‏إظهار الرسائل ذات التسميات السودان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات السودان. إظهار كافة الرسائل

السبت، 12 سبتمبر 2026

يعيش حالة خذلان.. 7 أخطاء ارتكبها حميدتي وهذا خطؤه الأكبر

 يعيش حالة خذلان.. 7 أخطاء ارتكبها حميدتي وهذا خطؤه الأكبر


صحفي وكاتب سوداني

انقضى 41 شهرا من عمر المحاولة الانقلابية للدعم السريع للاستيلاء على السلطة في السودان بقيادة محمد حمدان دقلو الشهير بـ"حميدتي" ومن معه من شخصيات مدنية سياسية وحزبية معظمهم من قيادات الطبقات الدنيا في هرم هيكل البناء السياسي والحزبي في السودان، وبعضهم كانوا مغمورين لم يعرف لهم إسهام سياسي واضح بل طفوا على سطح الحياة السياسية عقب طوفان ثورة الشباب التي أطاحت بنظام الرئيس المعزول عمر البشير في عام 2019.

أطول محاولة انقلابية في تاريخ السودان

بعد مرور هذه المدة التي تعتبر أطول محاولة استيلاء على السلطة شهدها تاريخ السودان الحديث، يقف قائد المحاولة الانقلابية "حميدتي" وهو في منفاه الاختياري بعد فشل مسعاه على "تلة" من الإخفاقات، وأمامه ركام هائل من الضغوط والعقبات والتحديات الضخمة عليه أن يجتازها إذا أراد أن يكمل المسير إلى هدفه الذي يبدو في الوقت الراهن كسراب بقيعة كلما تقدم نحوه ازداد بعدا.

نعم هي أطول محاولة انقلابية وأكثرها دموية ومأساوية، محاولة كلفت السودان الكثير وخلفت وراءها أكبر أزمة إنسانية على مستوى العالم، ما يقرب من نصف مليون قتيل، ونحو 15 مليون مشرد ما بين نازح في الداخل ولاجئ خارج البلاد، ونحو 20 مليون شخص معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن يواجهون شبح المجاعة والنقص الحاد في الغذاء.

بالإضافة إلى أعداد كبيرة من المفقودين والأسرى والمحتجزين من المدنيين لدى قوات الدعم السريع في ظروف احتجاز بالغة السوء، وغياب المعلومات عنهم؛ بسبب طوق السرية الشديد الذي تضربه هذه القوات على السجون ومراكز الاحتجاز.

مغامرة غير محسوبة

يقف اليوم قائد الدعم السريع "حميدتي" أمام هذا الكم الهائل من الدمار والخراب الذي تسبب فيه بإقدامه على مغامرته غير المحسوبة والتي فقد فيها كل شيء: السلطة والمال والجاه والصيت وربما أسر في نفسه بالقول "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما أقدمت على هذه المغامرة".

ولكن في مضمار السياسة والسلطة والحكم فإن "لو" تلوي عنق صاحبها، والشعور بالندم والحسرة والإحباط والخذلان لا يفيد صاحبه بشيء بل يلقي عليه مزيدا من الضعف، ويزيد وضعه المعقد تعقيدا.

قائد الدعم السريع وهو يقف هذا الموقف لجرد حسابه لمعرفة مقدار الربح والخسارة وكيفية مواجهة ركام التحديات الهائلة التي تنتظره، لا بد أنه قد أدرك فداحة فعله وأنه لم يفكر بعمق قبل أن يقفز إلى المجهول ويصل إلى هذه النقطة التي تبدو بكل المقاييس أنها النهاية.

أكبر خطأ ارتكبه قائد الدعم السريع هو توجيه نيران بنادقه ليس فقط نحو قيادة الجيش وحدها وإنما استهدف بصورة مباشرة كل ضباط وأفراد الجيش وليس ذلك فقط بل استهدفت قواته كل القوات النظامية الأخرى، وبهذا التصرف وضع "حميدتي" قواته في مواجهة الدولة كلها

أخطاء "حميدتي" السبعة

أخطأ "حميدتي" في عدة أوجه وأسقط من حساباته الكثير من الحقائق وهو يضع اللمسات الأخيرة لمحاولته الانقلابية عشية 15 أبريل/نيسان 2023، ورسم سيناريو استيلائه على السلطة بناء على تفكير رغبوي غلب عليه شغفه بأن يكون رئيسا للسودان، وغفل "حميدتي" أو تغافل عمدا عن جملة حقائق كانت كفيلة بحمله على العدول عن محاولته الانقلابية، وهي حقائق يمكن إجمالها على النحو الآتي:

أولا: كل الانقلابات العسكرية التي وقعت في السودان سواء تلك التي نجحت في الوصول للسلطة أو التي فشلت وأخمدت تم التخطيط لها من قبل أحزاب سياسية عتيقة وذات وزن أيديولوجي وجماهيري كبير مثّلت الحاضنة السياسية للانقلابات.

فانقلاب الفريق عبود في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1958 وهو الأول بعد الاستقلال كان عبارة عن "تسليم وتسلم" بينه وبين رئيس الوزراء المنتخب عبدالله بك خليل بإلحاح وإصرار من الأخير الذي كان يمثل حزب الأمة القومي، وكان الفريق عبود قائدا للجيش، والسبب هو أن حزب الأمة أراد تجنب إجراء سحب الثقة من حكومته الذي كان سيتم في جلسة البرلمان، فاستبق ذلك بهد المعبد على الجميع.

كذلك فإن انقلاب جعفر نميري في مايو/أيار عام 1969 كان بتدبير تام من الحزب الشيوعي السوداني الذي كان له وزن نوعي وثقل خاص إقليميا ودوليا؛ بسبب ألق وبريق الفكر الشيوعي في ذلك الوقت، ولم يكن نميري شيوعيا ملتزما لكنه كان لديه طموح بأن يقود البلاد عبر الوصول للسلطة محمولا على ظهر الحزب الشيوعي.

أما انقلاب البشير في يونيو/حزيران عام 1989 فقد تم تدبيره بشكل كامل من قبل الجبهة الإسلامية القومية كما هو موثق ومثبت.

ثانيا: إن الانقلابات الثلاثة المذكورة والتي نجح قادتها في التربع على السلطة كانت ضد أنظمة مدنية ديمقراطية منتخبة، ولم تكن ضد أنظمة عسكرية.

ثالثا: إن كل المحاولات الانقلابية التي جرت -وهي كثيرة العدد- ضد أنظمة عسكرية لم تنجح وكان مصيرها الفشل الذريع، وواجه قادتها أحكام الإعدام عبر محاكم عسكرية، أو القتل أثناء المحاولة.

رابعا: إن محاولات الاستيلاء على السلطة في السودان عبر المليشيات والقوات شبه العسكرية كان مصيرها كلها الفشل، بدءا بمحاولة الجبهة الوطنية المعارضة لنظام نميري عام 1976 والمؤلفة من حزب الأمة، والحزب الوطني الاتحادي وجبهة الميثاق الإسلامي، ومرورا بمحاولة حركة العدل والمساواة بقيادة خليل إبراهيم التي غزت العاصمة الخرطوم عام 2008 للاستيلاء على السلطة، وتم القضاء عليها في ساعات قليلة من قبل الجيش قبل أن تعبر جسر أم درمان الذي لا يبعد كثيرا عن القصر الجمهوري في الخرطوم.

خامسا: لم يعر "حميدتي" اهتماما لحقيقة أن قوام قواته وتكوينها قبلي وقيادتها عشائرية الغلبة فيها لآل دقلو، ولم تكن قومية لا في تكوينها العضوي ولا في توجهها الفكري، وهو ما أظهرها بمظهر الجهوية والمناطقية وجردها من الطابع القومي؛ لذلك لم تجد التأييد والسند من بقية قطاعات الشعب السوداني، ويضاف لذلك خطابها العنصري والاحتجاجي والعدائي.

سادسا: لم تكن للدعم السريع حاضنة سياسية حقيقية تستطيع توفير السند الجماهيري والمعونة السياسية اللازمة والضرورية لتثبيت المحاولة وإنجاحها، وإنما وجدت شخصيات ليست ذات أبعاد شعبية ولا تمتلك إرثا سياسيا ولا مهارة في تعبئة الجماهير وتوجيهها والتأثير فيها، ولا في كيفية السيطرة على مفاصل السلطة ومخاطبة الجماهير.

سابعا: أكبر خطأ ارتكبه قائد الدعم السريع هو توجيه نيران بنادقه ليس فقط نحو قيادة الجيش وحدها وإنما استهدف بصورة مباشرة كل ضباط وأفراد الجيش وليس ذلك فقط بل استهدفت قواته كل القوات النظامية الأخرى، وبهذا التصرف وضع "حميدتي" قواته في مواجهة الدولة كلها وليس في مواجهة قيادة الجيش وحدها، وهي مواجهة غير متكافئة لا كمّا ولا نوعا.

لكل تلك الأسباب وغيرها سارت الأحداث على غير ما أراد لها "حميدتي" ومن معه من المدنيين الذين اتخذهم ذراعا سياسية له فيما عرف بـ"قحت" و"صمود" و"تأسيس"، وغيرها من المسميات المختلفة التي بدت عاجزة عن توفير وتقديم العون السياسي لقوات الدعم السريع؛ بسبب عزلتها الشعبية ووجودها في الخارج تحت كنف القوى التي تحتضنها.

أخطأ "حميدتي" في عدة أوجه وأسقط من حساباته الكثير من الحقائق وهو يضع اللمسات الأخيرة لمحاولته الانقلابية عشية 15 أبريل/نيسان 2023، ورسم سيناريو استيلائه على السلطة بناء على تفكير رغبوي غلب عليه شغفه بأن يكون رئيسا للسودان

حصاد "حميدتي" ومجموعته السياسية بعد انكشاف الغطاء

واليوم يجد "حميدتي" ومجموعته السياسية أنفسهم أمام واقع معقد وغير مواتٍ لاستكمال مشروعهم الرامي إلى الوصول إلى الحكم، فقد ارتدت ممارسات وفظائع قوات الدعم السريع التي ارتكبتها بحق المدنيين في المناطق التي تسيطر عليها من عمليات قتل وإعدام واحتجاز وتعذيب وعنف جنسي واختطاف مقابل فدية، ومنع وصول الإمدادات والأغذية للمحتاجين في مناطق سيطرتها وتدمير الأعيان المدنية والمرافق الصحية وتلويث مصادر المياه واستهداف المرافق الخدمية الحيوية ونهب المساعدات الإنسانية طوال فترة الحرب، ارتدت هذه الممارسات العدائية وغير الإنسانية وبالا عليها.

فالجهات الحقوقية الإقليمية والدولية كانت ترصد ما توثقه هواتف أفراد الدعم السريع من هذه الممارسات والفظائع الذين كانوا يتباهون بارتكابها واسترعت انتباه المنظمات والهيئات الدولية التي تحركت للتعاطي معها لفداحتها ومخالفتها القانون الدولي الإنساني، ووقوعها تحت مختلف تصنيفات القانون الدولي من إبادة جماعية وجرائم حرب وإعدامات ميدانية وعنف جنسي، وغيرها من الجرائم والمخالفات، وصدرت في حق بعض قيادات الدعم السريع التنظيمية والميدانية مذكرات اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية، وصنف بعضهم كمجرمي حرب.

وكشفت تقارير صحفية عن صور عبر الأقمار الصناعية لمجازر ضد مدنيين تمت خاصة في مدينة الفاشر شمالي دارفور من قبل أفراد وقيادات ميدانية من الدعم السريع، كما تناقلت تقارير أخرى وجود طواقم فنيين عسكريين وجنود مرتزقة كولومبيين يقاتلون في صفوف الدعم السريع يتم إلحاقهم بها عبر وكلاء إقليميين، ورصدت حركة الإمدادات اللوجيستية ونقل السلاح والعتاد العسكري عبر بعض دول جوار السودان، برا وجوا لصالح الدعم السريع.

دعم الدعم السريع أصبح باهظ الكلفة

أصبحت هذه الممارسات الشغل الشاغل للمنظمات الدولية وتحولت لقضية رأي عام دولي، وتزايدت الأضواء الدولية المركزة على الصراع ويوميات الحرب وكل ما يتعلق بها، فنتج عن ذلك تزايد الضغوط والتقارير الدولية التي اقتربت كثيرا من القوى التي تقدم له الدعم العسكري، وأدى هذا إلى رفع كلفة التعامل مع قوات الدعم السريع.

ويأتي التقرير الأممي الصادر عن بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان والذي صدر مؤخرا وكشف عن شبكات عابرة للحدود تقوم بإمداد قوات الدعم السريع بالمرتزقة والأسلحة والذخائر والتكنولوجيا العسكرية الحديثة والتدريب والدعم اللوجيستي في هذا السياق المتعلق بتسليط الضوء على جوانب كانت مخفية ويلفها الظلام.

التقرير الأممي وضع النقاط على الحروف

التقرير الأممي كان صريحا للغاية حيث حدد مصادر الدعم الواردة للدعم السريع ومسارات هذا الدعم وقطع بأنها ساهمت في تعزيز قدرات الدعم السريع وبالتالي في إطالة أمد الحرب والأزمة الإنسانية، غير أن هذه القوى الداعمة نفت نفيا قاطعا تورطها في دعم أيٍّ من طرفي الحرب، وذهبت لأبعد من ذلك بإدانة "انتهاكات القانون الدولي الإنساني التي ترتكبها القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع" وهنا مربط الفرس.

إزاء هذا الوضع المزري يحاول "حميدتي" تعويض ما فقده وما سيفقده من عناصر القوة بالخطاب الحماسي والتصريحات النارية بغرض الحفاظ على ما تبقى من "جاهزية" ولرفع الروح المعنوية وسط قواته التي تقول كل المؤشرات إنها في طريقها للانهيار

وهذا يثير مخاوف قائد الدعم السريع من أن تتخلى عنه هذه القوى تحت الضغط الدولي المتزايد، خاصة أن الظروف الإقليمية بالمنطقة تزيد من انشغالاتها بتطورات الأحداث على صعيد الأزمة، وتدفع بقضية الدعم السريع إلى الخلف وتضعها في ذيل اهتماماتها، وهو وضع قد يقضي على ما تبقى من قوة ونفوذ للدعم السريع ظلت تستمدهما من الدعم الذي تتلقاه من هذه القوى، وهو ما ينذر بدفعها نحو الهاوية وانهيار مشروعها الذي قاتلت من أجل تحقيقه طوال السنوات الماضية.

خسائر ميدانية وخلافات وانشقاقات

وتترافق مع هذه التطورات الدولية خسائر ميدانية ظلت تُمنى بها قوات الدعم السريع في كافة جبهات القتال طالت القوات والعتاد العسكري مع تزايد موجات الانشقاق والانضمام إلى الجيش وتصاعد الخلافات القبلية داخلها وتراجع عمليات التجنيد؛ بسبب رفض القبائل لها وشكواهم من تمييز وهضم حقوق يمارس ضدهم من "حميدتي" وعشيرته، وشح المقابل المادي الذي يمنح لهم، واستئثار آل دقلو بالإمكانيات المالية.

وإزاء هذا الوضع المزري يحاول "حميدتي" تعويض ما فقده وما سيفقده من عناصر القوة بالخطاب الحماسي والتصريحات النارية بغرض الحفاظ على ما تبقى من "جاهزية" ولرفع الروح المعنوية وسط قواته التي تقول كل المؤشرات إنها في طريقها للانهيار.

هل يلجأ "حميدتي" للخيار السياسي؟

رغم أن "حميدتي" حين قرر الاستيلاء على السلطة بالبندقية لم يكن لديه مشروع سياسي واضح المعالم لحكم السودان فيما لو نجح في بسط سيطرته على مقاليد الحكم، وإنما كان يتبنى بعض الشعارات الفضفاضة التي لا ترقى إلى مرتبة العمل السياسي في أدنى مستوياته، إلا أنه ومع مرور الوقت وطول أمد الحرب بدأ يتجه نحو تبني خطط وبرامج سياسية تنتجها له مجموعة عبدالله حمدوك رئيس الوزراء الأسبق المستقيل، وهي عبارة عن وعود وشعارات وسياسات سبق أن عجزت المجموعة ذاتها عن تطبيقها إبان وجودها على سدة الحكم بعد الثورة، وشهد خلالها السودان ترديا وتدهورا اقتصاديا غير مسبوق.

وتحت وطأة الظرف الحالي قد يفكر "حميدتي" في تقوية هذه المجموعة لتكون رأس الرمح في مشروع سياسي ما يكون بديلا للمشروع الذي أراد تطبيقه عبر الخيار العسكري الذي تقول المؤشرات أنه في طريقه للفشل.

ويدعم هذا الاتجاه حالة الحراك السياسي الذي بدأ في الساحة السياسية في السودان والحديث الكثيف عن ضرورة المصالحة الوطنية والحوار السوداني السوداني الذي بدأت إجراءاته مؤخرا، ومن المرجح أن يسعى "حميدتي" لإيجاد موطئ قدم له في هذا الحراك بدفع من القوى الداعمة له، بمعنى آخر التخلي عن البندقية والذخائر والتحول إلى المنابر السياسية كأداة ووسيلة للوصول إلى الهدف نفسه لكن عن طريق القوة الناعمة.

لكن يصطدم هذا الخيار بالعديد من العقبات أبرزها افتقار هذه الفئة إلى أدوات الممارسة السياسية وفي مقدمتها الوعي السياسي، والرفض الواسع لها بسبب جرائمها وانتهاكاتها والتدمير الممنهج لمقدرات السودان وموارده الحيوية، وتحالفها مع الأجنبي وخطاب الكراهية الذي عملت على ترسيخه طوال سنوات الحرب، وغير ذلك مما لا يمكن حصره في هذه المساحة المحدودة.

لذلك فإن التحول نحو المشروع السياسي هو مهمة مركبة وصعبة يبدو تحقيقها بعيد المنال، فالمعادلة تقول إن على "حميدتي" وحمدوك والقوى الداعمة لهما العمل على الانتقال من مشروع الوصول للسلطة عبر الحسم العسكري السريع الذي كان مقررا له الحدوث صبيحة 15 أبريل/نيسان 2023، إلى تحدٍ كبير هو الآن ماثل أمامهم وهو إدارة أزمة متعددة الاتجاهات تتضمن أبعادا دبلوماسية وسياسية ولوجيستية ومصالحة مع الشعب السوداني وبناء قواعد جماهيرية، والعمل على إعادة إعمار وتأهيل ما تم تخريبه وتدميره من مرافق إستراتيجية

والسؤال المحوري والأكثر أهمية الذي يفرض نفسه بخصوص إمكانية حدوث هذا التحول والانتقال هو: هل سيكون للقوى الإقليمية الداعمة للدعم السريع نفس المستوى من القوة والإرادة والحماس والعزم والإصرار والدعم الذي بذلته في الحرب لصالح الدعم السريع لتحقيق هذا التحول والانتقال نحو إنهاء الحرب وإحلال السلام لصالح السودان والشعب السوداني.

هل سيتسع "حضن الوطن" لـ"حميدتي" وجماعته وهل سيجدون القبول من الحكومة السودانية والشعب السوداني إذا ما قرروا وقبلوا بالمشاركة في الحوار السوداني السوداني الذي يجري الإعداد له ليكونوا جزءا من الطيف السياسي، وتطوى صفحة حرب شرسة أوقد نارها رجل ظن أن البندقية أسرع وسيلة للوصول إلى السلطة؟

إن أجدر وأحق من يجيب عن هذا السؤال هو الشعب السوداني وحده.

إلى تل آبيب خذوه معكم

 إلى تل آبيب خذوه معكم




حمّور زيادة

كاتب وروائي سوداني

اشترك الخصمان في السودان في الحكم منذ 12 إبريل/ نيسان 2019 بمجلس عسكري يترأسه قائد الجيش الفريق أول عبدالفتاح البرهان، وكانت أول قراراته منح محمد حمدان دقلو (حميدتي) رتبة فريق أول ومنصب نائب رئيس المجلس. 

استمرّ تحالف السلاح هذا حتى إقصاء الجناح المدني عن السلطة، لتبدأ الخلافات داخل معسكر المجلس العسكري وحلفائه، وتتفجّر في 15 إبريل 2023. توعد حميدتي حليفه القديم بالمحاكمة ثم بالاعدام. 

وقدّم البرهان أوراق خصمه الحالي للقضاء بتهم عقوبتها الإعدام بعد تصنيف السلطة العسكرية مليشياته تنظيماً إرهابياً. 

يراوغ الطرفان منذ أكثر من ثلاث سنوات تمسّكاً بخيار الحسم العسكري. وتوعّد الفريقان بعضهما بأن لا نهاية للحرب إلا بقضاء أحدهما على الآخر، وأن السودان هذه البلاد الواسعة لم يعد يسعهما. 

لكن هناك أشياء يتفقان عليها رغم العداء. قائمة طويلة تبدأ من العداء للتغيير والحكم المدني، مروراً بالدماء التي أريقت في رفض حكمهما في 2019 ثم 2021 وما بعدها، وكثير غيرها. ... وفي هذه القائمة تظهر تل أبيب.

قد يطلق طرفا الحرب الطائرات المسيّرة على بعضهما، قد يذبحان الأسرى، ربما تُقصف المستشفيات والأسواق، لكنّ هناك خطوطاً حمراء، مثل حقول بترول هجليج التي اتفق رئيس دولة جنوب السودان مع قائدي الجيش و"الدعم السريع" على تأمينها. ومثل العلاقة مع إسرائيل.

في 3 فبراير/ شباط 2020 التقى قائد الجيش بنيامين نتنياهو في أوغندا. أكّدت الحكومة المدنية وقتها أنها ما علمت ولا استشيرت. وما عرفتُه شخصيّاً أن رئيس الوزراء وقتها عبدالله حمدوك، رغم إنكار مجلسه كان على علم باللقاء الذي تفاخر به قائد الجيش لاحقاً. فقال إنه لم يخش لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي، وإنهما تناولا الطعام معاً. 

وبحسب صحف إسرائيلية، كان رئيس مجلس السيادة ونائبه يدعمان التطبيع "علناً"، بينما يرى رئيس الوزراء المدني أن التعامل مع إسرائيل يتطلب إجراء حوار داخل المجتمع السوداني. وصفت صحيفة تايمز أوف إسرائيل العلاقات مع السلطات في السودان بقولها "كان الجيش وليس القيادة المدنية هو الذي لعب دورا أكثر فاعلية في تعزيز التطبيع مع إسرائيل. وكان البرهان شخصية بارزة تقود جهود التطبيع". توفيت مهندسة اللقاء السودانية، نجوى قدح الدم، بعد نحو ثلاثة أشهر من حدوثه متأثرة بوباء كوفيد 19، وقد أرسلت إسرائيل طائرة خاصة وفريقاً طبياً لإجلائها من الخرطوم، لكن الموت كان أسرع. ونعاها مجلس السيادة، قائلاً إنها أسهمت بدور مقدّر في تعزيز علاقات السودان الخارجية.

وفي أكتوبر/ تشرين الأول من العام نفسه أعلن حميدتي أن السودان يحتاج إسرائيل، وأنهم يمضون في هذا الاتجاه من دون خوف من أحد. وتحدّث عن التعاون مع إسرائيل في مجالات التكنولوجيا والزراعة. 

بعدها وصل وفد عسكري إسرائيلي إلى السودان، وزار منظومة الصناعات الدفاعية.

لاحقاً، في أكتوبر 2021، قبل أيام من انقلاب المجلس العسكري الحاكم على اتفاق قسمة السلطة مع القوى المدنية، بحسب صحف سودانية وإذاعة الجيش الإسرائيلي زار وفد سوداني إسرائيل، ضم شقيق قائد الدعم السريع ونائبه عبدالرحيم دقلو، ورئيس منظومة الصناعات الدفاعية. التقى الوفد مسؤولين في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي ومكتب رئيس الوزراء. وبعد 21 أكتوبر، والتخلص من الحكومة المدنية، أرسلت إسرائيل عدة مرات وفوداً أمنية ومسؤولين إسرائيليين بعضهم عناصر في الموساد. 

وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2022، كشفت تحقيقات صحافية حصول "الدعم السريع" على تقنيات مراقبة متطورة قادرة على اختراق الهواتف عن طريق ضابط استخبارات سابق ورجل أعمال إسرائيلي. وصلت الأجهزة بطائرة خاصة إلى مطار الخرطوم.

بعد الحرب، لم يخسر الطرفان تل أبيب كما حدث مع بقية الحلفاء. وذكرت تقارير إعلامية أن الموساد ووزارة الخارجية الإسرائيلية (يحتفظ كل واحد منهما بقناة اتصال مع أحد الطرفين) تدخّلا في جهود وساطة بين قائدي الجيش و"الدعم السريع". وكان لافتاً حوار أجراه مستشار سابق لقائد المليشيا ادّعى فيه أن قوات الدعم السريع تواجه العدو نفسه الذي تواجهه إسرائيل، ويتعرض لما يتعرض له جنودها! لم ينفع ذلك التوسّل العجيب المستشار المثقف، واختفى أثره بعد خلاف مع قياداته.

عادت، في الأشهر الأخيرة، زيارات قادة "الدعم السريع" إسرائيل بوتيرة أعلى. فزارها شقيقا حميدتي، ومستشاره القانوني.

يختلف الطرفان في كثير، لكنهما يتفقان على أشياء، من أهمها: تل أبيب.

الأحد، 30 أغسطس 2026

حميدتي وإسلاميو السودان ما الذي يجري في الظلام؟

حميدتي وإسلاميو السودان ما الذي يجري في الظلام؟

كاتب وصحفي سوداني.

يثار جدل كثيف خلال السنوات الماضية وحتى اليوم، حول مولد ومنبت ومراحل تطور مليشيا الدعم السريع وعلاقتها بالإسلاميين أفرادا وجماعات وتنظيما، ولم ينكر الإسلاميون أبوتهم حتى اكتسبت "الدعم السريع" بعد حين صفة الابن العاق، مع محاولات يائسة من قيادة "الدعم السريع" عقب أبريل/نيسان 2019 للتبرؤ من جيناتها المحورة، وإنكار ذلك الجينوم الذي يربطها بحزب المؤتمر الوطني الحاكم آنذاك والحركة الإسلامية وعهد الرئيس عمر حسن البشير.

بسبب الحرب التي اندلعت في السودان بين قوات الدعم السريع والجيش في 15 أبريل/ نيسان 2023 وتداعياتها ودعايتها، تحاول المليشيا المتمردة، بناء مبررات حربها بأن من أهدافها القضاء على "الحركة الإسلامية"، وما يسمى بفلول النظام السابق، وبُنيت هذه الدعاية على كذبة كبرى، وتضليل لطمس الحقائق والقفز فوقها والتعلق بحبال التدليس، إذ بقيت صلة الدعم السريع بالإسلاميين كالوشم على ظاهر اليد، لا تمحوها الأيام، ولا الحرب وأهوالها.

بداية قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي" وبعض إخوته وأخواله وأبناء عمومته الأقربين، كانت عندما جندوا كعناصر مقاتلة برتب دنيا كجنود صف في الفترة من 2003-2007 في قوات "حرس الحدود"، وهي قوات شبه نظامية أنشأها عهد الإنقاذ عقب اندلاع تمرد حركتي "تحرير السودان" و"العدل والمساواة" في عام 2003 في إقليم دارفور.

بُعث "حميدتي" من مرقده في غياهب النسيان مرة أخرى، بعد أكثر من ثلاث سنوات من الضياع والغياب، مع تزايد هجمات المتمردين على مناطق في دارفور وجنوب كردفان، واقتراب التمرد من شمال كردفان والنيل الأبيض في عام 2013

وكان الشيخ موسى هلال زعيم المحاميد "بطن من قبيلة الرزيقات"، هو قائد هذه القوة التي قاتلت مع الجيش ضد المتمردين آنذاك، وجلها من القبائل العربية، ولم يكن "حميدتي" وقتذاك شيئا مذكورا سوى أنه أحد ضباط الصف يتبع لموسى هلال.

تمرد "حميدتي"؛ بسبب خلافه مع الشيخ موسى هلال في نهاية عام 2006، وحاول عقد تحالف مع متمردي حركة "العدل والمساواة" في لقاء مشهور بالعاصمة التشادية نجامينا بحضور الرئيس التشادي الراحل إدريس ديبي، لكن سرعان ما عملت الحكومة السودانية على احتوائه مرة أخرى وإرجاعه للعمل مع الجيش، وتكليفه بمهام محدودة في مناطق جنوب دارفور، ثم أفردت له حكومة الرئيس البشير منصبا حكوميا في ولاية جنوب دارفور بتعيينه مستشارا بدرجة معتمد.

وعندما حُلت قوات "حرس الحدود" بقيادة موسى هلال في خواتيم عام 2009، وتزامن مع ذلك الوقت حدوث تغييرات في أجهزة الدولة قضت بذهاب صلاح قوش مدير جهاز الأمن والمخابرات من موقعه، وبدأ مزاولة أعمال تجارية خاصة منها تصدير الماشية إلى مصر، استعان قوش بـ"حميدتي" في شراء الأبقار وحراستها من مناطق دارفور حتى نقاط التصدير على الحدود المصرية، ووجد "حميدتي" منفذا تجاريا محدودا مع شركات ومؤسسات تتبع للجيش وجهاز المخابرات، لكن سرعان ما طواه النسيان.

بُعث "حميدتي" من مرقده في غياهب النسيان مرة أخرى، بعد أكثر من ثلاث سنوات من الضياع والغياب، مع تزايد هجمات المتمردين على مناطق في دارفور وجنوب كردفان، واقتراب التمرد من شمال كردفان والنيل الأبيض في عام 2013، فقرر الرئيس البشير تكوين قوات جديدة على غرار قوات "حرس الحدود".

وتم الاتصال بالشيخ موسى هلال لكنه اعتذر عن عدم قيادتها وكان حانقا وغاضبا من تجربته السابقة. وقد استعان البشير ببعض مساعديه العسكريين، فقام أحدهم وهو الفريق أول عوض بن عوف الذي تولى حكم السودان لـ24 ساعة فقط من 11-12 أبريل/نيسان 2019، باقتراح الشقيقين محمد وعبد الرحيم حمدان دقلو، وأصدر البشير قرارا بتكوين هذه القوات في أبريل/نيسان 2013.

تم تكليف "حميدتي" بعد التكوين بجمع وتجنيد 5 آلاف من أبناء القبائل العربية بدارفور، وخصصت له 60 عربة قتالية، وحدث خلاف حول تبعية القوات، برفض هيئة أركان القوات المسلحة وأعضاء من اللجنة العسكرية السابقة التي قامت بحل وتصفية قوات "حرس الحدود" تتبيع هذه القوات للجيش، وكحل وسط أُلحقت قوات  "الدعم السريع" بجهاز الأمن والمخابرات، ومنح "حميدتي" رتبة العميد كقائد ثان، وشقيقه الأكبر عبد الرحيم رتبة المقدم، مع العلم أن كليهما في قوات "حرس الحدود" كانا في رتبة "صف ضابط" رقيب أول ورقيب.

بنهاية عهد الإنقاذ في أبريل/نيسان 2019 ومشاركة "حميدتي" مع القيادات العسكرية، ومنها كوادر إسلامية في الانقلاب على البشير، بات "حميدتي" في الأيام الأولى خائفا يترقب، وسعى لزيادة الاستعانة بالكوادر والقيادات السياسية الإسلامية

بدأ تشغيل القوات الجديدة وتنسيق عملياتها مع الجيش في دارفور وجنوب كردفان، وحدثت تجاوزات كثيرة منها مشكلة مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان عندما طرد الوالي آنذاك مولانا أحمد هارون "الدعم السريع" من ولايته، ولم تكن بيئة العمل في شمال وجنوب كردفان تناسب "الدعم السريع"، لذلك فشلت مهمتها، وتقرر انتداب ضباط من الجيش والمخابرات لتنظيم هياكل "الدعم السريع"، وتنسيق العمليات العسكرية ضد الحركات المتمردة آنذاك.

في هذا الوقت كانت العناصر المنتدبة للعمل في صفوف "الدعم السريع" من القوات المسلحة أو جهاز الأمن والمخابرات تحوز ثقة قيادة الدولة، بينما الكوادر الملتزمة من الإسلاميين تواجدت في كل الشركات والمؤسسات المدنية التي بناها "حميدتي" وأشقاؤه، وحرصت قيادة "الدعم السريع" على استشارة قيادة نظام الإنقاذ في كل البرامج، وكانت هناك سيطرة للرئيس البشير على هذه القوات تأتمر بأمره، وتتبع مباشرة لمكتبه.

وصل لقيادة شركة "الجنيد" أهم شركات "حميدتي" وذراعه المالي، أحد أهم الكوادر الإسلامية التي تعمل في المجال الأمني، وصار مديرا عاما، وكذلك كوادر أخرى توزعت على شركات الطرق والجسور والتجارة العامة والتعدين التي تتبع لـ"الجنيد"، بحلول عام 2017، وهو العام الذي صدر فيه قانون "الدعم السريع" من البرلمان في أبريل/نيسان 2017، وكان لفيف من الإسلاميين قد سيطر على مفاصل "الدعم السريع" العسكرية والمدنية واستثماراتها.

بذهاب طه عثمان من مكتب الرئيس البشير فقدت "الدعم السريع" أكبر داعم لها، لكن شبكة هائلة من العلاقات الناشئة عوضت ذلك الفقدان، بيد أن طه لعب دورا أخطر في الخارج. وعمل "حميدتي" وشقيقه وعدد من أفراد الأسرة بعد أن مُنحوا مقعدا وزاريا سبقه تخصيص مقعد برلماني لعمه (جمعة دقلو) في البرلمان، على تمتين علاقاتهم مع الإسلاميين في مختلف المستويات، والاستفادة من الكادر المدرب والمؤهل لبناء الإمبراطورية المالية، وزيادة النفوذ السياسي، ونالوا جميعا عضوية المؤتمر الوطني، وحاول "حميدتي" وشقيقه التوسل عدة مرات لقيادة المؤتمر الوطني بقبولهما وتعيينهما قياديين في الأجهزة العليا للحزب ففشل المسعى.

بداية قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي" وبعض إخوته وأخواله وأبناء عمومته الأقربين، كانت عندما جندوا كعناصر مقاتلة برتب دنيا كجنود صف في الفترة من 2003-2007 في قوات "حرس الحدود"، وهي قوات شبه نظامية أنشأها عهد الإنقاذ عقب اندلاع تمرد حركتي "تحرير السودان" و"العدل والمساواة" في عام 2003

بنهاية عهد الإنقاذ في أبريل/نيسان 2019 ومشاركة "حميدتي" مع القيادات العسكرية، ومنها كوادر إسلامية في الانقلاب على البشير، بات "حميدتي" في الأيام الأولى خائفا يترقب، وسعى لزيادة الاستعانة بالكوادر والقيادات السياسية الإسلامية خلال عذريته السلطوية، قبل أن تأتيه الإملاءات الخارجية بالتخلص من بعضهم، ومن المتواجدين في الجيش والأجهزة الأمنية. كما زادت قوات الدعم السريع من 20 ألف جندي في عهد البشير، إلى ما يقارب 40 ألفا بحلول ديسمبر/كانون الأول 2019.

وعندما أُلغيت المادة (5) من قانون "الدعم السريع"، سارع "حميدتي" إلى التوسع الأفقي والرأسي باستيعاب ضباط القوات المسلحة وجهاز المخابرات المفصولين من الخدمة، وبلغ عدد ضباط الجيش المستوعبين غداة حرب 15 أبريل/نيسان 2023 ما يزيد على 480 ضابطا من مختلف الرتب، كما استوعب عنده عناصر من قوات هيئة العمليات بجهاز المخابرات العامة، بعد حل الهيئة بضغط منه في عام 2019.

خلال أربع سنوات سبقت الحرب، فاق عدد القوات 200 ألف، وكان لـ"حميدتي" طاقم سياسي يعمل في قوات الدعم السريع (مستشارون-كبار موظفين)، جلهم من الولاة السابقين والمعتمدين والوزراء الولائيين السابقين، أكثريتهم من ولايات دارفور، وكان لديه كوادر لا حصر لها من البرلمانيين والتشريعيين الولائيين من عناصر نظام البشير.

وبحكم صلة القرابة والدم جمع حوله أهل المشورة الخاصة من "الإسلاميين"، ليديروا معه كل الملفات الخاصة والجوانب السياسية والعمل على استقطاب منظمات المجتمع المدني والقيادات الأهلية والاجتماعية وزعماء القبائل والعشائر، وستجدهم في مكاتبه الخاصة ووفوده للتفاوض، ومن يحركون العمل العسكري والسياسي بعد الحرب.

ومن أبرز الإسلاميين المساندين لـ"الدعم السريع" من السياسيين، طه عثمان الحسين مدير مكتب البشير، حسبو محمد عبد الرحمن النائب الأول للرئيس البشير، بجانب قيادات دستورية سابقة يبلغ عددهم بضعة وثلاثين، من بينهم ولاة ووزراء ووزراء ولائيون ومعتمدون وبرلمانيون وأعضاء مجالس تشريعية، وأمناء ونواب أمناء بارزون في مستويات الحركة الإسلامية ومكاتبها التنظيمية والأمنية، في ولايات دارفور وكردفان، وكوادر شبابية وطلابية، منهم رؤساء اتحادات في الجامعات ومنظمات شعبية قومية.

ولعل أبرز القيادات التي التحقت بقوات"الدعم السريع" بعد تمردها زعماء القبائل، وخاصة الإسلاميين منهم، فناظر قبيلة الرزيقات محمود موسى مادبو ظل عضوا في الجبهة الإسلامية القومية منذ ثمانينيات القرن الماضي، ومحمد يعقوب ناظر الترجم هو من قدامى الإخوان المسلمين في دارفور، وكانت له صولات وجولات أيام الديمقراطية الثالثة وعهد الإنقاذ، واللواء محمد البشير موسى ناظر قبيلة السلامات، والأمير مسار عبد الرحمن أحد وجهاء قبيلة الرزيقات، وعند تصنيف كل الإدارات الأهلية في كردفان ودارفور تجد 90% من داعمي المليشيا كانوا ملتزمين مع المؤتمر الوطني الحزب الحاكم في عهد البشير.

أما الكوادر العسكرية فهم كثر وكانوا إما إسلاميين أو مسؤولين دستوريين في عهد البشير، وهم الآن في قمة هرم "الدعم السريع" العسكري أبرزهم الفريق عثمان عمليات، اللواء حسن محجوب مدير مكتب حميدتي، العميد عمر حمدان حماد، اللواء مبشر جبريل، موسى خدام، الفاتح قرشي، علي محمد دخرو، عبد الرزاق محمد علي، إبراهيم حسن مدلل، موسى حسين خميس، سليمان عبد الجبار، عبد الرحمن حسن الفوتي، لواء عبد الرحمن جمعة بارك الله، عادل دقلو -الوزير في عهد البشير- والبرلماني في عهد الإنقاذ جمعة دقلو عم حميدتي شقيق والده، والقائمة تطول من العسكريين.

السبت، 15 أغسطس 2026

وقت إضافي لتجربة فاشلة

 وقت إضافي لتجربة فاشلة



حمّور زيادة


اختار قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أوّل عبد الفتّاح البرهان يوم عيد الجيش (13 أغسطس/ آب) ليدخل بموكبه القصر الجمهوري في الخرطوم بصورة رسمية للمرّة الأولى لاعتماد سفراء، ما يبدو رسالةً رمزيةً جديدةً في السياق القديم ذاته الذي بدأ منذ إطاحة الرئيس السابق عمر البشير.
بعد أن تحفّظ الجيش على البشير في "مكان آمن"، بحسب تعبير بيانه، رفض المحتجّون خطّة الجيش للحكم. 

جرّب المجلس العسكري حظّه مرّتَين، يومي 11 و12 إبريل/ نيسان. 

بدأ بوزير الدفاع الذي أعلن إطاحة البشير وإدارة الجيش للفترة الانتقالية وإجراء انتخابات. 

انتفض المحتجّون، فغيّر الجيش من قدَّمهم وكوّن مجلساً عسكرياً جديداً بقيادة البرهان الذي كرّر النية ذاتها، وتكرّر رفض المحتجّين. 

أُجبر الجيش على الدخول في مفاوضات مع القوى السياسية المدنية، ثمّ عاد الجيش إلى محاولة الاستفراد بالسلطة عقب المذابح التي ارتُكبت في أثناء فضّ الاعتصامات المضادّة له. 

بعد يوم كامل من القتل والانتهاكات، خرج قائد الجيش ليعلن إلغاء الاتفاق مع القوى المدنية، ونيّة الجيش في أن يحكم الفترة الانتقالية وينظّم بعدها الانتخابات.

 الخطّة القديمة ذاتها، لكنّها تتكرّر بعد القضاء على التجمّعات المعارضة واستباحة "الدعم السريع" العاصمة.


ردّة فعل المعارضين لم تختلف أيضاً، وزادتها الدماء إصراراً. 

ومرّة أخرى تراجع الجيش ظاهرياً عن رغبته في الحكم، لكنّه عاد في 2021 ليدعم إغلاق ميناء السودان الرئيس وينظّم اعتصاماً مسرحياً يطالب بانقلاب عسكري، وهو ما فعله المجلس العسكري في أكتوبر/ تشرين الأول 2021. 

ومرّة أخرى، أعلن البرهان الخطّةَ المكرّرةَ ذاتها.

 سيحكم الجيش الفترة الانتقالية، ثمّ يجري انتخابات (!). لا يعنيه تكرار الرفض، ولا الدماء التي سالت لتمنعه من ذلك. حتّى الدماء التي أراقها بعد هذا الإعلان، فخرجت المظاهرات المعارضة للانقلاب، وواجهها الجيش بالعنف والرصاص.

 لكنّ البلاد لم تستقرّ له حتّى أُجبر على التراجع مرّة أخرى ليدخل في العملية السياسية نهاية 2022، وانهارت بنشوب الحرب في إبريل/ نيسان 2023.
لم تختلف نيّة الجيش السوداني بعد الحرب، لكنّها أصبحت أوضح. 

في سبتمبر/ أيلول 2024، أعلن الفريق ياسر العطا (عضو مجلس السيادة ومساعد القائد العام) أنّ قائد الجيش البرهان سيظلّ رأس الدولة بصلاحيات سيادية كاملةً حتّى بعد الانتخابات، ولمدّة ثلاث أو أربع دورات انتخابية. 

لعلّ هذا أجرأ إعلان بعدم نيّة الجيش تسليم السلطة. بل إنّ العطا نسب إليه ما هو أفدح حين قال إنّه لو كان بالمعاش وفاز السياسيون المدنيون (يعتبرهم عملاء للخارج) بالانتخابات، فسينقلب عسكرياً ضدّهم. 

لاحقاً، أصبح الرجل رئيس هيئة أركان الجيش. 

يعلن أحد حاكمي البلاد نيّته ارتكاب جريمة يعاقب عليها القانون العسكري بالإعدام إذا ما اختار الشعب خياراً يختلف معه.
يكرّر الفريق العطا ما فعلته صحيفة القوات المسلّحة الرسمية، التي ظلّت تحرّض على الانقلاب العسكري في 2021، ويتعامل الجيش السوداني مع جريمة الانقلاب العسكري باعتبارها نوعاً من أنواع حرّية التعبير، ويدعو إليها بلا وجل، ويمارسها باستحقاق لا مثيل له. وهذا غريب بالنظر إلى تاريخ البلاد المحكومة بالجيش منذ 1958. 

تاريخ السودان (منذ الاستقلال) حكم عسكري متواصل، مع انتقالات مدنية قصيرة تحدث إثر ثورات شعبية. 

هذه ليست تجربةً جديدةً تحتاج مزيداً من الوقت، إنّما هي واقع السودان منذ استقلاله. 

ونتائجها معلومة للجميع: حروب أهلية واقتصاد منهك ومؤسّسات ضعيفة وفساد مقنّن ومؤسّسة عسكرية تتغوّل على الدولة. وكلّ الأنظمة العسكرية السودانية سقطت بثورات شعبية لا بانقلابات عسكرية. لكن الرسالة غير واضحة لحملة السلاح.
بعد سبع سنوات من حكم المجلس العسكري الذي يرأسه البرهان، وبعد تكرار الرفض، وبعد الحرب التي قسّمت البلاد وهدّتها، لم يتغيّر شيء، بل ربّما جعلت الحرب الجيش يشعر باستحقاق أكبر للحكم، ما يضع السودانيين بين خيارَين: الحكم العسكري في الخرطوم أو الحكم المليشياوي في نيالا. 

وتمنح الحرب الطرفَين مبرّرات الحكم، وأن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة. فلا وقت لمحاسبة أو لمساءلة أو تداول سلطة، ولا حدود للسلطة، ولا اختلاف مع القيادة: إنّنا في حرب.
وما يزيد الأسف أنّ الجيش، إذ يواصل مشروعه للحكم، يفعل ذلك بالتحالف مع عدد مهول من المليشيات القبلية والمناطقية. 

فحتّى التخلّص من المليشيات واحتكار الدولة السلاح لم يُنجزا. 

لم يحصد السودانيون بعد سنوات الحرب كلّها إلا الموت وانهيار البلاد وانقسامها، لا قضينا على مليشيات، ولا أبقينا على دولة. أمّا التحالفات الحاكمة فهي كما هي.

السبت، 8 أغسطس 2026

لا توجد حرب أهلية في السودان، بل محاولة احتلال بالوكالة تستهدف البلاد

 لا توجد حرب أهلية في السودان، بل محاولة احتلال بالوكالة تستهدف البلاد





ياسين أقطاي 

قيادي في حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم

- يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

قد تكون الإبادة الجماعية التي تواصل إسرائيل ارتكابها بشكل ممنهج في غزة رغم وقف إطلاق النار، وإرهابها الهمجي الذي يمارسه مغتصبو الأراضي في الضفة الغربية، إلى جانب هجماتها المتكررة على إيران ولبنان، فضلاً عن التطورات التي ظهرت خلال الأيام الأخيرة في اليمن وليبيا، قد دفعت المأساة الإنسانية المتواصلة في السودان منذ نحو 3 سنوات إلى خارج دائرة الاهتمام. 

لكن ما يحدث في السودان ليس منفصلاً عن كل هذه الأحداث. فالهدف مرة أخرى هو المضي خطوة إضافية في مخطط الاحتلال والنفوذ الصهيوني، لكن النتيجة، كما جرت العادة، هي نشوء مقاومة أيضاً.

تُظهر الأخبار الواردة من السودان، يوماً بعد يوم، وبصورة أكثر وضوحاً، أن الحرب الدائرة في البلاد لا تقتصر على صراع على السلطة يجري في الجبهات العسكرية. 

ووفقاً لتصريحات السلطات السودانية، يُحتجز نحو 6 آلاف شخص في السجون التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع في الفاشر. 

كما أفادت منظمة «أنقذوا الأطفال» بأن أكثر من 5 آلاف طفل نزحوا مجدداً خلال فترة زمنية قصيرة.

وتُظهر هذه الأخبار أن الكارثة الإنسانية التي يشهدها السودان ليست مجرد نتيجة جانبية حتمية للحرب، بل تثبت وجود واقعة احتلال تتمثل في تهجير المدنيين واحتجازهم ونهب المدن وتفكيك النسيج الاجتماعي.

لقد قلنا منذ البداية إن الاستمرار في وصف الحرب في السودان بأنها «حرب أهلية تدور بين طرفين متساويين» يتجاهل الحقيقة السياسية والقانونية على حد سواء. 

فهذا التعريف ينتج تماثلاً مضللاً يضع الدولة الشرعية، والهيكل المسلح الذي يسعى إلى إسقاطها، والتدخل الخارجي الذي يقف وراء هذا الهيكل، ومحاولة الاحتلال، في المستوى نفسه.

لا يوجد في السودان طرفان شرعيان متكافئان. 

فمن جهة، هناك الدولة السودانية وقواتها المسلحة، المعترف بهما بموجب القانون الدولي رغم كل أوجه القصور ونقاط الضعف والأخطاء التي ارتُكبت في الماضي. 

ومن جهة أخرى، هناك قوات الدعم السريع، التي لم تتحمل يوماً مسؤولية إقامة دولة، ونمت عبر اقتصاد الحرب، وحولت النهب إلى وسيلة للتمويل، وتحافظ على قدراتها العسكرية بفضل الدعم الخارجي.

وبالتالي، فإن ما يحدث في السودان ليس صراعاً داخلياً عادياً ناتجاً عن عجز جيشين عن تقاسم السلطة. بل هو معركة من أجل بقاء الدولة الشرعية للمجتمع في مواجهة هيكل شبه عسكري مدعوم من الخارج، يتجه إلى نهب موارد البلاد ومدنها ومؤسساتها.

إن قول وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن الحرب في السودان تحولت إلى صراع بالوكالة بين دول مختلفة، أمر مهم باعتباره اعترافاً بحقيقة الوضع. لكن تعريف «حرب الوكالة» يؤدي أيضاً إلى إظهار الأطراف الخارجية وكأنها أصحاب مصالح متكافئة، بما يفضي إلى طمس علاقات المسؤولية عن الحرب.

المسألة الأساسية في السودان ليست مجرد مواجهة بين قوى إقليمية مختلفة. إنها محاولة لإسقاط دولة شرعية من الداخل، عبر هيكل مسلح مدعوم من الخارج. 

ولذلك، وبينما ينبغي الاعتراف بالبعد المتعلق بحرب الوكالة، يجب أيضاً التحدث بوضوح عن الجهة التي تدعم كل هيكل مسلح، والأهداف التي تقف وراء ذلك، حتى نصل في نهاية المطاف إلى الجناة الفعليين، وليس مجرد المشتبه بهم المعتادين.

إن سجل قوات الدعم السريع حتى اليوم يُظهر بوضوح أنها لا تحمل هدف إقامة دولة أو إدارة المجتمع. 

فالمجازر المرتكبة بحق المدنيين في دارفور، والاتهامات بارتكاب جرائم تطهير عرقي، والعنف الجنسي الممنهج، واستخدام الأطفال في النزاعات المسلحة، والتهجير القسري، ونهب الممتلكات الخاصة والمؤسسات العامة، كلها تكشف طبيعة هذا الهيكل.

والسجون التي يُحتجز فيها آلاف الأشخاص في الفاشر جزء من هذا المشهد. فإذا كان هيكل مسلح ينتج الخوف والنهب والاعتقال التعسفي بدلاً من القانون والخدمات العامة والأمن في المناطق التي يسيطر عليها، فلا يمكن القول إنه يمثل بديلاً للدولة. 

إن هذا، في أحسن الأحوال، محاولة احتلال بالوكالة.

وتتهم الحكومة السودانية الإمارات العربية المتحدة منذ فترة طويلة بتقديم دعم عسكري ومالي ولوجستي لقوات الدعم السريع. كما أن تقارير المنظمات الدولية والتحقيقات الإعلامية والنقاشات التي تجري في عدد من الدول تجعل الادعاءات المتعلقة بهذا الدعم أكثر وضوحاً يوماً بعد يوم. في المقابل، تنفي حكومة أبوظبي هذه الاتهامات.

غير أن دور الإمارات في السودان لا يمكن تناوله بمعزل عن مناطق الأزمات الأخرى في العالم الإسلامي. 

فعند النظر مجتمعة إلى الدعم المقدم لخليفة حفتر في ليبيا، وإضعاف الحكومة المركزية في اليمن بما يعزز الهياكل الانفصالية، وشبكة النفوذ التي أُقيمت عبر الموانئ والقواعد العسكرية في القرن الإفريقي، والسياسات المتماشية مع أولويات إسرائيل الأمنية بشأن غزة، والادعاءات المتعلقة بالدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع في السودان، يظهر أمامنا مسار استراتيجي أوسع من مجرد أحداث منفردة.

والنتيجة المشتركة لهذا المسار هي إضعاف الدول القوية والمستقلة والقائمة على شرعيتها المجتمعية في العالم الإسلامي، وظهور هياكل مسلحة مجزأة ومتعارضة تعتمد على الدعم الخارجي بدلاً منها.

وإسرائيل واحدة من أبرز المستفيدين من مثل هذا النظام الإقليمي. إذ إن مفهوم إسرائيل للأمن على المدى الطويل يقوم على وجود هياكل محيطة بها منشغلة بصراعات داخلية، ومجزأة، ومنفتحة على التدخل الخارجي، وليس دولاً قوية ومستقلة.

ويُعد السودان إحدى الحلقات المهمة في هذا المشهد الاستراتيجي. 

فسواحله الطويلة المطلة على البحر الأحمر، وموقعه بين إفريقيا والعالم العربي، وقدراته الزراعية، وموارده الطبيعية، وفي مقدمتها الذهب، وعمقه الجيوسياسي، تضع البلاد في قلب التنافس الإقليمي.

 ومن شأن بقاء السودان دولة قوية أن يمتلك قدرة على التأثير مباشرة في موازين القوى في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.

ولهذا، فإن الصراع الدائر في البلاد لا يتعلق فقط بمن سيتولى السلطة في الخرطوم. بل يتعلق بما إذا كانت الدولة السودانية ستتمكن من الحفاظ على وجودها ووحدة أراضيها وسيادتها أم لا.

ولا يمكن البحث عن حل في السودان من خلال صيغ هجينة تخفض الدولة إلى مستوى أحد الفصائل المسلحة. 

فالحل الدائم لا يمكن أن يتحقق إلا بإعادة إرساء سلطة الدولة، ووقف الدعم العسكري الخارجي، وإخضاع جميع الهياكل المسلحة للمؤسسات الشرعية للدولة، وإنشاء مسار يمكّن الشعب السوداني من امتلاك زمام مستقبله السياسي.