‏إظهار الرسائل ذات التسميات السودان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات السودان. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 30 أغسطس 2026

حميدتي وإسلاميو السودان ما الذي يجري في الظلام؟

حميدتي وإسلاميو السودان ما الذي يجري في الظلام؟

كاتب وصحفي سوداني.

يثار جدل كثيف خلال السنوات الماضية وحتى اليوم، حول مولد ومنبت ومراحل تطور مليشيا الدعم السريع وعلاقتها بالإسلاميين أفرادا وجماعات وتنظيما، ولم ينكر الإسلاميون أبوتهم حتى اكتسبت "الدعم السريع" بعد حين صفة الابن العاق، مع محاولات يائسة من قيادة "الدعم السريع" عقب أبريل/نيسان 2019 للتبرؤ من جيناتها المحورة، وإنكار ذلك الجينوم الذي يربطها بحزب المؤتمر الوطني الحاكم آنذاك والحركة الإسلامية وعهد الرئيس عمر حسن البشير.

بسبب الحرب التي اندلعت في السودان بين قوات الدعم السريع والجيش في 15 أبريل/ نيسان 2023 وتداعياتها ودعايتها، تحاول المليشيا المتمردة، بناء مبررات حربها بأن من أهدافها القضاء على "الحركة الإسلامية"، وما يسمى بفلول النظام السابق، وبُنيت هذه الدعاية على كذبة كبرى، وتضليل لطمس الحقائق والقفز فوقها والتعلق بحبال التدليس، إذ بقيت صلة الدعم السريع بالإسلاميين كالوشم على ظاهر اليد، لا تمحوها الأيام، ولا الحرب وأهوالها.

بداية قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي" وبعض إخوته وأخواله وأبناء عمومته الأقربين، كانت عندما جندوا كعناصر مقاتلة برتب دنيا كجنود صف في الفترة من 2003-2007 في قوات "حرس الحدود"، وهي قوات شبه نظامية أنشأها عهد الإنقاذ عقب اندلاع تمرد حركتي "تحرير السودان" و"العدل والمساواة" في عام 2003 في إقليم دارفور.

بُعث "حميدتي" من مرقده في غياهب النسيان مرة أخرى، بعد أكثر من ثلاث سنوات من الضياع والغياب، مع تزايد هجمات المتمردين على مناطق في دارفور وجنوب كردفان، واقتراب التمرد من شمال كردفان والنيل الأبيض في عام 2013

وكان الشيخ موسى هلال زعيم المحاميد "بطن من قبيلة الرزيقات"، هو قائد هذه القوة التي قاتلت مع الجيش ضد المتمردين آنذاك، وجلها من القبائل العربية، ولم يكن "حميدتي" وقتذاك شيئا مذكورا سوى أنه أحد ضباط الصف يتبع لموسى هلال.

تمرد "حميدتي"؛ بسبب خلافه مع الشيخ موسى هلال في نهاية عام 2006، وحاول عقد تحالف مع متمردي حركة "العدل والمساواة" في لقاء مشهور بالعاصمة التشادية نجامينا بحضور الرئيس التشادي الراحل إدريس ديبي، لكن سرعان ما عملت الحكومة السودانية على احتوائه مرة أخرى وإرجاعه للعمل مع الجيش، وتكليفه بمهام محدودة في مناطق جنوب دارفور، ثم أفردت له حكومة الرئيس البشير منصبا حكوميا في ولاية جنوب دارفور بتعيينه مستشارا بدرجة معتمد.

وعندما حُلت قوات "حرس الحدود" بقيادة موسى هلال في خواتيم عام 2009، وتزامن مع ذلك الوقت حدوث تغييرات في أجهزة الدولة قضت بذهاب صلاح قوش مدير جهاز الأمن والمخابرات من موقعه، وبدأ مزاولة أعمال تجارية خاصة منها تصدير الماشية إلى مصر، استعان قوش بـ"حميدتي" في شراء الأبقار وحراستها من مناطق دارفور حتى نقاط التصدير على الحدود المصرية، ووجد "حميدتي" منفذا تجاريا محدودا مع شركات ومؤسسات تتبع للجيش وجهاز المخابرات، لكن سرعان ما طواه النسيان.

بُعث "حميدتي" من مرقده في غياهب النسيان مرة أخرى، بعد أكثر من ثلاث سنوات من الضياع والغياب، مع تزايد هجمات المتمردين على مناطق في دارفور وجنوب كردفان، واقتراب التمرد من شمال كردفان والنيل الأبيض في عام 2013، فقرر الرئيس البشير تكوين قوات جديدة على غرار قوات "حرس الحدود".

وتم الاتصال بالشيخ موسى هلال لكنه اعتذر عن عدم قيادتها وكان حانقا وغاضبا من تجربته السابقة. وقد استعان البشير ببعض مساعديه العسكريين، فقام أحدهم وهو الفريق أول عوض بن عوف الذي تولى حكم السودان لـ24 ساعة فقط من 11-12 أبريل/نيسان 2019، باقتراح الشقيقين محمد وعبد الرحيم حمدان دقلو، وأصدر البشير قرارا بتكوين هذه القوات في أبريل/نيسان 2013.

تم تكليف "حميدتي" بعد التكوين بجمع وتجنيد 5 آلاف من أبناء القبائل العربية بدارفور، وخصصت له 60 عربة قتالية، وحدث خلاف حول تبعية القوات، برفض هيئة أركان القوات المسلحة وأعضاء من اللجنة العسكرية السابقة التي قامت بحل وتصفية قوات "حرس الحدود" تتبيع هذه القوات للجيش، وكحل وسط أُلحقت قوات  "الدعم السريع" بجهاز الأمن والمخابرات، ومنح "حميدتي" رتبة العميد كقائد ثان، وشقيقه الأكبر عبد الرحيم رتبة المقدم، مع العلم أن كليهما في قوات "حرس الحدود" كانا في رتبة "صف ضابط" رقيب أول ورقيب.

بنهاية عهد الإنقاذ في أبريل/نيسان 2019 ومشاركة "حميدتي" مع القيادات العسكرية، ومنها كوادر إسلامية في الانقلاب على البشير، بات "حميدتي" في الأيام الأولى خائفا يترقب، وسعى لزيادة الاستعانة بالكوادر والقيادات السياسية الإسلامية

بدأ تشغيل القوات الجديدة وتنسيق عملياتها مع الجيش في دارفور وجنوب كردفان، وحدثت تجاوزات كثيرة منها مشكلة مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان عندما طرد الوالي آنذاك مولانا أحمد هارون "الدعم السريع" من ولايته، ولم تكن بيئة العمل في شمال وجنوب كردفان تناسب "الدعم السريع"، لذلك فشلت مهمتها، وتقرر انتداب ضباط من الجيش والمخابرات لتنظيم هياكل "الدعم السريع"، وتنسيق العمليات العسكرية ضد الحركات المتمردة آنذاك.

في هذا الوقت كانت العناصر المنتدبة للعمل في صفوف "الدعم السريع" من القوات المسلحة أو جهاز الأمن والمخابرات تحوز ثقة قيادة الدولة، بينما الكوادر الملتزمة من الإسلاميين تواجدت في كل الشركات والمؤسسات المدنية التي بناها "حميدتي" وأشقاؤه، وحرصت قيادة "الدعم السريع" على استشارة قيادة نظام الإنقاذ في كل البرامج، وكانت هناك سيطرة للرئيس البشير على هذه القوات تأتمر بأمره، وتتبع مباشرة لمكتبه.

وصل لقيادة شركة "الجنيد" أهم شركات "حميدتي" وذراعه المالي، أحد أهم الكوادر الإسلامية التي تعمل في المجال الأمني، وصار مديرا عاما، وكذلك كوادر أخرى توزعت على شركات الطرق والجسور والتجارة العامة والتعدين التي تتبع لـ"الجنيد"، بحلول عام 2017، وهو العام الذي صدر فيه قانون "الدعم السريع" من البرلمان في أبريل/نيسان 2017، وكان لفيف من الإسلاميين قد سيطر على مفاصل "الدعم السريع" العسكرية والمدنية واستثماراتها.

بذهاب طه عثمان من مكتب الرئيس البشير فقدت "الدعم السريع" أكبر داعم لها، لكن شبكة هائلة من العلاقات الناشئة عوضت ذلك الفقدان، بيد أن طه لعب دورا أخطر في الخارج. وعمل "حميدتي" وشقيقه وعدد من أفراد الأسرة بعد أن مُنحوا مقعدا وزاريا سبقه تخصيص مقعد برلماني لعمه (جمعة دقلو) في البرلمان، على تمتين علاقاتهم مع الإسلاميين في مختلف المستويات، والاستفادة من الكادر المدرب والمؤهل لبناء الإمبراطورية المالية، وزيادة النفوذ السياسي، ونالوا جميعا عضوية المؤتمر الوطني، وحاول "حميدتي" وشقيقه التوسل عدة مرات لقيادة المؤتمر الوطني بقبولهما وتعيينهما قياديين في الأجهزة العليا للحزب ففشل المسعى.

بداية قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي" وبعض إخوته وأخواله وأبناء عمومته الأقربين، كانت عندما جندوا كعناصر مقاتلة برتب دنيا كجنود صف في الفترة من 2003-2007 في قوات "حرس الحدود"، وهي قوات شبه نظامية أنشأها عهد الإنقاذ عقب اندلاع تمرد حركتي "تحرير السودان" و"العدل والمساواة" في عام 2003

بنهاية عهد الإنقاذ في أبريل/نيسان 2019 ومشاركة "حميدتي" مع القيادات العسكرية، ومنها كوادر إسلامية في الانقلاب على البشير، بات "حميدتي" في الأيام الأولى خائفا يترقب، وسعى لزيادة الاستعانة بالكوادر والقيادات السياسية الإسلامية خلال عذريته السلطوية، قبل أن تأتيه الإملاءات الخارجية بالتخلص من بعضهم، ومن المتواجدين في الجيش والأجهزة الأمنية. كما زادت قوات الدعم السريع من 20 ألف جندي في عهد البشير، إلى ما يقارب 40 ألفا بحلول ديسمبر/كانون الأول 2019.

وعندما أُلغيت المادة (5) من قانون "الدعم السريع"، سارع "حميدتي" إلى التوسع الأفقي والرأسي باستيعاب ضباط القوات المسلحة وجهاز المخابرات المفصولين من الخدمة، وبلغ عدد ضباط الجيش المستوعبين غداة حرب 15 أبريل/نيسان 2023 ما يزيد على 480 ضابطا من مختلف الرتب، كما استوعب عنده عناصر من قوات هيئة العمليات بجهاز المخابرات العامة، بعد حل الهيئة بضغط منه في عام 2019.

خلال أربع سنوات سبقت الحرب، فاق عدد القوات 200 ألف، وكان لـ"حميدتي" طاقم سياسي يعمل في قوات الدعم السريع (مستشارون-كبار موظفين)، جلهم من الولاة السابقين والمعتمدين والوزراء الولائيين السابقين، أكثريتهم من ولايات دارفور، وكان لديه كوادر لا حصر لها من البرلمانيين والتشريعيين الولائيين من عناصر نظام البشير.

وبحكم صلة القرابة والدم جمع حوله أهل المشورة الخاصة من "الإسلاميين"، ليديروا معه كل الملفات الخاصة والجوانب السياسية والعمل على استقطاب منظمات المجتمع المدني والقيادات الأهلية والاجتماعية وزعماء القبائل والعشائر، وستجدهم في مكاتبه الخاصة ووفوده للتفاوض، ومن يحركون العمل العسكري والسياسي بعد الحرب.

ومن أبرز الإسلاميين المساندين لـ"الدعم السريع" من السياسيين، طه عثمان الحسين مدير مكتب البشير، حسبو محمد عبد الرحمن النائب الأول للرئيس البشير، بجانب قيادات دستورية سابقة يبلغ عددهم بضعة وثلاثين، من بينهم ولاة ووزراء ووزراء ولائيون ومعتمدون وبرلمانيون وأعضاء مجالس تشريعية، وأمناء ونواب أمناء بارزون في مستويات الحركة الإسلامية ومكاتبها التنظيمية والأمنية، في ولايات دارفور وكردفان، وكوادر شبابية وطلابية، منهم رؤساء اتحادات في الجامعات ومنظمات شعبية قومية.

ولعل أبرز القيادات التي التحقت بقوات"الدعم السريع" بعد تمردها زعماء القبائل، وخاصة الإسلاميين منهم، فناظر قبيلة الرزيقات محمود موسى مادبو ظل عضوا في الجبهة الإسلامية القومية منذ ثمانينيات القرن الماضي، ومحمد يعقوب ناظر الترجم هو من قدامى الإخوان المسلمين في دارفور، وكانت له صولات وجولات أيام الديمقراطية الثالثة وعهد الإنقاذ، واللواء محمد البشير موسى ناظر قبيلة السلامات، والأمير مسار عبد الرحمن أحد وجهاء قبيلة الرزيقات، وعند تصنيف كل الإدارات الأهلية في كردفان ودارفور تجد 90% من داعمي المليشيا كانوا ملتزمين مع المؤتمر الوطني الحزب الحاكم في عهد البشير.

أما الكوادر العسكرية فهم كثر وكانوا إما إسلاميين أو مسؤولين دستوريين في عهد البشير، وهم الآن في قمة هرم "الدعم السريع" العسكري أبرزهم الفريق عثمان عمليات، اللواء حسن محجوب مدير مكتب حميدتي، العميد عمر حمدان حماد، اللواء مبشر جبريل، موسى خدام، الفاتح قرشي، علي محمد دخرو، عبد الرزاق محمد علي، إبراهيم حسن مدلل، موسى حسين خميس، سليمان عبد الجبار، عبد الرحمن حسن الفوتي، لواء عبد الرحمن جمعة بارك الله، عادل دقلو -الوزير في عهد البشير- والبرلماني في عهد الإنقاذ جمعة دقلو عم حميدتي شقيق والده، والقائمة تطول من العسكريين.

السبت، 15 أغسطس 2026

وقت إضافي لتجربة فاشلة

 وقت إضافي لتجربة فاشلة



حمّور زيادة


اختار قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أوّل عبد الفتّاح البرهان يوم عيد الجيش (13 أغسطس/ آب) ليدخل بموكبه القصر الجمهوري في الخرطوم بصورة رسمية للمرّة الأولى لاعتماد سفراء، ما يبدو رسالةً رمزيةً جديدةً في السياق القديم ذاته الذي بدأ منذ إطاحة الرئيس السابق عمر البشير.
بعد أن تحفّظ الجيش على البشير في "مكان آمن"، بحسب تعبير بيانه، رفض المحتجّون خطّة الجيش للحكم. 

جرّب المجلس العسكري حظّه مرّتَين، يومي 11 و12 إبريل/ نيسان. 

بدأ بوزير الدفاع الذي أعلن إطاحة البشير وإدارة الجيش للفترة الانتقالية وإجراء انتخابات. 

انتفض المحتجّون، فغيّر الجيش من قدَّمهم وكوّن مجلساً عسكرياً جديداً بقيادة البرهان الذي كرّر النية ذاتها، وتكرّر رفض المحتجّين. 

أُجبر الجيش على الدخول في مفاوضات مع القوى السياسية المدنية، ثمّ عاد الجيش إلى محاولة الاستفراد بالسلطة عقب المذابح التي ارتُكبت في أثناء فضّ الاعتصامات المضادّة له. 

بعد يوم كامل من القتل والانتهاكات، خرج قائد الجيش ليعلن إلغاء الاتفاق مع القوى المدنية، ونيّة الجيش في أن يحكم الفترة الانتقالية وينظّم بعدها الانتخابات.

 الخطّة القديمة ذاتها، لكنّها تتكرّر بعد القضاء على التجمّعات المعارضة واستباحة "الدعم السريع" العاصمة.


ردّة فعل المعارضين لم تختلف أيضاً، وزادتها الدماء إصراراً. 

ومرّة أخرى تراجع الجيش ظاهرياً عن رغبته في الحكم، لكنّه عاد في 2021 ليدعم إغلاق ميناء السودان الرئيس وينظّم اعتصاماً مسرحياً يطالب بانقلاب عسكري، وهو ما فعله المجلس العسكري في أكتوبر/ تشرين الأول 2021. 

ومرّة أخرى، أعلن البرهان الخطّةَ المكرّرةَ ذاتها.

 سيحكم الجيش الفترة الانتقالية، ثمّ يجري انتخابات (!). لا يعنيه تكرار الرفض، ولا الدماء التي سالت لتمنعه من ذلك. حتّى الدماء التي أراقها بعد هذا الإعلان، فخرجت المظاهرات المعارضة للانقلاب، وواجهها الجيش بالعنف والرصاص.

 لكنّ البلاد لم تستقرّ له حتّى أُجبر على التراجع مرّة أخرى ليدخل في العملية السياسية نهاية 2022، وانهارت بنشوب الحرب في إبريل/ نيسان 2023.
لم تختلف نيّة الجيش السوداني بعد الحرب، لكنّها أصبحت أوضح. 

في سبتمبر/ أيلول 2024، أعلن الفريق ياسر العطا (عضو مجلس السيادة ومساعد القائد العام) أنّ قائد الجيش البرهان سيظلّ رأس الدولة بصلاحيات سيادية كاملةً حتّى بعد الانتخابات، ولمدّة ثلاث أو أربع دورات انتخابية. 

لعلّ هذا أجرأ إعلان بعدم نيّة الجيش تسليم السلطة. بل إنّ العطا نسب إليه ما هو أفدح حين قال إنّه لو كان بالمعاش وفاز السياسيون المدنيون (يعتبرهم عملاء للخارج) بالانتخابات، فسينقلب عسكرياً ضدّهم. 

لاحقاً، أصبح الرجل رئيس هيئة أركان الجيش. 

يعلن أحد حاكمي البلاد نيّته ارتكاب جريمة يعاقب عليها القانون العسكري بالإعدام إذا ما اختار الشعب خياراً يختلف معه.
يكرّر الفريق العطا ما فعلته صحيفة القوات المسلّحة الرسمية، التي ظلّت تحرّض على الانقلاب العسكري في 2021، ويتعامل الجيش السوداني مع جريمة الانقلاب العسكري باعتبارها نوعاً من أنواع حرّية التعبير، ويدعو إليها بلا وجل، ويمارسها باستحقاق لا مثيل له. وهذا غريب بالنظر إلى تاريخ البلاد المحكومة بالجيش منذ 1958. 

تاريخ السودان (منذ الاستقلال) حكم عسكري متواصل، مع انتقالات مدنية قصيرة تحدث إثر ثورات شعبية. 

هذه ليست تجربةً جديدةً تحتاج مزيداً من الوقت، إنّما هي واقع السودان منذ استقلاله. 

ونتائجها معلومة للجميع: حروب أهلية واقتصاد منهك ومؤسّسات ضعيفة وفساد مقنّن ومؤسّسة عسكرية تتغوّل على الدولة. وكلّ الأنظمة العسكرية السودانية سقطت بثورات شعبية لا بانقلابات عسكرية. لكن الرسالة غير واضحة لحملة السلاح.
بعد سبع سنوات من حكم المجلس العسكري الذي يرأسه البرهان، وبعد تكرار الرفض، وبعد الحرب التي قسّمت البلاد وهدّتها، لم يتغيّر شيء، بل ربّما جعلت الحرب الجيش يشعر باستحقاق أكبر للحكم، ما يضع السودانيين بين خيارَين: الحكم العسكري في الخرطوم أو الحكم المليشياوي في نيالا. 

وتمنح الحرب الطرفَين مبرّرات الحكم، وأن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة. فلا وقت لمحاسبة أو لمساءلة أو تداول سلطة، ولا حدود للسلطة، ولا اختلاف مع القيادة: إنّنا في حرب.
وما يزيد الأسف أنّ الجيش، إذ يواصل مشروعه للحكم، يفعل ذلك بالتحالف مع عدد مهول من المليشيات القبلية والمناطقية. 

فحتّى التخلّص من المليشيات واحتكار الدولة السلاح لم يُنجزا. 

لم يحصد السودانيون بعد سنوات الحرب كلّها إلا الموت وانهيار البلاد وانقسامها، لا قضينا على مليشيات، ولا أبقينا على دولة. أمّا التحالفات الحاكمة فهي كما هي.

السبت، 8 أغسطس 2026

لا توجد حرب أهلية في السودان، بل محاولة احتلال بالوكالة تستهدف البلاد

 لا توجد حرب أهلية في السودان، بل محاولة احتلال بالوكالة تستهدف البلاد





ياسين أقطاي 

قيادي في حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم

- يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

قد تكون الإبادة الجماعية التي تواصل إسرائيل ارتكابها بشكل ممنهج في غزة رغم وقف إطلاق النار، وإرهابها الهمجي الذي يمارسه مغتصبو الأراضي في الضفة الغربية، إلى جانب هجماتها المتكررة على إيران ولبنان، فضلاً عن التطورات التي ظهرت خلال الأيام الأخيرة في اليمن وليبيا، قد دفعت المأساة الإنسانية المتواصلة في السودان منذ نحو 3 سنوات إلى خارج دائرة الاهتمام. 

لكن ما يحدث في السودان ليس منفصلاً عن كل هذه الأحداث. فالهدف مرة أخرى هو المضي خطوة إضافية في مخطط الاحتلال والنفوذ الصهيوني، لكن النتيجة، كما جرت العادة، هي نشوء مقاومة أيضاً.

تُظهر الأخبار الواردة من السودان، يوماً بعد يوم، وبصورة أكثر وضوحاً، أن الحرب الدائرة في البلاد لا تقتصر على صراع على السلطة يجري في الجبهات العسكرية. 

ووفقاً لتصريحات السلطات السودانية، يُحتجز نحو 6 آلاف شخص في السجون التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع في الفاشر. 

كما أفادت منظمة «أنقذوا الأطفال» بأن أكثر من 5 آلاف طفل نزحوا مجدداً خلال فترة زمنية قصيرة.

وتُظهر هذه الأخبار أن الكارثة الإنسانية التي يشهدها السودان ليست مجرد نتيجة جانبية حتمية للحرب، بل تثبت وجود واقعة احتلال تتمثل في تهجير المدنيين واحتجازهم ونهب المدن وتفكيك النسيج الاجتماعي.

لقد قلنا منذ البداية إن الاستمرار في وصف الحرب في السودان بأنها «حرب أهلية تدور بين طرفين متساويين» يتجاهل الحقيقة السياسية والقانونية على حد سواء. 

فهذا التعريف ينتج تماثلاً مضللاً يضع الدولة الشرعية، والهيكل المسلح الذي يسعى إلى إسقاطها، والتدخل الخارجي الذي يقف وراء هذا الهيكل، ومحاولة الاحتلال، في المستوى نفسه.

لا يوجد في السودان طرفان شرعيان متكافئان. 

فمن جهة، هناك الدولة السودانية وقواتها المسلحة، المعترف بهما بموجب القانون الدولي رغم كل أوجه القصور ونقاط الضعف والأخطاء التي ارتُكبت في الماضي. 

ومن جهة أخرى، هناك قوات الدعم السريع، التي لم تتحمل يوماً مسؤولية إقامة دولة، ونمت عبر اقتصاد الحرب، وحولت النهب إلى وسيلة للتمويل، وتحافظ على قدراتها العسكرية بفضل الدعم الخارجي.

وبالتالي، فإن ما يحدث في السودان ليس صراعاً داخلياً عادياً ناتجاً عن عجز جيشين عن تقاسم السلطة. بل هو معركة من أجل بقاء الدولة الشرعية للمجتمع في مواجهة هيكل شبه عسكري مدعوم من الخارج، يتجه إلى نهب موارد البلاد ومدنها ومؤسساتها.

إن قول وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن الحرب في السودان تحولت إلى صراع بالوكالة بين دول مختلفة، أمر مهم باعتباره اعترافاً بحقيقة الوضع. لكن تعريف «حرب الوكالة» يؤدي أيضاً إلى إظهار الأطراف الخارجية وكأنها أصحاب مصالح متكافئة، بما يفضي إلى طمس علاقات المسؤولية عن الحرب.

المسألة الأساسية في السودان ليست مجرد مواجهة بين قوى إقليمية مختلفة. إنها محاولة لإسقاط دولة شرعية من الداخل، عبر هيكل مسلح مدعوم من الخارج. 

ولذلك، وبينما ينبغي الاعتراف بالبعد المتعلق بحرب الوكالة، يجب أيضاً التحدث بوضوح عن الجهة التي تدعم كل هيكل مسلح، والأهداف التي تقف وراء ذلك، حتى نصل في نهاية المطاف إلى الجناة الفعليين، وليس مجرد المشتبه بهم المعتادين.

إن سجل قوات الدعم السريع حتى اليوم يُظهر بوضوح أنها لا تحمل هدف إقامة دولة أو إدارة المجتمع. 

فالمجازر المرتكبة بحق المدنيين في دارفور، والاتهامات بارتكاب جرائم تطهير عرقي، والعنف الجنسي الممنهج، واستخدام الأطفال في النزاعات المسلحة، والتهجير القسري، ونهب الممتلكات الخاصة والمؤسسات العامة، كلها تكشف طبيعة هذا الهيكل.

والسجون التي يُحتجز فيها آلاف الأشخاص في الفاشر جزء من هذا المشهد. فإذا كان هيكل مسلح ينتج الخوف والنهب والاعتقال التعسفي بدلاً من القانون والخدمات العامة والأمن في المناطق التي يسيطر عليها، فلا يمكن القول إنه يمثل بديلاً للدولة. 

إن هذا، في أحسن الأحوال، محاولة احتلال بالوكالة.

وتتهم الحكومة السودانية الإمارات العربية المتحدة منذ فترة طويلة بتقديم دعم عسكري ومالي ولوجستي لقوات الدعم السريع. كما أن تقارير المنظمات الدولية والتحقيقات الإعلامية والنقاشات التي تجري في عدد من الدول تجعل الادعاءات المتعلقة بهذا الدعم أكثر وضوحاً يوماً بعد يوم. في المقابل، تنفي حكومة أبوظبي هذه الاتهامات.

غير أن دور الإمارات في السودان لا يمكن تناوله بمعزل عن مناطق الأزمات الأخرى في العالم الإسلامي. 

فعند النظر مجتمعة إلى الدعم المقدم لخليفة حفتر في ليبيا، وإضعاف الحكومة المركزية في اليمن بما يعزز الهياكل الانفصالية، وشبكة النفوذ التي أُقيمت عبر الموانئ والقواعد العسكرية في القرن الإفريقي، والسياسات المتماشية مع أولويات إسرائيل الأمنية بشأن غزة، والادعاءات المتعلقة بالدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع في السودان، يظهر أمامنا مسار استراتيجي أوسع من مجرد أحداث منفردة.

والنتيجة المشتركة لهذا المسار هي إضعاف الدول القوية والمستقلة والقائمة على شرعيتها المجتمعية في العالم الإسلامي، وظهور هياكل مسلحة مجزأة ومتعارضة تعتمد على الدعم الخارجي بدلاً منها.

وإسرائيل واحدة من أبرز المستفيدين من مثل هذا النظام الإقليمي. إذ إن مفهوم إسرائيل للأمن على المدى الطويل يقوم على وجود هياكل محيطة بها منشغلة بصراعات داخلية، ومجزأة، ومنفتحة على التدخل الخارجي، وليس دولاً قوية ومستقلة.

ويُعد السودان إحدى الحلقات المهمة في هذا المشهد الاستراتيجي. 

فسواحله الطويلة المطلة على البحر الأحمر، وموقعه بين إفريقيا والعالم العربي، وقدراته الزراعية، وموارده الطبيعية، وفي مقدمتها الذهب، وعمقه الجيوسياسي، تضع البلاد في قلب التنافس الإقليمي.

 ومن شأن بقاء السودان دولة قوية أن يمتلك قدرة على التأثير مباشرة في موازين القوى في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.

ولهذا، فإن الصراع الدائر في البلاد لا يتعلق فقط بمن سيتولى السلطة في الخرطوم. بل يتعلق بما إذا كانت الدولة السودانية ستتمكن من الحفاظ على وجودها ووحدة أراضيها وسيادتها أم لا.

ولا يمكن البحث عن حل في السودان من خلال صيغ هجينة تخفض الدولة إلى مستوى أحد الفصائل المسلحة. 

فالحل الدائم لا يمكن أن يتحقق إلا بإعادة إرساء سلطة الدولة، ووقف الدعم العسكري الخارجي، وإخضاع جميع الهياكل المسلحة للمؤسسات الشرعية للدولة، وإنشاء مسار يمكّن الشعب السوداني من امتلاك زمام مستقبله السياسي.

الأربعاء، 5 أغسطس 2026

إذا انفصل إقليم دارفور فستقع هذه الكوارث الست عربيا وأفريقيا

 إذا انفصل إقليم دارفور فستقع هذه الكوارث الست عربيا وأفريقيا

يقع إقليم دارفور في الجزء الغربي من السودان في مساحة تقدر بحوالي 510 آلاف و888 كيلو مترا مربعا، ويبلغ عدد سكان الإقليم نحو 9.5 ملايين نسمة، وتسكنه قبائل عديدة من أصول أفريقية وعربية لكن من أبرز المكونات السكانية في الإقليم قبائل الفور، والمساليت، والزغاوة، والرزيقات، والداجو.

ويزخر الإقليم بموارد وإمكانيات اقتصادية هائلة ومتنوعة، زراعية وتعدينية ورعوية، مثلما يتميز بكثافة سكانية عالية، حيث يشكل الريف في دارفور موطنا لنحو 75% من السكان.

وتغلب على جغرافيا دارفور تضاريس السهول الواسعة، وتتخللها سلاسل جبال أشهرها سلسلة جبل "مرة" التي تتميز بخصوبتها العالية، وتحده من الشمال الغربي ليبيا، ومن الغرب تشاد، ومن الجنوب دولة جنوب السودان، ومن الجنوب الغربي جمهورية أفريقيا الوسطى.

يتميز إقليم دارفور بتاريخ ثريّ ومجيد يعود إلى عصور ما قبل التاريخ حيث سادت في الإقليم ممالك الداجو والتنجر، وعقب دخول الإسلام قامت في الإقليم ممالك وسلطنات إسلامية عريقة، أبرزها سلطنة الفور التي أسسها السلطان سليمان سولونغ.

وازدهرت السلطنة في عهد أسرة "كيرا"، واستمرت ككيان مستقل يحكم دارفور حتى أوائل القرن الـ20، واستمر حكمها للمنطقة عدة قرون.

بعد استقلال السودان عام 1956 عانى إقليم دارفور من مشكلات نقص التنمية كغيره من أقاليم السودان الحدودية في الشمال والشرق والجنوب، وفي إقليم النيل الأزرق المتاخم لإثيوبيا وفي مناطق جبال النوبة

ضم الإقليم للدولة السودانية

عقب قيام الثورة المهدية أصبح الإقليم جزءا من الدولة المهدية، ثم بعد هزيمة المهدية خضع إقليم دارفور لسلطة بريطانيا ومصر، وتم ضمه رسميا للدولة السودانية في عام 1916 إثر هزيمة ومقتل السلطان علي دينار، حاكم الإقليم وآخر سلاطين الفور.

وبعد استقلال السودان عام 1956 عانى إقليم دارفور من مشكلات نقص التنمية كغيره من أقاليم السودان الحدودية في الشمال والشرق والجنوب، وفي إقليم النيل الأزرق المتاخم لإثيوبيا وفي مناطق جبال النوبة.

إعلان

والسبب أن المستعمر البريطاني كان قد اهتم بتركيز التنمية في الوسط، وفي نطاق ضيق جدا يتيح له إحكام قبضته على البلاد، وضمان انسياب الموارد الخام التي كان ينقلها إلى إنجلترا لتحريك الصناعة والتجارة وخدمة الاقتصاد البريطاني.

ونتيجة لتركيز المستعمر على الأجزاء الوسطى من السودان ازدهرت الحياة في هذه الأجزاء، وغلبت عليها مظاهر التنمية والرفاهة الاقتصادية مقارنة ببقية الأقاليم في الشمال والشرق والجنوب.

ومما كرس لهذا الوضع المختل، استمرار الحكومات الوطنية المتعاقبة على ذات نهج المستعمر مع فارق ضئيل، فصرفت اهتمامها إلى الوسط والعاصمة الخرطوم أكثر من باقي أجزاء السودان، فحدثت فجوة في التنمية ما بين الوسط وبقية أقاليم السودان الطرفية، وهي فجوة أخذت في الاتساع مع تعاقب الحكومات واستمرارها في ذات النهج.

لم تتأثر أقاليم الوسط بهذه التغيرات وتداعياتها بنفس المستوى مقارنة بالأقاليم الطرفية، وكانت النتيجة هي بروز اتجاهات وأصوات مطلبية في هذه الأقاليم تنادي بتحقيق التوازن في التنمية ما بين هذه الأقاليم والوسط، تطورت إلى حركات احتجاج سياسية، ثم تولدت عنها حركات مسلحة

وذلك بالإضافة إلى الأثر الضار الذي أحدثته التغيرات المناخية والتي تسببت في أكبر موجة جفاف وتصحر ضربت دارفور وشرق السودان وشمال السودان وصلت حد المجاعة في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، وامتدت آثارها طوال عقدي الثمانينيات والتسعينيات، حيث ساهمت هذه التغيرات الطبيعية في توسيع الفجوة في التنمية.

ولم تتأثر أقاليم الوسط بهذه التغيرات وتداعياتها بنفس المستوى مقارنة بالأقاليم الطرفية، وكانت النتيجة هي بروز اتجاهات وأصوات مطلبية في هذه الأقاليم تنادي بتحقيق التوازن في التنمية ما بين هذه الأقاليم والوسط، تطورت إلى حركات احتجاج سياسية، ثم تولدت عنها حركات مسلحة خاصة في إقليم دارفور، وذلك في بداية الألفية الثالثة.

وقد كان رد الفعل في بقية الأقاليم متباينا وأقل حدة من دارفور، ففي الجنوب ارتأت الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق أن تضع السلاح وتجنح للسلام والتسوية السياسية، وانتهى الأمر بها بنيل حق تقرير المصير واختار شعب الإقليم الانفصال عن الدولة باتفاق سلام بموجبه انفصل جنوب السودان وتحول إلى دولة مستقلة ذات سيادة.

أما الشمال الذي تمثله الآن ولايتا "نهر النيل" و"الشمالية" فلم يحذُ حذو دارفور والجنوب ولم تنشأ فيه حركات مطلبية مسلحة، واقتصر رد الفعل فيه على أدوات ووسائل العمل السياسي السلمي على مر العهود منذ الاستقلال.

وبالنسبة لشرق السودان وبالرغم من وجود أكثر من خمس حركات مؤتلفة في تكتل عسكري واحد، فإنها لم تقم بمصادمة الحكومات المركزية في عمليات قتالية مباشرة ضد الجيش.

باستثناء تلك التي انضوت تحت لواء الجناح العسكري لتنظيم التجمع الوطني الديمقراطي المعارض لنظام البشير في حقبة التسعينيات، وهو جناح كان يأتمر بإمرة الجيش الشعبي لتحرير السودان الذي قام بالهجوم على شرق السودان أواخر عام 2000، وقد كان انضمام هذه الحركات للحركة الشعبية تحت دعاوى التهميش.

بالنسبة لشرق السودان وبالرغم من وجود أكثر من خمس حركات مؤتلفة في تكتل عسكري واحد، فإنها لم تقم بمصادمة الحكومات المركزية في عمليات قتالية مباشرة ضد الجيش

أجندة الحركات المسلحة في دارفور

عند اندلاع التمرد المسلح في دارفور بصورته الأعنف الذي حدث في عام 2003، لم يكن الانفصال حاضرا في أجندة الحركات المتمردة، حيث استندت هذه الحركات في تبرير تمردها وحملها السلاح ضد الحكومة المركزية إلى ما أسمته بالمظالم التاريخية التي وقعت على الإقليم والتهميش الاقتصادي والسياسي والاجتماعي وغياب التنمية المتعمد، واحتكار السلطة والثروة من قبل المركز في العاصمة وما حولها.

إعلان

كذلك بررت هذه الحركات تمردها بمزاعم عن وقوع عمليات تطهير عرقي مورس ضد المكونات العرقية التي تنتمي إليها من قبل مجموعات عرقية مناوئة لها بضوء أخضر من الحكومة، لكن لم يتضمن خطابها السياسي والاحتجاجي المطالبة بفصل دارفور عن الدولة السودانية، وإنما جوهر خطابها كان رفع المظالم والتهميش وإعمال معايير العدل والمساواة في التنمية في إطار سودان واحد موحد.

دارفور وحرب 15 أبريل/نيسان

لم يكن التمرد الذي قاده زعيم الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) ضد الحكومة السودانية ذا صلة لا من قريب ولا من بعيد بأي دعاوى تهميش لإقليم دارفور، أو مظالم تاريخية لحقت بالإقليم، ولا بمطالب بتحقيق التنمية المتوازنة بين أقاليم السودان المختلفة، وهذا للتاريخ.

وإنما كان تمرده بدافع واحد لا ثاني له: وهو الاستيلاء على السلطة والحكم بقوة السلاح ضمن خطة شاركت في وضعها جهات خارجية حسبما اتضح لاحقا، مع تطاول أمد الحرب بحجة القضاء على هيمنة التيار الإسلامي على مفاصل السلطة، بالرغم من أن هذا التيار قد أطاحت بسلطته ثورة شعبية قبل أربع سنوات من تمرد قائد الدعم السريع.

كما تم إبعاد رموز النظام من الإسلاميين عن مفاصل السلطة من قمة هرمها إلى أدناه، حيث تم فصل كل من يشتبه بانتمائه لهم من وظائفهم في الخدمة المدنية والعسكرية فيما يشبه التطهير، وشُكلت لهذا الغرض لجنة رفيعة ذات صلاحيات عريضة سميت بلجنة إزالة التمكين.

ومع فشل محاولة الاستيلاء على السلطة وتمدد المواجهات مع الجيش وانكشاف الدوافع الحقيقية للمحاولة، سارعت الدعم السريع إلى الدفع بمبررات جديدة ورفع شعارات أخرى لاحقة.

فمن محاربة الإسلاميين، إلى دعاوى التهميش، ثم إلى محاربة سكان شمال السودان "الشماليين" والوعيد بالانتقام منهم، ثم دعاوى استعادة الحكم المدني الديمقراطي… إلخ.

وقد أسهم هذا التخبط في الخطاب مقرونا بالفظائع والانتهاكات في حق المدنيين والدمار الواسع الذي طال كل شيء في دفع السودانيين إلى مساندة الحكومة والجيش ضد الدعم السريع.

ومن المفارقات في هذا الشأن أن حركات الكفاح المسلح الدارفورية التي حملت السلاح في السابق ضد الحكومة المركزية انحازت لصف الحكومة والجيش السوداني في مواجهة الدعم السريع تحت إمرة قيادة الجيش، ورفضت الانخراط في صف الدعم السريع وهي ترفع شعار جيش واحد شعب واحد، وتنادي بوحدة السودان، وترفض دعاوى فصل دارفور أو أي إقليم آخر.

لم يكن التمرد الذي قاده زعيم الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) ضد الحكومة السودانية ذا صلة لا من قريب ولا من بعيد بأي دعاوى تهميش لإقليم دارفور، أو مظالم تاريخية لحقت بالإقليم، ولا بمطالب بتحقيق التنمية المتوازنة

الحكومة الموازية آخر الأوراق

نتيجة للهزائم الميدانية المتتالية التي ألحقها الجيش بقوات الدعم السريع وفقدانها لمعظم قياداتها الميدانية وإخراجها عنوة من ولايات الجزيرة وسنار والنيل الأبيض ومن العاصمة الخرطوم وأجزاء واسعة من كردفان، لاذت بدارفور وتحصنت بها، ومن ثم بدأت في الإفصاح عن مشروعها الانفصالي حيث شكلت ما سمي بالإدارات المدنية في مناطق سيطرتها للقيام بمهام السلطة والحكم.

وقامت بتطوير الفكرة بالتنسيق مع جناحها المدني السياسي الذي يترأسه رئيس الوزراء الأسبق المستقيل عبد الله حمدوك، فيما عرف بالحكومة الموازية، ثم حكومة "تأسيس" التي أنشئت في فبراير/شباط 2025.

وتم تشكيل هياكل لهذه الحكومة الافتراضية شغلتها شخصيات من قوى سياسية وحركات مسلحة مناهضة للجيش، ويتسنّم المجلس الرئاسي فيها قائد الدعم السريع حميدتي.

ومؤخرا عينت محافظا للبنك المركزي للحكومة المزعومة، وقضاء وشرطة وجيش (قوات الدعم السريع)، وهي ماضية في استكمال هياكل وأجهزة الحكم.

فرص نجاح الدعوة للانفصال

حتى الآن لم تطرح فكرة انفصال دارفور بصورة رسمية وواضحة لا من الدعم السريع وجناحها السياسي ولا من القوى الإقليمية والدولية الداعمة لهما، ولم يطرح أيضا في أي منبر من المنابر على أي من المستويات الإقليمية والدولية.


فعلى المستوى الداخلي حركات الكفاح المسلح في دارفور التي تقاتل في صف الجيش ترفضها بشدة، والحقيقة أن الانقسام القبلي الحاد الحادث وسط المكونات القبلية في دارفور الذي تعمق بفعل مذابح الدعم السريع والإبادة الجماعية التي ارتكبتها في حق بعض المكونات القبلية تجعل من المستحيل أن تقبل هذه المكونات العيش تحت سلطة من مارس ضدها الإبادة.

وعلى المستوى القومي فالفكرة لا تلقى رواجا ولا ينظر إليها باعتبارها حلا ناجعا، بل يراها الكثيرون أنها مدعاة لتفتيت السودان وتشظيته تحقيقا لمصالح قوى أجنبية.

وقد قوبل الإعلان عن الحكومة الموازية في أبريل/نيسان 2025 برفض محلي وإقليمي ودولي واسع، ولم تجد أي اعتراف علني من أي دولة في العالم حتى الآن، مما يجعل فرص النجاح لها ضئيلة للغاية.

ولكن لا يمكن الجزم باستحالة بروزها إلى العلن بفعل الأمر الواقع في عالم سمة السياسة الدولية فيه التقلب والاضطراب وسرعة تبدل وتغير المصالح.

ونموذج أرض الصومال قريب إلى الأذهان حيث لم تنل أي اعتراف دولي منذ 1991 باستثناء اعتراف إسرائيل بها مؤخرا أواخر عام 2025، وبعض الدول تتعامل معها دون اعتراف رسمي بها.

في حال الانفصال ستكون اليد العليا والغلبة في الدولة الجديدة للمكونات القبلية الداعمة للدعم السريع، وبذلك تكون المكونات الأخرى المناوئة لها تحت رحمتها بكل تاريخها القاتم الملطخ بجرائم الإبادة الجماعية

ماذا لو انفصل إقليم دارفور؟

بعبارة أكثر تفصيلا: ما الآثار التي يمكن أن يترتب عليها انفصال إقليم دارفور على مستوى الدولة السودانية، وتأثير ذلك على القارة الأفريقية، والعالم العربي؟

وهو سؤال إن كانت الإجابة عنه تبدو بديهية بالنسبة للسودان، إلا أنها بالنسبة لأفريقيا والعالم العربي ليست كذلك، وفيها شيء من التعقيد وتحتاج للغوص إلى أعماق بعيدة لمعرفة الأثر الذي يمكن أن يخلفه انفصال دارفور على الواقع في هذين العالمين.

والفرضية بخصوص هذا التأثير المحتمل هي أن الموقع الجغرافي للسودان يمثل جسرا رابطا ما بين أفريقيا والعالم العربي ليس بحكم الموقع والجغرافيا فحسب، ولكن بفضل التلاقح المثالي بين الثقافة العربية والثقافة الأفريقية، وذلك المزيج النادر بين الغابة والصحراء، نتيجة هجرات موغلة في القدم تمت من أفريقيا شرقا وغربا، وجنوبا ومن مختلف البقاع من الجزيرة العربية والشام ومصر والمغرب العربي.

أثر انفصال دارفور على الداخل السوداني

  • انكماش المساحة وفقدان الميزة الجيوسياسية

في حال انفصال دارفور فإن مساحة الدولة السودانية ستنكمش بمقدار الخُمس، وتفقد بالتالي ميزة جيوسياسية مهمة ساهمت تاريخيا في تماسك السودان وامتداد نفوذه صوب غرب أفريقيا وجزء من المغرب العربي.

  • فقدان موارد اقتصادية وديمغرافية مهمة

كما يفقد السودان أراضي زراعية شديدة الخصوبة وثروات معدنية يزخر بها باطن أرض دارفور. وفوق ذلك وهو الأهم إنسان دارفور الذي يتميز بأنه منتِج، وله إسهام كبير في الاقتصاد السوداني، كما يفقد عددا هائلا من الثروة الحيوانية ظلت ترفد الخزينة العامة بإيرادات معتبرة.

  • اهتزاز دعائم الوحدة الوطنية

حيث يؤثر انفصال دارفور سلبا على التماسك الوطني والوحدة الوطنية، خاصة أن تجربة انفصال جنوب السودان لا تزال آثارها ماثلة بعد مرور 15 عاما، ويظهر الدولة السودانية بمظهر الهشاشة، والعجز عن بسط سلطتها على كامل أراضيها.

  • تشظي الدولة السودانية

وذلك على أساس نظرية تساقط قطع الدومينو، خاصة أن هناك أقاليم ظروفها مشابهة وربما تجد في حالة دارفور ومن قبلها جنوب السودان أسوة وحافزًا لها نحو المضي في نفس الطريق والمسلك، وتحت نفس الدعاوى والشعارات ودائما هناك قوى أجنبية على استعداد لتبني ودعم التوجهات الانفصالية خدمة لمصالحها، مما يفتح الباب لتحول السودان إلى دويلات متناحرة.

  • تحول تهديد المليشيا إلى تهديد دولة

وهو الأثر الأكثر خطورة على الإطلاق، حيث يتحول مصدر الخطر والمهدد الأمني للسودان من مليشيا تفتقر إلى الكثير من عناصر القوة، إلى دولة تمتلك كل عناصر القوة بفضل الدعم الهائل الذي ستتلقاه من القوى الداعمة لها، والتي تقف وراء فكرة الانفصال للاستمرار في العدوان على السودان، وشن حرب نظامية لتحقيق أهدافها التي عجزت عن تحقيقها حال كونها مليشيا متمردة لا تجيد غير حرب العصابات.

  • تعميق الأزمة الإنسانية والاجتماعية
إعلان

في حال الانفصال ستكون اليد العليا والغلبة في الدولة الجديدة للمكونات القبلية الداعمة للدعم السريع، وبذلك تكون المكونات الأخرى المناوئة لها تحت رحمة هذه المكونات بكل تاريخها القاتم الملطخ بجرائم الإبادة الجماعية.

والأرجح أنها ستستمر في ذلك من أجل إحداث تغيير ديمغرافي باستقدام مكونات جديدة من خارج الحدود، هي امتداد للمكونات الحاضنة للدعم السريع.

وبالتالي سيشهد العالم فصلا آخر جديدا من التطهير العرقي والتهجير القسري أكثر فظاعة وبشاعة حيث ينفرد الجلاد بالضحية، ويمكن أن يمتد ذلك لبقية أجزاء السودان.

معظم الدول الأفريقية تعاني من مشاكل تتعلق بالانقسام بين مكوناتها السكانية، وهي معضلة مزمنة في أفريقيا خلقها الاستعمار وخلفها وراءه بعد خروجه. وبالتالي -في حال انفصال دارفور- قد ينفتح الباب على مصراعيه أمام الحركات الانفصالية على مستوى القارة للمطالبة بالانفصال طوعا أو كرها، وهذا بالطبع سيخلق إضطرابا كبيرا داخل القارة

أثر انفصال دارفور على أفريقيا

  • يتسبب في موجة من الانفصالات

معظم الدول الأفريقية تعاني من مشاكل تتعلق بالانقسام بين مكوناتها السكانية، وهي معضلة مزمنة في أفريقيا خلقها الاستعمار وخلفها وراءه بعد خروجه.

وبالتالي قد ينفتح الباب على مصراعيه أمام الحركات الانفصالية على مستوى القارة للمطالبة بالانفصال طوعا أو كرها، وهذا بالطبع سيخلق اضطرابا كبيرا داخل القارة، وموجة جديدة من التناحر القبلي والصراعات السياسية العنيفة، مما يؤدي لانتكاسة جديدة في بعض الدول التي بدأت في التعافي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

  • ازدياد الخلافات والصراعات الحدودية

حيث ستؤدي عمليات إعادة رسم الحدود إلى نشوء صراعات حدودية بسبب التعقيدات الديمغرافية و التداخل الجغرافي بين الإثنيات والمجموعات السكانية في كثير من دول أفريقيا.

فهناك مجموعات مهاجرة قد تجد نفسها خارج التقسيم بسبب إعادة رسم الحدود، ومن شأن ذلك خلق صراعات جديدة لم تكن قائمة من قبل.

  • التسبب في موجة من الهجرة والنزوح واللجوء

بسبب التغير في التركيبة السكانية وتفكك النسيج المجتمعي داخل كل دولة، تضطر كثير من المجموعات السكانية إلى ترك موطنها والنزوح إلى مناطق أخرى داخل الدولة، أو اللجوء إلى دول أخرى طلبا للأمن ولحياة أفضل.

وبعضهم قد يضطر للهجرة خارج حدود القارة ولما لذلك من آثار سالبة عليهم وعلى مجتمعاتهم.

  • أثر انفصال دارفور على العالم العربي

نفس الآثار المتوقع حدوثها في أفريقيا المذكورة أعلاه، خاصة في الدول التي تعاني من مشكلات انقسام ووجود أقليات داخلية أو أقاليم متنازع عليها، وتلك التي تشهد صراعات مذهبية وطائفية، وتعاني من اتجاهات انفصالية مزمنة.

  • تهديد الأمن القومي العربي

بفضل موقعه الجيوسياسي وامتداد سواحله على البحر الأحمر، يلعب السودان دورا محوريا في استقرار الدول العربية، وأي تفكك فيه يؤثر سلبا على العالم العربي بما يحدثه من فراغ أمني يتم استغلاله من القوى المعادية للأمة العربية.

بامتلاكه أراضي زراعية شاسعة، ومياها وفيرة، يعتبر السودان سلة غذاء رئيسية للعالم العربي، وأي اختلال أمني يحدث فيه ويؤدي لتعطيل هذه المقومات ينعكس أثره السالب على الأمن الغذائي العربي.

  • ازدياد نشاط تجارة البشر والهجرة غير الشرعية

ففي ظل الفوضى التي ستعم إقليم دارفور أو الدولة الجديدة فيه إذا ما تم الانفصال، فإن ذلك سيترتب عليه نشاط مكثف لتجارة البشر والهجرة غير النظامية، وتجارة المخدرات والتهريب وغسل الأموال، وسيكون أول المتأثرين بها دول الجوار العربي خاصة المطلة على البحر المتوسط.

لكل تلك الأسباب وغيرها فإن المطلوب من الدول العربية والأفريقية أن تنتبه إلى خطورة ما بدأ يتردد من دعوات واتجاهات آخذة في التزايد بتسويق فكرة انفصال دارفور باعتباره حل يمكن أن يوقف الحرب.

وعليها أن تتخذ خطوات جادة نحو المساهمة في دعم وحدة السودان وأمنه واستقراره، لأن في استقراره ضمانا لأمن واستقرار محيطه العربي والأفريقي، والعكس صحيح.