‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات د.عزام التميمي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات د.عزام التميمي. إظهار كافة الرسائل

السبت، 19 أكتوبر 2024

مات يحيى السنوار وهو يقاتل إسرائيل. وموته لن يهزم حماس

مات يحيى السنوار وهو يقاتل إسرائيل. وموته لن يهزم حماس

وقد نجحت إسرائيل عدة مرات من قبل في قطع رأس الحركة تقريباً. ومع ذلك، فهي لم تتمكن من إضعاف عزمها، ناهيك عن سحقها


الصور المبكرة نشر على وسائل التواصل الاجتماعي لزعيم حماس يحيى السنوار يرقد ميتًا داخل ما يبدو أنه منزل مهدم جزئيًا غزة ربما لم يكن ما إسرائيلي أراد القادة أن يرى العالم.

ويُقترح أن الجنود الذين عثروا على الجثة واشتبهوا في أنها لسنوار قاموا بتصويره على عجل وأرسلوا الصور إلى بعض معارفه الذين قاموا بدورهم بنشرها لصالح الشرطة العالم لنرى.

كان رؤساؤهم يفكرون في رواية مختلفة حول كيفية وفاة الرجل.

وكانوا يفضلون رسم صورة لزعيم حماس مختبئا في نفق يستخدم الرهائن الإسرائيليين كدروع بشرية. والحقيقة هي أن زعيم حماس الأعلى فقد حياته وهو يقاتل أعدائه.

ليس هذا فقط.

وتظهر الصور جرحا برصاصة في رأسه. ولم يكن يحاول الهرب، كما كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يريد أن يصدقه العالم، بل مات في مواجهة الجنود الإسرائيليين واقفين وجهاً لوجه.

ومن وجهة النظر الفلسطينية، يعتبر هذا أنبل وأشرف الوفيات. 

زعيم بلا منازع

يحيى السنوار، أو أبو إبراهيم كما يعرف في دوائر حماس, ولد في مخيم خان يونس للاجئين في قطاع غزة في أكتوبر 1962 لعائلة من اللاجئين تنحدر من مدينة المجدل الفلسطينية. وفي عام 1948، احتلت العصابات الصهيونية القرية خلال النكبة الفلسطينية (إنشاء دولة إسرائيل) وإعادة تسميتها بعسقلان.

مثل عدة آلاف من سكان المناطق الواقعة شمال غزة، والتي أصبحت بين عشية وضحاها "دولة إسرائيل", هربت عائلة سنوار جنوبًا بسبب ما اعتقدوا في ذلك الوقت أنه سيكون ملجأ مؤقتًا.
يحيى السنوار: اللاجئ والسجين الذي قاد حماس اقرأ المزيد »


وكان جميع هؤلاء اللاجئين مقتنعين بأنهم سيعودون إلى ديارهم في غضون أيام بمجرد أن تتمكن القوات من الدول العربية المجاورة، كما وعدت، من مساعدتهم, تأمين مدنهم وقراهم وردع العصابات اليهودية التي كانت ترتكب المجازر لطرد السكان الفلسطينيين. لم يكن من المفترض أن يكون.
ذهب سنوار إلى المدرسة في غزة ودرس الأدب العربي في الجامعة الإسلامية. كان طالباً نشطاً في المدرسة الثانوية والجامعة حيث انضم إلى فرع الإخوان المسلمين فيها فلسطين. اعتقله الإسرائيليون لأول مرة عندما كان عمره 20 عامًا في عام 1982 لمدة 10 أشهر، ومرة أخرى في عام 1985 لمدة ثمانية أشهر.
عندما ولدت حماس عام 1987، برز السنوار كأحد عناصرها البارزين بتكليف من مؤسس حماس, الشيخ أحمد ياسين, بمهمة إنشاء جهاز أمني يعرف بالمجد. وكان أحد الأهداف هو كشف وملاحقة ومعاقبة المتعاونين الذين أبلغوا قوات الاحتلال الإسرائيلية عن الناشطين الفلسطينيين داخل القطاع.
ولم يمض وقت طويل حتى ألقي القبض عليه في نهاية المطاف في عام 1988 وحكم عليه بالسجن أربع مرات مدى الحياة بتهمة اختطاف وقتل جنديين إسرائيليين وقتل أربعة فلسطينيين يشتبه في تعاونهم مع إسرائيل.

وبقي في الاعتقال الإسرائيلي لمدة 23 عاماً، تعلم خلالها اللغة العبرية وترجم أو ألف عدة كتب. كما لعب دوراً بارزاً في إدارة شؤون معتقلي حماس وتنسيق العلاقات وتسوية الخلافات مع معتقلي الفصائل الأخرى. 

حماس حركة مؤسسية ليس لها عبادة شخصية. يتم استبدال القادة الذين يموتون على الفور وبسلاسة
وفي عام 2011، كان واحدًا من أكثر من ألف معتقل فلسطيني تم إطلاق سراحهم مقابل استدعاء جندي إسرائيلي واحد جلعاد شاليط. بعد تحرره، شغل سنوار مناصب عليا داخل الحركة.

وبعد عام واحد فقط من إطلاق سراحه من الاعتقال، تم انتخابه عام 2012 عضوا في المكتب السياسي لحركة حماس ولعب دورا قياديا في إدارة الجناح العسكري للحركة, كتائب عز الدين القسام.

واكتسب السنوار المزيد من الشهرة في عام 2021 عندما تم انتخابه رئيسًا لمنظمة حماس المحلية في غزة. كان هذا هو العام الذي اندلعت فيه التوترات في القدس بشأن المستوطنين اليهود محاولات متكررة لاقتحام المسجد الأقصى و القيود الإسرائيلية وأدى فرضه على المصلين الفلسطينيين إلى اندلاع حرب أخرى في غزة استمرت 11 يوما.

وكان هذا هو الهجوم الكبير الرابع الذي تشنه إسرائيل على غزة منذ 14 عامًا. كان هناك الكثير من الدمار ومئات الضحايا. ومع ذلك، فقد جعلت الحرب سنوار زعيمًا بلا منازع للجيب.

وفقا لصحيفة نيويورك تايمز الأخيرة تقرير نقلاً عن وثائق حماس، التي زُعم أن الإسرائيليين عثروا عليها في جهاز كمبيوتر محمول في غزة, بدأ السنوار ودائرة قريبة جدًا من عدد قليل من رفاقه الاستعداد لهجوم كبير ضد إسرائيل في وقت مبكر من عام 2021.

بعد اغتيال إسرائيل اسماعيل هنية في طهران في 31 يوليو 2024، وبعد مداولات مطولة والكثير من التكهنات، عين مجلس الشورى التابع لحماس خليفة السنوار لحنية كزعيم سياسي جديد للحركة في 5 أغسطس.

وكان هذا مفاجئا للعديد من المراقبين. 

حركة مرنة

ووفقاً للاتفاقية، فإن مثل هذا المنصب عادة ما يتم شغله من قبل شخصية من حماس في الشتات بسبب المهام السياسية والدبلوماسية التي يستلزمها المنصب والتي تتطلب حرية الحركة. 
خالد مشعل كان يعتقد الكثيرون أنه المرشح المحتمل. إلا أن مشعل رفض قبول الترشيح وأصر على أن غزة التي كانت تقاوم العدوان الإسرائيلي, وينبغي أن يكون له وحده الحق في قيادة الحركة خلال هذه الفترة الحرجة من تاريخ الحركة. 

وقد نجحت إسرائيل عدة مرات من قبل في قطع رأس الحركة تقريباً. ومع ذلك، فهي لم تتمكن من إضعاف عزمها، ناهيك عن سحقها
ورغم أن مقتل السنوار سوف يُنظر إليه باعتباره ضربة قوية أخرى لحماس، فمن غير المرجح أن يؤثر ذلك على استراتيجيتها الطويلة الأمد. 
وقد نجحت إسرائيل عدة مرات من قبل في قطع رأس الحركة تقريباً. ومع ذلك، فهي لم تتمكن من إضعاف عزمها، ناهيك عن سحقها. 
إن قائمة كبار القادة الذين تم استبعادهم منذ ظهور حماس على الساحة الفلسطينية في أواخر الثمانينات طويلة جداً. وتضم مؤسس الحركة الشيخ ياسين في 21 مارس 2004، وخليفته عبد العزيز الرنتيسي في 17 أبريل 2004. 
اغتيل زعيم الجناح العسكري لحركة حماس، كتائب عز الدين القسام، أحمد الجعبري، في 14 نوفمبر 2012. وفي الآونة الأخيرة، اغتال الإسرائيليون نائب زعيم حماس صالح العروري في 2 يناير 2024 والزعيم السياسي للحركة إسماعيل هنية في 31 يوليو.

تنبع مرونة الحركة من عاملين. أولاً، حماس تمثل فكرة ما, والفكرة هي أن الفلسطينيين كان لديهم ذات يوم وطن تم أخذه منهم لإفساح المجال أمام إنشاء وطن لليهود كان يعتبر قبل قرن من الزمان هو الوطن المثالي حل المشكلة اليهودية في أوروبا.

ويكافح الفلسطينيون من أجل العودة إلى ديارهم منذ أكثر من ثلاثة أرباع قرن.

إن ظهور حماس لم يكن مجرد نتيجة للانتفاضة الفلسطينية التي اندلعت قبل يوم واحد من ولادة الحركة, ولكن أيضًا نتيجة للقرار الذي اتخذته قيادة منظمة التحرير الفلسطينية (PLO) بقيادة ياسر عرفات بالتخلي عن المقاومة لصالح اتفاق صنع السلام مع إسرائيل. وقد ثبت أن هذا فشل ذريع، وليس أقل من استسلام. 
ومع مرور الوقت، تمت تبرئة حماس، وفقدت منظمة التحرير الفلسطينية مكانتها التمثيلية للقضية في أذهان معظم الفلسطينيين. اتفاقيات أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، تم تحويل الأولى فقط إلى وكالة أمنية تعاونية تعمل لصالح الأخيرة.

ومنذ عام 1993، شهد الفلسطينيون مصادرة المزيد من أراضيهم، وهدم المزيد من منازلهم، وقتل أو تشويه أو احتجاز المزيد من أبنائهم وبناتهم على يد الإسرائيليين.
سنوار، مثل كل أسلافه الذين اغتالتهم إسرائيل، سوف يحتفل به الكثير من الناس باعتباره شهيدًا عظيمًا هلك أثناء قتال الغزاة
إن الدولة الفلسطينية الموعودة لم تر النور قط، وتحول حل الدولتين إلى سراب, حيث سيطرت المستوطنات اليهودية على جزء كبير من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس الشرقية.

العامل الثاني هو أن حماس حركة مؤسسية ذات قيادة منتخبة. ليس لديها عبادة شخصية، ويتم استبدال القادة الذين يموتون على الفور وبسلاسة. 
ويبقى أن نرى من الذي من المرجح أن يخلف السنوار. ربما هذه المرة من المرجح أن يكون شخصًا ما في الشتات.

ومن الممكن أن تقرر الحركة العيش في الوقت الحالي مع نائب للزعيم حتى إجراء الانتخابات. ومع ذلك، فمن غير المرجح إجراء الانتخابات حتى انتهاء الحرب, وهذا أمر يصعب التنبؤ به عندما يبدو أن نيران الصراع تمتد إلى ما هو أبعد من فلسطين لتبتلع المنطقة بأكملها.

لا نهاية في الأفق

وأخيرا، وعلى الرغم من الخسارة، كان الاستشهاد دائما أداة تجنيد قوية. وفي الثقافة الفلسطينية - كما في الثقافة الإسلامية - الاستشهاد ليس خسارة بل مكسب.
سنوار، مثل كل أسلافه الذين اغتالتهم إسرائيل، سوف يحتفل به الكثير من الناس باعتباره شهيدًا عظيمًا هلك أثناء قتال الغزاة.
وقد يؤدي مقتل يحيى السنوار إلى إحياء محادثات السلام، لكن صدق الولايات المتحدة وتحديها الإسرائيلي يثير الشكوك اقرأ المزيد »

ومن المتوقع أن تكون هناك تكهنات حول ما إذا كان مقتل السنوار سيمهد الطريق لإنهاء الحرب قريبا.ومن الممكن أن تنتهي الحرب إذا وافقت إسرائيل على شروط وقف إطلاق النار الذي قبلته حماس بالفعل وفي الأصل مقترح بواسطة نحن الرئيس بايدن.

ومع ذلك، إذا كان نتنياهو لا يزال يصر على تدمير حماس وتحرير الرهائن دون تقديم أي شيء في المقابل، فمن غير المرجح أن نرى نهاية للقتال في أي وقت قريب.

هناك بطبيعة الحال خطر أن يؤدي إخراج سنوار من مكان الحادث إلى تشجيع نتنياهو بشكل أكبر، وخاصة في سياق الانتخابات الأميركية المقبلة، التي كان ينتظرها بفارغ الصبر.

ومن المرجح أن تصبح الحرب أوسع وأكثر كثافة إذا إيران يتلقى ضربة انتقامية لهجومه الأخير. كل هذا يتوقف على ما من المرجح أن تستهدفه إسرائيل داخل إيران.

أما الصراع، حتى لو انتهت هذه الحرب, ومن المستبعد إلى حد كبير أن تظل المنطقة هادئة ما دام الفلسطينيون محرومين من حقوقهم الأساسية وما دام الاحتلال الإسرائيلي مستمرا.

الثلاثاء، 27 أغسطس 2024

مبادرات المصالحة مع السيسي ما بين الساذج والمتوهم

 مبادرات المصالحة مع السيسي ما بين الساذج والمتوهم  

عزام التميمي 

تظهر من حين لآخر دعوات تطالب جماعة الإخوان المسلمين المصرية بالتقدم بمبادرة للمصالحة مع النظام في القاهرة عسى أن يمهد ذلك سبيلاً لإطلاق سراح عشرات الآلاف من المعتقلين، ولطي صفحة مؤلمة في تاريخ مصر المعاصر. 

قد تصدر هذه الدعوات عن أعضاء في جماعة الإخوان أو عن أفراد مقربين من الحركة أو عن آخرين ممن يشفقون على مصر وأهلها استمرار هذا الحال. 

ورغم ما يفترض في كل هؤلاء من حسن نية، ورغبة صادقة في وضع حد لمعاناة عشرات الآلاف من العائلات المصرية في الداخل والخارج، إلا أن هذه الدعوات تنم عن سذاجة بالغة، وتصدر عن توهم عميق، ويجد فيها خصوم الإخوان دوماً فرصة للانقضاض مجدداً على الجماعة، معملين فيها حرابهم وسهامهم. 

إن من السذاجة ألا يرى المرء أن النظام في مصر لا يعير أياً من هذه المبادرات أي اهتمام، سواء جاءت من قبل الإخوان أو من قبل غيرهم. فهو لا يشعر بحاجته إلى تقديم أي تنازلات لخصومه أو منتقديه مهما كانت تنازلاتهم له كبيرة. 

فالنظام الذي تمكن من الانقلاب على الديمقراطية بتمويل خليجي ورعاية أوروبية أمريكية، ومضى ليبطش بكل من اعتبرهم خصوماً له وفي مقدمتهم جماعة الإخوان المسلمين، والذي مازال رغم كل جرائمه ضد الإنسانية يتمتع بدعم إقليمي ودولي حاسم، ويحظى بغطاء سياسي ودبلوماسي عالمي (وصهيوني بالدرجة الأولى)، لا يجد نفسه محتاجاً لمصالحة أحد من المصريين، ناهيك عن أن يشركهم معه في إدارة شؤون البلاد، سواء كانوا من الإخوان أو من غيرهم. 

لا ريب أن كل من غُيّب له وراء القضبان أو شُرّد له في الأرض قريب يعز عليه، يتمنى لو أنه يتمكن من إيجاد وسيلة تفضي إلى تحرير أسيره أو لم شمله على عزيزه، لكن التمني شيء والتوهم شيء آخر. 

ومن التوهم الظن بأن الأنظمة الطاغوتية تنظر بعين العطف أو الشفقة إلى المكلومين والمحرومين والمستضعفين، وأنها يمكن أن تعيد النظر في أسلوب تعاملها معهم ما لم تتغير موازين القوة بما يكفي لأن تصبح مضطرة إلى التغيير. تبلغ السذاجة ببعض المبادرين أن يقترح على جماعة الإخوان المسلمين اعتزال العمل السياسي وعدم المنافسة على السلطة بأي شكل من الأشكال، وكأنما هو ضامن لها بذلك حتمية تجاوب النظام مع هذا التنازل، وكأنما المشكلة منحصرة في الخصومة بين الجماعة والنظام. 

والحقيقة هي أن المشكلة في أصلها ليست بين النظام وفئة بعينها، بل بين نظام مستبد جائر وجل أبناء الشعب المصري، الذين سلبوا حقوقهم، ومنها حقهم في اختيار من يحكمهم، وصودرت حرياتهم، ومنها حريات التعبير والحركة والتجمع، وباتوا جميعاً رهائن لدى عصابة استولت على الحكم دون وجه حق، عصابة لا ترقب في مصري، مسلم أو نصراني، إسلامي أو علماني، إلّا ولا ذمة. 

إن الطاغية المتمكن لا يقبل من أحد من الناس في بلده أقل من الخنوع والخضوع. ولطالما حاول أشخاص وحاولت أطراف حسنة النوايا مع نظام حافظ الأسد في سوريا، الذي جاء بانقلاب عسكري وجثم على صدور السوريين إلى أن مات، ومن بعده مع نظام ابنه الذي وُرّث السلطة ظلماً وعدواناً، فخاب رجاؤهم وعادوا بخفي حنين، لأن النظام كان دوماً يصر على وجوب أن يقر ضحاياه بأنهم المذنبون، وعلى أن يأتوا إليه تائبين طائعين مبايعين، وعلى أن يعلنوا براءتهم من الجماعة التي كانوا يوماً إليها ينتسبون. 

وإخوان مصر كما إخوان سوريا لم يكونوا هم من بادر بالإساءة أو العدوان، بل كانوا دوماً يناضلون من أجل الحرية والكرامة لهم ولكل واحد من أبناء الوطن المغتصب، فسامهم الطاغية العذاب، فاعتقل وقتل وشرد منهم الآلاف المؤلفة، ثم يأتي من بعد ذلك ويطلب منهم التوبة والاعتذار والولاء. 

يتوهم من يظن أن نظام السيسي في مصر يمكن أن يقبل بأقل من ذلك، وقد رأينا كيف تعامل مع من قرروا العودة من المهاجر إلى الوطن، فإما أنهم زُجّ بهم في السجون، أو رضخوا لما طُلب منهم فتحولوا إلى أبواق للنظام، ينشرون الكذب والافتراءات ضد ضحاياه، ويبررون جرمه وإفساده، ويطعنون في الظهر كل من أحسن إليهم في منافيهم. 

ليس مستغرباً من فرد فترت عزيمته، ونال منه الإرهاق، أن يساوم كما يشاء، رجاء أن يُسمح له بحياة ما، حتى لو كانت مهينة غير كريمة. 

ولكن لا يجوز بحال أن تفكر بشيء من ذلك قيادة حركة اجتماعية سياسية نذرت نفسها ابتداءً لغاية سامية ولخدمة قضية نبيلة، ألا وهي النضال من أجل حرية الأمة وكرامتها وسيادتها. 

إن الذين يظنون أن الحرية والكرامة يمكن أن تُهدى إليهم على طبق من فضة أو طبق من ذهب يتوهمون. 

اقرأوا التاريخ، ولسوف تجدون أنه لم يحدث في تاريخ البشر أن انتصرت أمة على من قهرها وأذلها، أو استعبدها، إلا بالتضحيات الجسام. 

من لا يقدر على تحمل تبعات الانتصار للحق والعدل فهذا شأنه، أما الفكرة، أما القضية، فسوف يبعث الله لها من يحمل رايتها، وينتصر لها، ويعتز بها. “وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم.”

الاثنين، 17 يوليو 2023

قراءة في مذكرات يهودي عربي

 قراءة في مذكرات يهودي عربي


عزام التميمي

في كتاب مذكراته الذي صدر مؤخراً تحت عنوان "عوالم ثلاثة ... مذكرات يهودي عربي" يقص علينا البروفيسور آفي شلايم حكاية عائلته التي تنحدر من أصول يهودية تمتد إلى عصر السبي البابلي قبل أكثر من ألفين وخمسمائة عام، كما يسرد علينا حكاية يهود العالم العربي مع الصهيونية، التي نشأت أصلاً في أوروبا كرد فعل على معاداة السامية، ثم تمكنت من إقامة دولة "يهودية" في فلسطين، مخلفة نكبات وكوارث إنسانية لم يكن الفلسطينيون ضحاياها الوحيدين.

يقصد آفي شلايم بالعالم الأول مسقط رأسه العراق، الذي كان نموذجاً للتعايش والتكامل بين المسلمين ومختلف الطوائف الأخرى، بما في ذلك اليهود على الأقل حتى الحرب العالمية الثانية. ثم وجه لهذا التعايش ضربة قاضية قيام الكيان الصهيوني في 1948، الذي ما لبث أن تلاه خروج جماعي ليهود العراق باتجاه الدولة الصهيونية الوليدة في فلسطين في 1950/1951.

ولد آفي شلايم في بغداد في عام 1945 لعائلة يهودية ثرية، تعيش حياة رغيدة، مصدر رزقها التجارة وتُحسب على علية القوم في البلاد. سماه والداه أبراهام، ودوّن اسمه في شهادة الميلاد العراقية الرسمية إبراهيم، وكان يُنادى اختصاراً آبي. لم يكن قد تجاوز الخامسة من عمره عندما غادر مع والدته وشقيقتيه وبعض من أفراد العائلة الآخرين إلى فلسطين، ولذلك فإن الصورة التي يرسمها لقرائه عن العراق ما قبل الهجرة، يرجع الفضل فيها لما كانت تقصه عليه والدته من حكايات عن الأيام الجميلة في العراق، والتي ظلت تذكرها بحسرة وألم، ولم تتوقف عن الحنين إليها حتى وفاتها قبل بضع سنين. فالعراق، كما ينقل عن والدته وعن أقرانها، كان بالنسبة لهم جنة الله في أرضه مقارنة بجحيم الكيان الصهيوني الذي انتهوا إليه رغماً عنهم.

يذكر آفي أن والدته كانت دوماً تذكر بخير الجيران والأصدقاء المسلمين في بغداد، فسألها ذات مرة: "ألم يكن لدينا أصدقاء صهاينة". فنظرت إليه نظرة استنكار، وقالت: "الصهاينة أشكناز، لا علاقة لنا بهم".
وأما العالم الثاني فهو فلسطين التي أقام فيها الصهاينة دولتهم، واحتاجوا إلى جلب أكبر عدد ممكن من يهود العالم إليها، ومنهم يهود العالم العربي الذين جيء بمعظمهم عبر مزيج من حملات الترهيب والترغيب الصهيونية والإجراءات التي اتخذتها السلطات الحاكمة في بلاد العرب آنذاك لتسهيل خروجهم إما تواطؤاً وإما عداوة.

الجديد في مذكرات آفي شلايم تأكيده على أنه تمكن أخيراً من العثور على دليل صلب يثبت ضلوع الحركة الصهيونية في التفجيرات التي وقعت في بغداد في الفترة من 1950 إلى 1951 بهدف تخويف اليهود وحملهم على التسجيل لمغادرة البلاد


كانت الدولة الصهيونية الوليدة بحاجة ماسة إلى شعب يعمر الأرض التي أخليت من معظم سكانها الأصليين خلال الشهور التي سبقت الإعلان عن قيامها وأثناء الشهور القليلة التي تلت ذلك. في هذا العالم الثاني شعر يهود العراق الوافدون حديثاً، مثلهم في ذلك مثل يهود اليمن وشمال أفريقيا والمغرب العربي، بغربة شديدة، فأصحاب المشروع الذي أقام الدولة "اليهودية" ليسوا مثلهم في شيء، إنهم أشكناز، وهم يهود جاءوا من أوروبا يحملون فكرها وثقافتها وتحيزاتها. كان هؤلاء الأشكناز يزدرون كل ما له صلة بالعروبة أو بالإسلام، بما في ذلك السفرديم، أي اليهود الشرقيين، أو اليهود العرب.

بمجرد وصولهم إلى فلسطين، كان عدد كبير من اليهود العرب، تبدلت أسماؤهم بحيث تصبح أقرب إلى العبرانية منها إلى العربية، فأصبح أبراهام أفراهام، وينادى آفي بدلاً من آبي.

يقر آفي بأن عائلته كانت أوفر حظاً وأحسن حالاً في رحلة هجرتها مقارنة بكثير من اليهود القادمين من بلاد العرب، وذلك أن والدته كانت تحمل جواز سفر بريطانيًا، فلم تمر هي وأولادها بمراحل العبور المهينة التي كان يتعرض لها اليهود الآخرون، مثل الإقامة بعد الوصول في مخيمات عبور مؤقتة مكونة من الخيام أو العشش، والرش بمادة الدي دي تي عند الوصول، اعتقاداً من الأشكناز بأن هؤلاء السفرديم يأتون من مجتمعات متخلفة تنتشر فيها الأمراض والأوبئة.

وأما العالم الثالث فهو بريطانيا التي أرسل للدراسة فيها آفي وهو في سن السادسة عشرة تقريباً، وحصل فيها على تعليمه الثانوي ثم الجامعي بكل مستوياته. وفيها تطورت مواقفه وآراؤه وتبدلت قناعاته تجاه القضية الفلسطينية من شاب ليكودي داعم لليمين في الكيان الصهيوني، إلى داعية سلام يؤمن بحل الدولتين، وأخيراً إلى ناقد للصهيونية، يعتبرها مشروعاً استعمارياً استيطانياً عنصرياً، ونابذ لحل الدولتين لصالح حل الدولة الديمقراطية الواحدة التي من المفروض أن ينعم جميع مواطنيها بحقوق متساوية.

الجديد في مذكرات آفي شلايم تأكيده على أنه تمكن أخيراً من العثور على دليل صلب يثبت ضلوع الحركة الصهيونية في التفجيرات التي وقعت في بغداد في الفترة من 1950 إلى 1951 بهدف تخويف اليهود وحملهم على التسجيل لمغادرة البلاد بعد أن سنت الحكومة العراقية قانوناً يسمح لليهود بالهجرة مقابل التخلي عن جنسيتهم العراقية وعن كل ما يعود إليهم من ممتلكات داخل العراق. كان آفي يسمع من أهله، وعلى مدى زمن طويل، اتهامات للموساد بالمسؤولية عن تلك التفجيرات، ولكنه لم يجد في نفسه الاستعداد لتبني تلك الروايات لأنه لا يؤمن بنظرية المؤامرة، ولأنه لم يكن يجد فيما تيسر له من معلومات دليلاً قطعياً على ضلوع الصهيونية في تلك التفجيرات.

فتحت أمامه نافذة تطل على الدليل المنشود عندما كان ذات مرة يبحث في أرشيف الدولة الإسرائيلية عن معلومات ذات علاقة بدراسات يجريها لأحد كتبه. حيث عثر على ملفين عنوانهما "يهود العراق 1950" و"يهود العراق 1951". إلا أن الملفين كانا ما زالا محظورين على الرغم من مرور أكثر من ثلاثين عاماً عليهما، وسبب الحظر كما قيل له تضمنهما لوثائق تعود إلى الموساد (المخابرات الإسرائيلية). تلك كانت البداية، حيث قاده فضوله إلى البحث في أماكن أخرى حتى وصل إلى شخص كان ضمن فريق الموساد الذي كان ينشط سراً داخل العراق. ومنه وصل إلى معلومات تفصيلية حول هويات الأفراد المسؤولين بشكل مباشر، لم يلبث بعيداً حتى أكدها له ملف أمني في أرشيف الشرطة العراقية، يتضمن تفاصيل التحقيقات التي أجرتها الشرطة حينذاك.

بل اكتشف آفي شلايم أن ضابط الموساد الذي كان يدير شبكة التخريب في العراق هو نفسه الذي كان يدير شبكة ما بات يعرف بفضيحة لافون في مصر، عام 1954، حيث قضت خطة الموساد بأن تقوم مجموعة من الشباب الإسرائيلي المدرب بتخريب بعض المؤسسات المحلية والمنشآت الأمريكية الموجودة في مصر بهدف زعزعة الأمن المصري وتوتير الأوضاع بين مصر والولايات المتحدة.

وفي هذا السياق يشير آفي في مذكراته إلى استخدام جهاز الموساد لليهود العرب ضمن شبكات تجسس زرعت في أكثر من بلد عربي، مستفيداً من تحدثهم بالعربية وإحاطتهم بأنماط الحياة والثقافة في المجتمعات العربية. ومن الحكايات المثيرة التي أوردها تلك التي تخص شخصاً من أفراد عائلته ظهرت عليه أمارات النبوغ والتفوق بعد وصوله من العراق إلى فلسطين المحتلة، فاستدعاه جهاز الموساد وعرض عليه التعاون معهم، محذراً إياه من أنه لو رفض التعاون فإن طريقه نحو النجاح في الحياة المدنية سوف يُسد.

لفق الموساد لهذا الشاب هوية شخص عراقي مسلم، وأرسله إلى مصر ليلتحق بجامعة الأزهر حيث درس الشريعة الإسلامية، وتمكن طوال فترة مكوثه في مصر من بناء علاقات مع عدد من الطيارين والعسكريين المصريين، كانت المعلومات التي جمعها منهم حيوية في تمكين الإسرائيليين من توجيه ضربة قاصمة شلت سلاح الجو المصري في الساعات الأولى من حرب 1967. بل ويحكي آفي شلايم كيف حاول الموساد تجنيد والدته، فرفضت، ولما حاول ضابط المخابرات التحرش بها ركلته، فوقع على الأرض. أفلتت والدته وتمكنت من الفرار، والفضل في ذلك يعود إلى أن إحدى ساقي الضابط الذي تحرش بها كانت صناعية.

انتهيت من قراءة آخر فصل في الكتاب وأنا في طريقي للقاء المؤرخ آفي شلايم في جامعة أكسفورد، حيث سجلت معه لقناة الحوار لقاء حول مذكراته. قلت له إنني وأنا أقرأ الكتاب كان يخيل إلي أنني أتابع أحداث فيلم سينمائي، وأنني أعتقد بحق أن روايته جديرة بأن تحول إلى دراما على شكل فيلم أو مسلسل، يحكي قصة يهود العراق، انطلاقاً من تجربة عائلته ومروراً بالمحطات الرئيسية في حياته منذ طفولته في بغداد ثم في فلسطين، في فترة الشباب التي شهدت خدمته في جيش الاحتلال، ثم دراسته في بريطانيا إلى أن برز كواحد من مجموعة من أهم المؤرخين المعاصرين اليهود المتخصصين في تاريخ القضية الفلسطينية، فيما يُعرف بالمؤرخين الجدد، ومن بينهم بيني موريس وإيلان بابيه.

الأربعاء، 23 ديسمبر 2020

العثماني رئيس وزراء البلاط .. إننا منك براء

 العثماني رئيس وزراء البلاط .. إننا منك براء

عزام التـميمي


إن لم يكن في خانة النفاق الفاضح والجبن المهين والخنوع المذل فأين يمكن أن يصنف الناس في المغرب، بل وفي العالم العربي، رجلاً مثل سعد الدين العثماني، رئيس وزراء محمد السادس، ومن يقره على ما فعل داخل حزب العدالة والتنمية المغربي؟
 
فقط قبل شهور قليلة، وقف سعد الدين العثماني خطيباً في أتباع حزبه ليعلن أن المغرب يرفض أي تطبيع مع الكيان الصهيوني لأن ذلك يعزز موقفه في مواصلة انتهاك حقوق الشعب الفلسطيني. وليؤكد على موقف المغرب، ملكا وحكومة وشعبا، والمتمثل في الدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني والمسجد الأقصى المبارك، والرافض لأي عملية تهويد أو التفاف على حقوق الفلسطينيين والمقدسيين، وعروبة وإسلامية المسجد الأقصى والقدس الشريف. وليقول بكلمات لا لبس فيها: "هذه خطوط حمر بالنسبة للمغرب، ملكا وحكومة وشعبا، وهذا يستتبع رفض كل التنازلات التي تتم في هذا المجال، ونرفض أيضا كل عملية تطبيع مع الكيان الصهيوني". 


وبالأمس جلس العثماني خانعاً ليوقع على صفقة التطبيع التي أبرمها ملك المغرب، مع الصهاينة نزولاً عند رغبة ترامب، الذي وهبه اعترافاً بسيادة مملكته على الصحراء.
 

كنت أتوقع من العثماني الذي كنت أظن أنني أعرفه أن يفضل الاستقالة على أن يعرض نفسه 

لهذه المهانة، وكنت أرجو من حزب العدالة والتنمية الذي كنت آمل منه خيراً أن يزهد في المشاركة في سلطة ثبت أنه لا يملك فيها من الصلاحيات إلا دور عامل النظافة، وخاصة بعد تراجع ثورات الربيع العربي، وعودة الثقة لدى ملك المغرب، كما لدى غيره من طغاة العرب، بثبات حكمه في وجه العاصفة، وتجدد الإحساس لديه بالطمأنينة وقد زال – في ظنه – الخطر المحدق بعرشه من غضبة الجماهير التي خرجت تطالب بالحرية والكرامة والقضاء على الفساد.
 
لا أستبعد أن يكون العثماني فعل ما فعل عن قناعة، مبرراً ذلك لنفسه، كما يفعل بعض من ابتلي بهم التيار الإسلامي في مثل موقعه، بمختلف الحجج والمسوغات، من مثل "جلب المصلحة" أو "درء المفسدة" أو "الضرورات تبيح المحظورات" أو غير ذلك مما أقنع به المهزومون أنفسهم ويحاولون به إقناع غيرهم.
 
ولكنني أيضاً أفترض احتمال أن العثماني ربما كان يفضل ألا يكون هو من يوقع على الاتفاق، وخاصة أنه كان قد صرح قريباً جداً بمعارضته له. وأيضاً لأنه "إسلامي"، والإسلامي من حيث التعريف ومن حيث المبدأ لا يمكنه أن يعترف بشرعية الكيان الصهيوني ناهيك عن أن يطبع معه، فذلك في ملة الإسلاميين، بل وفي ملة كل الأحرار، ظلم وعدوان، وضلال وفساد.  
 
لو صح افتراضي هذا، فإن جرم العثماني مضاعف، لأنه يكون قد أصغى لمن أمره بأن يأتي كبيرة ويرتكب جرماً، فأذعن وتنازل عن مبادئه وقناعاته لمجرد أن يبقى في وظيفة وضيعة، ويحافظ على نعمة زائلة، وما هي بنعمة وإنما نقمة والعياذ بالله. حتى أنه قام بمهمة ما كان ينبغي له حتى بروتوكولياً أن يكون صاحبها، وكان يفي بالغرض أن ينتدب صاحب القصر الذي أبرم الصفقة واحداً من أذناب البلاط. فأبى العثماني بذلك إلا أن يكون واحداً من هؤلاء الأذناب وأن يغدو مجرد موظف عند من يدعي أنه أمير المؤمنين.


قام بمهمة ما كان ينبغي له حتى بروتوكولياً أن يكون صاحبها..

لقد قبل العثماني مقابل البقاء في السلطة أن يوقع نيابة عن نظام جائر فاسد لا يمثل أهل المغرب الكرام ولا يعبر عن وجدانهم، ولا يملك هو فيه من أمره شيئاً، ولا يحكم فيه حتى على عقال بعير.
 
أحسب أن الملك حينما أمر رئيس حزب العدالة والتنمية، رئيس وزراء البلاط، بالقيام بتلك المهمة القذرة، إنما كان يريد أن يمعن في إذلاله وقهره، وإذلال وقهر أتباعه، رغبة في أن يضرب أبناء التيار الإسلامي العريض داخل المغرب بعضهم ببعض، ويثبت للجميع أنه تمكن من ترويض هؤلاء الذين كانوا يوماً يرفعون راية الإسلام في حراكهم السياسي ومطالبتهم بالإصلاح والتغيير، وإذا هم في سبيل إرضائه يخونون مبادئهم التي طالما دافعوا عنها ورفعوا شعاراتها.
 
نبرأ إلى الله أيها العثماني مما اقترفته يداك

الثلاثاء، 16 أبريل 2019

"اطمن" إنه "باطل"

"اطمن" إنه "باطل"

عزام التـميمي
أذهلني بالأمس ما سمعته من مداخلات عبر برنامج "تصريح مواطن" الذي تبثه قناة الشرق وتقدمه الإعلامية المتألقة فيروز حليم.

كانت معظم المداخلات في حلقة الاثنين ترد من سيدات مصريات يعشن داخل مصر. تحدثت المتصلات بمرارة حول ما آلت إليه الأمور في ظل حكم الطاغية العابث بمقدرات الأمة المصرية عبد الفتاح السيسي.                                          

لا يكشف حديث المتصلات عن مستوى راق في الوعي لديهن فحسب، بل ويشهد بنجاح حملة "باطل" التي كانت قد أطلقتها شخصيات ريادية في المعارضة المصرية قبل أكثر من أسبوع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بهدف التصدي لمسعى السيسي إدخال تعديلات على الدستور المصري تسمح له عملياً بالبقاء في السلطة حتى عام 2034.


أي إلى أن يكون قد بلغ الثمانين من عمره، وتمنحه صلاحيات واسعة من بينها صلاحية التحكم بتعيين القضاة والنائب العام.

كان واضحاً أن السيدات المتصلات إنما حفزهن على الاتصال بالبرنامج للتعبير عن سخطهن على السيسي ونظامه النداءات التي وجهها أصحاب حملة "باطل" إلى الجمهور المصري في الداخل والخارج بالمشاركة في التوقيع على عريضة من خلال مواقع التواصل الاجتماعي والتعبير بأمان عن آرائهم في التعديلات الدستورية قبل الاستفتاء الرسمي الذي تنظمه السلطات ويتوقع أن تزور نتائجه ليحقق لها مرادها منه.

ورغم أن هذه الحملة تجري في الفضاء الإلكتروني، إلا أنها أزعجت النظام أيما إزعاج، وسببت له الارتباك الشديد، ودفعته نحو التدخل لحظر المئات من المواقع الإلكترونية بهدف ضرب حجاب بينها وبين الناس.

ولربما زاد من قلق النظام أن الحملة توافقت مع التطورات المتسارعة في الجزائر والسودان، حيث انبعث الربيع العربي من جديد.

ليست هذه هي الحملة الأولى لأنصار الديمقراطية في مصر، والأغلب أنها لن تكون الأخيرة. فرغم جسامة الضربة التي تلقتها ثورة الشعب المصري، والجراح الغائرة التي أعملتها معاول الثورة المضادة في جسدها، إلا أن الحراك المناهض للانقلاب ولحكم العسكر لم يتوقف بتاتاً منذ مسرحية الثلاثين من يونيو 2013، بل ومنذ بدأت تحاك مؤامرة الانقضاض على المسار الديمقراطي بدعم إماراتي سعودي ومكر صهيوني وتواطؤ غربي.

إلا أن الجديد في الأمر أن الناس في مصر بدأت تتجاوب بشكل متزايد مع هذه الحملات، ولا يقتصر التجاوب على فئة دون غيرها، فجميع فئات الشعب باتت تئن تحت وطأة الحكم القهري، الذي سلبهم عيشهم وحريتهم وكرامتهم، وربما كانت أكثر هذه الفئات معاناة هي النساء، فهن المواطنات المتأذيات مثلهن في ذلك مثل جميع المواطنين الذين حرمهم السيسي وعصابته من عيش كريم آمن.

وهن في نفس الوقت الأمهات والأخوات والبنات والزوجات لعشرات الآلاف من الرجال الذين زج بهم الانقلابيون في السجون أو ألجأوهم إلى المنافي أو أزهقوا أرواحهم فصاروا تحت الثرى.

كان أصحاب الثورة المضادة قد تمكنوا في الشهور التي سبقت الانقلاب من ضرب أسافين في معسكر الثورة مستغلين أطماع فئات معينة وجهل أو عدم مبالاة قطاعات معينة من الناس، الأمر الذي مكنهم من وأد حلم المصريين في التحرر من أصفاد الاستبداد والقهر والفساد.

إلا أن بإمكاننا اليوم أن نشهد بطلان السحر، بل وانقلابه على الساحر، إذ يتجدد الحراك الشعبي المصري بصمت وهدوء، يحفزه على ذلك تمادي السيسي وأعوانه في العبث بالبلاد والاستخفاف بالعباد، كما يحفزه انطلاق تحركات جماهيرية واعدة في الجزائر والسودان، أثبت المشاركون فيها، من رجال ونساء وفتيان وفتيات، أنهم تعلموا دروساً مهمة مما حصل من قبل في دول الربيع العربي التي سبقتهم إلى الثورة، وعلى رأسها ألا تنطلي عليهم حبائل المستبدين ولا أطماع أصحاب الطموحات الفئوية أو الطائفية أو الحزبية.

قبل أسابيع انطلقت حملة عرفت باسم "اطمن .. إنت مش لوحدك" أتاحت للمصريين التعبير عن سخطهم من نظام السيسي.

والآن جاءت حملة "باطل" لتحقق ما هو أكثر من ذلك، وتحديداً إظهار ما الذي يمكن أن تكون عليه النتيجة الحقيقية لو كان الاستفتاء حول التعديلات الدستورية نزيهاً.
يعلم السيسي، ويعلم جنوده وأعوانه، ويعلم ذلك يقيناً داعموه وممولوه إقليمياً ودولياً، أن الناس إذا ملكوا حرية التعبير وحرية الاختيار وحرية القرار فلن تبقى لمنظومة الاستبداد التي يديرونها من باقية، ولذلك فهم يزورون الانتخابات ويزورون إرادة الشعب ويفترون عليه، ويحاربون بلا هوادة كل من يرون في وجوده تهديداً لهم، ويخفون قسراً كل من تسول له نفسه انتقادهم ولو من طرف خفي، ولا أدل على ذلك أن المئات ممن كانوا معهم، وممن كانوا يباركون أعمالهم ويشدون على أياديهم، باتوا اليوم وراء القضبان أو في المنافي.

يعلمنا التاريخ أن ثورات الشعوب التي تنهض بالأمم لا تتم إلا بعد مخاضات مؤلمة وعسيرة، ولا تكتمل إلا بعد جولات وصولات، ولا يكتب لها النجاح إلا بعد حسم نتيجة معركة الوعي لصالح الجماهير.

كانت حملة "اطمن" أداة من أدوات النضال في معركة الوعي تلك، ثم جاءت حملة "باطل" لتعري نظام الانقلابيين وتكشف هشاشته وتهافته.

كما يعلمنا التاريخ أن أمتنا، التي طالما تعرضت لغزو وقهر واستعمار، تحتاج في سبيل نهضتها واستعادة مجدها لأن تتحرر مصر من أغلالها، وتقف على أقدامها، وتشكل حصناً منيعاً في وجه أعداء الأمة. 
وها نحن اليوم نشهد بداية حراك جاد في مصر يؤهلها للانضمام إلى الجولة الثانية من ثورات الشعوب العربية. 
قد تكون هذه الجولة هي الخاتمة، وقد تكون مجرد جولة أخرى ستتبعها جولات.

ولذلك لا مجال ليأس ولا لإحباط، بل هذا أوان الكد والجد والعمل الدؤوب إلى أن تنتصر الشعوب ويهزم أعداؤها. "وقل اعملوا، فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون". 

الأحد، 2 أبريل 2017

هذا ما كنت سأعمله لو كنت صاحب قرار في الإخوان




هذا ما كنت سأعمله لو كنت صاحب قرار في الإخوان

د.عزام التـميمي

كان حدث مشاركة جماعة الإخوان المسلمين في الأردن في انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر 1989 حدثا في غاية الأهمية. 

وكانت تلك الانتخابات فريدة من نوعها في تاريخ المملكة الأردنية الهاشمية لأنها كانت تقريبا الانتخابات الوحيدة التي تتسم بالنزاهة والحرية، ولم يكن لها مثيل من قبل ولا من بعد. 

أسفرت الانتخابات عن فوز 22 من المرشحين الستة والعشرين الذين تقدمت بهم الجماعة، يضاف إليهم ما لا يقل عن عشرة نواب يحسبون بشكل أو بآخر على التيار الإسلامي العريض في البلاد. 

اختار الإخوان زعيما لكتلتهم النيابية الدكتور عبد اللطيف عربيات، الذي لم أكن قد التقيته من قبل، ولم أعرف عنه الكثير، وبالتأكيد لم يكن يعرفني ولا يسمع بي. 

وكان الفضل في وصلنا ببعض للأستاذ زياد أبو غنيمة رحمه الله، الذي كنت قد التقيته صدفة في لندن بعد حدث الانتخابات المشار إليه، فلما عاد إلى عمان وعلم برغبة الإخوان في إنشاء مكتب لكتلتهم النيابية، بادر إلى ترشيحي لدى الدكتور عبد اللطيف عربيات لأكون مديرا لذلك المكتب، لما توسم في من قدرات أهمها ما اجتمع لدي من خبرة في مجال الإعلام والعلاقات العامة، ومهارات الترجمة من العربية إلى الإنجليزية، وبالعكس. 

اتصل بي د. عبد اللطيف وطلب مقابلتي، واتفقنا مباشرة، والتحقت به مديرا للمكتب الذي أسسناه وأثثناه معا. 

قصة تجربتي في العمل مع الكتلة النيابية للإخوان المسلمين طويلة، وقد يتسنى سردها في فرصة أخرى، إلا أن ما يهمني هنا هو أن تطورات الأحداث والتفاعلات داخل الجماعة، اضطرتني بعد ما يقرب من عامين إلى الاستقالة، والسفر إلى لندن لاستكمال الدراسة العليا. 

وجاء ذلك بعد أن تأسست جبهة العمل الإسلامي، التي كان من المفروض أن تكون الواجهة السياسية للإخوان، والحزب الذي يخوض معترك العمل السياسي نيابة عنهم. 

لم يكتب لمشروع الجبهة أدنى درجات التوفيق، فقد تراجع الانفتاح السياسي في البلاد، وهمشت الديمقراطية، وتوجه النظام نحو ضبط الانتخابات من خلال تشريعات تحول دون حصول أي حزب سياسي على عدد من المقاعد يخل بالتوازنات التي أراد النظام الملكي الحفاظ عليها. 

إلا أن هذه الأسباب القاهرة لم تكن الوحيدة التي أدت إلى فشل مشروع الجبهة، بل كانت الخلافات الداخلية عامل تقويض مهم، خاصة فيما يتعلق بالصلاحيات والمرجعيات، ورغبة البعض في إبقاء الجبهة خاضعة لصانع القرار في "المركز العام" للإخوان. 

تركت كل ذلك، وانتقلت إلى بريطانيا، حيث عكفت على إعداد أطروحة في موضوع الإسلام والديمقراطية والعقبات التي تعترض التحول الديمقراطي في المنطقة العربية، مسلطا الضوء على تجربة حركة النهضة التونسية، وفكر راشد الغنوشي كحالة دراسية. 

عدت بعد سنوات إلى الأردن، وذهبت لزيارة مكتب جبهة العمل الإسلامي، الذي انبثق عن مكتب نواب الحركة الإسلامية. 

كانت سمات التردي والتراجع بادية في كل شيء، ولا أدل عليها من أن الشخص الذي كان حينها مكلفا بإدارة المكتب -أي يشغل نفس الوظيفة التي كنت أول من شغلها- هو الشاب الذي أرسله إلى الإخوان عندما كنت مديرا لأكلفه بمهام إعداد وتقديم القهوة والشاي لمن يتردد علينا من النواب أو الضيوف. 

لست أقلل من قيمة الأخ، ولعله عند الله خير مني وأكرم، ولكن فرقا هائلا وبونا شاسعا يفصل بين مؤهلات من يطلب منه إدارة مكتب حزب سياسي ومؤهلات من يطلب منه تقديم الضيافة لرواد ذلك المكتب. 

تذكرت هذه القصة وأنا أتأمل فيما آلت إليه أحوال مكتب الإخوان المسلمين في منطقة كريكلوود في لندن، ذلك المكتب الذي كان في الأساس بمثابة مقر لأمانة عامة لما كان يعرف بالتنظيم الدولي، مهمته بالدرجة الأولى الترتيب لاجتماعات التنظيم، من حيث إجراءات سفر واستقبال المندوبين، وما يتعلق بأمور إقامتهم وضيافتهم أثناء وجودهم في لندن أو حيث يعقد اللقاء. 

لم يكن يصدر عن هذا المكتب إلا النزر القليل مما يمكن أن يهتم له أحد في وسائل الإعلام أو الوسط السياسي. 

وما صدرت عنه فيما بعد من نشرة مطبوعة ثم إلكترونية تعرف باسم "رسالة الإخوان" كانت جهدا متواضعا، لا يضر وإن كانت فائدته محدودة، ولعل بعضنا كان يعتبره اجتهادا أدبيا مشكورا، رغم ضعفه وعدم اكتراث كثير من الناس به، لمن يشكلون طاقم مكتب الخدمات هذا.  

جاءت أحداث الربيع العربي، ثم الثورة المضادة، ثم الأزمة الحادة داخل جماعة الإخوان المسلمين، فإذا بمن كانت مهمته يوما ما ترتيب الضيافة وإجراءات السفر والاستقبال يتصدر المشهد، ويصدر القرارات الحاسمة الفاصلة، وينشر البيانات ويوجه الرسائل، وينطق باسم أكبر جماعة إسلامية إصلاحية عرفها التاريخ المعاصر، رغم أن أوجه القصور في قدراته ومؤهلاته لا يتسع المجال هنا لسردها. 

ولعل هذا ما ساهم مساهمة فاعلة في تعميق الصدع داخل الجماعة، وفي إطلاق العنان للشامتين والمتربصين بالإخوان، بل وشجع أعدادا من المحبطين واليائسين على اللجوء إلى معاول الهدم ليأتوا بها على ما تبقى من احترام وقيمة وتقدير لهذه الحركة المنتشرة حول العالم. 

ولقد كانت الرسالة التي وجهت إلى مؤتمر القمة العربية في عمان وما تلاها من تصريحات وبيانات ركيكة ومتهافتة ومنبطحة ومناقضة لفكر الجماعة ومنهجها القشة التي قصمت ظهر البعير، وكشفت عورة مكتب كريكلوود ومحدودية قدرات وتواضع مؤهلات القائمين عليه. 

لقد قامت جماعة الإخوان المسلمين على فكرة، وما من شك في أن الفكرة نبيلة وجميلة وطموحة، وهي أن نهضة أمتنا وصلاح حالها لا يكون إلا بالإسلام، وأن إصلاح أحوالنا يبدأ بالفرد فالأسرة فالمجتمع فالدولة، وأن عملية الإصلاح داخل مجتمعاتنا لا تتم إلا بنهج سلمي طويل النفس وطويل المدى، ينتهي بإرادة الله إلى إعادة الاعتبار لشرع الله تعالى وللحكم الشوري الذي أسست له الخلافة الراشدة. 

إلا أن الفكرة اليوم لا تجد من يخدمها كما ينبغي بسبب ما تعرضت له الجماعة من ضربات قاصمة متتالية، وما آلت إليه أوضاعها من أحوال من التشظي والتشاحن والتدابر والتنافس بين أبناء الجماعة الواحدة. والأمر يتطلب إلى علاج سريع، وإلى جرأة وإقدام. 

لو كنت صاحب قرار في جماعة الإخوان المسلمين لأمرت بادئ ذي بدء بما يلي:

1) إغلاق مكتب كريكلوود في لندن، وإعفاء جميع من فيه من أي مهام كلفوا بها من قبل، أو نصبوا أنفسهم للقيام بها من بعد. 

2) إلغاء القرارات كافة التي صدرت عن أي جهة تدعي النطق باسم القيادة، ونجم عنها فصل أو تجميد أو غير ذلك من العقوبات بحق أي عضو من أعضاء الجماعة منذ الانقلاب العسكري الغاشم في مصر في تموز/ يوليو 2013. 

3) حظر احتكار أي عمل أو نشاط أو مبادرة أو جهد يخدم الفكرة التي قامت من أجلها الجماعة، والإعلان بأن هذه الأعمال أو النشاطات أو المبادرات أو الجهود مرحب بها فرديا وجماعيا وفي كل الميادين والساحات، ومن يوفق تجني الجماعة ثمار نجاحه ومن يخفق فلن يضرها إخفاقه، ولكل مجتهد نصيب. 

4) الدعوة إلى البدء بإجراءات عملية لرأب الصدع ولم الشمل ورص الصفوف حتى تستعيد الجماعة عافيتها وتستأنف جهادها وتؤدي رسالتها.

الجمعة، 8 يوليو 2016

هجوم عبد الله بن زايد على الشيخ القرضاوي، لماذا الآن؟

هجوم عبد الله بن زايد على الشيخ القرضاوي، لماذا الآن؟
عزام التـميمي

تفجرت الثورات العربية في مطلع عام 2011 فبعثرت الأوراق وأسقطت تحالفات وأقامت تحالفات. 
ثم بعد نجاح الثورة المضادة في وقف مسيرة التغيير التي تعلقت بها آمال شعوب المنطقة، تحول كثير من أصدقاء الأمس إلى أعداء، ولا أدل على ذلك من الإماراتي عبد الله بن زايد الذي اختارت عائلته، التي تحكم أبو ظبي وتسيطر على مقاليد الأمور في الإمارات السبع قاطبة، قيادة الثورة المضادة ومدها بكل احتياجاتها من أموال وعتاد ورجال، وشن حرب شعواء على ما يعرف بالإسلام السياسي ليس فقط داخل الإمارات، وإنما في أنحاء المنطقة العربية كافة، بل وحول العالم من جنوب شرق آسيا إلى أمريكا الشمالية، مرورا بالعاصمة البريطانية لندن.

لهذا الرجل قصة مع الشيخ يوسف القرضاوي بدأت بإعجاب شديد، نجم عنه تعلق بالشيخ ورغبة في الاستفادة من علمه والتبرك بفضله. فذهب عبد الله بن زايد يلح بشدة على الشيخ أن يخصص لــ "أبو ظبي" نصيبا من وقته وعلمه وفكره وتجربته. كان ذلك قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ثم بعدها مباشرة تحولت المودة إلى عداوة شرسة وحقد لا حدود له، وكأن أبو ظبي وليس نيويورك هي التي تعرضت للعدوان، وكأنما الشيخ القرضاوي وليس أسامة بن لادن هو الذي أمر بشن الهجوم.
 وقد تحدث الشيخ القرضاوي في مراجعاته في أكثر من حلقة عن استغرابه واستيائه من الانقلاب المفاجئ في الموقف الإماراتي منه، حينما منع من دخول أبو ظبي قبل ما يقرب من خمسة عشر عاما دونما سابق إنذار.

لقد كان عبد الله بن زايد وعلى مدى سنوات يبدي للشيخ من الاحترام والمودة ما يجعلك تظنه تلميذا وفيا من تلاميذ الشيخ ومريدا متيما من مريديه، حتى إنه رتب له برنامجا أسبوعيا في تلفزيون أبو ظبي، على نسق برنامج الشريعة والحياة الذي كانت تبثه قناة الجزيرة، فكان الشيخ يسافر أسبوعيا إلى إمارة أبو ظبي ليكون ضيف ذلك البرنامج يوم السبت، ثم يعود إلى الدوحة ليكون ضيف الشريعة والحياة يوم الأحد. 

وكان الشيخ يَلقى من حكام الإمارات جميعا قبل مواطنيهم كل ترحاب واحترام وتكريم. 
المثير في الأمر أن تودد عبد الله بن زايد للشيخ وتقربه هو وإخوانه منه وتكريمهم له، قد جاء بعد الفتوى التي أشار إليها عبد الله بن زايد في تغريدته الأخيرة بشأن حق الفلسطينيين في ممارسة النضال ضد الاحتلال الصهيوني بالوسائل كافة، بما في ذلك العمليات الاستشهادية إذا لم تتوفر لديهم غيرها من الوسائل. 

وبالمناسبة فقد تكلم الشيخ يوسف عن هذه الفتوى بالتفصيل في مراجعاته معي، وبين أنه يميز بوضوح بين استخدام هذه الوسيلة ضد محتل أجنبي غاز وبين استخدامها ضد الآمنين الأبرياء، بل قال إنه أباحها للفلسطينيين حينما لم تكن تتوفر لديهم سواها من وسائل ردع الاحتلال، فلما طور الفلسطينيون غيرها من أدوات نضال ناجعة، أفتى بعدم جوازها. 
(نص الحوار حول هذا الموضوع في الرابط التالي: https://t.co/MPbP5TeG5a?ssr=true)


المهم في الأمر الآن أن عبد الله بن زايد خرج علينا قبل انقضاء شهر رمضان المبارك بتغريدة على حسابه في تويتر، يلمز فيها بالشيخ وينال من فضله وعلمه مدعيا على الشيخ كذبا وبهتانا، ومن الكذب والبهتان الواضح، الادعاء بأن الشيخ القرضاوي والشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله اختلفا في الموقف وتعارضا في الفتوى. ولقد ثبت بالدليل الصوتي أن الشيخ ابن باز كان قد أفتى تماما بمثل ما أفتى به الشيخ القرضاوي. أراد عبد الله بن زايد أن يحرض السلطات في السعودية على الشيخ القرضاوي، فانكشف مكره وارتدت سهامه في نحره. وفتوى الشيخ ابن باز فيمن يضحي بنفسه في الجهاد مشهورة وموثقة، وتجدونها في الرابط التالي: 

https://www.youtube.com/watch?feature=youtu.be&v=axdFeNMWHvk&app=desktop

ولذلك خلص بعض المتابعين إلى أن تغريدته إنما جاءت بسبب احتفاء عاهل المملكة العربية السعودية الملك سلمان بالشيخ القرضاوي، الذي كان في الأواخر من رمضان يؤدي مناسك العمرة، ويرى هؤلاء أن تغريدة عبد الله بن زايد ربما كانت تعبيرا عن استيائه هو وأشقائه من استقبال الملك سلمان للشيخ القرضاوي، بما لذلك من دلالة على توجه محتمل لدى المملكة في عهد سلمان نحو إنهاء حالة القطيعة مع التيار الإسلامي الأكبر والأهم في العالم، تيار "الإسلام السياسي" المتمثل بجماعة الإخوان المسلمين.

لا يخفى على المراقبين للشأن الخليجي والإسلامي أن الموقف السعودي المعادي للإخوان خلال السنوات الأخيرة من عهد الملك عبد الله، كان إلى حد بعيد بتحريض من حكام أبو ظبي، الذين كان لهم دور بارز أيضا في المكيدة التي أحبطها السعوديون وكان الإماراتيون يأملون من ورائها – ويشاركهم في ذلك الانقلابيون في مصر – حمل الملك عبد الله على عزل شقيقه سلمان من ولاية العهد، إلا أن المنية عاجلته، فجرت الرياح بما لم تشته سفن محمد بن زايد وإخوانه ومن تواطأ معهم داخل الديوان الملكي السعودي.

ورغم تعلق آمال كثير من الإسلاميين بأن تشهد فترة حكم الملك سلمان إصلاحا لما وقع، ورأبا لصدع طرأ في عهد شقيقه الراحل عبد الله بين المملكة والإخوان، إلا أن شيئا مهما في هذا الصدد لم يحدث إلى أن تناقلت وسائل الإعلام مؤخرا خبر استقبال الملك سلمان لكل من الشيخ القرضاوي والشيخ راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة التونسية، الذي كان في زمن ما قبل الربيع العربي – في عهد الملك عبد الله – قد أعيد وهو محرم من مطار جدة وحيل بينه وبين أن يؤدي مناسك الحج في موسم عام 2007.

ربما يكون استقبال الملك سلمان للشيخ القرضاوي قد أشعل في صدر عبد الله بن زايد وإخوانه ألسنة من لهيب الحقد الدفين على الإخوان المسلمين، فغرد بما غرد.
إلا أن تغريدة الغمز واللمز هذه جاءت في مناسبة أخرى لعلها لا تقل أهمية عن مناسبة الحفاوة التي استقبل بها الشيخ القرضاوي في مكة المكرمة، إنها مناسبة عرض قناة الحوار وثلة من القنوات الأخرى – كان من بينها الشرق، مكملين، وطن، الرائد، اليرموك – لثلاثين حلقة من برنامج مراجعات على مدى أيام شهر رمضان المبارك ولياليه، كنت قد سجلتها مع الشيخ القرضاوي في شهر مارس الماضي حول سيرة حياته وتجربته، تطرق خلالها لكثير من الأحداث السياسية البارزة في الماضي والحاضر، وتحدث فيها بالتفصيل عن عدد من المسائل الفقهية المهمة والمثيرة.

يبدو لي أن ظهور الشيخ القرضاوي بهذه القوة بعد شهور طويلة من الغياب الإعلامي شبه التام، هي التي أثارت حفيظة حكام هذه الإمارة الخليجية، الذين رأوا في ثورات الشعوب العربية وفي حركة التغيير والإصلاح خطرا داهما على مصالحهم، وبالذات لما تبين لهم أن الشعوب العربية حينما تملك حريتها وإرادتها لن تقبل باستمرار سياسات الذل والخنوع، وهدر الأموال والمقدرات التي مارسها هؤلاء عقودا من الزمن دونما رقيب أو حسيب.

لقد أخبرني الشيخ القرضاوي في إحدى حلقات مراجعات، بأنه حينما رأى الضغوط التي تمارس على قطر من بعض الدول المجاورة – وأظنه قصد الإمارات – لإسكاته ومنعه من الظهور في الجزيرة، وحتى من الخطابة في مسجد عمر بن الخطاب، آثر أن يبادر بنفسه إلى الانسحاب من هذه المواقع حتى لا يحرج الكرام الذين أكرموه، ولا يسبب مكروها لمن أحسن إليه.

والحقيقة التي لا مراء فيها، أنه لا يمكن إنكار الدور العظيم الذي أدّاه برنامج الشريعة والحياة في قناة الجزيرة في خلق حالة من الوعي بين أبناء الأمة العربية من محيطها إلى خليجها، بل وحول العالم، وفي بث الأمل في نفوسهم بحتمية التغيير نحو الأفضل ولو بعد حين. وما ذلك إلا لما يمثله الشيخ القرضاوي من قامة علمية عظيمة، وما يقدمه من فكر وسطي مستنير، وما يبديه من شجاعة أدبية نادرة، وما يلزم به نفسه من نزاهة واستقلال جعل برنامج الشريعة والحياة مهوى الأفئدة والأسماع والأبصار. 
ولا يمكن بحال إنكار مساهمة الشيخ بمؤلفاته وبرامجه الإذاعية والتلفزيونية على مدى أعوام مديدة، في نقل الأمة إلى مستوى الانتفاض الذي شهدته ساحاتها ضد الاستبداد والطغيان والفساد في أواخر 2010 ومطلع 2011. 
ثم جاءت خطبته في جمعة النصر في ميدان التحرير لتؤكد زعامته الفكرية والعلمية والروحية للملايين، الذين خرجوا ينشدون الحرية في ميادين مصر وشوارع مدن العالم العربي من تونس إلى صنعاء، مرورا ببنغازي والقاهرة ودمشق وبغداد.

ليس هذا هو العالِم الذي يرغب في مثله الطغاة، الذين تعودوا على وجود حفنة ضمن بطانتهم من علماء السوء الذين يبيعون دينهم بعرض قليل من الدنيا، ويفتون لهم بما يحتاجون، ويسمعونهم ما يدخل البهجة إلى نفوسهم، ويبذلون جهدهم لإضفاء الشرعية على "لا شرعيتهم". 
ولا ريب أنه كان من مكائد الثورة المضادة إسكات الشيخ وتغييبه عن الساحة تماما؛ انتقاما منه وحجبا له عن الأمة التي نذر حياته منذ صباه لخدمتها.
 فلما أطل على محبيه ومريديه، وهم بالملايين، مجددا في مراجعات جن جنون أولاد زايد، الذين وجدوا أن الشيخ رغم كل ما مر به من ظروف ورغم أنه يقترب الآن من التسعين، لم يضعف ولم يهن، ولم يغير ولم يبدل، بل ظل شامخا، وفيا لأمته على العهد معها، صادحا بالحق، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويدعو إلى الخير، ويبعث الأمل في نفوس شباب كادت تحبطهم الثورة المضادة وتنال من يقينهم بحتمية النصر والفرج، بل ويوجه في آخر حلقة من مراجعات نداء إلى الإخوان المسلمين المكلومين، الذين نالت المحنة من يقين بعضهم وقوضت رابطة الأخوة بين بعضهم، أن اجتمعوا بربكم على ما يحمله اسمكم من معنى، فأنتم إخوان في الله، مسلمون له، هكذا سماكم مرشدكم، فكونوا بحق صادقين مصدقين لهذا المعنى، فوحدوا صفوفكم، واجتمعوا على كلمة سواء، وانبذوا الخلافات التي بينكم، واستعدوا للجولة القادمة، فهي قادمة لا محالة، وقريبا بإذن الله، وعندها سيفرح المؤمنون بنصر الله، ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

شاهد
الحلقة الاخيرة من مراجعات

الخميس، 30 يونيو 2016

محمد #مرسي بريطانيا

محمد #مرسي بريطانيا


Azzam Tamimi عزام


بالأمس زارني الصديق دافيد هيرست وجرى بيننا حوار حول ما يجري في بريطانيا من مخاض سياسي ينذر بعظائم الأمور.

 أثار انتباهي قوله لي: "جيريمي كوربين هو محمد مرسي بريطانيا". 

وفعلاً، هذا الرجل الذي جاء برغبة من أعضاء حزب العمال ليصلح الحزب وينقذه من براثن الرأسمالية التي أتت على كل ما له علاقة بجذور الحزب الأيديولوجية أو القاعدة الشعبية العريضة التي تنتسب إليه، يتعرض منذ اليوم الأول لانتخاباه زعيماً للحزب لسلسة من المؤامرات. 

لم يتوقف الكيد للإطاحة به يوماً واحداً، وقد تزعم المكائد والدائس ضده تيار طوني بلير، أو ما يعرف بـــ "البليريون". 

وقد تواترت الروايات على أن خطة وضعت قيد التنفيذ قبل تسعة شهور للإطاحة به، ولكن أصحابها كانوا ينتظرون اللحظة المناسبة للانقضاض عليه. 

ووجدوا الآن في نتائج الاستفتاء - رغم أنه لا يتحمل مسؤوليتها بأي حال من الأحوال - الفرصة المواتية لخلعه. 

لست متأكداً من بإمكان جيريمي الصمود في وجه هذه الرياح العاتية، وقد تكون الأزمة الحالية هي نهاية عمله السياسي، ولكن لا شك لدي في أن التاريخ سيسجل أنه تعرض لظلم عظيم. 

فقرار التوجه نحو الاستفتاء صدر عن رئيس الوزراء المحافظ دافيد كاميرون، والتضليل الذي مورس لتحريض الناس ضد الاتحاد الأوروبي، إنما صدر عن تيار عنصري داخل حزب المحافظين وداخل حزب الاستقلال الذي تشكل من عناصر محافظة سابقة. 

ولئن كان هناك تقصير من قبل العمال في الترويج لفكرة البقاء داخل الاتحاد الأوروبي، فإن المسؤولية تقع على البرلمانيين من تيار "طوني بلير" داخل البرلمان، الذين انشغلوا في التآمر على زعيم حزبهم بدلاً من الانشغال بالتوجه نحو ناخبيهم في الدوائر المختلفة.

رابط دائم رابط التغريدة 


 

الاثنين، 20 يونيو 2016

رسالة إلى الأخ "أبو العلا ماضي"

رسالة إلى الأخ "أبو العلا ماضي"

عـزام التـميمي


يرى الصديق العزيز أبو العلا ماضي أن على الإخوان أن يختاروا بين السياسة والدعوة، ويقول إنه خرج من الإخوان لأنهم رفضوا إلحاحه عليهم بأن يختاروا بين أن يكونوا جماعة دعوية أو حزباً سياسياً، مع معرفتي بأن خروجه من الإخوان لم يكن بالذات لهذا السبب، وإنما لخلاف على مشروع تأسيس حزب سياسي للإخوان. ويرى أبو العلا أن راشد الغنوشي تمكن بعقلانيته من إقناع حركته بانتهاج هذا الفصل بين الدعوي والسياسي وبذلك أنقذ الثورة والحركة والديمقراطية في تونس، ويقول بأن الإخوان نجحوا دعوياً ولم ينجحوا سياسياً منذ بداية حركتهم، ويومئ بأن الإخوان مثل المدرسة، ينبغي على من ينجح من طلابها أن يغادرها.

وأقول إنه إذا كان أبو العلا ماضي وزملاؤه الذين انشقوا عن الإخوان في عام 1995 وشكلوا حزب الوسط قد فعلوا ذلك قناعة منهم بأن التخلي عن المجال الدعوي والتخصص في المجال السياسي هو السبيل الأقوم، فماذا أنجزوا بعد عشرين عاماً من تشكلهم؟ وأين هو الدليل الذي يثبت به صواب رؤيتهم وصحة منهجهم؟

إذا كان الإخوان قد فشلوا سياسياً فهل نجح حزب الوسط أو أي حزب سياسي آخر في ممارسة العمل السياسي الحزبي في الساحة المصرية؟ لعل شيئاً فاتنا! هل سمح العسكر ومن يدعمهم إقليمياً ودولياً لأحد بأن يمارس السياسة في مصر يا أبا العلا؟

لقد كنتم حزباً سياسياً، فماذا فعلتم به وماذا أنجزتم حتى الآن؟
لعلك نسيت أنك في مصر التي تقرر فيه المؤسسة العسكرية من يجوز له ومن لا يجوز له أن يمارس أي شيء وليس فقط السياسة.
 لعلك للحظة عابرة ظننت نفسك في بريطانيا أو في السويد. 
ألم يمنعوكم دهراً من الحصول على ترخيص؟ 
فماذا كنتم تعملون طوال تلك الفترة؟ 
ألم تكونوا تمارسون الدعوة؟
 ألم تكونوا تدعون إلى التغيير وتأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وتلحون على الناس أن يفتحوا أعينهم ليروا الحق حقاً والباطل باطلاً؟
 ألم تكونوا تشاركون في نشاطات شتى من خلال مؤسسات ما يعرف بالمجتمع المدني أو الأهلي، ضمن ما كان يسمح به أو يغض الطرف عنه؟
 وحينما ثار الشعب على الطاغية ألم تقفوا معه بل وكنتم في مقدمة المطالبين بإسقاط النظام الفاسد، وكنتم في تعاون بل وتحالف مع الإخوان رأس حربة التغيير نحو الديمقراطية، وشاركتم معهم في حمل الهم الذي أوكل الناس حمله إليكم؟ 
ثم ألم ينلكم من ظلم الانقلابيين ما نال الإخوان وذقتم كالذي ذاقوا؟ فإذا كان الإخوان قد فشلوا، فهل أنتم خارج دائرة الفشل أم أن الموضوع لا علاقة له بالفشل ابتداءً؟

أما فيما يتعلق بحركة النهضة، فمن المبكر جداً أن يقال إن الحركة نجحت حتى الآن في إنجاز أي شيء بسبب الفصل بين الدعوي والسياسي. 
فالشيخ راشد الغنوشي لم يعلن عن هذا المشروع إلا مؤخراً في مؤتمر الحركة في العشرين من مايو 2016.
لعل المشروع من قبل كان مجرد فكرة تهامست بها فئة قليلة في رأس الهرم القيادي في الحركة، ولذلك فاجأ الإعلان عنه الأقارب قبل الأباعد، ومازال منذ المؤتمر يسبب حالة من الارتباك والاضطراب في صفوف الحركة كما علمت من عدد من رموزها ونشطائها.
 نعم لقد نجحت حركة النهضة حتى الآن في الحفاظ على وجودها، ولكن ألم يكن ذلك بسبب تراجعها وتنازلها وانحنائها أمام الرياح العاتية التي لم تمهل أحداً في مصر، لا الإخوان ولا الوسط، لا الإسلاميين ولا اللبراليين ولا اليساريين، لا من عارض الانقلاب ولا من أيده في حينه؟ 
ولئن حافظت على وجودها، فهل ينبغي علينا أن نعتبر هذا بحد ذاته إنجازاً يستحق الثناء؟ هل بات هدفنا الأسمى هو أن نبقى على قيد الحياة؟
وما قيمة البقاء ضمن مشاريع مرخصة لم يبق لها دور أو قيمة سوى إضفاء مشروعية على نظام سياسي مستنسخ من ذلك الذي أسقطه الشعب؟ ما قيمة الحياة بعد أن نكون قد فقدنا هويتنا وتخلينا عن أهم وظيفة وأنبلها، ألا وهي الدعوة إلى الله، والصدح بالحق، والإنكار على الطغاة؟

أقترح على الأخ أبي العلا ماضي وقد يسر الله له سبيلاً غير الإخوان يخدم من خلاله وطنه وأمته، أن يترك الإخوان وشأنهم، فمهمة حل أزمتهم سيضطلع بها أبناء الجماعة وبناتها كما فعلوا في المرات السابقة التي تعرضوا فيها لمحن قاسية. 
لقد كان من حق أبي العلا وأصحابه حينما لم تعد تسعهم الجماعة أن يتركوها، فقد استجابوا لدعوتها وانتسبوا إليها بمحض اختيارهم عندما كانوا شباباً متحمسين، ثم لما نضجوا وشعروا أنهم تخرجوا من مدرستها غادروها بما أنهم نجحوا ولم يفشلوا، يفهم من كلام أبي العلا.

القضية الآن يا أخي أبا العلا لم تعد قضية الإخوان، وإنما قضية وطن مصري يعبث بمستقبله ويهدر كل مقدراته حفنة من العسكر لا يرقبون في مصري إلا ولا ذمة. 
ليست جماعة الإخوان هي التي بحاجة ماسة إلى التدارك والإصلاح وإنما مصر بأسرها التي تحولت بعد الانقلاب إلى محمية صهيونية.

أرجو مخلصاً أن يوفق الله أخي أبا العلا ورفاقه إلى أن يبذلوا ما وسعهم من جهد في لم شعث ما تبقى من حزب الوسط و إعادة بنائه ليقدم لنا النموذج الذي لم نره في أرض الواقع حتى الآن لا في مصر ولا في تونس، النموذج الذي عجز الإخوان عن إقامته، ألا وهو نموذج الحزب الإسلامي الذي لا يمارس الدعوة ويبدع في السياسة. حينها، وحينها فقط، يمكن أن نقول إن الإخوان فشلوا حيث نجح الوسط.

السبت، 30 يناير 2016

الصبر على السلمية أولى من السقوط في أتون حرب أهلية

الصبر على السلمية أولى من السقوط في أتون حرب أهلية

عـزام التـميمي



  الفرضيات الخاطئة كما المقارنات الخاطئة تقود إلى استنتاجات        خاطئة.                                                                             
في معرض نقد منهج السلمية الذي يلزم الإخوان المسلمون به أنفسهم في مصر، تجد من يستشهد بمقاومة أهل ‏فلسطين للاحتلال الصهيوني لإثبات نجاعة الرد على العنف بالعنف. 
وهي مقارنة غير صحيحة، فلو أردنا أن نقارن مقارنة صحيحة، فإن النظام الانقلابي في مصر تعادله في فلسطين سلطة أوسلو وليس سلطة الاحتلال، وهذا ينطبق على كافة الأنظمة العربية الأخرى بما هي عليه من استبداد وفساد وقهر للشعوب.
ليكن معلوماً أن قتال الغازي الأجنبي المحتل للأوطان مبرر بكافة الوسائل وفي كل الأوقات، وعلى أيدي الأفراد كما على أيدي الجماعات. 

أما قتال أبناء المجتمع الواحد والوطن الواحد مهما كان الخلاف ومهما كانت المظالم والتجاوزات، فحساباته مختلفة لأن تداعياته يمكن أن تكون كارثية. والحكم على فشل سلمية الإخوان حكم جائر خاطئ. فها هي عسكرة الثورات في البلدان العربية من ‏ليبيا إلى ‏اليمن، مروراً ب‏سوريا، لم تأت بخير، بل جلبت دماراً يجر دماراً، وحولت هذه البلدان إلى ساحات معارك دولية بالوكالة.

يمكن للمجتمعات العربية أن تفرز أغلبية وأقلية أمام صناديق الاقتراع، أما أمام صناديق الرصاص وفي مواجهة المجنزرات والمدرعات، فالناس تغرق في بحار من الحيرة كما تغرق في بحار من الدم، تمزق صفوفها التحزبات، وتنهكها معارك الاستنزاف.
ولا تكاد تجد بيتاً واحداً يسلم من تدابر وتباغض وتشاحن. فيمسي الأخ يقتل أخاه، والجار يفتك بجاره، وأبناء العشيرة الواحدة ينتهك واحدهم حرمات الآخر.
ولو كان حمل السلاح في وجه الظالمين مجديا لما نهى الله عنه جماعة المؤمنين طوال ثلاثة عشر عاماً قضوها في مكة يدعون إلى الله بالحسنى بينما يقابلهم خصومهم بالتنكيل والتشريد والقتل والتجويع.
ولم يرفع حظر استخدام السلاح رداً على المعتدين إلا بعد الهجرة إلى أرض تحقق للجماعة المؤمنة فيها التمكين، وبات مبرراً رد العدوان بالمثل، بل وأمر المؤمنون بإعداد القوة لردع كل من تسول له نفسه العدوان.
ما لا يفطن إليه المنادون باستخدام العنف سبيلاً للرد على الانقلابيين، أن مثل هذا العنف يصبح مع مرور الوقت سلاحاً في أيديهم، يبررون من خلاله مزيداً من العنف والقهر، حتى إنهم إذا لم يجدوه افتعلوه، وسخروا كل أدوات السحر والشعوذة (وسائل الإعلام التابعة لهم) لتبرير الاستمرار في سفك الدماء وانتهاك الحرمات.
وقد تمنى بشار الأسد في الأيام الأولى من ثورة الشعب السوري، حين كانت سلمية بحتة، أن تتحول السلمية إلى عنفية، ليبرر كل وسائل البطش والاستعانة على ذلك بأوليائه في الشرق والغرب، وهو الأمر الذي يتمناه السيسي وكل طغاة الأرض في وطننا العربي الممتد من المحيط إلى الخليج.

والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر.

الأحد، 3 يناير 2016

الإخوان المسلمون.. وجلد الذات

الإخوان المسلمون.. وجلد الذات
عـزام التـميمي

ينشط الكثيرون من أبناء الحركة الإسلامية (الإخوان المسلمين) هذه الأيام، بل ويتنافسون، في النقد الذاتي، وتتيح مواقع التواصل الاجتماعي لهذا النقد فرصة الانتشار على أوسع نطاق كما تتيح للمتلقين فرصة الرد والتفاعل مع ما يصلهم.

ما من شك في أن خيطا رفيعاً جدا يفصل بين ما هو نقد ذاتي وما هو جلد، بل وسلخ، للذات.
وفي تقديري أن كثيرا مما يصنف على أنه نقد ذاتي ما هو إلا جلد للذات يصل أحياناً إلى حد الطعن في الظهر من حيث يدري ممارسه أو لا يدري. 

ولقد تورط في ذلك عدد من الإعلاميين المحسوبين على الإخوان وكذلك عدد من المسؤولين السابقين في إدارة الرئيس مرسي بعد مغادرتهم مصر إثر الانقلاب العسكري في صائفة عام 2013، ظناً منهم – أو كما زين لهم بعض من وثقوا بنصحهم – أن النقد الذاتي سيحسب لهم ولحركتهم، فإذا به يحسب عليهم وعلى حركتهم، التي أدانها خصومها بشهادات من بعض أبنائها. 

ولعل من أهم هذه الإدانات وأخطرها على الإطلاق تقرير المراجعة البريطانية في فكر ونشاط جماعة الإخوان المسلمين، والتي أجراها بناء على طلب رئيس الوزراء البريطاني دافيد كاميرون سفيره السابق لدى المملكة العربية السعودية السير جون جينكينز، الذي كانت إحدى استنتاجاته بشأن تجربة السنة التي قضاها الدكتور محمد مرسي في الحكم تنص تحديدا على ما يلي: "لم تبذل جماعة الإخوان المسلمين ما يكفي لإثبات اعتدالها السياسي أو التزامها بقيم الديمقراطية، كما أن (الإخوان) أخفقوا في إقناع المصريين بكفاءتهم وبحسن نواياهم، وقد حاولوا فيما بعد جاهدين استخلاص العبر مما يعنيه إخفاقهم ذلك في مصر بالنسبة لمستقبل جماعتهم".

من تابع شهادات بعض الوزراء في إدارة مرسي في لقاءاتهم مع أحمد منصور على قناة الجزيرة، وما كتبه بعضهم وآخرون غيرهم في مقالات أو ذكروه في مقابلات صحفية، لن يتردد في التماس العذر للسير جون جينكنز على  استنتاجه المذكور أعلاه. 

قال لهؤلاء الشهود بعض ناصحيهم بأنهم إذا اعترفوا بأخطاء الإخوان وقصور إدارة مرسي فإنهم قد يكسبون الرأي العام لصالحهم، فذهبوا يكررون على الملأ اعترافات بأن الإخوان لم ينفتحوا على الآخرين بما فيه الكفاية، ولم يمدوا أيديهم إلى غيرهم ليشركوهم معهم في الحكم أو في صناعة القرار، وأن خطابهم السياسي أخاف غيرهم منهم، وأنهم لم يكونوا على دراية كافية بإدارة شؤون البلاد، وغير ذلك مما توهموا أنها اعترافات تجلب لهم التعاطف. 

قد لا يلام من تحولت أقلامهم أو أصواتهم من داخل البيت الإخواني إلى سياط لجلد الذات، فالمصاب أليم، والجرح غائر، والفتنة عامة طامة.
ولقد بات كثير من الناس من هول ما ألم بهم في حيرة من أمرهم لم يسلم منها حتى من كان يُنعت من بينهم بالحكيم الرشيد. جل هذا الجلد الذاتي رد فعل لا يملك بعض الناس في المحن الشديدة سواه. 

لكن،
أما ونحن مقبلون على ذكرى ثورة الخامس والعشرين من يناير، حري بنا أن نحث أبناء جماعة الإخوان المسلمين في مصر وفي الأقطار العربية كافة وحول العالم على التريث والتدبر، فلعلهم بذلك يقتربون أكثر فأكثر من النقد الذاتي المحمود ويبتعدون أكثر فأكثر عن جلد الذات المذموم. 

لم تكن جماعة الإخوان المسلمين هي التي أطلقت الانتفاضات العربية التي سرعان ما تكالب العالم بأسره عليها وتعاضد على إخمادها.
بل كانت تلك انتفاضات شعبية عفوية، فجرها شباب غاضب، لأسباب متعددة ومتداخلة – اقتصادية واجتماعية وسياسية، يمكن تلخيصها بعنوان واحد هو "الشعور بالمهانة".
لم يكن كثير من الشباب الذين ثاروا على أنظمة الاستبداد والفساد مؤطرين ولا منظمين ولا مؤدلجين، ولكنهم بما تفجر في نفوسهم من غضب تمكنوا من تحريك المياه الراكدة في مجتمعاتهم، حتى تحولت سيولاً هادرة جرفت في بعض البلدان ما جرفت وأطاحت فيها ما أطاحت. 

ماذا كان رد فعل جماعة الإخوان المسلمين على هذا الانفجار الغاضب؟ لا أبالغ إن قلت إن الجماعة فوجئت به كما فوجئ غيرها من التنظيمات السياسية العتيقة، لكنها لم تجد مفرا من أن تلحق بالركب – كما  فعل غيرها من التنظيمات السياسية والتيارات الفكرية – حتى انتهى بها المطاف للتصدر لهذا الحراك. 

لم يكن الحياد في مثل هذه الحالة خيارا، وما كان يمكن أن ترفض الحركة الإسلامية الاستجابة لنداءات الجماهير الباحثة عمن يقود عملية التغيير. فقادت الحركة المسيرة، باذلة الجهد لترشيد الحراك وتوجيهه واستثماره، راجية تحقيق التغيير الذي ما لبثت تنشده وتناضل من أجله منذ عقود، والانتقال بالبلاد من أنظمة حكم فاسدة ومستبدة إلى أنظمة حكم تنبثق عن الإرادة الحرة للشعوب، وتكون خادمة لها لا متسلطة عليها. والتصدر يعني لا محالة تحمل الأعباء وتكبد التكاليف. 

خلال شهور من الغليان كان لابد من اتخاذ قرارات مصيرية حاسمة والتعامل مع واقع سريع التغير والتقلب، فاق بمتطلباته كل قدرات الجماعة بل وقدرات مكونات المجتمع السياسي المستقل بأسرها. 

وهنا ابتليت آليات اتخاذ القرار داخل الجماعة بلاء شديداً، وامتحنت قدراتها المادية والبشرية امتحانا عسيرا، ولم يكن ثمة مفر من الاجتهاد ثم الاجتهاد استجابة لإلحاح قضايا ميدانية وعملياتية يومية، بل وآنية، كانت حتى أسابيع خلت غائبة، وفي أحسن الأحوال موضع تنظير مجرد. 

ولابد من يوم في المستقبل القريب أو البعيد تفتح فيه أبواب المراجعة والتقييم لهذه الاجتهادات التي كان بعضها صائباً وبعضها لا محالة خاطئاً. وحينها سيتاح المجال أمام الدارسين لإعداد أطروحات علمية في مختلف المستويات الأكاديمية حول هذه القضايا. 

وأقول في يوم من الأيام لأن من كانوا في موقع القرار جلهم اليوم مغيب وراء القضبان وبعضهم قضى نحبه وبعضهم تشتت في المنافي. ومن يتجرأ ممن نجا من الكارثة على تقييم أداء الإخوان ما قبل الانقلاب، وخاصة من انتهى به الأمر في المنافي، إنما يقدم قراءة مجتزأة، ويعرض الأمور من زاوية تجربة خاصة محدودة، ولست هنا في وارد الحديث في النوايا، فما في الصدور لا يعلمه إلا علام الغيوب المطلع وحده على مكنون النفوس. 

ربما كان يمكن أن تدار بعض الأمور بطريقة أفضل، ولعل بعض الاجتهادات ساهمت في إعاقة أو تعطيل هنا أو هناك، أو في تفويت فرصة كانت سانحة. ولعل بعض الناس لو استقبل من أمره ما استدبر ما كان ليفعل أشياء معينة أو ما كان ليسلك طرقاً معينة، ولكن كل ذلك يظل في دائرة الظن والاحتمال. 

أما ما هو يقيني في تقديري فهو أن ما آلت إليه الأمور كان حتمياً ليس بسبب خطأ في الاجتهاد أو خلل في التنظيم أو سوء في الإدارة – مع عدم استبعاد وجود بعضها أو جميعا – وإنما لأن ميزان القوة محلياً وإقليمياً ودولياً لم يكن بعد قد ترجح لصالح التغيير المنشود، ولا لصالح انتصار ثورات الربيع العربي.            

وتلك في نظري هي القضية التي تستحق الاهتمام، بل وينبغي التركيز عليها دون سواها بينما تبذل الجهود لاستعادة زخم الثورة ولحشد الرأي العام في مصر وفي خارجها ضد الانقلاب.  

قد يظن البعض أنه لو كان في موقع الرئيس محمد مرسي لربما اتخذ من القرارات وانتهج من السياسات ما حال دون نجاح الانقلاب الذي خطط له ونفذه المعارضون له ولجماعته في مصر من داخل الجيش والأجهزة الأمنية والسلك القضائي وقطاع رجال الأعمال ووسائل الإعلام والتيارات العلمانية – ليبرالية ويسارية، إضافة إلى زعامة الكنيسة القبطية، ومولته ووفرت له الغطاء الدبلوماسي والسياسي على مستوى النظام الدولي كل من دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومن تحالف معهما من حكومات مناهضة للربيع العربي. 

وقد يظن البعض أنه لو كانت تشكيلة قيادة الإخوان مختلفة لربما تغير مسار التاريخ، وقد يظن البعض الآخر أنه لو قدم الإخوان تنازلات معينة لما حاقت بهم الكارثة، بينما قد يظن آخرون أن سبب الكارثة إنما يكمن في التنازلات الكثيرة التي قدمها الإخوان لخصومهم والتساهلات التي أبدوها في التعامل مع أركان الدولة العميقة. 

مهما عمل الإخوان ما بين الخامس والعشرين من يناير 2011 والثلاثين من يونيو 2013 لم يكن ليغير من مجرى الأحداث، فهم اجتهدوا وسعهم ضمن ما كان متاحاً لديهم من إمكانيات ومعلومات، وأجروا حسبتهم بناء على ما توفر لهم من معطيات، ولكن مكر خصوم الربيع العربي، أعداء الشعوب، كان أدهى وأقوى وأسبق. 

ونعلم الآن أن أكبر طعنة ربما تلقاها الربيع العربي جاءت من الشعوب التي في سبيل حريتها وكرامتها ضحى الإخوان ومن شاركهم في مسيرة الثورة التي أجهضت، فقد تبين أن هذه الشعوب لم تكن مستعدة للتغيير، وقد لا تكون مستعدة إلى حين، الأمر الذي يتطلب مزيداً من العمل والإعداد والتضحيات، ومزيداً من المراجعة واستلهام العبر والدروس، بعيدا عن جلد الذات والطعن في الظهور.