‏إظهار الرسائل ذات التسميات الصادق الرزيقي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الصادق الرزيقي. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 30 أغسطس 2026

حميدتي وإسلاميو السودان ما الذي يجري في الظلام؟

حميدتي وإسلاميو السودان ما الذي يجري في الظلام؟

كاتب وصحفي سوداني.

يثار جدل كثيف خلال السنوات الماضية وحتى اليوم، حول مولد ومنبت ومراحل تطور مليشيا الدعم السريع وعلاقتها بالإسلاميين أفرادا وجماعات وتنظيما، ولم ينكر الإسلاميون أبوتهم حتى اكتسبت "الدعم السريع" بعد حين صفة الابن العاق، مع محاولات يائسة من قيادة "الدعم السريع" عقب أبريل/نيسان 2019 للتبرؤ من جيناتها المحورة، وإنكار ذلك الجينوم الذي يربطها بحزب المؤتمر الوطني الحاكم آنذاك والحركة الإسلامية وعهد الرئيس عمر حسن البشير.

بسبب الحرب التي اندلعت في السودان بين قوات الدعم السريع والجيش في 15 أبريل/ نيسان 2023 وتداعياتها ودعايتها، تحاول المليشيا المتمردة، بناء مبررات حربها بأن من أهدافها القضاء على "الحركة الإسلامية"، وما يسمى بفلول النظام السابق، وبُنيت هذه الدعاية على كذبة كبرى، وتضليل لطمس الحقائق والقفز فوقها والتعلق بحبال التدليس، إذ بقيت صلة الدعم السريع بالإسلاميين كالوشم على ظاهر اليد، لا تمحوها الأيام، ولا الحرب وأهوالها.

بداية قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي" وبعض إخوته وأخواله وأبناء عمومته الأقربين، كانت عندما جندوا كعناصر مقاتلة برتب دنيا كجنود صف في الفترة من 2003-2007 في قوات "حرس الحدود"، وهي قوات شبه نظامية أنشأها عهد الإنقاذ عقب اندلاع تمرد حركتي "تحرير السودان" و"العدل والمساواة" في عام 2003 في إقليم دارفور.

بُعث "حميدتي" من مرقده في غياهب النسيان مرة أخرى، بعد أكثر من ثلاث سنوات من الضياع والغياب، مع تزايد هجمات المتمردين على مناطق في دارفور وجنوب كردفان، واقتراب التمرد من شمال كردفان والنيل الأبيض في عام 2013

وكان الشيخ موسى هلال زعيم المحاميد "بطن من قبيلة الرزيقات"، هو قائد هذه القوة التي قاتلت مع الجيش ضد المتمردين آنذاك، وجلها من القبائل العربية، ولم يكن "حميدتي" وقتذاك شيئا مذكورا سوى أنه أحد ضباط الصف يتبع لموسى هلال.

تمرد "حميدتي"؛ بسبب خلافه مع الشيخ موسى هلال في نهاية عام 2006، وحاول عقد تحالف مع متمردي حركة "العدل والمساواة" في لقاء مشهور بالعاصمة التشادية نجامينا بحضور الرئيس التشادي الراحل إدريس ديبي، لكن سرعان ما عملت الحكومة السودانية على احتوائه مرة أخرى وإرجاعه للعمل مع الجيش، وتكليفه بمهام محدودة في مناطق جنوب دارفور، ثم أفردت له حكومة الرئيس البشير منصبا حكوميا في ولاية جنوب دارفور بتعيينه مستشارا بدرجة معتمد.

وعندما حُلت قوات "حرس الحدود" بقيادة موسى هلال في خواتيم عام 2009، وتزامن مع ذلك الوقت حدوث تغييرات في أجهزة الدولة قضت بذهاب صلاح قوش مدير جهاز الأمن والمخابرات من موقعه، وبدأ مزاولة أعمال تجارية خاصة منها تصدير الماشية إلى مصر، استعان قوش بـ"حميدتي" في شراء الأبقار وحراستها من مناطق دارفور حتى نقاط التصدير على الحدود المصرية، ووجد "حميدتي" منفذا تجاريا محدودا مع شركات ومؤسسات تتبع للجيش وجهاز المخابرات، لكن سرعان ما طواه النسيان.

بُعث "حميدتي" من مرقده في غياهب النسيان مرة أخرى، بعد أكثر من ثلاث سنوات من الضياع والغياب، مع تزايد هجمات المتمردين على مناطق في دارفور وجنوب كردفان، واقتراب التمرد من شمال كردفان والنيل الأبيض في عام 2013، فقرر الرئيس البشير تكوين قوات جديدة على غرار قوات "حرس الحدود".

وتم الاتصال بالشيخ موسى هلال لكنه اعتذر عن عدم قيادتها وكان حانقا وغاضبا من تجربته السابقة. وقد استعان البشير ببعض مساعديه العسكريين، فقام أحدهم وهو الفريق أول عوض بن عوف الذي تولى حكم السودان لـ24 ساعة فقط من 11-12 أبريل/نيسان 2019، باقتراح الشقيقين محمد وعبد الرحيم حمدان دقلو، وأصدر البشير قرارا بتكوين هذه القوات في أبريل/نيسان 2013.

تم تكليف "حميدتي" بعد التكوين بجمع وتجنيد 5 آلاف من أبناء القبائل العربية بدارفور، وخصصت له 60 عربة قتالية، وحدث خلاف حول تبعية القوات، برفض هيئة أركان القوات المسلحة وأعضاء من اللجنة العسكرية السابقة التي قامت بحل وتصفية قوات "حرس الحدود" تتبيع هذه القوات للجيش، وكحل وسط أُلحقت قوات  "الدعم السريع" بجهاز الأمن والمخابرات، ومنح "حميدتي" رتبة العميد كقائد ثان، وشقيقه الأكبر عبد الرحيم رتبة المقدم، مع العلم أن كليهما في قوات "حرس الحدود" كانا في رتبة "صف ضابط" رقيب أول ورقيب.

بنهاية عهد الإنقاذ في أبريل/نيسان 2019 ومشاركة "حميدتي" مع القيادات العسكرية، ومنها كوادر إسلامية في الانقلاب على البشير، بات "حميدتي" في الأيام الأولى خائفا يترقب، وسعى لزيادة الاستعانة بالكوادر والقيادات السياسية الإسلامية

بدأ تشغيل القوات الجديدة وتنسيق عملياتها مع الجيش في دارفور وجنوب كردفان، وحدثت تجاوزات كثيرة منها مشكلة مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان عندما طرد الوالي آنذاك مولانا أحمد هارون "الدعم السريع" من ولايته، ولم تكن بيئة العمل في شمال وجنوب كردفان تناسب "الدعم السريع"، لذلك فشلت مهمتها، وتقرر انتداب ضباط من الجيش والمخابرات لتنظيم هياكل "الدعم السريع"، وتنسيق العمليات العسكرية ضد الحركات المتمردة آنذاك.

في هذا الوقت كانت العناصر المنتدبة للعمل في صفوف "الدعم السريع" من القوات المسلحة أو جهاز الأمن والمخابرات تحوز ثقة قيادة الدولة، بينما الكوادر الملتزمة من الإسلاميين تواجدت في كل الشركات والمؤسسات المدنية التي بناها "حميدتي" وأشقاؤه، وحرصت قيادة "الدعم السريع" على استشارة قيادة نظام الإنقاذ في كل البرامج، وكانت هناك سيطرة للرئيس البشير على هذه القوات تأتمر بأمره، وتتبع مباشرة لمكتبه.

وصل لقيادة شركة "الجنيد" أهم شركات "حميدتي" وذراعه المالي، أحد أهم الكوادر الإسلامية التي تعمل في المجال الأمني، وصار مديرا عاما، وكذلك كوادر أخرى توزعت على شركات الطرق والجسور والتجارة العامة والتعدين التي تتبع لـ"الجنيد"، بحلول عام 2017، وهو العام الذي صدر فيه قانون "الدعم السريع" من البرلمان في أبريل/نيسان 2017، وكان لفيف من الإسلاميين قد سيطر على مفاصل "الدعم السريع" العسكرية والمدنية واستثماراتها.

بذهاب طه عثمان من مكتب الرئيس البشير فقدت "الدعم السريع" أكبر داعم لها، لكن شبكة هائلة من العلاقات الناشئة عوضت ذلك الفقدان، بيد أن طه لعب دورا أخطر في الخارج. وعمل "حميدتي" وشقيقه وعدد من أفراد الأسرة بعد أن مُنحوا مقعدا وزاريا سبقه تخصيص مقعد برلماني لعمه (جمعة دقلو) في البرلمان، على تمتين علاقاتهم مع الإسلاميين في مختلف المستويات، والاستفادة من الكادر المدرب والمؤهل لبناء الإمبراطورية المالية، وزيادة النفوذ السياسي، ونالوا جميعا عضوية المؤتمر الوطني، وحاول "حميدتي" وشقيقه التوسل عدة مرات لقيادة المؤتمر الوطني بقبولهما وتعيينهما قياديين في الأجهزة العليا للحزب ففشل المسعى.

بداية قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي" وبعض إخوته وأخواله وأبناء عمومته الأقربين، كانت عندما جندوا كعناصر مقاتلة برتب دنيا كجنود صف في الفترة من 2003-2007 في قوات "حرس الحدود"، وهي قوات شبه نظامية أنشأها عهد الإنقاذ عقب اندلاع تمرد حركتي "تحرير السودان" و"العدل والمساواة" في عام 2003

بنهاية عهد الإنقاذ في أبريل/نيسان 2019 ومشاركة "حميدتي" مع القيادات العسكرية، ومنها كوادر إسلامية في الانقلاب على البشير، بات "حميدتي" في الأيام الأولى خائفا يترقب، وسعى لزيادة الاستعانة بالكوادر والقيادات السياسية الإسلامية خلال عذريته السلطوية، قبل أن تأتيه الإملاءات الخارجية بالتخلص من بعضهم، ومن المتواجدين في الجيش والأجهزة الأمنية. كما زادت قوات الدعم السريع من 20 ألف جندي في عهد البشير، إلى ما يقارب 40 ألفا بحلول ديسمبر/كانون الأول 2019.

وعندما أُلغيت المادة (5) من قانون "الدعم السريع"، سارع "حميدتي" إلى التوسع الأفقي والرأسي باستيعاب ضباط القوات المسلحة وجهاز المخابرات المفصولين من الخدمة، وبلغ عدد ضباط الجيش المستوعبين غداة حرب 15 أبريل/نيسان 2023 ما يزيد على 480 ضابطا من مختلف الرتب، كما استوعب عنده عناصر من قوات هيئة العمليات بجهاز المخابرات العامة، بعد حل الهيئة بضغط منه في عام 2019.

خلال أربع سنوات سبقت الحرب، فاق عدد القوات 200 ألف، وكان لـ"حميدتي" طاقم سياسي يعمل في قوات الدعم السريع (مستشارون-كبار موظفين)، جلهم من الولاة السابقين والمعتمدين والوزراء الولائيين السابقين، أكثريتهم من ولايات دارفور، وكان لديه كوادر لا حصر لها من البرلمانيين والتشريعيين الولائيين من عناصر نظام البشير.

وبحكم صلة القرابة والدم جمع حوله أهل المشورة الخاصة من "الإسلاميين"، ليديروا معه كل الملفات الخاصة والجوانب السياسية والعمل على استقطاب منظمات المجتمع المدني والقيادات الأهلية والاجتماعية وزعماء القبائل والعشائر، وستجدهم في مكاتبه الخاصة ووفوده للتفاوض، ومن يحركون العمل العسكري والسياسي بعد الحرب.

ومن أبرز الإسلاميين المساندين لـ"الدعم السريع" من السياسيين، طه عثمان الحسين مدير مكتب البشير، حسبو محمد عبد الرحمن النائب الأول للرئيس البشير، بجانب قيادات دستورية سابقة يبلغ عددهم بضعة وثلاثين، من بينهم ولاة ووزراء ووزراء ولائيون ومعتمدون وبرلمانيون وأعضاء مجالس تشريعية، وأمناء ونواب أمناء بارزون في مستويات الحركة الإسلامية ومكاتبها التنظيمية والأمنية، في ولايات دارفور وكردفان، وكوادر شبابية وطلابية، منهم رؤساء اتحادات في الجامعات ومنظمات شعبية قومية.

ولعل أبرز القيادات التي التحقت بقوات"الدعم السريع" بعد تمردها زعماء القبائل، وخاصة الإسلاميين منهم، فناظر قبيلة الرزيقات محمود موسى مادبو ظل عضوا في الجبهة الإسلامية القومية منذ ثمانينيات القرن الماضي، ومحمد يعقوب ناظر الترجم هو من قدامى الإخوان المسلمين في دارفور، وكانت له صولات وجولات أيام الديمقراطية الثالثة وعهد الإنقاذ، واللواء محمد البشير موسى ناظر قبيلة السلامات، والأمير مسار عبد الرحمن أحد وجهاء قبيلة الرزيقات، وعند تصنيف كل الإدارات الأهلية في كردفان ودارفور تجد 90% من داعمي المليشيا كانوا ملتزمين مع المؤتمر الوطني الحزب الحاكم في عهد البشير.

أما الكوادر العسكرية فهم كثر وكانوا إما إسلاميين أو مسؤولين دستوريين في عهد البشير، وهم الآن في قمة هرم "الدعم السريع" العسكري أبرزهم الفريق عثمان عمليات، اللواء حسن محجوب مدير مكتب حميدتي، العميد عمر حمدان حماد، اللواء مبشر جبريل، موسى خدام، الفاتح قرشي، علي محمد دخرو، عبد الرزاق محمد علي، إبراهيم حسن مدلل، موسى حسين خميس، سليمان عبد الجبار، عبد الرحمن حسن الفوتي، لواء عبد الرحمن جمعة بارك الله، عادل دقلو -الوزير في عهد البشير- والبرلماني في عهد الإنقاذ جمعة دقلو عم حميدتي شقيق والده، والقائمة تطول من العسكريين.

الأحد، 7 ديسمبر 2025

الكيان الصهيوني ومشروع تقسيم السودان

الكيان الصهيوني ومشروع تقسيم السودان
كاتب وصحفي سوداني.

بعد السيطرة على مدينة الفاشر، عاصمة إقليم دارفور غربي السودان، نهاية أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ودخول إقليم شاسع وكبير بحجم مساحة فرنسا في نفق مظلم ومستقبل مجهول، تتعالى الأصوات الانفصالية من داخل صفوف متمردي مليشيا الدعم السريع، وتُرفع شعارات منادية بتكريس واقع جديد، خاصة بعد الإعلان عما يسمى "حكومة تأسيس"، وهي حكومة موازية لا تحظى بأي اعتراف خارجي.

تتخوف جهات سودانية تمثل مختلف المشارب والمنابت الفكرية والسياسية من حدوث صدوع جديدة في التراب السوداني، واقتطاع جزء من البلاد في ثاني انفصال بعد فصل جنوب السودان عام 2011.

ركبت مليشيا الدعم السريع على سرج الدعوات الانفصالية بسرعة، وغطى غبار المشهد المضطرب الرؤية أمامها، وهي تتنكب في سيرها لتنفيذ مخطط تقسيم السودان، وبدت- رغم خلو وفاضها من أي مشروع سياسي- مثل ببغاء تائه وسط غابة السياسة، يردد الأقوال والشعارات السابقة للدعوات الانفصالية، والعبارات الاحتجاجية التي عبرت الفضاء السوداني منذ الاستقلال في 1 يناير/كانون الثاني 1956.

برزت إلى السطح الأفكار والاتجاهات الانفصالية والخطاب الاحتجاجي في منطقة دارفور منذ نهاية عقد الخمسينيات من القرن الماضي، وتبلورت بفعل النشاط السياسي لطلاب دارفور وخريجي الجامعات من أبناء المنطقة في الوقت نفسه، ومطلع الستينيات من القرن المنصرم، وترافق ذلك مع بقاء بقية آثار استقلال دارفور حتى عام 1916، حيث ظلت تحت حكم مستقل بقيادة السلطان علي دينار الذي حافظ على سلطنته وناصر دول المحور في الحرب العالمية الأولى، وكان ذلك سببا في زحف الجيش الاستعماري الغازي لإسقاط حكمه وضم المنطقة إلى حدود الدولة السودانية مرة أخرى، حيث كانت جزءا منها منذ عهد الخديوية وحكم أسرة محمد علي في مصر.

وربما كان هناك عامل آخر عضد نشوء التيارات الانفصالية، هو أن مناطق أخرى في غرب دارفور، وهي سلطنة المساليت، وحاضرتها مدينة الجنينة، التي ظلت لما يقارب المائة عام بعد خضوعها للمستعمر "معتمدية مستقلة" تتبع الحاكم العام الإنجليزي، ثم رأس الدولة في فترات الحكم الوطني، بموجب اتفاقية تم توقيعها عام 1898، حتى أُلغيت في السنوات الأولى من حكم الرئيس عمر البشير.

عملت بعض النخب السياسية في دارفور على فترات مختلفة بجد وكد، ومن خلفها دوائر غربية، على تبني خطاب انفصالي جهوي مناطقي انفعالي مشتط.
كان أول تحرك بعد الاستقلال الوطني عندما حاولت هذه النخب استقطاب بعض الجنود والعسكريين السابقين من أبناء دارفور للانخراط في حركتين احتجاجيتين جهويتين، هما: (اللهيب الأحمر – ظهرت للعلن ما بين الأعوام 1956 – 1958)، و(حركة سوني – تأسست عام 1962).

ولم تستطع هاتان الحركتان تحقيق شيء يُؤبه له، رغم تبنيهما الثورة المسلحة والعمل العسكري، لكنهما حفزتا النخبة السياسية من أبناء الإقليم، خاصة خريجي الجامعات ومنسوبي بعض الأحزاب السياسية، وحاولوا جمع العسكريين والجنود من أبناء دارفور، وخططوا لانقلاب عسكري عام 1964، ثم عدلوا عن تنفيذه لأسباب، قالها أحد رموز ذلك الانقلاب د. علي حسن تاج الدين، عضو مجلس رأس الدولة في الديمقراطية الثالثة (1985- 1989)، عندما استحضر واستذكر في اجتماع لأبناء دارفور بنادي الضباط بالخرطوم في عام 2006، وقال:

"خططنا وقتئذ للانقلاب، وقبيل التنفيذ شعرنا أننا لا نملك الكوادر الكافية لإدارة الدولة، خاصة الأطباء والمهندسين وكبار الموظفين والإداريين، فعدلنا عن الانقلاب".                                              

استعاضت النخب السياسية من دارفور عن العمل العسكري، بالعمل السياسي الاحتجاجي، وتبني النهج الجهوي، على غرار الحركة السياسية في جنوب السودان ومؤتمر البجا في شرق السودان وتنظيم كومولو في جبال النوبة، فأُعلن عن تأسيس (جبهة نهضة دارفور)، التي قادها عدد من الخريجين والطلاب وقيادات سياسية ناشطة، أبرزها أحمد إبراهيم دريج، زعيم المعارضة في البرلمان في نهاية ستينيات القرن الماضي، وحاكم إقليم دارفور في عهد الرئيس السابق جعفر نميري فيما بعد، وكان معه القيادي الإسلامي الشهير د. علي الحاج محمد وآخرون، وخفت صوتها بعد انقلاب مايو/أيار 1969، واستمرت الجبهة خاملة حتى استنقذها الأستاذ عبدالله آدم خاطر، وعمل على إحيائها في عام 1985، لكنها سرعان ما طواها الغياب.

خلال كل هذه الفترات، كانت النخب المتعلمة من أبناء القبائل العربية في دارفور هي الأقل مساهمة في الحراك السياسي الاحتجاجي والعمل العسكري، وهي قبائل ذات امتدادات اجتماعية في أفريقيا جنوب الصحراء، لكنها ظلت تعيش على هامش التفاعلات في تلك الفترة، منذ نهاية الخمسينيات حتى منتصف الثمانينيات من القرن الماضي.

وتحت وطأة الصراعات القبلية في دارفور، وتقاعس حكومة الصادق المهدي (1986- 1989) عن تحقيق مطالب لها، قامت هذه المجموعات السياسية من أبناء القبائل العربية بالإعلان عن تكتل سياسي تحت مسمى (التجمع العربي)، وأصدروا بيانا سياسيا وُزع في مدينتي نيالا والفاشر عام 1988، ووقع عليه عدد من القادة السياسيين، للضغط على حكومة السيد الصادق المهدي، وزيادة مشاركة أبناء هذا الكيان في حكم دارفور، وفي الحكومة المركزية.

تتعالى الأصوات الانفصالية من داخل صفوف متمردي مليشيا الدعم السريع، وترفع شعارات منادية بتكريس واقع جديد، خاصة بعد الإعلان عما يسمى حكومة تأسيس

ولكن لم يتبلور هذا التجمع العربي كحركة سياسية مستقلة وفاعلة، وصاحب إعلان هذا التجمع اندلاع صدامات أهلية طاحنة بين بعض القبائل العربية وقبيلة الفور، انتهت بمؤتمر صلح شهير مع الأسبوع الأول من وصول الرئيس عمر البشير للسلطة، عُقد في مدينة الفاشر مطلع يوليو/تموز 1989.

عادت دارفور إلى المواجهات المسلحة في عام 1992، عندما قاد القيادي المنشق عن الإسلاميين، المهندس داؤود يحيى بولاد، بعد انضمامه للحركة الشعبية بقيادة جون قرنق، تمردا مسلحا، ودخل دارفور مع عبدالعزيز الحلو على رأس حملة عسكرية انطلاقا من جنوب السودان لاحتلال الإقليم وإعلانه كيانا مستقلا، لكن تم دحر تلك الحركة المسلحة، وقُبض على بولاد وأُعدم في العام نفسه، وفر عبدالعزيز الحلو، الذي ينتمي في الأصل لغرب دارفور.

ولم تكن حركة بولاد – الحلو منفصلة عن تحالف نشأ بين مجموعات عرقية دارفورية غير عربية مع حركة قرنق، وراج أن اتفاقا تم بين قيادات من أبناء هذه المجموعات العرقية وقيادات الدينكا والنوبة ومتمردي النيل الأزرق، تحت رعاية جون قرنق، لدعم المشروع السياسي للحركة الشعبية لتحرير السودان، تحت مسمى "السودان الجديد".

مع ذلك، لم يبلغ الخطاب الاحتجاجي، ووراءه الرغبة في الانفصال، أوج فورانه إلا في عام 2003، عندما تمردت حركات من دارفور:(حركة تحرير السودان – حركة العدل والمساواة)، اللتان تعرضتا خلال مسيرتهما من 2003 حتى 2006، ثم في عام 2012 بعد توقيع اتفاقيتين في أبوجا والدوحة، لانقسامات داخلية حادة، ثم توالت عملية التشظي حتى بلغ عدد الحركات بضعا وسبعين حركة خرجت من رحم الحركتين الرئيسيتين.
وتعد هذه الفترة هي عملية التخصيب والولادة لنوع جديد ذي خصائص متفردة في الخطاب الاحتجاجي الانفصالي لدارفور، وكان دور الحركة الشعبية لتحرير السودان والقادة الجنوبيين كبيرا في إدخال أبناء الحركات الدارفورية في جب كراهية المركز والمناداة بالانفصال.

مع ازدحام القاموس السياسي بأدبيات انفصالية جديدة، ومع قوة دفع خارجية هائلة من جهات أميركية وأوروبية وأفريقية، كان شركاء الإقليم من القبائل العربية في ذلك الوقت قد شمروا عن سواعدهم، وبدؤوا التعاون مع حكومة الرئيس البشير في محاربة الحركات المتمردة في دارفور واستئصال شأفتها وكسر شوكة تمردها.

وكان قائد التمرد الحالي محمد حمدان دقلو (حميدتي) هو الحصان الأسود في مضمار محاربة التمرد، وبمثابة سيف البشير ويده الباطشة لوأد تلك الدعوات الانفصالية، وكان قد امتلأ حتى فاض بالخطاب السياسي وموجهات البشير في الحرب على دعاة التمرد والانفصال في دارفور.

مع تبدل الأحوال وذهاب نظام البشير، ثم ما حدث بعد ذلك من تحولات مفاجئة ودراماتيكية، حتى تمرد حميدتي وقواته التي أنشأها نظام الإنقاذ وحظيت برعاية خاصة من البشير، وجد حميدتي وقواته المتمردة وداعموه السياسيون أنفسهم منغمسين بلا هدي بين دفتي كتاب القاموس الاحتجاجي الانفصالي لحركات دارفور، منذ النشأة الأولى في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي حتى اتفاق جوبا عام 2020، وخاضت مليشيا الدعم السريع في ذات الوحل اللزج، على مظنة أن هذا الخطاب المستلف هو الخِضاب الذي سيزين بنان تمردها، ويقربها زلفى إلى مواطني دارفور.

غير أن الجهات الغربية وأجهزة الكيان الصهيوني ظلت تراقب الأوضاع من كثب، ووجدت أخيرا أن مشروع تقسيم السودان وفصل دارفور، كما هو مخطط له منذ عقود بعيدة، قد أزف، وحان قطافه، ووجدت أن ضالتها المفقودة هي تمرد الدعم السريع ومليشياتها العابرة للحدود والمرتزقة الجوالين.

وليس لدى صناع المشروع التقسيمي وداعميه أفضل من التوجهات الانفصالية الاحتجاجية للإيعاز لتمرد الدعم السريع باستخدامها وتوظيفها، وهو ما تقوم به الدعم السريع، وما يسمى بمجموعة وحكومة تأسيس من ترديد طائش ونشاز لنشيد الإنشاد الانفصالي.

ومن نافلة القول، أن جوقة الانفصال الجديدة، التي تردد الشعارات المطاطية البلاستيكية التي فقدت صلاحيتها منذ بروزها خلال سبعة عقود مضت، لا ترى أفقا جديدا، ولا تمتلك مشروعا سياسيا حقيقيا، أو توجها واقعيا لصناعة مستقبل لدارفور، سواء كانت جزءا من السودان الواحد المتحد، أو – لا قدر الله – تم بترها وقطعها عن بقية أجزاء الوطن الأم.

والأدهى، أنها لا تمتلك في كل مستوياتها القدرة على إنتاج أفكار جديدة تواجه أسئلة السياسة والاجتماع، دعك عن الاقتصاد وتفاعلات التحولات في الجيوستراتيجية لأفريقيا جنوب الصحراء، ولا المعرفة والإلمام بطبيعة ما يُحاك في النظام العالمي لتغيير الجغرافيا السياسية لدول المنطقة.

الثلاثاء، 15 أبريل 2025

عاصفة لم تُبقِ ولم تذر.. ماذا حدث في السودان؟

عاصفة لم تُبقِ ولم تذر.. ماذا حدث في السودان؟


بحلول يوم (15 أبريل/ نيسان 2025)، تدخل حرب السودان عامها الثالث، ترافقها في طورها الجديد تطوّرات بالغة الأهمية على الأرض، عقب اقتتال ضروس خلال العامَين المنصرَمين، وتحولات إقليمية ودولية ذات أثر بالغ على ما يجري بالداخل السوداني، ولا يلوح في الأفق حلٌّ سياسي أو توافق على مواصلة التفاوض يفضي إلى وقف الحرب، حيث تبدي قيادة الدولة والقوات المسلحة رفضَها القاطع لأي تسوية تعيد مليشيا الدعم السريع وحلفاءها مرّة أخرى إلى المشهد والفعل السياسي.

وليس بخافٍ أن الجيش السوداني يبسط سيطرته الآن على أجزاء واسعة من التراب السوداني بعد انتصارات كبيرة، مردُّها إلى إعادة تنظيم عملياته العسكرية وخططه القتالية، ليستعيد كل المناطق التي دخلها التمرد منذ اندلاع الحرب قبل عامين بالعاصمة وولايات أواسط السودان.

ويبدو الجيش السوداني في وضع أفضل من ناحية الأداء العسكري والتجهيزات بالعتاد الحربي، وتماسك الخطوط والمحاور القتالية، والتفاف الشعب حوله، مع ميزات عديدة مكّنته من دحر التمرّد وتحجيم وإنهاء قدرته على المناورة والمواجهة على الأرض، وسلخ منه عافيته المعنوية وجاهزيته للمحافظة على المواقع المهمة المتواجد فيها منذ بداية الحرب.


ومن أهم هذه الميزات أن الجيش عمل، من خلال تخطيط منسق، على تقطيع أوصال مليشيا الدعم السريع وفصل وحداتها ومجموعاتها العسكرية عن بعضها، واختراق صفوفها ومراكز القيادة والتحكم عبر عمل استخباري محكم، وقطع خطوط الإمداد، وبدا الجيش متفوّقًا في معركة الخرطوم في مجال الاتصالات والتشويش والعمل الاستخباري، فضلًا عن العمل العسكري على الأرض.

خلال عامَين، تمخّض عن هذه الحرب خسائر بشرية ومادية ضخمة، بلغ عدد القتلى حتى الآن ما بين (70.000 إلى 150.000 قتيل من المدنيين)، حسب ما أحصته تقارير ودراسات دولية، وتم تهجير ما يزيد على ثمانية عشر مليونًا من السودانيين خارج منازلهم ومدنهم وقراهم، هُجّروا قسرًا، نازحين في الولايات الآمنة، أو لاجئين إلى دول الجوار، أو مهاجر أخرى بعيدة (2.5 مليون لاجئ).

بينما يعاني من شبح المجاعة والتجويع المتعمد حوالي (25 مليون سوداني – نصف عدد السكان)، كما تشير تقارير وكالات الأمم المتحدة، خاصة برنامج الغذاء العالمي (WFP – برنامج الأغذية العالمي) ومنظمات أخرى.

تزايدت الخسائر المادية جراء التدمير لمؤسسات الدولة، وقطاع الخدمات، والقاعدة الصناعية، والقطاعات الإنتاجية، وممتلكات المواطنين، وتراجعت إيرادات الدولة مع انهيار ركائز الاقتصاد الكلي، وتناقصت الموارد، وانخفض الناتج المحلي الإجمالي.

وتشير أقل التقديرات إلى خسائر تزيد عن (215 مليار دولار)، وربما تصل إلى (550 مليار دولار) إذا تم رصد عمليات التدمير والخراب في كل الولايات، وفي إقليمَي دارفور وكردفان.

دمرت الحرب أيضًا البنى التحتية، وتآكلت العملة الوطنية، وضعفت قدرات الدولة والمجتمع، وواجه رأس المال البشري حالة مخيفة من الاستهداف، وخرجت ولايات وأجزاء واسعة من السودان من دورة الاقتصاد القومي والإنتاج، خاصة الولايات التي يوجد بها البترول، وصادرات الماشية واللحوم، والفول السوداني، والصمغ العربي، والذهب، وكانت هذه المنتجات تدر دخلًا كبيرًا تعتمد عليه الدولة.


ولا يختلف اثنان حول حجم الدمار الذي أصاب منازل المواطنين وبيوتهم وممتلكاتهم، وعشرات الألوف من السيارات التي نُهبت وتُباع اليوم في أسواق بلدان جوار السودان.

وفقد كذلك ملايين السودانيين مصادر دخلهم، وتعطلت أعمالهم، ولم يحصل الأطفال في سن التعليم والطلاب على فرص مواصلة تعليمهم (6.5 ملايين طفل)، بعد توقف العملية التعليمية في عديد من مناطق السودان والمدارس، ولم يستطع (714.000 طالب جامعي) مواصلة تعليمهم الجامعي بعد تدمير وتخريب الجامعات وإغلاقها بسبب الحرب.

مع كل هذا، تبدو خسائر السودان الأمنية والسياسية أفدح، وربما صار وجود السودان نفسه كبلد واحد محل إشفاق وقلق، فقد يفقد السودان وحدته الترابية ويتشظى إلى أرخبيل من الدويلات الصغيرة، إذا استمرت الحرب وزاد لهيبها.

فبعد عامين من الحرب، يقف السودان على شفا الانقسام، خاصة بعد إقدام مليشيا الدعم السريع وحلفائها من حركات وتنظيمات سياسية وعسكرية على تنظيم مؤتمر في نيروبي في مارس/ آذار الماضي، تم فيه توقيع ما يسمى الميثاق التأسيسي للدولة السودانية، وتوقيع مشروع دستور جديد، وهي خطوة رغم ضآلة فرصها في النجاح، ورفضها من قطاعات واسعة من الشعب السوداني والدول الإقليمية والاتحاد الأفريقي والدول العربية والولايات المتحدة ودول أوروبا وروسيا والصين، إلا أنها مؤشر إلى خطر تبني الدعم السريع التفكير الانفصالي والانكفاء على المناطقية، وهو يركب التمرد أسنته اليوم.

وليس من العسير لمن يراقب تطورات الحرب السودانية أن يلحظ ردّات الفعل لدى القوى الداعمة للتمرد وحلفائه في بعض دول جوار السودان، وهم يهربون إلى الأمام بتبنيهم صيغة الحكومة الموازية والنموذج الليبي، بعد فشل مشروع السيطرة على كامل الدولة السودانية، والهزيمة الماحقة للدعم السريع، وطرده من العاصمة السودانية وولاية الخرطوم وولايات الجزيرة وسنار والنيل الأبيض والأزرق، وأجزاء واسعة من ولايتي جنوب وشمال كردفان.


مع دخول العام الثالث للحرب، تجري على الأرض تطورات ميدانية عسكرية مهمة، هي استعادة الجيش السوداني للعاصمة الخرطوم التي كانت تسيطر على أجزاء واسعة منها قوّات التمرد، وهي القصر الجمهوري، ومقار الحكم والوزارات، والأحياء السكنية، وبيوت المواطنين.

وخسرت قوات الدعم السريع أعدادًا كبيرة (لم تُحصَ بعد) من المقاتلين وعناصر المرتزقة الأجانب، ومعدات عسكرية استولى عليها الجيش تُقدّر قيمتها بمليارَي دولار، وهي عبارة عن مسيرات وصواريخ ومدافع ثقيلة ومتوسطة، وأنظمة اتصالات ومنظومات دفاع جوي وتشويش وذخائر متنوعة ومركبات ومدرعات مصفحة وحاملات جنود.

والأهم من ذلك أن زمام المبادرة العسكرية بات في يد القوات المسلحة السودانية التي تتقدم في كل محاور العمليات الحربية نحو المتبقي من ولايات في غرب البلاد، بينما تلعق مليشيا الدعم السريع مرارة هزائمها، وتعاني من انهيار دراماتيكي متسارع، وهروب جماعي من صفوفها، وخلو وفاضها من تحقيق أية عملية عسكرية ناجحة تستعيد بها الروح المعنوية للقوات المهزومة أو تسيطر بها على موقع ذي أهمية إستراتيجية.

ستنتقل الحرب في العام الثالث إلى إقليم دارفور، حيث تتواجد مليشيا الدعم السريع في أربع ولايات، وتحاول الهجوم للسيطرة على مدينة الفاشر، بجانب وجودها في الجزء الجنوبي الغربي من ولاية غرب كردفان، وتعاونها مع الحركة الشعبية شمال بقيادة عبدالعزيز الحلو في جنوب كردفان.

ويعتزم الجيش السوداني، عبر خطط محكمة، محاصرة التمرد في هذا الجزء من السودان، توطئة للقضاء عليه تمامًا، مستفيدًا من التفوق الميداني وسلاح الجو والطيران المسيّر، والخبرة التراكمية الممتدة زهاء المائة عام، هي تاريخ وعمر الجيش السوداني الذي تأسس في العام 1925.

لقد نقل الجيش، عبر عملية استنزاف طويلة امتدت لعامين، الحرب إلى نطاق مختلف يستطيع فيه حسم المعارك، بوجود القوات المشاركة التي تتبع حركات دارفور الموقعة على اتفاقية سلام مع الحكومة، وجملة المستنفرين والمقاتلين المتطوعين.


ويستفيد الجيش أيضًا من حالات التململ والرفض لوجود قوات الدعم السريع في ولايات دارفور التي تسيطر عليها، وبدء المواطنين في إعلان احتجاجاتهم ورفضهم الصريح لقوات التمرد ومرتزقته وجرائمهم المرتكبة كل صباح.

يعتمد التمرد المليشي خلال هذه الفترة، مع الدخول في عام الحرب الثالث، على الهجوم بالطيران المسيّر على مدن في شمال السودان، واستهداف البنى التحتية، وترويع المواطنين بغرض تهجيرهم، كما تم في مناطق الفاشر في شمال دارفور.

لكن مع نجاح حكومة السودان في تحريك قضية دعم الإبادة الجماعية ضد الدول الداعمة أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، وتقديم الوثائق والأدلة الدامغة لدى المحكمة والرأي العام العالمي، سيكون هناك واقع جديد، ولن تقف دول في الإقليم مكتوفة الأيدي إزاء التطورات السياسية والعسكرية الراهنة، خاصة إذا ثبت تورط الداعمين الرئيسيين في هذه الجرائم.

السبت، 22 مارس 2025

بعد دخول القصر.. هل كتب الجيش السوداني نهاية الدعم السريع؟

 بعد دخول القصر.. هل كتب الجيش السوداني نهاية الدعم السريع؟


طردت القوّات المسلحة السودانية، عناصرَ مليشيا الدعم السريع من القصر الجمهوري الواقع في قلب الخرطوم، في صبيحة يوم 21 مارس/ آذار 2025، ولاحقتها في وسط العاصمة التي تكاد تبدو خالية تمامًا من أي وجود للمتمردين بعد معارك شرسة طاحنة، وجاء ذلك بعد أيام قلائل من حديث عبر تسجيل مرئي لـ "محمد حمدان دقلو" قائد المتمردين يعلن فيه عدم خروج قواته من القصر الجمهورى وولاية الخرطوم، متعهدًا بمواصلة القتال، وأسرف في التمنّي بأنه سينتصر لا محالة.


بغض النظر عن تفاصيل المعارك التي دارت في وسط العاصمة السودانية ونجاح الجيش في إزاحة التمرد وإنهاء وجوده في أهم منطقة سيادية سودانية، منتشرًا وسط العاصمة، وقام بتمشيط وتنظيف محيط القصر الجمهوري، وتمكن من استرداد الوزارات الاتحادية ومقرات الحكومة والمواقع والبنايات التجارية والمصارف، يكون الجيش السوداني بذلك قد طوى صفحة كاملة امتدت لعدة أعوام منذ أبريل/ نيسان 2019، وهي عمر تواجد الدعم السريع داخل القصر الجمهوري ومحيطه خلال الفترة قبل الحرب وبعدها عندما تمكنت المليشيا من الاستيلاء على كامل المنطقة بعد الحرب في 15 أبريل/ نيسان 2023.


هزيمة الدعم السريع وطردها خارج مقر الرئاسة السودانية، ومن داخل ولاية الخرطوم، لا يختلف اثنان في أنها تعني انتصارًا ساحقًا للجيش، ونهاية لمغامرة مليشيا الدعم السريع التي ظنت أنها تستطيع بطيشها العسكري الأهوج، وانقلابها على السلطة في 15 أبريل/ نيسان 2023 أن تتمكن من السيطرة على السودان وتسلّم مقاليد الحكم وفرض إرادتها وإرادة داعميها الخارجين، والهيمنة على بلد يمور بالحركة والتفاعلات السياسية والاجتماعية، وغني بالموارد والثروات الطبيعية


لعل من المفيد النظرَ في دلالات تسلُّم الجيش القصرَ السيادي، والتمعن بعمق فيما تعنيه هذه التطورات العسكرية والميدانية وأثرها على المشروع السياسي للدعم السريع، ومخطط القوى الخارجية لالتهام وابتلاع السودان.


وقبل ذلك لا بدّ من الإشارة إلى مراحل تنفيذ مخططات وإستراتيجيات رسمت للمنطقة والسودان أعدتها دوائر غربية؛ أهمها دراسة وضعها مركز الدراسات الإستراتيجية بواشنطن عام 1981، وما ورد في كتابات وكتب برنارد لويس وعدد من الخبراء الإستراتيجيين الغربيين والإسرائيليين، حول كيفية صناعة واقع سياسي واجتماعي جديد في السودان، أو تقسيمه إلى دويلات، إذا فشلت عملية تحويله إلى بلد منزوع الهوية، والقفز به بعيدًا عن توجهات وخصائص حضارية وروابط عرف بها منذ نشأ، ليتحول إلى بلد أفريقي لا علاقة له بانتماءات أخرى عربية أو إسلامية.


وقد تم بالفعل تنفيذ هذا المشروع بداية عن طريق الحركة الشعبية بقيادة قرنق التي تأسست عام 1983، وباءت محاولات قرنق بالفشل، فتم فصل جنوب السودان، ثم حاولوا عبر تمرّد حركات دارفور 2003، وأخفقت أيضًا تلك المحاولة، وأخيرًا تمت عملية تهيئة الدعم السريع بتدقيق وتخطيط محكم لتقوم بالمهمة وَفقًا لقراءات وافية، وها هي بدورها الآن تفشل في تحقيق هذا المشروع ومطلوباته.


أوّل آثار ودلالات انتصارات الجيش السوداني في العاصمة الخرطوم، وكانت قد سبقتها انتصارات في ولايات سنار والجزيرة وشمال كردفان وشمال دارفور، أن مليشيا الدعم السريع التي تقدمت في العام الأول من الحرب في عدة جبهات تعاني الآن من حالة انهيار، وتراجع يتسارع بوتيرة متوالية، وغطاها غبار الهزائم المتكررة؛ بسبب عوامل موضوعية، في مقدمتها غياب القيادة الواحدة، وفقدان مراكز التوجيه والسيطرة، وانغماسها الكامل وسط المتاهة الجَهنمية باعتبارها مليشيا لا علاقة لها بالعسكرية الاحترافية.


فبدأت تدب وسطها الخلافات الحادة، وبرزت اتهامات التخوين داخل صفوفها، وتزايُد معدلات الإحباط، وانخفاض الروح المعنوية للمقاتلين في كل ميادين القتال، مع هروب أعداد كبيرة من المقاتلين، خاصة المرتزقة المستجلَبين من أفريقيا جنوب الصحراء، ومن وراء البحار من أميركا الجنوبية، ومن القرن الأفريقي، وتسبب ذلك في فقدانها مجموعةً كبيرة من القادة الميدانيين وأعدادًا ضخمة من قوات النخبة التي تم تدريبها جيدًا، وأعدت إعدادًا متقدمًا للاستيلاء على العاصمة وبسط السيطرة الكاملة على القصر الجمهوري ومؤسسات الدولة منذ اليوم الأول للحرب، وانتظار قائد التمرد (حميدتي) لإعلانه رئيسًا للسودان حال الانتصار على الجيش السوداني.


لعلّ أبرز ما خططت له الدعم السريع منذ بداية الحرب، ترتيبات الانتقال إلى مرحلة الحسم، فبعد مضي عام من الحرب أكملت الدعم السريع وقوى سياسية متحالفة معه (تقدم) تصورًا مع الجهات الخارجية الراعية لإعلان سلطة متكاملة.


تقوم الخطة على ركيزتين أساسيتين هما: الحفاظ على القصر الجمهوري كرمز السيادة للدولة، وعند الإعلان عن الحكومة يكون القصر الرئاسي تحت السيطرة، وتبدأ منه الدعاية السياسية، وتكون مباني مؤسسات الدولة التي تتواجد فيها داخل الخرطوم جاهزة من أجل هذه الخطوة، وشرعت الدعم السريع وحلفاؤها في تنفيذ ما خُطط له، كما ظهر مؤخرًا فى اجتماعات نيروبي، ومن بينها إشهار الحكومة الموازية وحُدد لإعلانها قبل نهاية شهر رمضان المبارك.


خلال هذا التصور عملت المليشيا المتمردة على تعزيز وجودها بالإبقاء على قواتها ذات التدريب العالي وسط الخرطوم، وداخل القصر الجمهوري، وأضافت إليها عددًا من الفنيين والخبراء المرتزقة المتخصصين في أسلحة الدفاع الجوي والمدفعية وأجهزة التشويش وصواريخ متوسطة المدى ومسيرات ومضادات دروع وطيران، بجانب طواقم ذات خبرة عالية في مجال الاتصالات والتقنية العسكرية، ونَشرت أعدادًا إضافيّة من القناصة في وسط العاصمة ومحيط القصر الجمهوري.


حسب إفادة قيادي بارز داخل الدعم السريع، قالها لمجموعة من المشاركين في اجتماعات نيروبي الشهر الفائت: "نحن بعدم وجود رغبة من الجيش السوداني في قصف القصر أو تدميره على رؤوس قواتنا، ولا بد من الاستفادة من هذه الميزة في المحافظة عليه كرمز للحكم والسلطة، وعندما تُعلن حكومتنا في نيروبي من المهم أن يكون القصر بأيدينا، ولا بد من المحافظة عليه لنجاح الخطة".


لذلك كانت محاولة السيطرة من جانب المليشيا على القصر الجمهوري والقتال دونه طيلة هذه الفترة، وكان ذلك أولوية قصوى لها، وهو ما يفسّر إصرار (حميدتي) في حديثه الأخير وعزمه التمسك بالقصر الجمهوري، وحاول إعطاء قواته المتواجدة داخله شحنات الدفع المعنوي الكافية للذود عنه.


بفقدان القصر الرئاسي، والوزارات ومقار الحكومة وسط العاصمة، تفقد مليشيا الدعم السريع مناطق وجودها وتمركزها داخل ولاية الخرطوم، وتتلاشى آمالها فى حيازة السلطة، وتلعق مرارة خسارتها القاسية، وليس هناك خيار آخر أمام المليشيا لتعويض ما حصدته من خيبات عسكرية، مع بروز حالات من الشك والريبة لدى حلفاء التمرد الذين شعروا حسب المعلومات المتطابقة في نيروبي، أن الدعم السريع باتت على شفير الهاوية، بعد توالي هزائمها المدوية، ولم يتبقَ له إلا عواصم وأجزاء من أربع ولايات بدارفور، وبعض ولاية غرب كردفان، وستكون المرحلة المقبلة قاسية وصعبة للغاية، مقابل الحالة المعنوية العالية للجيش السوداني المتقدم في كل المحاور وقد صوّب فوهات مدافعه نحو التمرّد في ولايات دارفور؛ بغرض تحريرها وإنهاء وجود الدعم السريع هناك.


يواجه المتمردون أيضًا، موجة تحولات في الإقليم، مع وجود تغيير إيجابي لصالح حكومة السودان داخل الاتحاد الأفريقي ودول مهمة في جواره وفي الفضاء القاري.


كما أن الموقف الغربي – الأميركي والأوروبي- مرهون بما ستسفر عنه العمليات العسكرية على الأرض، خاصة داخل العاصمة، بعد تزايد الانتقادات لمليشيا الدعم السريع ورصد انتهاكاتها وجرائمها ضد الإنسانية في ولايات دارفور وولاية الخرطوم ضد المدنيين.


في هذا السياق، نتيجة لرعايتها وتسهيلها الاجتماعات الأخيرة للمليشيات المتمردة وحلفائها ولقاءاتهم المكثفة لتكوين حكومة موازية، تتكاثف التحركات السياسية الداخلية من المعارضة الكينية واتحادات مصدري الشاي (250 مليون دولار دخلُ كينيا من صادرات الشاي للسودان) والغرف التجارية وقطاعات إعلامية وصحفية وبرلمانيين، هدفها محاصرة حكومة الرئيس وليام روتو المتحالف مع الدعم السريع، وما تسبب فيه من تدهور العلاقة مع السودان وتضييع المصالح الاقتصادية، فضلًا عن تهديد الحكومة السودانية بغلق أجواء بلادها أمام الطيران الكيني.


والراجح أن تقود الضغوط الداخلية على الرئيس روتو والنصائح التي وردته من دول في الإقليم إلى حجب أو تقليل الدعم السياسي للمليشيا بعد تراجعها ميدانيًا وعسكريًا.


إذا كانت حكومة السودان تتقدم بقوة للقضاء على الدعم السريع- كما يقول رئيس مجلس السيادة وبعض أعضاء المجلس في تصريحاتهم هذه الأيام- فإنها بلا شك وبفضل الحافز المعنوي الكبير الذي حازته بعد عملياتها العسكرية المحكمة في ولاية الخرطوم وتحرير 95% منها، وبسط السيطرة الكاملة على مؤسسات الدولة بما فيها القصر الرئاسي، ستمضي في تنفيذ بقية مراحل خطتها العسكرية؛ لتحرير بقية الولايات في دارفور التي تنتقل نحوها الحرب الآن، وتعتبرها أسهل بالنسبة للجيش السوداني من حرب المدن المعقدة.


لقد تمَّ حشد قوات ضخمة من الجيش والقوات المشتركة والقوات الأمنية والشرطة والمستنفرين، وبقية المجموعات المستنفرة من ولايات دارفور من أجل المعركة الفاصلة، وتبدو عملية طرد مليشيا الدعم السريع من القصر الرئاسي ومحيطه ومن وسط العاصمة، بدايةَ النهاية للتمرد في السودان، وإعلانًا مبكرًا لهزيمة الدعم السريع والجهات الخارجية الداعمة لها، وحصاد الهشيم لكل من راهن على مليشيا مارقة في اختطاف الدولة السودانية.

                                                                                                          


الخميس، 25 يناير 2024

الحرب ومواقف دول جوار السودان

الحرب ومواقف دول جوار السودان

لا يختلف اثنانِ، على أن الحرب الدائرة في السودان الآن، بدأت من يومها الأول حربًا إقليميَّة لا عاصمَ من اتساع رقعتها، مع تورّط دول ومنظمات وهيئات في الإقليم في لهيبِها المستعر، وتعمل كل هذه الجهات على تحقيق مطامعها وأهدافها، وتتخذ مواقفها المعلنة والمستترة، ونشأت تحالفات بينها. فقد أماط الاقتتال الضاري في أرض النيلَين اللثام عن حجم التهافت والتكالب الإقليمي والدولي على السودان وموارده وموقعه، وتم توظيف هذه الحرب لإحداث التحولات الجيوسياسية في المنطقة الأهم في أفريقيا جنوب الصحراء والقرن الأفريقي، والسيطرة على الموارد.

ظلَّ المسرح السوداني يتهيأ لهذه الحرب وضواريها وَفق مرئيات إستراتيجية جامحة، منذ ذهاب نظام البشير في الحادي عشر من أبريل/ نيسان 2019م، عندما انفتحت الشهية على أشدها، ونسجت الأطراف الدوليَّة تحالفاتها، وتشابكت الخطوط في الداخل، وعُقدت الصفقات مع بعض دول الجوار، وتحددت التوجهات طَوال الأربع سنوات الماضية، وعندما اندلعت الحرب سرعان ما تراصت الصفوف واصطفّت اصطفافًا مرتبًا، حيث تتخذ المواقف المطلوبة، ويُكشف المحجوب والمستور من تحالفات وتفاهمات إقليمية ودولية، وتُوضع كل أوراق اللعبة على الطاولة.

من الممكن قراءة مواقف دول الجوار السوداني، وَفق معيار واحد، وهو نوع وحجم وشدّة الشراهة في ربح المصالح والمطامع ما بين مكوّنات الداخل والخارج.

غني عن القول؛ إن عوامل الجغرافيا – بما في ذلك موقع السودان في القارّة، والطمع في الموارد الطبيعية، وموجبات منظومتي الأمن الإقليمي والدولي، والتوازنات السياسية في المنطقة- لعبت دورًا في قدح نار الحرب وتأجيجها وإطالة أمدها، حتى تحقق أهدافها في دولة كانت أكبر البلدان الأفريقية والعربية، ولا تزال ضمن الدول الكبرى في المساحة حتى بعد انفصال جنوب السودان.

تتلخص مواقف دول الجوار السوداني واتجاهاتها فيما يلي:

 إريتريا

ظلّ التوجس من قوات الدعم السريع قائمًا لدى الرئيس أسياس أفورقي منذ العام 2015م، بعد مشاركتها في حرب اليمن ودورها في معارك دارفور ضد الحركات المتمردة آنذاك. فعند زيارة قائد الدعم السريع اللواء محمد حمدان دقلو إلى مدينة كسلا في معية والي الولاية الجديد آدم جماع في يونيو/ حزيران 2016م، أثيرت تساؤلات في إريتريا حول مغزى مشاركة قائد الدعم السريع في احتفالات الولاية؛ هل توجد رغبة من الخرطوم في تمدد هذه القوات شرقًا والعمل على تجنيد أبناء قبائل الشرق في صفوفها؟ وأبدى أكثر من مسؤول إريتري مخاوفَ في زيارات متكررة للخرطوم، خاصة بعد تدهور العلاقات بين البلدين، وإغلاق الحدود بقرار من السودان في عام 2016م.

لكن سرعان ما تبددت المخاوف الإريترية نوعًا ما بعد عودة العلاقات إلى طبيعتها، وعندما أصبحت قوات الدعم السريع تشارك في مكافحة الهجرة غير الشرعية للهاربين من دول القرن الأفريقي عبر حدود إريتريا وإثيوبيا إلى ليبيا، ثم عبر البحر الأبيض المتوسط إلى دول الاتحاد الأوروبي. وقد بذلت الخرطوم جهدًا في طمأنة الجانب الإريتري. عقب التغيير في 11 أبريل/ نيسان 2019 ورحيل البشير، ووصول قائد الدعم السريع إلى موقع الرجل الثاني في الدولة، تهيأت الظروف لعلاقة مباشرة لحميدتي مع الرئيس الإريتري.

جرت لقاءات بينهما في العاصمتَين، وكان الإقليم داعمًا للتغيير في السودان بجانب دول الخليج التي عمل بعضها على تشجيع نوع من التفاهم بين إريتريا والدعم السريع. في الوقت نفسه، كانت لدى أسمرا علاقات جيدة مع قيادة الجيش في السودان، وتوجد ملفات أمنية وسياسية تحكم مسار هذا التفاهم.

حاولت بعض الدول الإقليمية بناءً على علاقاتها مع إريتريا دمج قضية الدعم السريع كملف نشط بينهما، بالإضافة إلى ملف حرب إقليم تيغراي الإثيوبي والدور الإريتري فيها. تمت محاولات للاستثمار من قبل الدعم السريع في إريتريا، حيث تعاونت إريتريا مع بعض الدول في إنشاء مركز لتجميع وعبور بعض قوات الدعم السريع التي شاركت في حرب اليمن عبر موانئ إريتريا.

قبل شهر واحد من اندلاع الحرب، قام حميدتي، بزيارة إلى إريتريا في 13 مارس/ آذار 2023، وذلك في ظل تصاعد التوتر وإشارات الحرب وعمليات التحشيد. خلال اجتماعه مع أسياس أفورقي، شنّ هجومًا قاسيًا على الفريق عبد الفتاح البرهان، والجيش السوداني، وألمح إلى نية تنفيذ عمل عسكري حاسم إذا لم يوقع الجيش بقيادة البرهان على الاتفاق الإطاري بصيغته النهائية. ردّ أفورقي بعدم الدخول في هذه المغامرة الخاسرة، وأكد أن الأمور ليست سهلة في الجيش السوداني.

وبالرغم من سخرية حميدتي من الجيش وانتقاده له، إلا أن أفورقي أنهى اللقاء بنصيحة له بعدم المخاطرة بهذه الخطوة المدمرة، وذلك في مصلحة حميدتي أولًا، ومن ثم في مصلحة السودان.

عندما اندلعت الحرب، أعلنت إريتريا موقفًا واضحًا يدعو إلى وقف الحرب، ومنع تصاعد الصراع.

أعلنت أسمرا عن دعوتها إلى وقف الحرب ومنع تصاعد النزاع وعدم تدويل الصراع، وأكدت ضرورة مساهمة الدول المجاورة للسودان بشكل إيجابي في إيجاد حلول تضمن سلامة التراب السوداني. كما تسلط إريتريا الضوء على شرق السودان والعلاقات الثقافية والقبلية والروابط التاريخية بين البلدين، وتأخذ في الاعتبار تداعيات النزاع السوداني على منطقة القرن الأفريقي.

في الآونة الأخيرة، تعززت علاقة إريتريا مع مجلس السيادة والحكومة والجيش السوداني، حيث تم التنسيق في العديد من القضايا والملفات. يمكن أن تشهد الفترة المقبلة تطورات مهمة في منطقة القرن الأفريقي؛ بسبب النزاع الصومالي الإثيوبي وزيارة الرئيس الصومالي لإريتريا قبل أيام. لذا ستجد إريتريا نفسها وسط صراعات معقدة، وقد تضطر إلى إعلان مواقف قد تؤثر على الوضع في السودان.

إثيوبيا

منذ أبريل/ نيسان 2019 وحتى اندلاع الحرب في أبريل/ نيسان 2023، دخلت إثيوبيا في علاقة استثمارية ومالية وثيقة مع الدعم السريع. بدأت هذه العلاقة بالاستثمارات التجارية والودائع المالية الكبيرة، وتجلى هذا التعاون في العديد من الجوانب، بدءًا من الدعم السياسي وصولًا إلى التعاون متعدد الاتجاهات. في عام 2020، تم استيعاب 12 جنديًا من الدعم السريع للتدريب على الطيران في إثيوبيا، كما تم تسجيل عدة شركات تابعة للدعم السريع في أديس أبابا في العام نفسه.

شملت هذه العلاقة أيضًا الاستثمار في المشروعات العقارية، حيث اشترت "الدعم السريع" مستشفى إثيو تبيب (Ethio-Tabib hospital) وشرعت في توسيع أعمالها في مشروعات استثمارية عقارية. بالإضافة إلى ذلك، قامت الدعم السريع بشراء سلسلة منتجعات كُرفتو  (Kuriftu)  في مناطق متنوعة في إثيوبيا، وشملت الصفقة أيضًا منتجعًا فاخرًا يُعرف باسم "آللالا – Allala resort" في مدينة أواسا بجنوب إثيوبيا.

تشير مصادر إثيوبية إلى أن الأموال التي تم استثمارها في هذه المشروعات في العامين 2020 و2021 بلغت في المرحلة الأولى 100 مليون دولار. كما هناك دراسات مستقبلية لمشروعات عقارية وفنادق، بالإضافة إلى عمليات شراء أسهم في بعض المؤسسات الأخرى.

لذلك، عندما نشبت المواجهات المسلحة في منطقة الفشقة السودانية على الحدود مع إثيوبيا، وشاركت مكونات القطاع العسكري مثل الجيش والحركات المسلحة في الدفاع عن الفشقة، رفضت قوات الدعم السريع المشاركة في الدفاع عن الأراضي السودانية. يبدو أن ذلك يعود إلى تورط إثيوبيا في مشروع مشترك في المنطقة، الأمر الذي قد يمنع الدعم السريع من إرسال قوات لحماية المنطقة.

على الرغم من ذلك، ذكرت تقارير دبلوماسية غربية أن آبي أحمد، رئيس الوزراء الإثيوبي، لم ترُق له فكرة طرحها عليه محمد حميدتي خلال زيارته إلى إثيوبيا في منتصف العام 2021. الفكرة كانت تتعلق بتدخل قوات الدعم السريع لصالح الحكومة الإثيوبية والمشاركة في مطاردة ومحاربة مليشيات "فانو" ومجموعات "الأمهرة" العسكرية. وقد اعتبر آبي أحمد أن هذه الفكرة غير محبّذة وغير مقبولة، حيث اعتبر أن الجيش الإثيوبي قادر على التعامل مع هذه المسألة بمفرده، وأنها تعتبر مسألة سيادة وطنية تخصّ إثيوبيا.

بالنسبة للموقف الإثيوبي من القوات المسلحة السودانية، فمنذ عهد البشير، كانت هناك اتهامات إثيوبية لاستخبارات الجيش السوداني بدعم جبهة التيغراي. ولكن خلال الفترة الأخيرة، تراجعت هذه الاتهامات مع استمرار القلق الإثيوبي.

هناك عدة تيارات داخل الحكومة الإثيوبية تدعو إلى علاقة طيبة مع السودان وعدم التصعيد. ومع ذلك، يبدو أن التيار الغالب حاليًا ينحاز إلى التوجهات الإسرائيلية تجاه السودان.

من الواضح أن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يؤكد حق السودانيين في التواجد في عاصمة إثيوبيا، أديس أبابا، وممارسة الأنشطة السياسية المدنية. ومع ذلك، يشير إلى أن أي تحول لهذا التواجد إلى أعمال عدائية مسلحة، سيتم وقف هذه الأنشطة وطردها على الفور. هذا يعكس استعداد إثيوبيا للسماح بوجود سياسي سوداني في العاصمة، دون التسامح مع أي أعمال تهدد الأمن والاستقرار.

من ناحية أخرى، يشير الدعم غير المحدود للتمرد وأعوانه، والضغط السياسي من قبل إثيوبيا ودول أخرى على مفوضية الاتحاد الأفريقي وتعزيز مواقفها المتشددة تجاه السودان – إلى التورط المحتمل لإثيوبيا في دعم العناصر المعارضة للحكومة السودانية. قد يشمل هذا التورط تقديم الدعم المادي أو اللوجيستي أو الدعم السياسي.

من الجدير بالذكر أن موسى فكي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي ومدير مكتبه محمد ولد لبات يمكن أن يكون لهما دور في محاولة تسوية النزاع أو التدخل في المسائل المتعلقة بالسودان. وقد يكون هذا تحالفًا ممكنًا مع إثيوبيا في الوقت الحالي.

خلال زيارة قائد التمرد إلى أديس أبابا يوم 28 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، تبدَّى حجم الاستقبال الرسمي الكبير الذي جرى له بمطار أديس أبابا، وفي لقائه رئيس الوزراء الإثيوبي في مبنى البنك التجاري الإثيوبي، حيث أودع حميدتي خلال هذه الزيارة مبالغ مالية في البنك التجاري الأثيوبي Ethiopian commercial bank ECB.

من الجدير بالذكر أن توقيع اتفاق بين حميدتي ورئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك ومجموعته من تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية، يمكن أن يكون له تأثير كبير على المشهد السياسي في السودان. تفاصيل هذا الاتفاق والتزامات الأطراف المتعاقدة ستكون مهمة لمستقبل السياسة في البلاد.

خلاصة القول إن الموقف الإثيوبي الذي يعبر عنه رسميًا أنه مع مبادرة "الإيغاد" وإيجاد حل سلمي للنزاع في السودان وحرص إثيوبيا على الحل السياسي إلا أن السودان وأطرافًا أخرى في جوار السودان وقوى إقليمية ودولية ترى أن الموقف الإثيوبي متطابق مع دعم التمرّد، ويفتح الباب على مصراعيه في سبيل تقوية شوكة المتمردين.

بجانب ذلك لا يساورُ المراقبين في القرن الأفريقي شكٌّ في أن استقبال إثيوبيا أحدَ قادة المتمرّدين في منطقة النيل الأزرق ( جوزيف تكة – قائد عسكري منشق على مالك عقار رئيس الحركة الشعبية ونائب رئيس المجلس السيادي)، وترتيب زيارة مشتركة له مع عبد العزيز الحلو قائد الحركة الشعبية "شمال" إلى أبوظبي وقبول مقترح إنشاء مطار ترابي قرب الحدود السودانية – الإثيوبية في مناطق (يابوس)، ثم التراجع عنه مؤقتًا، هو خطوة تصعيدية غير محسوبة النتائج، ربما تكون عواقبها وخيمة على المنطقة الحدودية، خاصة أن عناصر جوزيف تكة المتواجد هناك، غير مرحب بها في إقليم بني شنقول والجبهة الإثيوبية المعارضة للحكم في أديس أبابا، فأي معارك هناك أو توترات أمنية تهدد موقع سد النهضة الإثيوبي، ولا يمكن أن تخاطر الحكومة الإثيوبية بذلك.

الأحد، 11 يونيو 2023

كيف ومتى تنتهي حرب الخرطوم؟

 كيف ومتى تنتهي حرب الخرطوم؟

الشيء الذي لا جدال فيه أن الحرب الدائرة الآن في العاصمة السودانية الخرطوم ذات أبعاد مركبة من حيث مكوناتها وميادينها وأهدافها المحلية، وفي تنامي بعدها الإقليمي دعماً ومؤازرة أو رفضاً وحياداً. هذا إلى جانب التدخلات الدولية المتشابكة التي تملأ أشرعتها رياح عاتية، لذا يصبح من الصعب للغاية التكهن بموعد محدد وكيفية معينة تصمت معها أصوات المدافع وتتوقف هذه الحرب.

وبات معلوما أن هذا الاقتتال الدامي لن يتوقف، ولن تضع الحرب أوزارها، إذا لم تحقق أهدافها في سياقات أبعادها المركبة على الصُعد المحلية والإقليمية والدولية.

حالة القتال اليوم تشير بشكل واضح إلى أن التهديد العسكري لقوات الدعم السريع بالانقضاض على السلطة وتحطيم الجيش السوداني وهزيمته، لم يعد موجودًا

ويبدو الجيش السوداني من جانبه عازما ومصمما على إنهاء التمرد والقضاء عليه مهما كان الثمن، وحدد خيارين للمتمردين، إما الاستسلام وإما الدحر المبرم. ويبدو أن الجيش لن يوقف عمليته العسكرية رغم الضغوط الخارجية عليه وعصا العقوبات الأميركية المرفوعة في وجهه، وما يقوم به منبر التفاوض المفتوح في جدة بالمملكة العربية السعودية لم ينتج عنه سوى اتفاقيات للهدنة ووقف إطلاق نار دون طائل، فمفاوضات جدة لا أوقفت قتالاً، ولا فتحت باباً ينفذ منه أمل بوقفٍ دائم لهذه الحرب، فالجيش ماض في سبيل إنهاء الحرب بالقضاء الكامل على التمرد والتخلص من "الدعم السريع" وتعويض البلاد مما حاق بها بسببه.

ومن جانبه تبدو الصورة أكثر غموضا وقتامة لدى "الدعم السريع" الذي فقد القدرة على بلورة رأي سياسي تعبر عنه قيادته بشكل متواتر ودائم خلال الحرب الجارية، بسبب تعدد مراكز القرار الذي تقاسمته مكونات داخلية تنسب ما تقول لقيادة "الدعم السريع"، ثم عواصم عربية تتحكم في كل ما يصدر عن "الدعم السريع" وتحدد مساراته السياسية وعلاقاته الإقليمية التي لا تنطلق من تحرك ذاتي، فهي  تحركات يتم التخطيط لها وتنفيذها بعد اتصالات دبلوماسية تقوم بها بعض الجهات العربية التي ترعى وتمول وتدعم هذه النسخة "الأفروعربية" من فاغنر الروسية.

وبان للجميع مع انكشاف الظهر وظهور الأكذوبة أنه ليس "للدعم السريع" أية أهداف سياسية محددة من هذه الحرب التي يشنها، فأهدافه تراجعت من لوثة الأوهام السياسية المُلقّنة لقيادته من مجموعة الاتفاق الإطاري عن استعادة المسار الديمقراطي وتحولاته في السودان، فقد لاكت الألسن ما ورد في تلك الترهات السياسية المهترئة الطافحة من متن وشروح ما يسمى بالاتفاق الإطاري.

وأصبح من الصعب تسويق تلك التعابير المعلبة، وتعقدت أوضاع "الدعم السريع" أكثر نتيجة الأخطاء المميتة والفادحة التي ارتكبها بتهجيره القسري للمواطنين، واحتلال منازلهم ونهب ممتلكاتهم، وارتكابه أبشع جرائم الحرب باحتلال المستشفيات والمراكز الطبية، ونهب ممتلكات المواطنين، وتعطيل الخدمات الطبية وتحويل المشافي لثكنات عسكرية تدار منها الحرب، بجانب اتخاذ المواطنين دروعاً بشرية تحت دعاوى حماية حماة بذور الديمقراطية المعدلة وراثياً في السودان.

وبما أن "الدعم السريع" نفسه تحوّل بعد ما يقارب الشهرين من القتال إلى نوع آخر من التهديد، حيث لم يعد مهدداً عسكرياً، بل صار مهددا أمنياً، فحالة القتال اليوم تشير بشكل واضح إلى أن التهديد العسكري "للدعم السريع" بالانقضاض على السلطة وتحطيم الجيش السوداني وهزيمته لم يعد موجودًا، فالذي أطال عمر هذه الحرب هو الاحتماء ببيوت المواطنين الأبرياء، وجعل الملايين من سكان الخرطوم دروعاً بشرية، حيث لا تستطيع القوات المسلحة تنفيذ عملياتها العسكرية داخل الأحياء السكنية والمستشفيات والمرافق الخدمية كمحطات إمدادات المياه والكهرباء والاتصالات والمدارس.

وكان الجيش السوداني قد أعلن أكثر من مرة أنه دمر النواة الصلبة والقوة الرئيسية التي يعتمد عليها "الدعم السريع"، وقضى وسيطر على كل معسكراتها ومقارها بالخرطوم والولايات، وجاء على لسان بعض قيادات الجيش أن ما بين 70% و80% من قدرات "الدعم السريع" قد تم تدميرها، وأنه من 10 آلاف سيارة دفع رباعي مسلحة تم تدمير والاستيلاء على ما يقارب 8 آلاف سيارة بكامل عتادها.

في حين يلاحظ تقلّص أعداد "الدعم السريع" في الارتكازات المختلفة في أحياء العاصمة الخرطوم وشوارعها، وتراجع عدد المقاتلين في السيارات من العدد الأساسي 8 في السيارة الواحدة إلى 3 أفراد فقط، كما تم ضرب ما يزيد على 75 موقعا ومكتبا وتجمعا عسكريا وإداريا ومنزلا مستخدمة من قبل "الدعم السريع" في كل ولاية الخرطوم وذلك من مجموع 90 موقعا ومكتباً ومنزلاً.

وفي صفوف القيادات الميدانية تم تأكد حتى الآن مقتل 60% من قيادات الصف الأول للتشكيلات العسكرية التابعة "للدعم السريع" وضباط النخبة المقاتلة، في حين ذكرت تقارير صحفية خارجية وتقارير لمنظمات دولية تفاصيل بالأرقام عن أعداد القتلى في صفوف "الدعم السريع" وتصنيفاتهم وعدد الجرحى، وكل ذلك يشير إلى أن القوة الرئيسية المعول عليها لإنجاز عمليات عسكرية ناجحة "للدعم السريع" قد انتهت.

ومما لا مراء فيه أن العلاقة السياسية "للدعم السريع" مع حلفائه السياسيين من تنظيمات وأحزاب المجلس المركزي "للحرية والتغيير" قد ضعفت للغاية، ولم يعد هناك إلا توارد الخواطر الإعلامية والتصريحات، فالعلاقة العضوية تلاشت وما كان ينتظره "الدعم السريع" من سند الحليف السياسي من بداية الحرب لم يتوفر قط، فليس هناك من يناصر ويعاضد فعلاً ولا قولاً، ولم يجد "الدعم السريع" إلا حديثاً جزافياً، ولم يجد إلا مجموعات رعاها من قبل واشتراها، وهي عناصر ما تسمى بلجان المقاومة، وهم جواسيسه وعيونه صنعها بنفسه وموّلها ورعاها.

وفوق ذلك اكتشف "الدعاميون" الحقيقة المرة، وهي أن المجلس المركزي لقوى "الحرية والتغيير" عار بلا ثياب، ليس له من حظ الجماهير نصيب، فجماهير الشعب السوداني التفّت وساندت وناصرت القوات المسلحة والجيش الوطني، بينما وجد "الدعم السريع" نفسه في مواجهة الجماهير التي ينهبها ويسرق منازلها وممتلكاتها، ويمارس معها كل أنواع القتل والترهيب والتخويف والاغتصاب.

ومن هذا كله، فإن الحرب ومعطياتها الماثلة، وتحول "الدعم السريع" إلى مهدد أمني بعد فشل مشروعه وإخفاقه في الحفاظ على وضعية التهديد العسكري، وعدم وجوده إلا في مناطق محدودة في بعض ولايات دارفور ومناوشات حول مدينة الأبيض بشمال كردفان، كل ذلك يشير إلى أن هذه الحرب ستنتهي بهزيمة ساحقة لهذه القوة التي نجح الجيش في استدراجها وإرهاقها وتقليص عددها يوما بعد يوم.

ومع هروب أعداد كبيرة تجاه غرب السودان وخارجه، سيخرج "الدعم السريع" وتأثيراته ودوره الذي لعبه في المشهد العام من دائرة الفعل السياسي والعسكري، وستطوى صفحاته، وسيكون جزءاً من الماضي.

أما بخصوص "متى"؟ فذلك رهين بالتطبيق الصارم والناجع لهذه المرحلة من الحرب وفق خطة الجيش، التي حتى اللحظة يظنها المواطن بحساباته المدنية البسيطة أنها خطط بطيئة النتائج ولم تجن ثمارها بعد، لكن وفق التقديرات والحسابات العسكرية والقراءات السياسية فإننا في المشاهد الختامية ولطالما كان إسدال الستار عند نهاية المشهد الختامي.

الأحد، 14 مايو 2023

منابع ومسارات المرتزقة الأفارقة نحو السودان (2)

منابع ومسارات المرتزقة الأفارقة نحو السودان (2)

القواسم المشتركة والتداخل القبلي مع الدول المحيطة يشكل حاضنة ومنبعا لتوريد المرتزقة 

في الحلقة السابقة تناولنا مقدمات حول ظاهرة الشعوب المهاجرة في أفريقيا جنوب الصحراء وتنامي ظاهرة المرتزقة في هذا الجزء من أفريقيا والعوامل الرئيسية التي أوجدت هذه المجموعات، منها حروب ما بعد مرحلة الاستقلال للبلدان في هذا الشريط الطويل في النصف الثاني من القرن الماضي، والاضطراب السياسي والأمني في الخمسين عاما الماضية، ودور الدعاية السياسية لليبيا القذافي ودعمه ما تسمى الحركات الثورية والمعارضة في البلدان الأفريقية، حيث وجد القذافي مرتعا خصبا يمارس فيه هواياته السياسية وانغماساته في قضايا البلدان الأكثر فقرا والأغنى بالموارد الطبيعية غير المستغلة.

ذكرنا جانبا من بؤر التجنيد ومناطق تدفقات المرتزقة زرافات ووحدانا في دولتي تشاد والنيجر، حيث هناك قواسم مشتركة بين هذين البلدين، منها التداخل السكاني الذي تمثله في البلدين القبائل المشتركة (التبو، القرعان، الكالمبو، البرنو، العرب، المحاميد، الفولان، الهوسا) وتوجد تداخلات قبلية أيضا لنفس هذه القبائل في بلدان أخرى، مثل ليبيا ومالي ونيجيريا بالإضافة إلى الطوارق.

نواصل هنا في إطار البحث عن أهم مناطق النشاط في شمال النيجر ومالي ونيجيريا، وهي على النحو التالي:

شمال النيجر

بتفصيل أكثر مما ذكرناه في الحلقة السابقة فإن شمال النيجر هو بمثابة البطن الرخو لهذه البلاد رغم أنه صحراء قاحلة، فمنه تنطلق مجموعات المرتزقة إلى ليبيا أو تشاد في السابق، وفيه نشأت حركات المعارضة والتمرد النيجرية، خاصة المنتمية للطوارق، وهي بالطبع ذات امتدادات في شمالي مالي.

أولا: منطقة أغاديس

تقع في شمال النيجر، وتمتد شمالا حتى الحدود الليبية والجزائرية، وغربا عند الحدود مع جمهورية مالي بجانب نشاط المجموعات المسلحة السابق قبل توقيع اتفاقيات سلام في نهاية عقد التسعينيات من القرن الماضي.

توجد الآن تحركات لمجموعات محلية لا تستطيع حكومة النيجر وحدها رصدها ومتابعتها ومراقبتها، وبعض هذه المجموعات هي عصابات خرجت من ليبيا بعد اتفاق الأمم المتحدة مع أطراف الأزمة الليبية قضى بخروج كل المسلحين الأجانب من ليبيا، وبعض هذه المجموعات من الطوارق والتبو والفولان وقبائل أخرى، وأبرز هذه المجموعات:

  1. بقايا القوات الثورية من أجل الصحراء (فارس -FARS) / طوارق.
  2. حركة الجبهة الوطنية للشباب في شمال النيجر "إم إن جيه" (MNJ).

وتتوزع في هذه المنطقة بؤر تجنيد وتجييش في مناطق التعدين عن الذهب، وهي:

  1. منطقة تابلت، تقع شمال مدينة أغاديس (40 كيلومترا).
  2. منطقة أمزغار (250 كيلومترا).

ثانيا: شمال شرق أغاديس

منطقة "تيبرا كاتن" علي

ثالثا: الحدود النيجيرية الجزائرية 

منطقة تاعرابت في مثلث الحدود بين النيجر ومالي والجزائر.

رابعا: منطقة الغرب على حدود النيجر وبوركينا فاسو

منطقة تيراغويتي غربي النيجر.

معروف أن شمال النيجر هو مناطق التعدين عن اليورانيوم، وتوجد شركات فرنسية تعمل هناك إلى جانب شركات صينية تعمل في مجال النفط.

نشاط بوكو حرام

لا ينحصر نشاط بوكو حرام فقط في شمال شرق نيجيريا، فهناك ولايات عديدة داخل النيجر ومحافظات في نيجيريا وأطراف من تشاد يوجد فيها نشاط للحركة التي تراجع دورها للغاية بعد تنسيق الحرب عليها عقب إبرام نيجيريا والنيجر وتشاد والكاميرون اتفاقية مشتركة لمحاربة هذه الحركة، وتوزعت بقايا هذه الحركة إلى عصابات لا علاقة لها بالقضية الأيديولوجية أو الدينية أو حتى القضايا المحلية، وتفرغ أفراد بوكو حرام للارتزاق العسكري العابر للحدود، وبعضهم تسللوا للتجنيد ضمن صفوف الدعم السريع.

بؤر التجنيد في مالي

توجد في شمال جمهورية مالي حركات متطرفة تمثل مركزا لعمليات تجنيد من الطوارق والفولاني الموجودين في هذه المنطقة الممتدة شمالا حتى حدود الجزائر، ولا يمكن الجزم بوجود صلة مباشر وثيقة بين شركة فاغنر أو الدعم السريع والحركة الوطنية تحرير أزواد أو تنظيم التوحيد والجهاد وحركة جماعة أنصار الدين والقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.

لكن توجد مجموعات من المقاتلين السابقين كمرتزقة كانوا في ليبيا ينتمون لمناطق الشمالي في جمهورية مالي، انخرطوا بعد ليبيا في التعدين الأهلي وفي نشاطات إجرامية، وأصبحوا قطاع طرق أو عصابات منظمة تعبر الحدود، وهؤلاء عرضة للتجنيد من بعض الاطراف المتعاونة مع خليفة حفتر في ليبيا والدعم السريع، ويقال إن أطرافا في دولة خليجية تمول هذا النوع من عمليات تجنيد المرتزقة.

وتوجد هذه المجموعات في المناطق التالية:

  1. منطقة كيدال: تقع في وسط الصحراء المالية في الشمال الشرقي وتجاور النيجر والجزائر، ومنها تنطلق المسارات والطرق إلى جنوب غرب ليبيا وشمال النيجر وتشاد.
  2. مدينة قاو: حيث تتمركز تنظيمات إسلامية متطرفة ظلت تستقطب الشباب، وهي مدينة متوسطة المساحة تقع عند مجرى نهر النيجر في شمال شرقي مالي.
  3. منطقة أوسنغو شمال مالي.
  4. مناطق حول العاصمة التاريخية (تمبكتو).
  5. مناطق شمال غرب مالي.

تتميز هذه المناطق في شمال مالي بأنها غير خاضعة لسلطة الدولة وتوجد فيها حركات متطرفة مصنفة إرهابية، وتوجد عمليات عسكرية للجيش الجزائري، وكانت في السابق توجد تغطية جوية فرنسية بالإضافة إلى قوات من عدة دول تعمل على الأرض لمتابعة هذه الحركات.

إلى جانب ذلك توجد مناطق تعدين تقليدي عن الذهب في الشمال (تاودني، غاو، حوض ميسنا، حوض ميدين- في أقصى الشمال الشرقي)، كما توجد مناطق في وسط مالي.

ومع انتشار التعدين الأهلي فإن عمليات تجنيد المرتزقة تتم في هذه المناطق، وأغلبهم من الطوارق.

مرتزقة موريتانيا

على وجه الدقة لا توجد مجموعات مرتزقة تخرج من موريتانيا باتجاه السودان إلا تلك المجموعات التي كانت تنتمي لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي أو تنظيمات التوحيد والجهاد وأنصار الله في شمالي مالي، ولكن لوجود قبائل من أهل موريتانيا (الحسانية، وبني شنقيط) في النيجر وأجزاء من تشاد يرجح انضمام أفراد من هؤلاء إلى عصابات المرتزقة والذهاب بحثا عن المال والسلاح.

بوركينا فاسو والسنغال وبقية دول الغرب الأفريقي

هناك أفراد فقط دون تنظيم دقيق يذكر ينتمون لقبائل الفولان والهوسا، تجندوا كمرتزقة في ليبيا وعاد بعضهم في 2021 إلى موطنهم الأصلي، ويمكن أن ينخرطوا في أي نزاعات إذا توفرت المسارات والمغريات للذهاب شرقا نحو السودان أو أي بلد آخر.

مسارات المرتزقة

  1. المسارات من تشاد مباشرة تتم عن طريق عدة طرق برية، أهمها الطرق البرية التقليدية عبر المنافذ الحدودية أو ممرات الرحل ومساراتهم التقليدية وهي عبر محافظتي (أم التيمان- حدود ولاية غرب دارفور السودانية) (مسار من منطقة وداي ومدينة أشي إلى منطقة أدري ثم إلى ولاية غرب دارفور بالسودان) (طريق يتجه شمالا في تخوم الصحراء التشادية ثم ولاية شمال دارفور السودانية) (مسار من جنوب شرق تشاد عبر أفريقيا الوسطى) (مسار من المثلث شمال عبر الصحراء من شمال تشاد إلى أقصى شمال السودان بمحاذاة وادي هور).
  2. المسار الرئيس القادم من النيجر ومالي وبقية بلدان غرب أفريقيا يعبر جنوب ليبيا عبر جبال تبستي ومناطق التبو وأوزو، وهو ممر صحراوي يشق الصحراء الكبرى حتى الحدود مع السودان.

 

نواصل في الحلقة الثالثة


منابع ومسارات المرتزقة الأفارقة نحو السودان (1)