، والخبرة التراكمية الممتدة زهاء المائة عام، هي تاريخ وعمر الجيش السوداني الذي تأسس في العام 1925.

لقد نقل الجيش، عبر عملية استنزاف طويلة امتدت لعامين، الحرب إلى نطاق مختلف يستطيع فيه حسم المعارك، بوجود القوات المشاركة التي تتبع حركات دارفور الموقعة على اتفاقية سلام مع الحكومة، وجملة المستنفرين والمقاتلين المتطوعين.


ويستفيد الجيش أيضًا من حالات التململ والرفض لوجود قوات الدعم السريع في ولايات دارفور التي تسيطر عليها، وبدء المواطنين في إعلان احتجاجاتهم ورفضهم الصريح لقوات التمرد ومرتزقته وجرائمهم المرتكبة كل صباح.

يعتمد التمرد المليشي خلال هذه الفترة، مع الدخول في عام الحرب الثالث، على الهجوم بالطيران المسيّر على مدن في شمال السودان، واستهداف البنى التحتية، وترويع المواطنين بغرض تهجيرهم، كما تم في مناطق الفاشر في شمال دارفور.

لكن مع نجاح حكومة السودان في تحريك قضية دعم الإبادة الجماعية ضد الدول الداعمة أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، وتقديم الوثائق والأدلة الدامغة لدى المحكمة والرأي العام العالمي، سيكون هناك واقع جديد، ولن تقف دول في الإقليم مكتوفة الأيدي إزاء التطورات السياسية والعسكرية الراهنة، خاصة إذا ثبت تورط الداعمين الرئيسيين في هذه الجرائم.

السبت، 22 مارس 2025

بعد دخول القصر.. هل كتب الجيش السوداني نهاية الدعم السريع؟

 بعد دخول القصر.. هل كتب الجيش السوداني نهاية الدعم السريع؟


طردت القوّات المسلحة السودانية، عناصرَ مليشيا الدعم السريع من القصر الجمهوري الواقع في قلب الخرطوم، في صبيحة يوم 21 مارس/ آذار 2025، ولاحقتها في وسط العاصمة التي تكاد تبدو خالية تمامًا من أي وجود للمتمردين بعد معارك شرسة طاحنة، وجاء ذلك بعد أيام قلائل من حديث عبر تسجيل مرئي لـ "محمد حمدان دقلو" قائد المتمردين يعلن فيه عدم خروج قواته من القصر الجمهورى وولاية الخرطوم، متعهدًا بمواصلة القتال، وأسرف في التمنّي بأنه سينتصر لا محالة.


بغض النظر عن تفاصيل المعارك التي دارت في وسط العاصمة السودانية ونجاح الجيش في إزاحة التمرد وإنهاء وجوده في أهم منطقة سيادية سودانية، منتشرًا وسط العاصمة، وقام بتمشيط وتنظيف محيط القصر الجمهوري، وتمكن من استرداد الوزارات الاتحادية ومقرات الحكومة والمواقع والبنايات التجارية والمصارف، يكون الجيش السوداني بذلك قد طوى صفحة كاملة امتدت لعدة أعوام منذ أبريل/ نيسان 2019، وهي عمر تواجد الدعم السريع داخل القصر الجمهوري ومحيطه خلال الفترة قبل الحرب وبعدها عندما تمكنت المليشيا من الاستيلاء على كامل المنطقة بعد الحرب في 15 أبريل/ نيسان 2023.


هزيمة الدعم السريع وطردها خارج مقر الرئاسة السودانية، ومن داخل ولاية الخرطوم، لا يختلف اثنان في أنها تعني انتصارًا ساحقًا للجيش، ونهاية لمغامرة مليشيا الدعم السريع التي ظنت أنها تستطيع بطيشها العسكري الأهوج، وانقلابها على السلطة في 15 أبريل/ نيسان 2023 أن تتمكن من السيطرة على السودان وتسلّم مقاليد الحكم وفرض إرادتها وإرادة داعميها الخارجين، والهيمنة على بلد يمور بالحركة والتفاعلات السياسية والاجتماعية، وغني بالموارد والثروات الطبيعية


لعل من المفيد النظرَ في دلالات تسلُّم الجيش القصرَ السيادي، والتمعن بعمق فيما تعنيه هذه التطورات العسكرية والميدانية وأثرها على المشروع السياسي للدعم السريع، ومخطط القوى الخارجية لالتهام وابتلاع السودان.


وقبل ذلك لا بدّ من الإشارة إلى مراحل تنفيذ مخططات وإستراتيجيات رسمت للمنطقة والسودان أعدتها دوائر غربية؛ أهمها دراسة وضعها مركز الدراسات الإستراتيجية بواشنطن عام 1981، وما ورد في كتابات وكتب برنارد لويس وعدد من الخبراء الإستراتيجيين الغربيين والإسرائيليين، حول كيفية صناعة واقع سياسي واجتماعي جديد في السودان، أو تقسيمه إلى دويلات، إذا فشلت عملية تحويله إلى بلد منزوع الهوية، والقفز به بعيدًا عن توجهات وخصائص حضارية وروابط عرف بها منذ نشأ، ليتحول إلى بلد أفريقي لا علاقة له بانتماءات أخرى عربية أو إسلامية.


وقد تم بالفعل تنفيذ هذا المشروع بداية عن طريق الحركة الشعبية بقيادة قرنق التي تأسست عام 1983، وباءت محاولات قرنق بالفشل، فتم فصل جنوب السودان، ثم حاولوا عبر تمرّد حركات دارفور 2003، وأخفقت أيضًا تلك المحاولة، وأخيرًا تمت عملية تهيئة الدعم السريع بتدقيق وتخطيط محكم لتقوم بالمهمة وَفقًا لقراءات وافية، وها هي بدورها الآن تفشل في تحقيق هذا المشروع ومطلوباته.


أوّل آثار ودلالات انتصارات الجيش السوداني في العاصمة الخرطوم، وكانت قد سبقتها انتصارات في ولايات سنار والجزيرة وشمال كردفان وشمال دارفور، أن مليشيا الدعم السريع التي تقدمت في العام الأول من الحرب في عدة جبهات تعاني الآن من حالة انهيار، وتراجع يتسارع بوتيرة متوالية، وغطاها غبار الهزائم المتكررة؛ بسبب عوامل موضوعية، في مقدمتها غياب القيادة الواحدة، وفقدان مراكز التوجيه والسيطرة، وانغماسها الكامل وسط المتاهة الجَهنمية باعتبارها مليشيا لا علاقة لها بالعسكرية الاحترافية.


فبدأت تدب وسطها الخلافات الحادة، وبرزت اتهامات التخوين داخل صفوفها، وتزايُد معدلات الإحباط، وانخفاض الروح المعنوية للمقاتلين في كل ميادين القتال، مع هروب أعداد كبيرة من المقاتلين، خاصة المرتزقة المستجلَبين من أفريقيا جنوب الصحراء، ومن وراء البحار من أميركا الجنوبية، ومن القرن الأفريقي، وتسبب ذلك في فقدانها مجموعةً كبيرة من القادة الميدانيين وأعدادًا ضخمة من قوات النخبة التي تم تدريبها جيدًا، وأعدت إعدادًا متقدمًا للاستيلاء على العاصمة وبسط السيطرة الكاملة على القصر الجمهوري ومؤسسات الدولة منذ اليوم الأول للحرب، وانتظار قائد التمرد (حميدتي) لإعلانه رئيسًا للسودان حال الانتصار على الجيش السوداني.


لعلّ أبرز ما خططت له الدعم السريع منذ بداية الحرب، ترتيبات الانتقال إلى مرحلة الحسم، فبعد مضي عام من الحرب أكملت الدعم السريع وقوى سياسية متحالفة معه (تقدم) تصورًا مع الجهات الخارجية الراعية لإعلان سلطة متكاملة.


تقوم الخطة على ركيزتين أساسيتين هما: الحفاظ على القصر الجمهوري كرمز السيادة للدولة، وعند الإعلان عن الحكومة يكون القصر الرئاسي تحت السيطرة، وتبدأ منه الدعاية السياسية، وتكون مباني مؤسسات الدولة التي تتواجد فيها داخل الخرطوم جاهزة من أجل هذه الخطوة، وشرعت الدعم السريع وحلفاؤها في تنفيذ ما خُطط له، كما ظهر مؤخرًا فى اجتماعات نيروبي، ومن بينها إشهار الحكومة الموازية وحُدد لإعلانها قبل نهاية شهر رمضان المبارك.


خلال هذا التصور عملت المليشيا المتمردة على تعزيز وجودها بالإبقاء على قواتها ذات التدريب العالي وسط الخرطوم، وداخل القصر الجمهوري، وأضافت إليها عددًا من الفنيين والخبراء المرتزقة المتخصصين في أسلحة الدفاع الجوي والمدفعية وأجهزة التشويش وصواريخ متوسطة المدى ومسيرات ومضادات دروع وطيران، بجانب طواقم ذات خبرة عالية في مجال الاتصالات والتقنية العسكرية، ونَشرت أعدادًا إضافيّة من القناصة في وسط العاصمة ومحيط القصر الجمهوري.


حسب إفادة قيادي بارز داخل الدعم السريع، قالها لمجموعة من المشاركين في اجتماعات نيروبي الشهر الفائت: "نحن بعدم وجود رغبة من الجيش السوداني في قصف القصر أو تدميره على رؤوس قواتنا، ولا بد من الاستفادة من هذه الميزة في المحافظة عليه كرمز للحكم والسلطة، وعندما تُعلن حكومتنا في نيروبي من المهم أن يكون القصر بأيدينا، ولا بد من المحافظة عليه لنجاح الخطة".


لذلك كانت محاولة السيطرة من جانب المليشيا على القصر الجمهوري والقتال دونه طيلة هذه الفترة، وكان ذلك أولوية قصوى لها، وهو ما يفسّر إصرار (حميدتي) في حديثه الأخير وعزمه التمسك بالقصر الجمهوري، وحاول إعطاء قواته المتواجدة داخله شحنات الدفع المعنوي الكافية للذود عنه.


بفقدان القصر الرئاسي، والوزارات ومقار الحكومة وسط العاصمة، تفقد مليشيا الدعم السريع مناطق وجودها وتمركزها داخل ولاية الخرطوم، وتتلاشى آمالها فى حيازة السلطة، وتلعق مرارة خسارتها القاسية، وليس هناك خيار آخر أمام المليشيا لتعويض ما حصدته من خيبات عسكرية، مع بروز حالات من الشك والريبة لدى حلفاء التمرد الذين شعروا حسب المعلومات المتطابقة في نيروبي، أن الدعم السريع باتت على شفير الهاوية، بعد توالي هزائمها المدوية، ولم يتبقَ له إلا عواصم وأجزاء من أربع ولايات بدارفور، وبعض ولاية غرب كردفان، وستكون المرحلة المقبلة قاسية وصعبة للغاية، مقابل الحالة المعنوية العالية للجيش السوداني المتقدم في كل المحاور وقد صوّب فوهات مدافعه نحو التمرّد في ولايات دارفور؛ بغرض تحريرها وإنهاء وجود الدعم السريع هناك.


يواجه المتمردون أيضًا، موجة تحولات في الإقليم، مع وجود تغيير إيجابي لصالح حكومة السودان داخل الاتحاد الأفريقي ودول مهمة في جواره وفي الفضاء القاري.


كما أن الموقف الغربي – الأميركي والأوروبي- مرهون بما ستسفر عنه العمليات العسكرية على الأرض، خاصة داخل العاصمة، بعد تزايد الانتقادات لمليشيا الدعم السريع ورصد انتهاكاتها وجرائمها ضد الإنسانية في ولايات دارفور وولاية الخرطوم ضد المدنيين.


في هذا السياق، نتيجة لرعايتها وتسهيلها الاجتماعات الأخيرة للمليشيات المتمردة وحلفائها ولقاءاتهم المكثفة لتكوين حكومة موازية، تتكاثف التحركات السياسية الداخلية من المعارضة الكينية واتحادات مصدري الشاي (250 مليون دولار دخلُ كينيا من صادرات الشاي للسودان) والغرف التجارية وقطاعات إعلامية وصحفية وبرلمانيين، هدفها محاصرة حكومة الرئيس وليام روتو المتحالف مع الدعم السريع، وما تسبب فيه من تدهور العلاقة مع السودان وتضييع المصالح الاقتصادية، فضلًا عن تهديد الحكومة السودانية بغلق أجواء بلادها أمام الطيران الكيني.


والراجح أن تقود الضغوط الداخلية على الرئيس روتو والنصائح التي وردته من دول في الإقليم إلى حجب أو تقليل الدعم السياسي للمليشيا بعد تراجعها ميدانيًا وعسكريًا.


إذا كانت حكومة السودان تتقدم بقوة للقضاء على الدعم السريع- كما يقول رئيس مجلس السيادة وبعض أعضاء المجلس في تصريحاتهم هذه الأيام- فإنها بلا شك وبفضل الحافز المعنوي الكبير الذي حازته بعد عملياتها العسكرية المحكمة في ولاية الخرطوم وتحرير 95% منها، وبسط السيطرة الكاملة على مؤسسات الدولة بما فيها القصر الرئاسي، ستمضي في تنفيذ بقية مراحل خطتها العسكرية؛ لتحرير بقية الولايات في دارفور التي تنتقل نحوها الحرب الآن، وتعتبرها أسهل بالنسبة للجيش السوداني من حرب المدن المعقدة.


لقد تمَّ حشد قوات ضخمة من الجيش والقوات المشتركة والقوات الأمنية والشرطة والمستنفرين، وبقية المجموعات المستنفرة من ولايات دارفور من أجل المعركة الفاصلة، وتبدو عملية طرد مليشيا الدعم السريع من القصر الرئاسي ومحيطه ومن وسط العاصمة، بدايةَ النهاية للتمرد في السودان، وإعلانًا مبكرًا لهزيمة الدعم السريع والجهات الخارجية الداعمة لها، وحصاد الهشيم لكل من راهن على مليشيا مارقة في اختطاف الدولة السودانية.